أذكر تمامًا لحظة الندم التي صاحبت أول سلوكٍ مؤذٍ بدر مني في الصف السابع.
كنت قد انتقلت حديثًا إلى مدينة جديدة، وأحاول جاهدة أن أجد لنفسي مكانًا فيها. وقبل عيد الهالووين بقليل، شعرت ببعض الأمل عندما طلبت مني فتاة خجولة ولطيفة أن نخرج معًا لجمع الحلوى. وافقت بحماس… إلى أن جاءت فتاة “مشهورَة” في المدرسة ودعتني للمشي مع مجموعتها. هنا اتخذت القرار الأناني وغير اللطيف: قلت للأولى إن والديَّ يريدان مني البقاء في المنزل وتوزيع الحلوى.
أتذكّر تمامًا ذلك الشعور المزعج الذي استقر في معدتي وأنا أتمتم بالكذبة. لكن صوت الضمير سرعان ما غرق تحت موجة من التبريرات الداخلية وأنا أجهز ملابسي وخططي لليلة.
أثناء تجولنا لجمع الحلوى، لم تكن الفتيات “الرائعات” لطيفات معي كما توقعت، لكنني أقنعت نفسي بأنني اتخذت القرار الصحيح. إلى أن حصلت اللحظة الفاصلة: مواجهة مباشرة مع الفتاة التي كذبت عليها. لم أنسَ نظرتها يومها مزيج من الألم والصدمة والاشمئزاز.
لم أتحمل مسؤولية فعلتي، ولم أعتذر. وبعد ذلك، لم نتفاعل في المدرسة؛ كنا نتجاهل بعضنا، ومع كل لقاء عابر بيننا كنت أسمع داخلي صوتًا يقول: “أنتِ شخص سيئ”. ولم أنضم أبدًا إلى تلك المجموعة التي رغبت في قبولها، بل أصبحت هدفًا لاعتداءاتهم اللفظية وسلوكهم العدواني لسنوات.
بعد عقود، وفي أواخر الثلاثينيات من عمري، بدأت أفكر في “التربية الأخلاقية” بعمق، فقد وجدت نفسي عند مفترق طرق شخصي ومهني. ومع توجيه أحد الموجهين، بدأت أتأمل مسار شخصيتي، وكيف شكّلتها العلاقات والتجارب وأثرها على قيمي ومعتقداتي وقراراتي. هذا التأمل منح حياتي معنى جديدًا، وقادني في النهاية إلى كلية المعلمين “ماري لو فولتن” بجامعة ولاية أريزونا.
هناك بدأنا نطرح أسئلة كبيرة:
كيف يمكن أن يتغير المجتمع لو أصبح تطوير الشخصية جزءًا أساسيًا من إعداد المعلّمين والقادة التربويين؟
هل يمكن أن يُسهم تنمية هذه المهارات في ازدهار الأفراد والمجتمعات والأنظمة؟
أدرك الآن أن الأمر كان سيصنع فارقًا كبيرًا لي لو تعلمت هذا في صغري. فلو عدت إلى تلك الطفلة ذات الثانية عشرة، لقلت لها: إن القرارات الصغيرة قد تمتد آثارها لسنوات. وأن النزاهة والصدق أثمن بكثير من الشعبية والقبول. وأن طريقة ظهوركِ للآخرين أهم من الطريقة التي تريدينهم أن يظهروا بها لكِ.
وربما كانت العلاقات ستكون أعمق، والصداقات أصدق، بدلًا من الألم والندم والصورة الذاتية السلبية.
لا يمكنني تغيير الماضي، لكن يمكنني أن أتعلم منه. فخصال مثل الصدق والرحمة والتواضع والنزاهة يمكن تنميتها من خلال التأمل في التجارب، والاقتراب من الأشخاص الذين يجسدونها، والسعي الواعي لممارستها.
كيف تتكوّن الشخصية؟
تطوير الشخصية عملية معقّدة، تبدأ منذ الطفولة وتستمر طوال العمر. تتشكّل قيمنا ومعتقداتنا عبر:
العلاقات،
التجارب الحياتية،
الأنظمة التي نعيش ونتعلم ونعمل داخلها.
وغالبًا لا نعي تشكّل شخصياتنا حتى نواجه موقفًا صعبًا يتطلب قرارًا أخلاقيًا أو حكمة عملية. هذه اللحظات يمكن أن تكون بوابة للنمو، إذا تعاملنا معها بحكمة.
والشخصية ليست ثابتة؛ يمكن للإنسان أن يتعلم ويتغير وينمّي جوانب جديدة في نفسه في أي مرحلة عمرية.
ولذلك طوّرنا في كلية “ماري لو فولتن” إطارًا نسميه الابتكار المبني على المبادئ (Principled Innovation)، وهو إطار يرى أن الشخصية ليست أمرًا فرديًا فحسب، بل لها أثر واسع على الأفراد والأنظمة. ويقدّم الإطار أدوات تساعد المعلّمين على تنمية الشخصية من خلال ممارساتهم اليومية وقراراتهم التربوية.
وقد دمجنا هذا النهج في ثقافة الكلية ومناهجها وبرامجها؛ بدأنا بتطوير أعضاء هيئة التدريس والموظفين، لأننا نؤمن أن الإنسان لا يمكنه تعليم ما لا يمارسه.
ثلاثة مسارات لتكوين الشخصية
بعد ست سنوات من العمل بهذا الإطار، توصّلنا إلى ثلاث حقائق أساسية:
1. الشخصية شخصية (فردية)
تنمو الشخصية سواء قصدنا ذلك أم لم نقصد. ومع مرور الوقت تتطوّر قدراتنا:
التفكير،
الوعي الذاتي،
حل المشكلات،
ضبط العواطف.
وتترك التجارب نجاحات وإخفاقات وصدمات وأحداث فارقة أثرًا عميقًا على شخصياتنا وتشكيل خصال مثل الصدق والمرونة والتواضع.
لكن “النية” هي ما يصنع الفارق:
أن نكون صادقين مع أنفسنا، منفتحين على التعلّم، وواعين لقراراتنا وسلوكنا.
يمكن تنمية هذا الوعي عبر التأمل والكتابة والتساؤل الذاتي، وتحديد القيم الأساسية والسعي لترجمتها في الحياة اليومية.
في كليتنا، ابتكرنا دورة تدريبية تسمى “بناء أساس للابتكار المبدئي” تساعد المعلّمين على ممارسة التأمل والتعرف إلى أبعاد الشخصية الأخلاقية والمدنية والعملية، وتطبيقها في قراراتهم المهنية.
2. الشخصية سياقية
بيئتنا تشكّلنا بعمق:
الأسرة،
الثقافة،
الوضع الاجتماعي والاقتصادي،
أنماط التربية،
بيئات العمل.
ولا يتوقف تأثير البيئة عند الطفولة؛ بل يمتد طوال العمر. فما نمارسه من فضائل في دائرة الأمان (الأسرة مثلًا) قد لا نستطيع ممارسته بنفس القوة في بيئات عمل مليئة بالخوف أو غياب الدعم.
لذلك راجعنا ثقافة الكلية وحددنا المبادئ التي نريد أن نعيشها، وجعلنا “الابتكار المبني على المبادئ” قيمة محورية. أعدنا هيكلة العمل لتشجيع:
التدريس التعاوني،
مجتمعات التعلّم المهنية،
الشفافية في القيادة،
مراجعة السياسات لضمان العدالة.
هكذا أصبح لدينا بيئة تسمح بالمخاطرة، وتقبّل الفشل، والبحث عن الحكمة العملية.
3. الشخصية علاقية
علاقاتنا—داخل الأسرة، مع الأصدقاء، في المجتمع—تلعب دورًا حاسمًا في بناء القيم. نتعلم من خلالها التعاطف والتواصل والاحترام.
العلاقات الإيجابية تُنمّي الشخصية. والعلاقات المؤذية قد تعيقها.
لذلك نحرص على بناء بيئة تربوية تسمح للإنسان بأن يكون نفسه، وأن يشعر بالأمان ليظهر بإنسانيته كاملة.
مزجنا بين مبادئ الابتكار المبدئي وبين مفهوم “مجتمعات الممارسة”، فخلقنا مساحات لعلاقات أصيلة عبر هدف مشترك. كما أضفنا ممارسات بسيطة مثل:
بدء الاجتماعات بمشاركة ما يدور في خاطر كل شخص،
استخدام أسئلة تأملية عند اتخاذ القرارات،
تخصيص وقت للأنشطة الإبداعية المشتركة.
والنتيجة: مجتمع أكثر إنسانية وترابطًا ورحمة.
رحلة مستمرة
كما أن تطوير الشخصية عملية لا تنتهي، فإن عملنا أيضًا ما يزال مستمرًا. لكن ملاحظاتنا الأولية تبعث على التفاؤل؛ فقد اعتمدت جامعة ولاية أريزونا “الابتكار المبني على المبادئ” كجزء أساسي من رؤيتها، ما يعني التزامًا مؤسسيًا بوضع القيم في قلب القرار.
ربما لن يطبق الجميع هذا النهج، لكن مجرد تصور تأثيره كافٍ ليمنح الأمل:
نظم تعليمية أكثر عدلًا، رفاهية فردية وجماعية، وتغيير إيجابي في المجتمع.
وعلى أقل تقدير، قد يساعد هذا النهج الجيل القادم على التريث قبل اتخاذ قرار صغير أو كبير، والتفكير للحظة: هل هذا الفعل سيؤذي أحدًا… أم سيجعل العالم أرحم قليلًا؟
