القائمة الرئيسية

كيف تكتشف موهوباً وترعاه ؟

كيف تكتشف موهوباً وترعاه ؟
ملخص المقال

يستعرض المقال قصة الشاب البوسني الموهوب عرفان ماسيتش الذي حالت العوائق المالية دون التحاقه بجامعة أكسفورد، لتصبح قصته مثالاً على المأساة العالمية لإهدار المواهب بسبب القيود الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية، في وقت يشهد فيه العالم سباقاً محموماً على استقطاب العقول النادرة في عصر الذكاء الاصطناعي. فبينما تركز الحكومات على جذب النجوم الكبار، تغفل عن الاستثمار في اكتشاف ورعاية المواهب في مراحلها المبكرة رغم أن الدراسات تثبت أن الموهوبين يمكن أن يضيفوا قيمة مضاعفة تفوق أضعاف ما يضيفه غيرهم. وتتنوع المبادرات بين صناديق عالمية مثل Rise والصندوق العالمي للمواهب، وبرامج وطنية في الصين وأمريكا وأوروبا واليابان، غير أن التحدي الأكبر يظل في توفير منظومات متكاملة للتعليم، والتغذية، والتوجيه، والإثراء، وإتاحة الفرص العادلة للموهوبين بغض النظر عن خلفياتهم. ويخلص المقال إلى أن إطلاق العنان للمواهب المهدرة ليس مجرد مكسب وطني أو اقتصادي، بل هو استثمار حاسم يمكن أن يسرع الابتكار العلمي، ويعالج أزمات كبرى، ويصنع مستقبلاً أكثر ازدهاراً للبشرية جمعاء.

واجه عرفان ماسيتش، وهو عالم رياضيات بوسني موهوب حواجز و عقبات مالية عند محاولته الالتحاق بجامعة أكسفورد تسلط قصة عرفان الضوء على القضية العالمية للمواهب المهدرة بسبب القيود الاقتصادية. غالباً ما تركز الحكومات على جذب المواهب الناجحة بدلاً من رعاية البذرة في مهدها وإهمال الفوائد طويلة الأجل للاستثمار في المعجزات التي يملكها الأطفال في سن مبكرة و اليافعون والشباب.

تؤدي ندرة كبار الباحثين في الذكاء الاصطناعي إلى ارتفاع الطلب والرواتب، ولكن العديد من المبتكرين المحتملين لا يزالون غير مكتشفين بسبب الحواجز الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية.

يمكن أن يساعد الاكتشاف والتوجيه المنهجي في التعرف مبكراً على المواهب الشابة وتطويرها و استثمارها فيما يعود بالفائدة المضاعفة على الدول والمجتمعات.

أثبتت الدراسات العلمية أن الموهوب قد يضيف قيمة تصل في الغالب إلى نحو اربعة أضعاف القيمة التي يضيفها الشخص العادي.

تهدف مبادرات مثل الصندوق العالمي للمواهب و صندوق إنهض Rise إلى دعم الموهوبين اليافعين و الشباب من خلال اكتشافهم واستقطابهم في مرحلة مبكرة ، ولكن هناك حاجة إلى جهود حكومية أوسع الإطلاق المواهب العالمية.

في عصر الذكاء الاصطناعي تزداد أهمية الموهوبين

كان الموهوب عرفان ماسيك يائساً. أثناء وجوده في المدرسة، فاز مرتين بميداليات في الأولمبياد الرياضي الدولي وبحث في الذكاء الاصطناعي، في محاولة لتسريع كيفية قيام النماذج بالتنبؤات. كان يحلم بالانضمام يوماً ما إلى مختبر الذكاء الاصطناعي لجعل التكنولوجيا آمنة. ومع ذلك لم يتمكن المعجزة البوسنية البالغة من العمر 19 عاما من الحصول على مكان في جامعة أكسفورد كانت رسومها البالغة 60،000 جنيه إسترليني سنوياً خمسة أضعاف الدخل السنوي لعائلته. لذلك ذهب إلى جامعة سراييفو، حيث خضع لامتحانات البرمجة على ibmcomputer التي تجاوز عمره بضعة عقود.

قضية عمران ماسيك بعيدة كل البعد عن أن تكون فريدة من نوعها. في جميع أنحاء العالم، تضيع أعداد هائلة من المواهب. يتحدث الاقتصاديون عن "" آلاف أينشتاين المفقودين"" الذين ربما أنتجوا عملاً تحويلياً لو تم اكتشافهم مبكراً ورعايتهم.

ندرة العلماء و المكتشفين الموهوبين في عصر الذكاء الاصطناعي تتطلب الكثير من الاهتمام في سلسلة القيمة لوضع الموهوب في مكانه الصحيح، إبتداءً من الاكتشاف و التطوير والتدريب والتعليم المتخصص و الاثراء و التبني و توفير الخبراء والمختبرات اللازمة لأبحاثه، و مساعدته على خوض تجارب علمية وابتكارية وتعزيز ثقته بنفسه و دعمه للاحتكاك والتواصل مع موهوبين أخرين يشاركونه الاهتمامات العلمية والبحثية في الملتقيات والمسابقات العلمية المحلية والوطنية و الدولية. الحكومات التي تصرف المليارات بسخاء على أشباه الموصلات للفوز بسباق الذكاء الاصطناعي تتجاهل المواهب التي تدفع التقدم.

قد تثبت العقول التي تعامل بنفس الإلحاح، أنها استثمار أفضل على المدى الطويل من الأجهزة والمصانع. كيف قد تبدو السياسة الوطنية للموهبة والموهوبين ؟

في الوقت الحالي تركز هذه السياسة على الشراء، وليس الإنتاج تركز الحكومات على الخطوة الأخيرة: إغراء النجوم الحاليين المسابقة هي الأكثر شراسة بين الصين وأمريكا. تهدف خطة ألف موهبة في الصين، التي وضعت في عام 2008 ، إلى إعادة جذب الموهوبين الصينيين المدربين في برامج النخبة الأجنبية من الدول المتقدمة التي درسوا و برزوا بها.

في أكتوبر من هذا العام ستضيف الصين تأشيرة صينية مرنة لجذب المتخصصين من الموهوبين من غير الصينيين. تعارض أمريكا تأشيرة 1-0 و البطاقة الخضراء eb-1a، وكلاهما مخصص للأفراد الموهوبين ذوي ""القدرة غير العادية"".

دول أخرى تخوض هذا الغمار أيضاً. أعلنت اليابان عن حزمة بقيمة 700 مليون دولار لإعادة استقطاب الموهوبين وتوظيف كبار الباحثين منهم

يعد مخطط ""اختر أوروبا"" Choose Europe للاتحاد الأوروبي بجعله ""مغناطيسا للموهوبين من أنحاء العالم "" و هو برنامج يموله الاتحاد الأوروبي بسخاء وتشارك به معظم دول الاتحاد الأوروبي و جامعات النخبة الاوربية وأنظمتها التعليمية.

تدفع عقلية الندرة للمواهب الاستثنائية إلى التدافع بين الشركات للتنافس عليهم - وتساعد في تفسير القسط الموضوع الآن على العقول.

أثناء سباقهم لبناء نماذج أكبر من أي وقت مضى ينظر إلى الموهوبين والباحثين المبدعين الأفراد على أنهم قادرون على تحقيق اختراقات علمية واقتصادية و استثمارية بعشرات المليارات.

و قد طور سام ألتمان رئيس شركة أوبن اي آي Open Al برنامج استقطاب 10000 مهندس / باحث موهوب ""، وهم في الغالب مبرمجين فائقي الإنتاجية يمكن أن يحقق إبداعهم الاستثنائي قيمة مضاعفة للشركات و الحكومات أصبحت فكرة استقطاب الموهوبين و المبدعين أساساً راسخاً في تقاليد بناء الشركات الناشئة المتميزة واستدامة تنافسية الشركات التقنية والخدمية الكبيرة مثل أبل و ميكروسوفت و جوجل و نفيديا و غيرها. يؤثر باحثو النخبة الموهوبون على التقييمات التي للشركات الناشئة كما يؤثر رأس المال و نماذج الأعمال و المبيعات.

تعتمد حروب استقطاب الموهوبين هذه على افتراضين. الأول هو أن عدداً قليلا من الموهوبين الاستثنائيين هم الذين يقدمون اختراقات علمية ومساهمات كبيرة للشركات والمؤسسات؛ والآخر هو أن العرض من هذه المواهب ثابت لكن يحتاج المرء إلى البحث الدقيق عن أفضل الموهوبين واستقطابهم وتطويرهم.

الافتراض الأول له أساس جيد. يتم إنتاج الاختراقات من قبل نخبة صغيرة : 1% من الباحثين الموهوبين يولدون أكثر من خمس براءات الاختراع في العالم.

ساعدت تحسينات جيمس وات للمحرك البخاري في إطلاق الثورة الصناعية. في الآونة الأخيرة، مهد سعي كاتالين كاريكو الوحيد لتكنولوجيا الحمض النووي الريبوزي الطريق للقاحات كوفيد - 19. يمكن للأفراد تحقيق نتائج مذهلة و تغيير الطرق التقليدية.

الافتراض الثاني أكثر احتمالاً، ومع ذلك فإن الكثير من الأغصان لا تزهر أبداً، للحصول على موهوب واحد ربما علينا ان نخوض التجارب والمحاولات مع مائة موهوب للحصول على الأداء الاستثنائي الخارق.

الجغرافيا هي الحاجز الأول. يعيش حوالي 90% من شباب العالم في البلدان النامية، ومع ذلك فإن جوائز نوبل تذهب بأغلبية ساحقة إلى أمريكا وأوروبا واليابان.

وفقاً لبول نوفوساد من كلية دارتموث والمؤلفين المشاركين له يولد متوسط الحائز على جائزة نوبل و أمثالهم من الموهوبين المؤثرين نحو 95 من الدخل العالمي"".

و على الرغم من توقع بعض التفاوت إلا أن المقياس يشير إلى أن الكثير من المواهب ليس لديها فرصة للازدهار. وبالمثل وجد أليكس بيل من جامعة ولاية جورجيا والمؤلفون المشاركون له ""أن الأطفال الأمريكيين من أغنى 1% من الأسر هم أكثر عرضة بعشر مرات ليصبحوا مخترعين من أولئك الذين يقل دخلهم عن المتوسط"".

يقدرون أن سد الفجوات الطبقية والجنسية والعرقية في الاختراع والابداع في أمريكا من شأنه أن يضاعف عدد المبتكرين أربعة أضعاف، مما يزيد بشكل حاد من وتيرة الاكتشاف والتطور العلمي و الاقتصادي .

من أين يجب أن تبدأ الحكومات بحثها عن الموهوب العبقري ؟

إحدى الإجابات المغرية هي في أول مسار رحلة الموهوب، أي إبتداءً من الطفولة المبكرة مروراً بمراحل التعليم العام الأولى، مما يزيد من عدد المواهب الذين لديهم فرصة لتطوير قدراتهم.

الإصلاحات العالمية لتحسين بيئة الموهبة والابداع في الأسر والمدارس تبدأ من تحسين التغذية، وتطوير المدارس و مراكز الأحياء الأكثر أماناً وراحة للموهوب -هذه المحاولات لتطوير قدرة الدول على استقطاب اكبر قدر من الموهوبين في مراحل مبكرة يمكن أن تساعد و تنجح و لا شك مطلقاً في انها استثمار مضمون العوائد. لكن المشكلة هي أنه بالنظر إلى مدى ندرة الموهوبين حتى عند تحديدها بشكل أفضل، فإن هذه المخططات بطبيعتها تصطدم بالبيروقراطية وقلة المؤسسات المتخصصة في استكشاف وتطوير الموهوبين ورعايتهم حتى يمكنون من المساهمة في التنمية و الاقتصاد.

التركيز الأكثر عملية هو النقطة التي تصبح فيها الموهبة مرئية لأول مرة و هذا ما يتضح جلياً في مرحلة المراهقة.

بحلول ذلك الوقت يمكن رصد الموهوبين النجوم، و هذا ما يحقق هدف استقطاب الموهوبين بشكل أسرع و أقل كلفة من البدء في مرحلة الطفولة، أثبتت التجارب انه حتى لو لم ينجح الكثيرون منهم لظروف مختلفة يمكن لصناع السياسات في الدول إعادة تصميم منظومة الاكتشاف والإثراء بما يضمن تحقيق الأهداف بحصول الموهوبين على فرص أفضل لاستثمار موهبتهم فيما يعود على اوطانهم وشركاتهم بالقيمة المضاعفة

وجد روشير أغاروال من جامعة هارفارد وباتريك جول من جامعة بريستول أن المتسابقين في أولمبياد الرياضيات من البلدان الفقيرة الذين يسجلون درجات عالية واستثنائية مثل أقرانهم من الأغنياء يواصلون لديهم فقط نصف احتمال الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة رائدة بالمقارنة مع أقرانهم الموهوبين من الدول او الأسر الغنية او الدول التي لديها برامج دعم لإلحاق موهوبيها في جامعات النخبة و الجامعات الرائدة.

وفي الوقت نفسه، يربط فيليب أغيون من كلية فرنسا والمؤلفون المشاركون له درجات اختبار الموهوبين المستقطبين في نظام التعليم الفنلندي ببيانات براءات الاختراع ويجدون أن تحويل مراهق ذو قدرة عالية من عائلة متوسطة إلى عائلة ذات دخل مرتفع من شأنه أن يزيد بشكل حاد من احتمالات اختراع شيء ما و تحقيق قيمة مضاعفة للاقتصاد الفلندي لاحقاً .

تظهر الرياضة إمكانية الكشافة المنهجية. كانت لعبة البيسبول رائدة في أنظمة المزارع"" في أوائل القرن العشرين، حيث ساعدت بتجنيد المراهقين من المدن الصغيرة وتطويرهم في فرق من المستوى الأدنى حتى أصبحوا مستعدين للدوري الكبير بحلول أواخر القرن العشرين أصبحت الكشافة عالمية. في العام الماضي، عرض الاتحاد الوطني لكرة السلة رقما قياسيا 125 لاعباً دوليا من أكثر من 40 دولة - ما يقرب من ربع الدوري - بسبب الأكاديميات العالمية. كانت النتيجة زيادة في كل من جودة وتنوع الرياضيين وتحقيقهم انجازات علمية في جامعات النخبة التي استقطبتهم في الأساس كرياضيين. (انظر الشكل التالي)

صور من التألق :

في العام الماضي أصبح غوكيش دوماراجو، وهو معجزة هندية، بطل للعالم في الشطرنج في سن 18 عاماً فقط، و مثلت موهبته الاستثنائية وقدراته العلمية وتفوقه الدراسي محطات دافعة لصعوده مشهد الشطرنج الوطني المزدهر.

في وقت سابق من هذا العام، فاجأت هانا كايرو البالغة من العمر 17 عاما والتي نشأت في جزر البهاما، علماء الرياضيات بحل معادلة في غاية الصعوبة والتعقيد عجز عنها فطاحلة العلماء على مدى عقود ، و دحضت هانا كايرو تخمين ميزوهاتا تاكوشي وهي مشكلة قاومت الحل لعقود واستهلكت جهود جامعات و مؤسسات بحثية رائدة.

يمكن تحديد وعد آخر في مسابقات مثل الأولمبياد والتي تعد تنبؤات جيدة بشكل ملحوظ للنجاح في المستقبل. يستمر واحد من كل 40 فائزاً بميدالية ذهبية في الأولمبياد الدولي للرياضيات في الحصول على جائزة علمية كبيرة، 50 ضعف معدل الطلاب الجامعيين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (انظر الرسم البياني أعلاه في الصفحة 15).

ابتكر غيدو فان روسوم الحائز على الميدالية البرونزية في الاولمبياد الدولي للبرمجة، إبتكر لغة برمجة بايثون نصف مؤسسي شركة أوبن آي قطعوا أسنانهم في ندماً على عدم استقطابه أثناء انعقاد الاولمبياد.

قد تنشأ أيضا فرص جديدة لتحديد الهوية. على سبيل المثال، تقوم أوبن آي بإنشاء علامات جديدة خاصة بها.

تشير ورقة حديثة من قبل آرون تشاترجي من أوبن آي والمؤلفين المشاركين إلى أن عشر البالغين في العالم استخدموا تشات جي بي تي مع ما يقرب من نصف جميع الرسائل تأتي من أولئك الذين تبلغ أعمارهم 25 عاماً أو أقل. يمكن أن تكشف مثل هذه الآثار الرقمية في الوقت المناسب عن أنماط الأصالة أو المثابرة. يمكن أن يؤدي الجهد المنهجي لتضمين المكتشفين من الموهوبين - في المدارس والمسابقات وحتى عبر الإنترنت - إلى توسيع حوض الموهوبين على المستوى الوطني مما يساعد على اكتشاف الموهوبين حقاً في وقت مبكر.

أفضل براعم الموهبة

لكن العثور على الموهوبين العباقرة لا يتعلق فقط بالاكتشاف - بل يتعلق أيضا بالتنمية والإثراء والتطوير الاكاديمي والعلمي والمهني.

يحتاج هؤلاء المعجزات إلى مرشدين متمیزین و شغوفین يمكنهم شحذ قدراتهم وصقل مواهبهم وفتح الأبواب الموصدة أمامهم. تم تعليم جون فون نيومان وهو عالم مولود في المجر، بشكل مكثف في بودابست و اهتم بتوجيهه لاحق البروفيسور قبل غابور سيغو عالم الرياضيات الذي قيل إنه بكى عندما شرح له الطفل البالغ من العمر 15 عاما حساب التفاضل والتكامل.

لحسن الحظ، لا يحتاج الموجهون إلى أن يكونوا عباقرة أنفسهم. تظهر الأبحاث التي أجراها إيان كالاواي من جامعة ستانفورد بالاعتماد على عقود من بيانات مسابقة الرياضيات، أنه عندما يدير المعلمون العاديون النوادي والمسابقات من المرجح أن يتم رصد و اكتشاف الطلاب الموهوبين الاستثنائيين ليشقوا طريقهم نحو جامعات انتقائية ومتابعة الاختراقات العلمية والبحثية واضافة قيمة مضافة مضاعفة إلى اقتصادات بلدانهم.

في زارزما وهي بلدة جورجية معروفة بديرها، بنى الرهبان الأرثوذكس أكاديمية للرياضيات ترسل الطلاب الصغار إلى أولمبيادات الموهوبين الدولية، ويمزجون بين التدريس الصارم والتوجيه الوثيق.

يحتاج المعجزات من الموهوبين أيضا إلى الوصول إلى مجموعات من الأقران ذوي القدرة العالية. وجدت دراسة أجراها أوفوك أكجيت من جامعة شيكاغو وجون غريجسبي من جامعة برينستون وتوم نيكولاس من جامعة هارفارد أن العصر الذهبي للابتكار في أمريكا كان تغذيه الهجرة غادر المخترعون ولاياتهم الأصلية بحثاً عن شبكات أكثر كثافة. انتقل توماس إديسون، المولود فقيراً في ريف أوهايو إلى نيو جيرسي لبناء مختبر مينلو بارك، حيث يمكن للمخترعين التعاون في بيئة تضج بالأقران من الموهوبين الشغوفين.

في تاميل نادو الهند، ترسخت الموهبة بعمق لدرجة أن الولاية تنتج الآن أساتذة الكبار بمعدل لا مثيل له في أي مكان آخر في البلاد، بسبب المنافسة المحلية والتدريب والأهم من ذلك وجود الأقران والزملاء المحفزين

بدون وجود منظومات بيئية متكاملة على مستوى المدن و المناطق و الدول، ستكافح المواهب الخام من أجل الازدهار، لكننا سنخسر الكثيرين منهم في منتصف الطريق، و سيكلفنا استثمار من يصل منهم أضعاف تكلفة اندماجهم في منظومات الموهبة والابتكار و الريادة في مناطقهم و مدنهم وقراهم

كما يقول تايلر كوين من جامعة جورج ماسون: ""لا يمكنك فقط استئجار سائق في توغو، اذ بمجرد النظر من النافذة ستتمكن من القول لأحدهم في الشارع ""أنت موهوب عبقري غير مرئي. على الأقل، وهذا ما ينطبق على الحصول على موهبة من توغو إلى نيجيريا حيث يمثل انعدام وجود منظومات الموهبة والابتكار في تلك المدن الأفريقية المليئة بالمواهب الاستثنائية من العباقرة.""

لا تزال الجامعات الرائدة بوابات حاسمة للمواهب ولكن حوافزها مقيدة وغير محفزة للموهوبين المنحالدراسية للطلاب الأجانب الاستثنائيين نادرة، في بريطانيا، على سبيل المثال تقدم جامعة كامبريدج حوالي 600 منحة سنوياً لأكثر من 24000 طالب دولي.

في أمريكا لا توجد سوى حفنة صغيرة جداً من الجامعات - بما في ذلك هارفارد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ام آي تي وبرينستون وييل - هناك حاجة ماسة إلى المنحالعلمية التي تغطي جميع التكاليف الدراسية للموهوبين الأجانب، وحتى في هذه المؤسسات لا يتلقى سوى بضع مئات من الطلاب الجامعيين الدوليين مساعدات كبيرة كل عام.

في حالات أخرى يعامل المتقدمون الدوليون الجامعات النخبة كدافعي رسوم دراسية وليس كمبتكرين مستقبليين. هذا له عواقب مؤسفة. على الرغم من أن ثلثي المشاركين في الأولمبياد من البلدان الفقيرة يرغبون في الدراسة في أمريكا، إلا أن ربعهم فقط ينتهي بهم الأمر إلى تحقيق أمنياتهم بالدراسة في الجامعات الأمريكية.

وفقا لأحد التقديرات فإن تخفيف الهجرة عن طريق إزالة الحواجز المالية لهؤلاء الطلاب من شأنه أن يرفع الناتج العلمي للأفواج المستقبلية من الموهوبين المبتكرين بنسبة تصل إلى 50.

بذلت الحكومات في بعض الأحيان جهوداً لتحديد و اكتشاف المواهب ورعايتها، على الرغم من أنها نادراً ما تكون على نطاق واسع و على شكل منظومات وطنية في المناطق. أعطت إدارة تقدم الأعمال الأمريكية التي أطلقت خلال فترة الكساد الفنانين العاطلين عن العمل رواتباً واستوديوهات وأماكن أداء، والتي كانت في الواقع بمثابة شبكة كشافة. دعمت شخصيات مثل رالف إليسون، مؤلف كتاب ""الرجل الخفي""، وجاكسون بولوك الرسام التعبيري.

حققت سنغافورة نجاحاً مبهراً مؤخراً في اكتشاف وإعداد المواهب. تتغذى الامتحانات الوطنية على نظام المنحالدراسية الذي تديره لجنة الخدمة العامة، والتي ترسل الطلاب إلى الخارج إلى جامعات النخبة مقابل سنوات من العمل في الخدمة المدنية لدى الحكومة السنغافورية

ومع ذلك فإن الدراسات أثبتت انه في الغالب تتبوأ جهود المؤسسات غير الربحية وغير الحكومية المحسنين والجمعيات الخيرية المكانة المرموقة في تحقيق أفضل أداء في اكتشاف ورعاية وتطوير الموهوبين هم الذين يكتشفون النجوم ويعتنون بها.

يحدد الصندوق العالمي للمواهب، الذي أسسه السيدان أغاروال وجول، الحائزين على ميداليات الأولمبياد من جميع أنحاء العالم ويمول دراستهم في الجامعات الرائدة. من بين أول مجموعة لها في عام 2024 كان الطالب عمران ماسيتش، الشاب البوسني عالق ذات مرة في سراييفو و هو يدرس الآن الرياضيات وعلوم الكمبيوتر في جامعة أكسفورد. النتائج المبكرة ملحوظة. اختبر إيمري ليدر، وهو أستاذ في كامبريدج، طلابه باستخدام اللغز - ما إذا كان يمكن تقسيم المثلث إلى مثلثات أصغر، لا يوجد اثنان من نفس الحجم. أفضل طلابه المتميزون يتصارعون لحلها لأسابيع، وغالباً ما يأتي الحل من طلاب المنح من الدول النامية أو الفقيرة؛ يمثل صندوق المواهب تجربة رائدة جديرة بالاهتمام من قبل الدول و المؤسسات غير الربحية

تتخذ المخططات الأخرى مناهج مختلفة تدير رايز التي يدعمها وقف شميدت فيوتشرز ورودس ترست مسابقة عالمية للموهوبين من اليافعين والشباب وتختار الفائزين من خلال عروض المشاريع وتقدم المنح الدراسية والتوجيه والتمويل الأولي للمشاريع مثل الأسلحة الاصطناعية التي يتم التحكم فيها بالعقل المطبوع ثلاثي الأبعاد.

تشرف الجمعية الأمريكية للعلوم على البحث عن المواهب العلمية ريجينيرون Regeneron، وهي مسابقة العلوم في المدارس الثانوية المرموقة في البلاد والتي تغري حوالي 2000 مشارك كل عام لتقديم بحث أصلي. من بين المتأهلين للتصفيات النهائية السابقة فرانك ويلزيك وشيلدون غلاشو، وكلاهما فيزيائيان حائزان على جائزة نوبل.

تقدم المشاريع الطارئة، التي أنشأها السيد كوين في عام 2018 منحاً صغيرة للشباب الموهوبين. يقول السيد كوين: ""يساعد المال، ولكن المفتاح الحقيقي هو وضع المواهب الشابة مع أقرانهم"". "" ""في كل مجال - الرسم والهوايات والذكاء الاصطناعي ي - تكون العناقيد عالمية و واعدة.""

هذه الجهود ليست باهظة الثمن. يمكن للحكومات و للمؤسسات الحكومية و غير الربحية نسخها بسهولة -وعلى نطاق أكبر بكثير. تميل البلدان التي تحشد المواهب إلى الفوز بسباقات استراتيجية. غالباً ما اعتمدت المآثر العلمية الأمريكية، من مشروع مانهاتن إلى أبولو، على التوظيف المتعمد للعلماء الأجانب.

جلبت عملية مشبك الورق وحدها أكثر من 1500 باحث ألماني في الأربعينيات والخمسينيات. اليوم، على الرغم من ذلك، تتعرض قدرة أمريكا على التوظيف لضغوط كبيرة حيث يتجه المزيد من العلماء الشباب إلى أستراليا وألمانيا والسعودية و دبي في الخليج ؛ و مما قد يزيد الطين بلة رسوم الرئيس دونالد ترامب المقترحة البالغة 100000 دولار و التي تجعل من استقطاب الموهوبين أكثر صعوبة.

من جانبها تزرع الصين المواهب على نطاق واسع. تنتج الآن خريجي العلوم أكثر بكثير من أمريكا وربع كبار الباحثين في العالم. ومع ذلك فإنها تكافح من أجل الاحتفاظ بالعديد من ألمع موهوبيها، الذين ما زالوا يبحثون في الخارج عن تدريب الدكتوراه والوظائف.

المخاطر ليست جيوسياسية فقط. يمكن أن تضاعف إزالة الحواجز التي تحول دون استقطاب و اکتشاف و تطوير المواهب فتزيد فرص تمكين الموهوبين المبتكرين من تحقيق اختراقات علمية استثنائية عدة مرات من شأن إطلاق هذه الإمكانات أن يسرع من اكتشاف أدوية جديدة، ويسرع الانتقال الأخضر ويدفع الذكاء الاصطناعي لما يخدم البشرية. ستكون النتيجة حياة أكثر صحة وازدهاراً. الموهبة المهدرة إذا التفتنا إليها بحكمة و اهتمام هي محرك التقدم الأكثر أثراً في العالم.

إهداء الترجمة

أود أن أهدي ترجمة هذا المقال إلى ابطال موهبة المتميزين من منسوبي مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والابداع موهبة، و إلى مجلس إدارة موهبة وإلى متطوعيها من المعلمين والمعلمات و المشاركين في برامجها والمتطوعين، وإلى الموهوبين أثمن وأغلى الأصول الوطنية وإلى أسرهم ومعلميهم، وإلى وزارة التعليم ومنسوبيها سر نجاح موهبة و أقرب شركائها اليها وأكثرهم عطاء وحرصاً على تحقيق الاهداف الوطنية.

المصدر

مقالات ذات صلة