في كتابه الجديد الإمكانات الخفية، يدعو آدم غرانت إلى إعادة النظر جذريًا في مفهوم «الموهبة» بوصفها هبة فطرية لا يملكها إلا القليل. فبرأيه، ليست الطبيعة وحدها ما يصنع الإنسان، بل البيئة التي ينشأ فيها، والمهارات التي يتعلمها، والدعم الذي يحظى به.
يروي غرانت قصة معبرة تعود إلى عام 1991، حين فاجأ فريق صغير من طلاب مدارس هارلم الجميع بفوزهم ببطولة الشطرنج الوطنية للمرحلة المتوسطة. لم يكن أحد يتوقع لهم شيئًا؛ فهم أبناء بيئات فقيرة ومدارس مهمّشة. ومع ذلك، انتصروا على مدارس عريقة وتحوّلوا إلى أيقونة تلهم الكثيرين.
هذه القصة، كما يقول غرانت، تكشف خطأً شائعًا: كم من المواهب نُهملها لأننا نحكم عليها بسطحية، وننسى أن العظمة ليست امتيازًا يولد به البعض، بل مهارة تُصنع وتُصقل؟
كيف نتحسن… في أن نتحسن؟
يرى غرانت أن المجتمع يبالغ في الاحتفاء بـ«العباقرة الصغار» ويتجاهل من يصنعون أنفسهم وسط الشدائد.
صحيح أن الأساتذة الجيدين في الطفولة يمنحون الطفل بداية قوية، لكن ما يهم أكثر—برأيه—أن يتعلم الإنسان:
تقبّل الخطأ،
مواجهة المواقف الصعبة،
وتوقّع الفشل بوصفه مرحلة من مراحل النمو لا عيبًا يجب الهروب منه.
ويقول:
«الشجاعة في مواجهة عدم الراحة مهارة في حد ذاتها».
التعلم الحقيقي يحدث عندما نسمح لأنفسنا بالخطأ، ونتحدى مناطق ضعفنا، ونبحث عمّا يوسع أفكارنا، لا ما يريحنا.
ويضرب مثالًا بمتقني اللغات المتعددة الذين يتعلمون بسرعة لأنهم لا يخافون ارتكاب الأخطاء، بل يرونها طريقًا إلى الإتقان.
كما يؤكد أن التعلم ليس في «كم» ما نعرف، بل في «نوع» ما نتلقى. فامتلاء الذاكرة ليس شرطًا للنمو، أما القدرة على اختيار المعلومات الصحيحة وطلب النصيحة المناسبة فهي أساس التطور.
وهو يحذّر بشدة من «المثالية»، معتبرًا أنها تحبس الإنسان في قفص ضيق من الخوف:
«نرتقي عندما نتصالح مع نواقصنا، لا عندما نعاقب أنفسنا عليها».
ما الذي يساعدنا على المضي إلى الأمام؟
كما يحتاج الطالب إلى «سقالات» تعليمية، يحتاج كل إنسان يسعى للإنجاز إلى دعم يساعده في عبور العقبات. ويقترح غرانت عدة مبادئ:
1. اجعل السعي ممتعًا
ليس كل تدريب يجب أن يكون مملًا. القليل من اللعب يطرد الملل ويعيد الحماسة.
2. امنح نفسك فترات استراحة
الإرهاق لا يصنع إنجازًا. الراحة ليست ترفًا بل تجديدٌ للإبداع والانتباه.
3. غيّر طريقك عند الحاجة
قد نصل إلى نقطة انسداد، فيصبح تغيير المسار ضرورة لا خيارًا.
الاستعانة بمرشدين متعددين تفتح آفاقًا جديدة.
4. اربط حلمك بخدمة الآخرين
حين يشعر الإنسان أن جهده يفيد غيره، تشتد عزيمته.
ويضرب مثالًا بمجموعة «الثلاثة عشر الذهبيين»—بحّارة سود في الحرب العالمية الثانية دعموا بعضهم حتى تفوقوا رغم العنصرية.
5. علّم ما تتعلم
أفضل طريقة لترسيخ المعرفة هي نقلها للآخرين.
التعليم يعزز الثقة ويكشف مدى فهمنا الحقيقي.
ويقول غرانت:
«توقعات الآخرين لنا تصنع أحيانًا مستقبلنا. حين يؤمن بنا أحد، يمدّ لنا سلّمًا نرتقي به».
كيف يمكن للمجتمعات والمؤسسات أن تكشف المواهب؟
يؤكد غرانت أن إمكانات الأفراد لا تُطلق بالكامل إلا في بيئة عادلة تمنح الفرص للجميع. ويقترح تغييرات جذرية في المدارس والجامعات ومكان العمل:
1. مدارس للجميع… لا للنخبة فقط
يدعو إلى التخلي عن فكرة «الطلاب الموهوبين» مقابل «العاديين».
ويضرب مثلًا بفنلندا، التي تعتمد التعليم الممتع، وتدرب المعلمين على فهم الطلاب، لا مجرد تلقين المناهج.
والنتيجة: نظام من بين الأفضل في العالم.
2. بقاء المعلم مع نفس الطلاب لسنوات (Looping)
هذا يقوّي الثقة ويسهّل فهم احتياجات كل طالب—وهو ما يجعل التعلم أعمق وأكثر دفئًا.
3. إعادة النظر في طرق التقييم والقبول
يقترح غرانت تقييم الإنسان بناءً على مدى تطوره مع الزمن، لا بناءً على لحظة عابرة أو شهادة قديمة.
بل يقترح منح فرصة ثانية لمن لم ينجح في مقابلة العمل الأولى، لأن يومًا سيئًا لا يعني غياب الإمكانات.
ويكتب:
«حين نختار فقط من سبق لهم النجاح، فإننا نتغاضى عن أولئك القادرين على نجاح أكبر».
خلاصة الرسالة
يقول غرانت إن داخل كل إنسان جزءًا غير مرئي من الطاقة والموهبة لم يُكتشف بعد. وتظهر هذه الطاقة عندما:
نتعامل مع النكسات بوصفها خطوة في طريق التعلم،
ونعطي مساحة للخطأ،
ونطلب الدعم دون خجل،
ونرى في الآخرين إمكانات لا حدود لها.
وعندما نسمح لأنفسنا ولغيرنا بأن ننمو بهذه الروح، يتضاعف الخير الذي يمكن أن نضيفه إلى العالم.
