القائمة الرئيسية

الجيل زد Z :كيف نتعامل مع غضبه ونحتويه بحكمة واستشراف

الجيل زد Z :كيف نتعامل مع غضبه ونحتويه بحكمة واستشراف
ملخص المقال

المقال يناقش ظاهرة جيل زد (المولود بين 1997 و2012) بوصفه جيلاً رقمياً فريداً ومركباً يعيش في تداخل غير مسبوق بين الواقع والافتراض، ما أكسبه وعياً سياسياً واجتماعياً مختلفاً وأتاح له أدوات قوية للحشد والاحتجاج، كما ظهر في دول عدة مثل نيبال والمغرب وكينيا. هذا الجيل، الذي يتميز بالبراغماتية وقبول التعددية والبحث عن العدالة والفرص، لا يرى الأزمات كأحداث معزولة بل كسلسلة من الإخفاقات المترابطة، ويحوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات للمساءلة المستمرة ومقاومة الفساد. لكنه في المقابل يواجه أزمات هوية، قلقاً وجودياً، وشعوراً بالوحدة رغم اتصاله الرقمي الدائم، إضافة إلى فجوة بين الزخم الرقمي والتأثير الواقعي. المقال يؤكد أن التعامل الحكيم مع هذا الجيل مسؤولية مشتركة بين الحكومات والأسر والمؤسسات التعليمية، ليس بقمعه أو تجاهله، بل باحتوائه وتوجيه طاقاته بما يخدم الاستقرار والتنمية ويُفشل محاولات استغلال الأعداء لاندفاعه، مع ضرورة فهمه كقوة كبرى تعيد تشكيل السياسة والمجتمع والاقتصاد في القرن الحادي والعشرين.

الجيل الرقمي المسمى جيل زد Gen Z جيل مختلف لم نعهد له مثيلاً من قبل. تتطلب الأحداث الملتهبة - التي يمثل هذا الجيل جذوتها المتقدة - تتطلب من الدول التعامل بحكمة ورؤية رشيدة مع هذا الجيل لما يحقق الخير والسلم المجتمعي و الاستقرار للأوطان.

لكن الأمر لا يقتصر على دور الحكومات، و هو بلا شك دور مهم و حيوي لاحتواء التحديات المحتملة التي تؤثر على التنمية و الاقتصاد و السلم الأهلي.

النخب المتعلمة والأسر والمدارس والجامعات مسؤولة بالقدر نفسه لدراسة الظاهرة والعمل الجاد على تحاشي الأزمات التي قد تنتج عن حماس منفرط من جيل زد 2 ، لاسيما مع انفتاح الكون أمامهم في وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تحمل بالضرورة المعلومات المجردة، و انما قد يستغلها الأعداء والمتربصون لتهييج الروح المنفلتة لدى هؤلاء الشباب الذين يتأثرون بالرسائل التي قد تضمنها جهات معادية للتأثير السلبي على الدول و المجتمعات و تضرب الاستقرار والتنمية في مقتل.

أتاحت هذه الأدوات الجديدة التي عززها الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي، أتاحت بروز ظاهرة الهوية الافتراضية والمتعدّدة (The Virtual& Multiple Self) . فبالنسبة لجيل زد 2، لم يعد الفرد ملزماً بهوية واحدة ثابتة؛ إذ قد تختلف هويته في الواقع"" عن هويته على ""تيك توك ""، أو الشخصية التي يتقمصها في ألعاب الميتافيرس (Metaverse).

هذا الفصل النسبي سمح بمرونة غير مسبوقة في تجريب الهويات الجندرية والثقافية والاجتماعية، ما عزز لديهم قبول التعددية والاختلاف بشكل فطري، ولكنه خلق في الوقت ذاته تحدياً جديداً يتمثل في أزمة الهوية والبحث عن الذات المستقرة في خضم هذا الفيض من الاحتمالات الافتراضية.

كشفت شركة ميكروسوفت مؤخراً ان الوحدة الاستخباراتية 8200 في الكيان الصهيوني استخدمت ميزات الذكاء الاصطناعي التي تتيحها برامج ميكروسوفت في تطوير المحتوى الرقمي للحشد والتأثير على الشباب العربي والفلسطيني ومتابعتهم وإيصال الرسائل التي تحقق المآرب لجيش الاحتلال الاسرائيلي بما في ذلك استهدافهم واستغلالهم.

تؤكد الأحداث التي يشهدها كل من النيبال والمغرب و شهدتها كينيا و مدغشقر و إندونيسيا و منغوليا والجامعات الأمريكية والعديد من الدول والمجتمعات أن جيل زي 2 ليس مجرد مستهلك للتقنية، بل هو ذاته منصة حشد و تنظيم الحراكات الاجتماعية والسياسية لأنه يمتلك القدرة على تجسيد القضايا المحلية وتحويلها إلى قضايا وطنية باستخدام قوة وسرعة الاتصال الرقمي، رفضاً للواقع البراغماتي الذي فرضه عليه عالم الأزمات المتراكمة من فساد وفقر وبطالة وسوء ادارة للتنمية وغيرها من الأزمات و الظواهر السياسية والإجتماعية.

لم يشهد العالم ظهور جيل بهذه الدرجة من التعقيد والتناقض والجمع بين الأضداد مثل جيل زد Z هو الجيل المولود بين سنوات (1997-2012). إنه ليس مجرد تصنيف ديموغرافي، بل هو ظاهرة ثقافية و تقنية و اجتماعية أعادت تشكيل مفاهيم الهوية، والمواطنة والاحتجاج، والاستهلاك.
ولد هؤلاء في عالم حيث الحدود بين الواقعين المادي والرقمي قد طُمِسَتْ، فنشأوا ""مواطنين رقميين أصليين"" (Digital Natives) بامتياز، لا يتذكرون عالماً بلا إنترنت وهواتف ذكية.

ويقول عالم الاجتماع المجري - الألماني كارل مانهايم (Karl Mannheim)، في مقالته الرائدة مشكلة الأجيال، إن كل جيل جديد يتشكل وعيه ومساره الفكري كرد فعل على النظم والأفكار التي ورثها من الجيل الذي سبقه.

و في هذا السياق فان جيل زد Z هو رد فعل على التفاؤل المثالي لـ جيل الألفية (Millennials). لقد تحولوا إلى جيل براغماتي، واقعي، وساخر في كثير من الأحيان، يواجه عالماً تتراكم فوقه الأزمات.

لم يعد هذا الجيل يرى الأزمات كأحداث معزولة بل أصبح يراها سلسلة متصلة من الإخفاقات السياسية والاقتصادية المترابطة، ووسائل التواصل الاجتماعي هي منصة ادارة الحراك الشبابي وقناة البث المباشر لهذا الوعي الجمعي.

في النيبال التي شهدت الشهر الماضي اضطرابات سياسية غير مسبوقة، برز جيل زي Z كقوة دافعة رئيسية. فبعد محاولة الحكومة فرض حظر شامل على عدد من منصات التواصل الاجتماعي بحجة تنظيم المحتوى""، انفجر الغضب الشبابي.

و لم تقتصر الاحتجاجات في النيبال على المطالبة بحرية الإنترنت، بل تحولت إلى رفض واسع للفساد والإهمال السياسي للشباب والمدن والقرى الفقيرة المنسية، ما أدى إلى أعمال عنف في العاصمة كاتماندو، واستقالة رئيس الوزراء. لقد استغل المحتجون من شبان وشابات المنصات التي حاولت السلطة حجبها لتنظيم تحركاتهم والتوثيق المباشر للأحداث، ونقل الاحتجاج من العالم الافتراضي إلى شوارع العاصمة، مجسدين أن قمع الاتصال الرقمي أصبح سبباً مباشراً للاحتجاج المادي.

في المغرب، نشهد حالياً صدى لتلك الموجة مع ظهور حراك شبابي منظم رقمياً تحت شعار ""جيل زد 212"". هذا الحراك، الذي يتولى تنظيمه شباب ولدوا وترعرعوا في العصر الرقمي، يركز على ما يدعونه من تحديات الفوارق الاجتماعية والفساد وأزمة التعليم والصحة.

لقد قام الشباب من جيل زد Z في المغرب باستخدام تطبيقات متخصصة في غرف المحادثة والتنسيق مثل دیسکورد (Discord) لتنظيم وقفات واحتجاجات سلمية في عدد من المدن. إنهم يُثبتون أن أدوات التواصل التي كانت تُسْتَخْدَمُ للترفيه والألعاب يمكن تحويلها إلى غرف عمليات لتنظيم العمل السياسي والاجتماعي، مما يعكس قدرتهم على توظيف التكنولوجيا لإطلاق احتجاجات موحدة تطالب بالعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد.

مدينة سيل المجاورة للرباط مليئة بالطرق المتعرجة والإسكان المتهالك والجريمة. كانت مرتعاً للنشطاء على مر السنين اندلع مرة أخرى هذا الأسبوع حيث ظهرت على السطح مظاهر خطيرة ومؤسفة في المغرب الشقيق حين حطم المتظاهرون الشباب في حي الأمل المكتظ بالسكان المرافق العامة وأشعلوا النار في الممتلكات، هذه التصرفات غير المشروعة تؤثر على استقرار المغرب الشقيق وتفتح باباً موصداً للأعداء والمتربصين.

ذكر الشباب انهم يريدون ان يكونوا جزءا من مستقبل خطط الانفاق على انشاء ملاعب كأس العالم وبناء أكبر حلبة هوكي الجليد في أفريقيا مما يتطلب مراجعة أوجه عدم المساواة وتفشي بطالة الشباب التي تبلغ 60. وهو استياء يتردد صداه في جميع أنحاء العالم في الوقت الحالي.

بينما يظهر الأوروبيون والأمريكيون إحباطهم من خلال اختيار سياسات أكثر تطرفاً، انضم المغاربة إلى ظاهرة احتجاجات الجيل زد 2 في أفريقيا وآسيا ضد ظواهر الفساد والبطالة والتفاوت في الدخل والاقتصادات التي تركت الناس في سن المراهقة إلى أواخر العشرينات من العمر وراءهم بلا وظائف ولا مستقبل كما يعبرون في مظاهراتهم.

خرج الآلاف إلى الشوارع في بلدان تشمل مدغشقر وإندونيسيا وكينيا ومنغوليا خلال العام الماضي حيث تلاشى عدم الرضا عن الوضع الراهن، وحشد على وسائل التواصل الاجتماعي.

يصدم الشباب في أفريقيا من جيل زد 2 الذين يفتقرون للحكمة والموضوعية في أحيان كثيرة وينساقون للعاطفة و الحشد الإعلامي ، يُصدمون حين يرون العروض الصارخة للثروة المفرطة من مشهوري و مشهورات السناب الذين يفتخرون في ارتداء ساعات فاخرة بمئات الآلاف من الدولارات، او من ثراء لاعبي كرة القدم الذي يضاهي راتب شهر واحد منهم ثلاث سنوات من رواتب الشباب في المدن والقرى المنسية ان توفرت لهم وظائف.

أثار المتظاهرون في نيبال الشهر الماضي وبنغلاديش في العام الماضي احتجاجات الجيل زد 2 التي أدت الى انهيار الحكومات.

وقال بلال بسيوني، رئيس التنبؤ بالمخاطر في الشركة الاستشارية بانجيا ريسك: ""ما يميز الموجة الحالية من تعبئة الشباب هو تقارب الظروف عبر بيئات سياسية مختلفة جدا"". ""يواجه الشباب ارتفاع تكاليف المعيشة و قلة الوظائف وضعف خلق فرص العمل وانسداد الأفق حيث لا يرى شباب جيل زد 2 انهم ليسوا في نطاق شاشة رادار صناع القرار في بلدانهم استمرت الاحتجاجات يوم الجمعة الماضي في مدغشقر، حتى بعد أن أقال الرئيس أندري راجولينا حكومته بأكملها ردا على الاضطرابات.

شهدت نيبال أكبر أزمة سياسية لها في سنوات الشهر الماضي، عندما أشعل المتظاهرون الشباب من جيل زد 2 النار في المباني الحكومية احتجاجاً على الفساد المتوطن وفرص العمل المحدودة في دولة الهيمالايا.

نجمت الاضطرابات عن حظر على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن حتى بعد أن أعادتها الحكومة تحت ضغط الاحتجاجات الشبابية لم يكن في وسع الحكومة إلا الاستجابة لهم بإقالة الحكومة وتعيين شخصية قضائية موثوقة ومستقلة رئيسةً مؤقتة لحين اجراء الانتخابات.

استهدف الكثير من الغضب أطفال نيبو""، النسل المتميز والمرتبط جيداً لنخبة نيبال، الذين يتباهون بأنماط حياتهم عبر الإنترنت كما يفعل المشاهير في البلدان العربية. و قد أحرقت منازل العائلات الغنية والمؤثرة في كاتماندو. أجبرت الأزمة رئيس الوزراء والعديد من كبار المسؤولين على الاستقالة وأسفرت عن أكثر من 70 قتيلا ومئات الجرحى.

جاءت المظاهرات النيبالية بعد أيام فقط من تسرب المتظاهرين إلى شوارع إندونيسياكان الزناد هو وجود رشوة مزعومة تخص احد برامج الإسكان بقيمة 3000 دولار للمشرعين، ولكن الاضطرابات انفجرت في نهاية المطاف إلى حركة أوسع ضد الفساد والإفلات من العقاب بين الطبقة الحاكمة في إندونيسيا.

خرج عشرات الآلاف من الشباب الكيني إلى الشوارع العام الماضي، واقتحموا البرلمان وأجبروا الرئيس ويليام روتو على طرد حكومته وسحب مشروع قانون ضريبي مثير للجدل. كان غرضهم يهدف إلى عدم قدرته المتصورة على معالجة الفساد المتفشي.

أيضا في عام 2024، احتشد المتظاهرون الشباب في جميع أنحاء بنغلاديش، وبلغت ذروتها في الإطاحة بالزعيمة الشيخة حسينة منذ فترة طويلة.

وقال مايكل كوجلمان، وهو زميل غير مقيم في مؤسسة آسيا والمحيط الهادئ: سعت الحكومات إلى إدارة هذا الغضب العام في الماضي من خلال التجاهل أو الاسترضاء أو القمع"". ""لكن هذا النهج لم يعد يعمل.""

هذه الظواهر المقلقة من الاحتجاجات عادةً ما يكون أول ضحاياها التنمية والاستقرار لأنها قد لا تقف عند حد معلن لاسيما إذا كان المحرض والمسعر لنارها من الحاقدين المتربصين.

ان هذه المقدرة التي وفرتها وسائل التقنيات الجديدة المزعزعة و التواصل الاجتماعي جديرة بالدراسة و المراجعة والترشيد، ليس بغرض حجبها فهذا لم يعد ممكناً و لا حكيماً، وانما استثمارها لترشيد طاقة الشباب من جيل زد Z لما يحقق المصالح العليا للأوطان و يفوت فرص استغلال الاعداء والمتربصين وقصيري النظر لاشعال جذوة الاحتجاجات التي تعصف بالاستقرار السياسي والاجتماعي والسلم والتنمية.

ان الاستشراف الحكيم لهذه الظاهرة جدير بوضع تصور شامل لمساحة المناورة الذكية و الرشيقة للتعامل مع الشباب و استثمار طاقاتهم لما ينفعهم وينفع اوطانهم و يفوت الفرصة على الأعداء.

يتميز جيل زد Z بمجموعة من السمات المتشابكة والمتناقضة أحياناً، لعل أبرزها هي البراغماتية The Pragmatic( الواقعية Realists) التي تشكلت جراء وعيهم على عالم مليء بالأزمات ويفتقد للقضايا والعقائد. فبخلاف الأجيال السابقة، لم يشهد هذا الجيل ازدهار التسعينيات من القرن الماضي، بل ولد وعيه على أزمات كبرى مثل أزمة 2008 المالية، وجائحة كوفيد - 19، والتحديات الوجودية لتغير المناخ ثم انتهى إلى الأحداث الجيوسياسية والتنافس والاستقطاب بين الدول و الحروب الموجعة كما هو الحال في غزة، والتي توفر محفزات الاحتجاج والقهر حين يرى الشباب مشاهد القتل والتدمير والتشريد والتجويع وتنسج القصص التي يرويها طيف واسع من صانعي المحتوى فرصاً للتهييج و القهر والانفجار.

هذا الواقع القاسي جعلهم أقل تفاؤلاً وأكثر تركيزاً على البقاء والاستقرار المادي. وفي الوقت نفسه يفرض هذا التحدي على الحكومات والأسر ومحاضن التعليم و المؤسسات غير الربحية والمجتمعات العمل الحكيم و الجاد الذي يبدأ بتوعية الشباب واليافعين و شرح الوقائع من منطلقات راشدة و نيرة تهدئ الغضب و تخمد ثورة الغضب والاحتجاج، وتحول الطاقات السلبية إلى طاقات ايجابية تبني الأوطان ولا تهدمها وتساهم في تعزيز اللحمة الوطنية والاستقرار والسلم الأهلي

وفقاً لدراسة مركز بيو للأبحاث (2020) ، يُظهر جيل زد Z قلقاً كبيراً بشأن المستقبل المالي والوظيفي، مما يدفعهم لتبني ريادة الأعمال كمسار آمن لمواجهة عالم الوظائف غير المستقر، لكن الدراسة تؤكد أن عدم احتواء جيل زد Z و توفير البيئة الملائمة لتحقيق تطلعاتهم لاسيما الوظائف و فرص العمل والتعليم الجيد والتفاعل الإيجابي مع متطلباتهم فان ذلك قد يؤدي إلى تفاقم التحديات التي تواجهها الدول والمجتمعات أمام قوة وتنظيم هذا الجيل الرقمي.

إضافة إلى ذلك، هذا الجيل، الذي يُعْتَبَرُ الأكثر تنوعاً عرقياً وثقافياً في التاريخ، ينظر إلى التنوع والشمولية كمسلمات غير قابلة للنقاش. بالنسبة لهم ، لم يَعُدِ التنوع مجرد شعار يطالبون به، بل هو واقع يعيشونه يومياً، ولذلك فإن قيم التمثيل والمساواة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من نسيج وعيهم الأخلاقي؛ في 75% من جيل زد Z يفضلون العمل في شركات تتبنى سياسات واضحة للتنوع والشمول، كما استشهد بذلك التقرير العالمي لمؤسسة ديلويت (2024).

وكما كسر هذا الجيل حاجز الصمت حول الصحة النفسية محولين إياها من وصمة إلى أولوية (From Stigma to Priority). فبالنسبة لجيل زد Z ، لم يَعُدِ الحديث عن البطالة مهاباً، بل أضحى الواحد منهم يناقش مساره الوظيفي علناً في تيك توك و سناب شات و هو لا يزال في مقاعد الدراسة.

كما لم يعد القلق والاكتئاب عيباً، بل أصبح جزءاً من خطابهم اليومي، ومطلبهم بتعزيز دعم النظام الصحي لها. وتأكيداً لهذا التحوّل، أظهرت دراسة منصة ""اليوتيوب"" نفسها أن معدلات البحث عن محتوى يتعلق بـ""العناية بالذات "" و ""الصحة النفسية "" قد قفزت بنسبة 150% بين فئة الشباب منذ عام 2021.

لعل أهم ما يميز جيل زد 2 هو الأدوات التكنولوجية التي شكلت وعيه وطريقة تفاعله مع العالم، وفي مقدمتها ظاهرة التعلم الذاتي والسلطة المزعزعة (Self-Learning Disrupted Authority & . لم يعد المعلم أو الأستاذ الجامعي هو المصدر الوحيد للمعرفة، فمع توفر منصات مثل يوتيوب (YouTube)"" و ""ويكيهو (wikiHow)"" في جيب كل فرد، أصبحت هناك مكتبة عالمية ضخمة لا مركزية.

وقد أدت هذه اللامركزية في المعرفة إلى زعزعة مفهوم السلطة التقليدية بشكل جذري جاعلة الجيل يشكك في كل شيء، بدءاً من الخطاب الإعلامي وصولاً إلى الخطاب السياسي. وكما يقول الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك، فإن ""الفضاء الإلكتروني هو أكبر آلة لتفكيك السلطة في التاريخ""، وهو ما يجسده هذا الجيل في ممارساته اليومية.

بالإضافة إلى ذلك، غير هذا الجيل شكل التواصل نفسه من خلال اعتماده على التواصل البصري واللغة الجديدة فمنصات مثل تيك توك، وإنستغرام وسناب شات، والتي تعتمد كلياً على الصورة والفيديو القصير، حولت لغة الخطاب الأساسية من النص المكتوب) إلى المرئي.

وقد خلقت هذه منصات التواصل الاجتماعي المعززة بالذكاء الاصطناعي والتأثير السلوكي شكلاً جديداً من اللغة قائماً على الإيماءة، والمقطع الصوتي أو الصورة الساخرة (meme)، والفيديو السريع ؛ وهذه ""اللغة"" السريعة والكونية هي بالتحديد ما سمح لحركات عالمية، مثل الجمعة من أجل المستقبل"" (Fridays For Future) بالانتشار بشكل عضوي وعابر للحدود، متحدية بذلك بطء وبيروقراطية الإعلام التقليدي.

وفي العمق أتاحت هذه الأدوات ظهور ظاهرة الهوية (The Virtual & Multiple Self) الافتراضية والمتعدّدة فبالنسبة لجيل Z لم يعد الفرد ملزماً بهوية واحدة ثابتة إذ قد تختلف هويته في الواقع "" عن هويته الرقمية و أصبح يملك توأماً رقمياً يصول ويجول في أنحاء الكون الرقمي بلا حواجز.

هذا الفصل النسبي سمح بمرونة غير مسبوقة في تجريب الهويات الجندرية والثقافية والاجتماعية، ما عزز لديهم قبول التعددية والاختلاف بشكل فطري، ولكنه خلق في الوقت ذاته تحدياً جديداً يتمثل في أزمة الهوية والبحث عن الذات المستقرة في خضم هذا الفيض من الاحتمالات الافتراضية.

يبرز الدور الأكثر تأثيراً لجيل زد 2 في قدرته على تحويل خصائصه المتفردة إلى أدوات قوية للتغيير الاجتماعي والسياسي، حيث انتقلت بؤرة اهتمامه من الأيديولوجيا إلى الأخلاقيات (From Ideology to Ethics )

لم يعد جيل زد 2 مهتماً بالانخراط في الشعارات الأيديولوجية الكبرى التقليدية، سواء كانت يمينية أو يسارية كما كان الحال في الماضي؛ بل أصبح يحشد حول قيم أخلاقية واضحة وملموسة وحقوق الشباب المتمثلة بتوفير الوظائف وفرص العمل والتعليم الجيد والخدمات الصحية التي تفي بحاجة السكان، والعدالة في توزيع الموارد والاهتمام بمدنهم وقراهم و أحيائهم.

لا تدعو حركة الجمعة من أجل المستقبل"" إلى برنامج اقتصادي معقد، بل إلى العدالة بين الأجيال""، كما أن احتجاجات ""حياة السود مهمة"" ترفع شعار ""لا للعنصرية "" كقيمة أخلاقية عالمية وليس كبرنامج حزبي ضيق. هذا التركيز على الأخلاقيات والقيم المشتركة هو ما يفسر قدرة هذا الجيل على حشد تضامن عالمي يتجاوز الحدود والقوميات.

وقد اعتمد هذا الحشد على النموذج الشبكي اللاقيادي (The Leaderless Network Model) وكما رأينا في النيبال، حيث أسقط شبابها الحكومة عبر احتجاجات عضوية قادتها منصات التواصل، وفي المغرب حيث يمارس الشباب ""المقاومة الذكية"" عبر التحقيقات الجماعية و التقارير الرقمية الذكية، فإنّ هذا النموذج الاحتجاجي يتميز بكونه مرناً وسريعاً، ويصعب قمعه لأنه لا يملك رأساً واضحاً يمكن للسلطات قطعه. إنه أشبه بـ""سرب"" (Swarm) من المنسقين الأفراد الذين يتوزعون على الشبكة أكثر من كونه جيشاً منظماً بخطط مركزية.

وبالفعل، حول جيل زد Z السياسة إلى مساءلة مستمرة (Politics as Constant Accountability) حيث لم يعد ولاؤهم للأنظمة أو الأحزاب أو القبائل او المناطق مضموناً أو ثابتاً. إن سياساتهم هي سياسات المساءلة اليومية، يستخدمون فيها أدواتهم الرقمية لمراقبة الحكومات، وكشف الفساد على الفور، ومقاطعة الشركات التي لا تتوافق قيمها المعلنة مع قيمهم الأخلاقية. وبهذا، يكون جيل زد 2 قد حول كل مواطن إلى صحفي، محقق، وناشط محتمل، ليجعل الحوكمة والقرار العام تحت مجهر رقمي لا يغفل.

برغم القوة الهائلة التي يتمتع بها هذا الجيل في إحداث التغيير والمساءلة، فإنه يواجه في المقابل تحديات وجودية عميقة، لعل أبرزها هي مفارقة الاتصال (The Connection Paradox)؛ فبشكل متناقض ومدهش، يُعَدُّ جيل زد 2 أكثر الأجيال اتصالاً رقمياً في التاريخ، وفي الوقت ذاته هو أكثرها شعوراً بالوحدة والعزلة الاجتماعية، وهو ما أكده تقرير منظمة الصحة العالمية حول صحة المراهقين (2023).

هذا الاتصال المفرط يخلق أيضاً حالة من الإجهاد الدائم تسمى الإرهاق النضالي (Activism Burnout)، حيث أن العيش في حالة تأهب دائمة لمتابعة الأزمات العالمية وقضايا العدالة، والاشتباك الرقمي المستمر معها، يمكن أن يؤدي إلى إرهاق نفسي عميق وقلق وجودي مزمن. ويُضاف إلى ذلك التحدي الأكبر المتعلق بـ فجوة الترجمة (The Translation Gap)؛ إذ أن القدرة على خلق زخم رقمي هائل، وحشد الملايين عبر شبكة الإنترنت، لا تعني بالضرورة القدرة على تحويل هذا الزخم إلى تغيير مؤسسي دائم وملموس. ويبقى التحدي الأكثر إلحاحاً لدى شباب جيل زد Z هو تحويل هذه الضجة "" (Noise) الرقمية إلى ""تأثير "" (Impact) فعلي في مراكز اتخاذ القرار ومجالس إدارات الشركات.

هناك من يرى ان جيل زد Z ليس مستقبل العالم فحسب بل هو حاضره الأكثر إلحاحاً لإنه جيل يحمل مطرقة رقمية يهدم بها صروح الفساد والجمود القديم، ولكن في يده الأخرى مرآة يعكس فيها تناقضات عصرنا بكل وضوح. جيل يعاني من قلق المناخ، لكنه يملك الشجاعة لمواجهة الحكومات والشركات العملاقة. جيل يشكك في كل شيء، لكنه يلتزم بقيم العدالة الأساسية غير القابلة للتفاوض.

خلاصة القول جيل زد Z هو نتاج لقاء غير مسبوق بين التقنية الرقمية المزعزعة والأزمات الوجودية وطاقة الشباب المتعلم التي ولت شجاعة استثنائية. هذا اللقاء بين هذه العناصر أنتج كائناً جديداً، براغماتياً مثالياً، فردانياً جماعياً، محلياً عالمياً. إن فهم هذا الجيل ليس خياراً، بل هو ضرورة قصوى لفك شيفرة التحولات الكبرى التي تشهدها مجتمعاتنا، من أسواق العمل الملفات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. إنهم ليسوا مجرد شباب عاديين""، بل هم القوة الأكثر اضطراباً وضياعاً وإبداعاً في القرن الحادي والعشرين.

للاطلاع على المقالات باللغة الإنجليزية في المواقع التالية :

World Health Organization

Bloomberg

Pew Research Center  

مقالات ذات صلة