في أواخر يوليو، وأثناء زيارتي للمعرض الوطني الأسترالي، لفتت انتباهي ثلاث تماثيل لبوذا بوديساتفا.
تم إنشاء هذه التماثيل الثلاثة في مملكة تشامبا القديمة، التي ازدهرت بين القرن الثاني والتاسع عشر في ما يُعرف اليوم بفيتنام وكمبوديا ولاوس. وقد اشترى المعرض الوطني الأسترالي هذه القطع في عام 2011، قبل أن تُعاد إلى مملكة كمبوديا عام 2023، لتُعرض لاحقًا في المعرض على سبيل الإعارة.
لكن مملكة تشامبا القديمة لم تكن تشبه حدود كمبوديا الحالية بأي شكل. فماذا يعني مفهوم ""إعادة الآثار إلى موطنها"" عندما تتغير الجغرافيا السياسية للمكان تمامًا؟
تشير أبحاثي إلى أن المتاحف والمدارس والمؤسسات الحكومية يمكن أن تسهم في إضفاء الشرعية على نسخ معينة من التاريخ، مع تهميش نسخ أخرى. ووجود هذه التماثيل بهدوء داخل حافظة المتحف يطرح أسئلة أكبر حول التراث الثقافي والشرعية السياسية ومن يحق له تحديد ""الحقيقة التاريخية"".
-التماثيل الثلاثة صُنعت بين القرنين التاسع والحادي عشر في مملكة تشامبا. المصدر: المؤلف
عقود من التهميش
قرار إعادة آثار تشام إلى كمبوديا، واستبعاد فيتنام ولاوس، يوضح كيف تشكّل السياسة المعاصرة فهمنا للتراث الثقافي.
يعد شعب تشام أقلية عرقية في كمبوديا وفيتنام ولاوس. وفي كمبوديا، تعرضوا للتهميش بسبب الرؤية القومية الخميرية للحكومة الحاكمة.
ورغم أن معظم شعب تشام اليوم مسلم، فإن هذه التماثيل تعود إلى الفترة بين القرنين التاسع والحادي عشر، أي قبل انتشار الإسلام، وكانت تلك الفترة تتسم بتأثيرات هندوسية وبوذية قوية وغياب الحدود الوطنية.
بعد استلام التماثيل في 2023، قال السفير الكمبودي لدى أستراليا:
""إن إعادة الآثار المنهوبة إلى بلدانها الأصلية يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي كبير على المجتمعات المحلية ومشاركتها في الحفاظ على تراثها الثقافي، مما يعزز الفخر والهوية الوطنية والاستمرارية الثقافية.""
لكن التقاليد الثقافية التي أنشأت هذه التماثيل تجد نفسها اليوم مهمشة داخل دولة حديثة تدّعي ملكيتها لهذه القطع.
النهب على يد الخمير الحمر
السياق التاريخي للنهب مهم ومقلق.
تشير تقارير صحفية، مثل تقرير آن ديفيز في وثائق المعرض الوطني، إلى أن شبكات النهب كانت غالبًا بقيادة أفراد من الجيش أو الخمير الحمر، الحزب الذي حكم كمبوديا بين 1975 و1979 تحت قيادة بول بوت، وارتكب إبادة جماعية بحق شعب تشام وغيرهم من الأقليات.
ومع ذلك، وقع النهب في التسعينيات بعد الإطاحة بالخمير الحمر على يد سلف حزب الشعب الكمبودي الحالي. بعبارة أخرى، حدث النهب تحت رقابة الحكومة الحالية، حيث تعاون بعض أفراد الجيش الكمبودي مع جنود الخمير الحمر السابقين.
تحركت القطع المنهوبة من أيدي الخمير الحمر إلى الجيش الكمبودي، ومن ثم إلى الأسواق الدولية. وتظهر صورة عام 2009 دوغلاس لاتشفورد، تاجر التحف الذي باع التماثيل للمعرض الوطني، إلى جانب نائب رئيس وزراء كمبوديا، ما يوحي بعلاقة تعاونية.
-صورة عام 2009، تظهر نائب رئيس وزراء كمبوديا آنذاك سوك آن (يسار) وجامع التحف البريطانية دوغلاس لاتشفورد (وسط). قبل وفاته في 2020، تورط لاتشفورد في تجارة الآثار غير القانونية. الصورة: تانغ تشين سوثي/وكالة فرانس برس عبر جيتي إيميج.
أوجه التشابه مع صفقات غير قانونية أخرى
بعد انسحاب الخمير الحمر إلى الغابات الحدودية عام 1979، بدأوا في قطع الأخشاب وبيعها بشكل غير قانوني في تايلاند وكمبوديا، واستفاد النخبة الحاكمة في كلا البلدين بشكل كبير من هذه التجارة.
الصلات بين النهب وقطع الأشجار واضحة، فكلاهما أنشطة غير قانونية عززت مصالح الأحزاب الحاكمة. وعند رؤية صور السفير الكمبودي وهو يتسلم التماثيل في 2023، تبدو المفارقة واضحة، إذ أن حزبه ربما كان متورطًا في السرقة الأصلية.
السياق التاريخي يغيّر معنى إعادة الآثار؛ فبدلاً من استعادة التراث الثقافي إلى حراسها الشرعيين، قد تتحول هذه المراسم إلى وسيلة لتلميع السمعة السياسية لمن استفاد من تدمير الثقافة.
إطار جديد للتفكير
امتد هذا النقاش إلى ما هو أبعد من كمبوديا، فالعالم الذي تتغير فيه الحدود باستمرار ويضم تقاليد ثقافية تتجاوز الحدود، يحتاج إلى أطر جديدة لفهم التراث الثقافي.
يشير المعرض الوطني إلى أنه اتبع قانون حماية التراث الثقافي المنقول لعام 1986 عند إعادة التماثيل، لكن نصوص العرض تعترف بتعقيد الوضع:
""على الرغم من أن الأعمال صُنعت على الأرجح في فيتنام [...] إلا أن الموقع الأثري الذي وجدت فيه يقع في كمبوديا.""
الحدود في منطقة ميكونغ جنوب شرق آسيا كانت دائمًا متسربة، ولم يتم الاتفاق على آخر معلم حدودي بين كمبوديا وفيتنام إلا في 2012، كما شهدت المنطقة نزاعات حديثة على الحدود الكمبودية–التايلاندية.
السيادة المتنازع عليها ما زالت قضية سياسية حية تؤثر على فهمنا للتراث. فهل يُحدد ""بلد المنشأ"" بمكان صنع القطعة أم بمكان اكتشافها؟
ربما تتطلب العدالة الثقافية الحقيقية الاعتراف بالتعقيد بدلاً من البحث عن حلول بسيطة. بدلاً من السؤال عن أي دولة حديثة تستحق هذه الآثار، يمكن أن نسأل: كيف يمكن للتراث الثقافي أن يخدم جميع الشعوب المرتبطة به؟
خلاصة
تذكرنا التماثيل الثلاثة بأن إعادة الآثار ليست مجرد إعادة الأشياء إلى مكانها ""الشرعي""، بل تتعلق بمن يحق له تحديد هذا المكان، ومن تُعتمد نسخته من التاريخ، وهل قد تخفي العدالة الثقافية أحيانًا الظلم التاريخي بدلاً من تصحيحه.
