القائمة الرئيسية

كيف تتخذ قرارات صعبة

كيف تتخذ قرارات صعبة
ملخص المقال

 يتناول المقال صعوبة اتخاذ القرارات الكبيرة في حياتنا، موضحًا أن المشكلة ليست في الخيارات نفسها، بل في تعقيدات النفس البشرية وتأثير الذكريات والمخاوف على حكمنا. يشدد الكاتب على أن التسويف هو قرار بحد ذاته يزيد من الألم والندم على المدى الطويل. يقدم المقال أدوات عملية لتحسين عملية اتخاذ القرار، مثل التعرف على الرغبات النفسية المتصارعة، وإيجاد مسافة نفسية عن القرار، والتفكير الإبداعي لاستكشاف خيارات جديدة، وتوسيع أهدافنا المرتبطة بالقرار، واستخدام أنظمة الترجيح لمقارنة الخيارات بشكل منهجي. كما يشرح المقال أهمية التركيز على الأهداف المتعددة والتوازن بينها للوصول إلى قرار أكثر حكمة وفاعلية، مع أمثلة تطبيقية تساعد القارئ على تحسين ثقته بنفسه في اتخاذ القرارات الصعبة.

بقلم: جوزيف بيكارت | ترجمة: إلهام حسين

معلومات مهمّة

قبل عامين، بعد أن نُشر كتابي: فن اتخاذ القرار (2019م)، شاركتُ في برنامج مع بي بي سي راديو 4 عنوانه: “هل أبقى أم أذهب؟” على غرار الأغنية التي اشتُهرتْ عام 1981م لفرقة ذا كلاش، وهو سؤال نُواجِهه كثيرًا، سواء فيما يتعلق بعلاقاتنا، أم وظائفنا، أم منازلنا، أم أي مُعضِلة أخرى.

يتضمن عملي “مُدرِّبًا تنفيذيًّا” مساعدة الناس على اتخاذ هذه القرارات الصعبة إلى أن يتمكّنوا من الاعتماد على أنفسهم، ويختلف عملي هذا عن عمل المُرشد في أنّه لا يتضمن إعطاء النصائح، بل منح الناس الأدوات والطمأنينة حتى يثقوا بقراراتهم ويُنفِّذوها.

سأُقدِّم في هذا الدليل مقدمة حول هذه الأدوات والأساليب، وأُبيِّنُ طرائق استعمالها؛ لتسريع وتحسين عملية صنع القرار.

أسباب صعوبة بعض القرارات

لا تَكمُن الصعوبة عادة في القرار نفسه، بل تحكمها نظرة صانع القرار، ومن الأسباب التي تجعل بعض القرارات تبدو صعبة:

  • أن تكون المخاطر عالية بالنسبة لصاحب القرار.

  • أن يتساوى خياران في المكانة عنده.

  • إنّ هذا القرار يبعث ذكريات ومخاوف قديمة، مثلما يحدث عندما يُذكِّرنا خيارٌ ما بخيبات أمل سابقة، أو عندما تُستثار عُقد المرء النفسية بسبب بعض المواقف الصعبة؛ فمثلًا: قد يستثير قرارٌ ما بلا وعي منك حدثًا صادمًا من الماضي فيُؤثِّر على حُكمك.

فَكِّرْ في شخص يصعب عليه قرار قبول منصب عالٍ براتب أعلى، بينما يتمنى آخرون الحصول على هذه الفرصة، ربما يتعلق هذا بخوفه من الفشل في منصب عالي المخاطر شديد الانكشاف، وربما لأنّ البقاء في منصب أقل يتساوى لديه مع المنصب العالي لأسباب أخرى مثل: امتلاك وقت فراغ أكبر، أو بالنسبة لهذا الشخص يُمكن أن يؤدي الحصول على منصب عالٍ إلى استثارة كثير من المُشكلات التي نشأت في طفولته، ولقد رأيتُ هذه الحالة كثيرًا مع موظفين ناجحين تتأثر قراراتهم المهمة كثيرًا بتأثير الأنا العليا (أي: صورة أحد الوالدين أو غيرهما، ممّن يُمثّل السلطة بالنسبة للشخص، سواء أكان على قيد الحياة أم لا).

وبعبارة أخرى: اتخاذ القرار أمرٌ معقد، ولا يعود ذلك بالضرورة إلى أنّ الاختيار بين أمرين أمر مُعقّد، لكنّ السبب الأهم هو أنّ البشر مخلوقات مُعقَّدة.

سَتُعيننا معرفة أصل كلمة “قرار decision” على الوصول إلى فهمٍ أعمق للموضوع؛ فهي تأتي من الكلمة اللاتينية caedere وتعني “قطع”، فالقرارات تقطع الطريق بيننا وبين الخيارات الأخرى، أو الفرص الأخرى، أو إمكانية تحقيق نتائج أفضل، لذا؛ قد نشعر أنّ فعل اتخاذ القرار يُشبه جرح أنفسنا.

إنّ تجنُّب اتخاذ القرار هو قرارٌ في الواقع

فعندما نواجه قرارًا صعبًا يُغرِينا اختيار الطريق السهل والمماطلة، ويُمثّل هذا السلوك أعظم أسطورة مُتناقِلة حول صنع القرار: وهي أنّنا نملك في مواجهة خيارين خيارًا ثالثًا هو الامتناع عن فعل أي شيء، لكنّ التّسويف في الحقيقة ليس رفضًا لاتخاذ القرار أو “تجميده”، بل هو قرار إيجابي بالبقاء في حالة التردد، وعندما تُدرك أنّ التسويف قرار سينكشف لك سوءه، ثم إنّ التردد والتسويف لا يُؤجّلان الشعور بألم القرار إلى المستقبل: بل إنّهما يُضاعِفان هذا الألم ويزرعانه في كل دقيقة من كل يوم حتى لحظة اتخاذ القرار.

تُظهر الأبحاث التي قادها عالم النفس الأمريكي “توماس جيلوفيتش” في التسعينيّات أدلة إضافية على مساوئ تأخير اتخاذ القرارات الصعبة؛ إذ أظهر جيلوفيتش وفريقه أنّ على الرغم من أنّ الناس يشعرون على المدى القصير بندم شديد من “أخطاء الارتكاب Errors of Comission” (وهي فعل أمر يُؤدّي إلى نتيجة مُخيِّبة للآمال)، لكنّهم على المدى البعيد يشعرون بندم أشد على “أخطاء الحذف Errors of Omission” (أي: الحصول على نتائج مُخيِّبة للآمال نتيجة الامتناع عن الفعل).

فالنظرة المستقبلية تُخبرنا أنّ الحكمة في الفعل، أي: اتخاذ القرار. وكما يقول “رالف كيني”، وهو عالم في اتخاذ القرار وأستاذ فخري في كلية إدارة الأعمال في جامعة ديوك في نورث كارولينا: “إنّ قراراتك هي السبيل الوحيد الذي تملكه للتأثير قصدًا على مسار حياتك، أمّا كل شيء آخر فإنّه يحدث فحسب”.

إذا كان اتخاذ القرارات صعبًا عليك -أحيانًا أو عمومًا- فَسيُعينكَ هذا الدليل على فهم أسباب ذلك، ويُرشِدكَ إلى الحلول.

خطوات عملية

أَنصحُكَ بقراءة هذا القسم بعد أن تضع في ذهنك قرارًا صعبًا واحدًا، واستعمال التمارين لمساعدتك على مواجهته، ومن الأفضل أن يكون قرارًا تُواجهه حاليًّا، وإذا لم ينطبق هذا عليك فَكّرْ في قرار واجهته في الماضي.

تعرّف على جوانبك النفسية المختلفة ورغباتها 

عندما تُواجِه قرارًا صعبًا فمن المرجح أن ترغب جوانب مختلفة منك في أشياء مختلفة. فمثلًا: عندما تُقرِّر قضاء عطلة مُكلفة، قد يشعر الجانب “الحكيم” منك أنّ وجه الإنفاق هذا غير عقلاني، بينما يُفضِّل جانب آخر “الساعي وراء المتعة” التمتُّع بالحياة قدر الإمكان فيُشجِّعك عليه، بينما يعتقد جانب ثالث “الجادّ” أنّ الأولوية للعمل، تتضمن عملية صنع القرار تشاور جوانبك المختلفة مع بعضها، ويحتاج حل هذه المعضلة إلى أن يجلسوا معًا على طاولة حوار مُتخيَّلة، ويتفقوا على نتيجة تُرضِيهم جميعًا. وبلغة عملية: دَوِّنْ ما يُريده كل جانب منك، وابحث عن حل يجمع بين الرغبات المشتركة لجوانبك الداخلية المختلفة، حتى لو لم تصل لهذا المستوى بعد؛ فإنّ الفعل البسيط المُتمثِّل في التعرُّف على رغباتك المتصارعة سَيُعينكَ على التفكير في القرار بفاعلية أكبر.

ضع مسافة بينك وبين القرار

كلما تصارعتَ مع القرارات الصعبة واقتربتَ منها أكثر تشوّشتْ رؤيتك، تُوفِّر المسافة النفسية شعورًا بالمنظور، وهو يُعدُّ عاملًا رَئِيسًا لعملية صنع القرار الناجحة. في القرن السادس عشر، اقترح الكاهن وعالم الدين الإسباني “إغناطيوس دي لويولا” ثلاث طرائق لتحقيق التباعد النفسي عن قرار صعب، وهي:

  • تَخلَّ عن الخيار المُفضَّل مؤقتًا؛ حتى تُفكّر في الخيارات تفكيرًا موضوعيًّا (سأُبيِّنُ طريقة إجراء هذا لاحقًا في هذا الدليل).

  • تخيّل أنّك تنصح صديقًا يُواجِه القرار نفسه.

  • تخيّل أنّك تُفكِّر في هذا القرار وأنت على فراش الموت، بعد سنوات طويلة وعمر مديد إن شاء الله.

بالعودة إلى الزمن المعاصر؛ يُخبرُنا أشهر المستثمرين في العالم “وارن بافيت” أنّه اتّخذَ أفضل قراراته مُستعِينًا بطريقة تُسمّى 10/10/10 وتعني أن تسأل نفسك: ماذا سأشعر بشأن قرار اليوم بعد عشرة أيام، ثم بعد عشرة أشهُر ثم بعد عشر سنوات؟ ويتعلّق الأمر هنا أيضًا بخلق مسافة بينك وبين القرار حتى تتّضح لك الرؤية.

فكر خارج الصندوق

“لم تكن تعلم حينها أنّ الخيال هو بداية الإبداع، إنّك تتخيل ما ترغب فيه، وترغب فيما تتخيله، وأخيرًا تصنع ما ترغب فيه”.

يصف جورج برنارد شو في هذا الاقتباس وصفًا شاعريًّا لعملية الإبداع: وهي تبدأ بالخيال، وهذا الأمر مهم لصنع القرار؛ لأنّنا كثيرًا ما نُخطِئ ونجد أنفسنا، إذا كنت تُواجِه خيارين أو ثلاثة وصعب عليك الاختيار فلعلك غافل عن خيار إبداعي واحد -على الأقل- مُتاح لك.

كيف يُمكنكَ أن تُفكّر خارج الصندوق وترى ذاك الخيال المُراوِغ؟ تتمثّلُ إحدى الطّرائق في تبني عقلية طفولية، تقول صديقتي “ماري تايلارد”، أستاذة التسويق الإبداعي والعميدة المشاركة في كلية ESCP للأعمال في لندن: “عندما يدخل الأطفال لنظام التعليم ويكبرون ويتعلمون خوض الحياة مثل البالغين المُنجِزين يفقدون شيئًا وهو ثقتهم الإبداعية، تلك المشاعر الإبداعية الناشئة من النظر للمهمات بلا تصورات مسبقة للنتائج المَرجُوَّة”. لكنّنا لم نفقد كل شيء! فهي تُضِيفُ أنّ “بإمكان الكبار في الواقع أن يتدربوا على استعادة ثقتهم الإبداعية، فعندما يتهيأ الكبار لتبني عقلية طفولية بعيش الإثارة والانفتاح أثناء اللعب بمكعبات الليغو مثلًا، فإنّهم يتمكنون من تحفيز ثقتهم وتعزيز مهاراتهم الإبداعية مع مرور الوقت”.

دعمًا لآراء تايلارد؛ عندما طلب مجموعة من علماء النفس في جامعة ولاية نورث داكوتا من مجموعة من طلاب الدراسات العليا أن يتخيلوا أنّهم في السابعة من العمر قبل أن يُكملوا سلسلة من اختبارات الإبداع حقّقوا تفوُّقًا ملحوظًا على المجموعة المرجعية التي لم تُعطِ التعليمات نفسها.

هناك طريقة أخرى للتفكير خارج الصندوق وهي: أن تطلب من الأصدقاء والمعارف المعروفين بهذه القدرة أن يبحثوا عن خيار آخر مُتَاح لك.

حدد أهدافك

الأهداف هي الغايات النهائية التي يسعى القرار لبلوغها. مثلًا: إذا قَرّرتُ الانتقال من منزلي، لماذا أُتعِب نفسي بهذا القرار؟ ربما لأنّني أريد مساحة أكبر، أو حيًّا آمِنًا، أو وصولًا أسهل لوسائل النقل، أو قُربًا من الطبيعة أو العائلة والأصدقاء، أو مزيجًا من هذا كلّه وأكثر. من المهم عند اتخاذ قرار صعب أن تُدوِّن أهدافك وتُحدِّد كم يتحقق منها مع كل خيار، أظهر البحث الذي أجرته “فالنتينا فيريتي” في قسم الإدارة في كلية لندن للاقتصاد أنّ قراراتنا تُعاني كثيرًا من ضيق نطاق الأهداف (ربما لأنّنا لا نُفكّر خارج الصندوق بما يكفي) وتنصح فيريتي عمومًا بزيادة عدد الأهداف بما يُقارِب 50 في المئة. لذا؛ ألقِ نظرة على أهدافك واسعَ لزيادة عددها.

لنأخذ على سبيل المثال حالة “ميشيل”، وهي مديرة مسرح عملتُ معها، وكانت تُواجِه قرارًا يتعلق بزيادة زوار المسرح، وقبل موعدها معي كان عدد الزوار للمسرح الذي يبعد ساعة بالسيارة عن لندن يتناقص عامًا بعد عام، وتحت إدارتها جُمعت تبرعات لتحسين جودة المسرحيات، لكنّ النتائج لم تكن مُرضِية، فمع العمل الشاق كلّه لم يكن لهذا المسلك أثر على عدد الحضور.

أراد أعضاء مجلس الإدارة الاستمرار في هذا الاتجاه وجذب “شخصيات بارزة”. فكان على ميشيل الاختيار بين الاستمرار في الخطة نفسها حسب رغبة المجلس أو تغيير المسار تغييرًا جذريًا، وهنا تظهر أهمية توسعة الأهداف؛ إذ أوضحت دراسة استقصائية لرواد المسرح والمُمتنِعين عن زيارته -وهم العنصر الأهم- أنّ أهم العوائق التي منعت الجمهور من الحضور هي: بُعد المسرح عن منازلهم (وخاصة للعروض المتأخرة)، قلة مواقف السيارات، قلة العروض للمسرحية الواحدة، رداءة الأطعمة والمشروبات، طول طوابير الانتظار عند شباك التذاكر، رداءة الموقع الإلكتروني وتجربة الحجز عبره. فتبين أنّ المشكلة لا تتعلّق بجودة المسرحيات أصلًا.

بعد أن صارت ميشيل أكثر وعيًا بالأهداف المُتعلِّقة بقرارها، عملت على جدولة العروض في أوقات مبكرة (حتى تُتِيح لسكان لندن اللحاق بالقطار الأخير العائد للمدينة)، وتعاونتْ مع السلطات المحلية لتوفير مواقف مخفضّة لمُرتادِي المسرح، وركزت استثمارها على عدد مسرحيات أقل ولكن بعروض أكثر، وبدّلت مُوظّفي المكاتب الأمامية واستعانت بخدمات خارجية لتقديم الطعام، ثم استثمرت ما تبقّى لديها من أموال في تطوير الموقع الإلكتروني المُموّل أساسًا من الإعلانات.

بزيادة أهدافها من اثنين إلى ثمانية؛ تمكّنتْ ميشيل من تحسين عملية صنع القرار ونتائجها، وفي غضون عامين زادت مبيعات التذاكر بمقدار الثلث رغم زيادة أسعار التذاكر بنسبة 15%. فكانت هذه نقطة تحوُّل للمسرح، فصار بإمكانه ترويج أعمال حديثة بدل الاتِّكاء على ما يملك من “كلاسيكيات”.

استعمل نظام الترجيح للمقارنة بين عدة خيارات

من خلال مقارنة خياراتك منهجيًّا مع مجموعة شاملة من الأهداف؛ قد يتضح أنّ أحدها هو القرار الصحيح، لكن، سيلزمك في الغالب أن تعمل أكثر حتى تتوصل لقرار.

في أرشيف داروين في مكتبة جامعة كامبريدج مُستخلَص ظريف من مذكرات تشارلز داروين كتب فيها عام 1838م قائمة لمحاسن ومساوئ أحد أهم قراراته: هل يتزوج قريبته إيما ويدجوود أم لا، وبعد أن اتّضحَ له تفوُّق جانب (المحاسن) على المساوئ، كتب في نهاية الصفحة: “تزوج- تزوج- تزوج هـ.ط.ث (وهو المطلوب إثباته)”. وبعد ولادة ابنهما العاشر صار بالإمكان أن يُغفر لداروين اعتقاده بسلامة نهجه في اتخاذ القرار. هناك -ولحسن الحظ- مناهج أفضل تُعين على الاختيار.

تُوصِي آني ديوك مؤلفة كتاب: (كيف تقرر How to Decide 2020) بالتفكير في كل خيار على حِدة، مع كتابة النتائج المُحتمَلة لكل خيار، وتقدير احتمالية تَحقُّق تلك النتائج، أرى أنّ هذا النهج مفيد إذا صعب عليك الابتعاد عن خيار مُفضَّل، أو التخلُّص من التحيزات الإيجابية أو السلبية اللاعقلانية.

وأنا أستعمل مع عملائي منهجًا يدمج بين التفكير في الأهداف والتّنبُّؤ بالنتائج المُحتمَلة كما يأتي:

  • أولًا: ما هي الأهداف التي تهدف لها بقرارك؟

  • ثانيًا: ما أهمية كل هدف بالنسبة إليك (من 0-100%)؟

  • وأخيرًا: بالنظر إلى كل خيار من خياراتك؛ كم تقييمك (من 1 – 10)؛ لقدرته على تحقيق هذه الأهداف؟

  • ثم أطلب من عملائي جمع النتائج ومقارنتها، وهذا لا يعني أنّ عليهم بالضرورة أخذ الخيار الذي يحصل على درجات أعلى، لكنّ هذا التمرين يُعين الناس على التفكير في ما يهمُّهم فعلًا.

لتقريب الفكرة أكثر؛ يُوضِّحُ الجدول أدناه مثالًا لاستعمال هذه الطريقة عند الاختيار بين ثلاثة عروض وظيفية مُغرِية، ومع أنّ “الراتب” حصل على أعلى الدرجات إلّا أنّ أول خيارين يظهران أقل جاذبية بعد التفكير في الأهداف الأخرى، مع أنّهما يُقدِّمان رواتب أعلى.

الخيار الأول:

الهدفأهميته (%)التقييم (1-10)النقاط (الأهمية * التقييم)
الراتب3562.1
المنصب1060.6
المستقبل الوظيفي2030.6
بيئة العمل1050.5
الانطباع عن فريق العمل1560.9
المواصلات لمقر العمل1060.6
   5.3

الخيار الثاني:

الهدفأهميته (%)التقييم (1-10)النقاط (الأهمية * التقييم)
الراتب3551.75
المنصب1040.4
المستقبل الوظيفي2030.6
بيئة العمل1040.4
الانطباع عن فريق العمل1530.45
المواصلات لمقر العمل1030.3
   3.9

الخيار الثالث:

الهدفأهميته (%)التقييم (1-10)النقاط (الأهمية * التقييم)
الراتب3531.05
المنصب1080.8
المستقبل الوظيفي2081.6
بيئة العمل1050.5
الانطباع عن فريق العمل1560.9
المواصلات لمقر العمل1060.6
   5.45

أصغِ لمشاعرك

لا شك في أنّ تمارين الترجيح المنهجي جميعها تطلب تعيين درجات واحتمالات بطريقة غير علمية، وتعتمد على عامل “الحدس”. لكنّ هذا لا يُضعِف هذه المناهج؛ فالاستفادة من الجانب العاطفي مُهمّة لنجاح عملية اتخاذ القرار، بل هي العنصر الأكثر أهمية في بعض الحالات.

وكما يقول سيجموند فرويد:

أرى أنّ من المُفِيد النظر في المحاسن والمساوئ جميعها عند اتخاذ قرار قليل الأهمية، لكن، في الأمور الجوهرية مثل: اختيار الزوج أو الوظيفة، يجب أن يأتي القرار من اللاوعي، من مكان ما في بواطن أنفسنا، وأرى أنّ احتياجاتنا الفطرية العميقة يجب أن تحكم قراراتنا الحياتية.

وعلى النهج نفسه سلّطَ أحدث أعمال عالم الأعصاب “أنطونيو داماسيو” الضوء على أهمية العواطف في صُنع القرار؛ إذ يُظهِر بحثه فيما صار يُعرَف بـ “فرضية العلامة الجسدية” أنّ حدس الناس (أي: ردود أفعالهم الجسدية لخيارات مختلفة) تُؤثّر تأثيرًا إيجابيًا على قراراتهم قبل أن يُدرِكوا أسباب مشاعرهم هذه، فعند مُواجَهة القرارات الصعبة يُفِيدُ الاستماع لمشاعرك وعواطفك؛ فهي مُؤشِّر قوي لما تطمح إليه.

لكن، كيف نتوصَّل إلى “احتياجاتنا الفطرية العميقة”؟ إنّ “أساليب” فرويد للوصول إلى اللاوعي مُوثَّقة توثيقًا مُحكَمًا: من التنويم المغناطيسي (الذي تخلّى عنه لاحقًا) إلى الأحلام والتداعي الحر، وبالتّأكيد منزلق فرويد المُسمّى باسمه، لكنّي لا أنصح أن تتّخذ قراراتك الصعبة مُستعينًا بالعلاج النفسي، فلحسن الحظ؛ تتوافر طرائق بديلة “للتعمُّق” في النفس.

فمن الطّرائق النافعة: الكتابة عن كل خيار (نصف صفحة لكل خيار على أوراق مختلفة) ثم التأمُّل في مشاعرك أثناء الكتابة وتجاه الصفحات التي أمامك، لو رميتَ الأوراق في سلة المهملات -واحدة بعد أخرى- حتى لا يبقى منها إلّا واحدة فَبِمَ تشعر وأنت تتخلص منها؟ ومن الطّرائق أيضًا للتوصل لمشاعرك أن تُغمض عينيك وتُفكّر في خياراتك، ثم تُحدّد اللون الذي تراه (وعيناك مغمضتان) عند التفكير في كل واحد من الخيارات، إذا كان أحد الخيارات يبعث في ذهنك لونًا رماديًّا داكنًا، بينما يبعث الآخر لونًا بُرتقاليًّا ساطعًا فهذه علامة أخرى على تأثير العقل اللاواعي.

لستُ أعني هنا أنّ اتخاذ القرارات يُبنى على الحدس فقط، لكن، من النافع مقارنة أساليب اتخاذ القرار العقلانية مع الحدس العميق.

تغلب على الجمود باتخاذ قرارات صغيرة

بعد أن حدّدتَ أفضل خياراتك عليك المبادرة بالعمل، وهنا يتعثر أغلب الناس، فيُعانون من صعوبة شديدة في البدء. وللتغلُّب على هذه المعضلة؛ قسّم القرار الكبير إلى سلسلة من القرارات الصغيرة.

مثلًا: تخيّلْ أنّ شخصًا يُدعَى “بول” يستأجر شقة في نيويورك، وبعد أن أمضى فيها خمسة عشر عامًا قرّر أخيرًا أن يشتريَ بيتًا، لكنّه عاجز عن تنفيذ هذا القرار، فالحل هو أن يُقسِّمَ هذا القرار الكبير إلى سلسلة من القرارات الصغيرة كالآتي:

  • أن يُقرِّرَ المبلغ الذي يستطيع استثماره، والخطوة الأولى هنا هي: التواصل مع البنك أو مع مستشار مالي.

  • أن يُقرِّرَ الموقع الذي سيشتري فيه والحد الأدنى للمساحة التي تُريحه، وعليه ضمن هذه الخطوة أن يُفكّرَ في أهدافه الأخرى (مثل: بُعد الموقع عن العمل والأصدقاء، وقربه من الحدائق، إلخ).

  • أن يُقرِّرَ: أيٌّ من العقارات المتوفرة يقع ضمن ميزانيته، ثم يُقيِّم ما يُعجبه منها بناء على أهدافه.

وما هذه إلّا بداية العملية، لكنّ البدء بهذا المستوى من الوضوح يخلق زخمًا يدفعه للتقدُّم.

لعلّ ما يمنعك من تنفيذ قرارك هو الشك في حسن اختيارك، وفي هذه الحالة عليك العودة ومراجعة الخطوات السابقة في هذا الدليل إلى أن تثق في قرارك النهائي.

النقاط الرئيسة- كيف تتخذ قرارات صعبة

  1. افهم أسباب صعوبة بعض القرارات. فليست المخاطر العالية هي السبب الوحيد: أحيانًا يَكمُن السبب في ماضيك.

  2. إنّ تجنُّب اتخاذ القرار هو قرارٌ في الواقع. من المُغرِي تأجيل القرارات الصعبة، لكنْ، هذا بحد ذاته قرار، وهو قرار خاطئ على الأرجح.

  3. تعرف على جوانبك النفسية المختلفة ورغباتها. اعرف رغبات كل جانب من جوانبك، وحاول التوصُّل إلى حل وسط يُرضيها جميعًا.

  4. ضع مسافة بينك وبين القرار. تخيّلْ أنّك تنصح صديقًا يُواجه المشكلة نفسها، أو تخيّلْ مشاعرك بعد 10 أيام/ و10 شهور/ و10 سنوات بعد اتخاذ القرار أو تجنُّبه.

  5. فكر خارج الصندوق. حتى تستكشف طرائق جديدة للتفكير في المشكلة نفسها تَبنَّ عقلية الطفل الخياليّة، أو اسأل صديقًا مُبدِعًا.

  6. حدد أهدافك. ما الذي تسعى لتحقيقه حتى تحكم بنجاح قرارك؟ زيادة الأهداف تقود لقرارات أفضل.

  7. استعمل نظام ترجيح للمقارنة بين عدة خيارات. فمن خلال مقارنة خياراتك منهجيًّا مع مجموعة شاملة من الأهداف؛ قد يتضح أنّ أحدها هو القرار الصحيح.

  8. أصغِ لمشاعرك. فالاستماع لمشاعرك وعواطفك مؤشر قوي لما تطمح إليه، كما أنّ الكتابة عن الخيارات مفيدة.

  9. تَغلّبْ على الجمود باتخاذ قرارات صغيرة. بعد اتخاذ القرار قد يصعب البدء في تنفيذه، قسّمْ القرار الكبير إلى قرارات صغيرة دقيقة.

كيف تتخذ قرارات صعبة تحت الضغط

تمنحنا بعض القرارات الصعبة وقتًا كافيًا لاتخاذها؛ فاختيار مهنة جديدة مثلًا لا يُؤخذ على عجل، وفي هذه الحالات ستمنحك الخطوات المذكورة أعلاه الثقة في قراراتك ونتائجها المحتملة.

لكن، قد نحتاج إلى اتخاذ قرارات تحت الضغط، وأحيانًا في ثوانٍ معدودة. مثل: حال الجرّاح في غرفة العمليات، أو الممرضة في خضم أزمة كوفيد-19، أو مُراقِب حركة جويّة عليه تحويل مسار طائرة لتجنُّب حادث وشيك، أو رجل إطفاء عليه أن يُقرِّرَ إرسال فريقه لبناية مشتعلة؛ حتى يُنقِذ حياة فرد واحد؛ مُعرِّضًا الجميع للخطر.

عمومًا، يُشوِّشُ اتخاذ القرار تحت الضغط أحكام الناس بطرائق ثلاث على الأقل:

  • يميل الإنسان إلى التصرُّف تحت الضغط كما لو أنّه لا يملك وقتًا، حتى لو لم يكن ذلك صحيحًا، فنحن نملك من الوقت أكثر مما نظن غالبًا.

  • يقود الضغط الناس إلى تبنّي وجهة نظر ضيقة للوضع القائم، وفي المواقف العصيبة يُركِّز الإنسان على القرار، مُتجاهِلًا المعلومات المُحِيطة مع أنّها قد تكون مفيدة، ويُسمَّى هذا “النفق المعرفي”.

  • بينما يُواجه آخرون مشكلة معاكسة، خاصة عند مواجهة قرارات تبدو مُساوِية في السوء، وهي “الجمود عن اتخاذ القرار” وهو مصطلح صاغه عالم النفس الجنائي البريطاني “لورنس أليسون”. ويقول أليسون إنّ “صناع القرار البَارِعين يُحدِّدون متى تزيد تكلفة تأخير القرار عن أي قرار يتخذونه”.

أجرت عالمة النفس البريطانية ورئيسة قسم الإطفاء “صابرينا كوهين هاتون” بُحوثًا حول صنع القرار تحت الضغط الشديد، وطوّرت منهجًا لذلك في سياق قيادة الحوادث في خدمات الطوارئ، يُمكِن تطبيقه على مجالات أخرى في العمل أو الحياة، فتقترح أن يسأل الناس أفرادًا وجماعات أنفسهم خمسة أسئلة:

  • ما سبب اتخاذنا لهذا القرار؟

  • ماذا سيحدث برأينا لو أخذناه؟

  • هل تتساوى منفعة القرار مع مخاطره؟

  • هل نملك فهمًا ورأيًا مشتركًا حول المشكلة؟ يعني هذا في حالة مهمّات مكافحة الحرائق التأكُّد من اتفاق رجال الإطفاء جميعهم على فهم واحد للموقف، وعلى النهج الواجب اتباعه.

  • هل يتماشى القرار الجماعي مع رأيي وخبرتي المهنية؟

لِنُحاول تطبيق هذا النهج في عالم الأعمال، وفي وضع أقل إثارة ينبغي لك أنت وزملاؤك أن تُقرّروا كيف تتصرفون بعد أن تَلقّتِ المرشحة المُفضَّلة لديكم ذات المؤهلات العالية عرضًا من منافسكم الرئيس يفوق عرضكم بثلاثين في المئة (والوقت ضيق؛ لأنّ لوسي أخبرتكم أنّ مُنافِسَكم أعطاها 24 ساعة لِتُقرّر). إنّ الخيار الواضح أمامكم هو إعطاء لوسي عرضًا يُساوي عرض منافسكم، أو التّخلِّي عن فرصة توظيفها.

احرصْ على ألّا يكون قرارك مدفوعًا بالخوف من الخسارة، وألّا ترفض هذه المُرشّحة الواعدة بسبب العزة بالنفس، وبتطبيق منهج كوهن هاتون لصنع القرار على هذا الوضع؛ أقترح أن تسأل أنت وزملاؤك أنفسكم هذه الأسئلة:

  • تأكد من أنّ أفراد الفريق يسعون للأهداف نفسها: في هذه الحالة، ما هو المنصب الذي تُحاولون شغله، وما المؤهلات المطلوبة؟

  • ماذا سيحصل باعتقادك لو قدَّمتم عرضًا مُساوِيًا لمنافسكم أو لم تقدموا؟

  • إذا قرّرتُم تقديم العرض؛ ما الآثار المترتبة على شركتكم جراء ذلك (سواء من الناحية المالية أم فيما يتعلق بتخصيص الموارد وإدارة الفريق)؟ وإذا فشلتم في توظيف لوسي، ما تأثير ذلك على عملكم؟

  • هل تتفقون جميعًا على عقلانية تقديم عرض مُساوٍ للمنافس؟ هل تتفقون على حزمة التعويضات الأفضل لديكم؟

  • هل يتعارض القرار الذي تميل إليه مع أحكامك المهنية والأخلاقية، أم أنك مطمئن له تمامًا؟

سَتُعِينكَ الإجابة عن هذه الأسئلة على مواجهة التحيُّزات المؤثرة في صنع القرار تحت الضغط.

بالاقتراب من نهاية هذا الدليل يجدر بنا تذكُّر أنّ الصعوبات التي تُرافِق اتخاذ القرارات ليست دائمًا علامة ضعف يحتاج إلى علاج، بل على العكس قد تدل هذه الصعوبات على أنّك مُنفتِح على آفاق جديدة، تستكشف المجهول وتُطوِّر نفسك، وفي هذه الحالة عليك أن ترى القرارات الصعبة بوصفها ضرورة من ضرورات العلو، ونداءً للتطور؛ حتى تُصبِح نسخة أفضل من ذاتك، وفرصة لتتعلَّم الكثير عن نفسك.

كتب ومصادر أخرى

يبحث كتابي: (The Art of Decision Making 2019) في الجذور العميقة للتردُّد، ويُقدِّم دليلًا لزيادة القدرة على اتخاذ القرار وتحسين جودة القرارات.

يعرض مقطع الفيديو لحديثي في مكتبة واتكنز بوكس في لندن النقاط الأساسية في الكتاب.

أبحث في ندوة (Decision Making Decoded 2021) موضوع صنع القرار بوصفه معادلة تُوضَّح عناصرها بالاستعانة بأمثلة من حياتنا اليومية. 

في مقالة (How to Tackle Your Toughest Decisions 2016) لجوزيف باداراكو في مجلة “هارفارد بزنس ريفيو”. صاغ باداراكو أستاذ أخلاقيات الأعمال في كلية هارفارد للأعمال خمسة أسئلة تُساعد على رؤية أكثر الخيارات صعوبة من وجهة نظر جديدة.

في مقالة (How to Make the Right Decisions Under Pressure 2020) للكاتب “إيان ليزلي” للمجلة الرقمية بي بي سي وورك لايف يُقدِّم الكاتب رؤًى شيقة لبعض الأبحاث الأكاديمية حول أثر التّوتُّر على قراراتنا وكيفية التغلُّب عليه.

كتاب (Looking for Spinoza: Joy, Sorrow, and the Feeling Brain 2003) لأنطونيو داماسيو، تنويري ومثير؛ حيث يُوازي بين أعمال الفيلسوف الهولندي الذي عاش في القرن السابع عشر وبين الاكتشافات الحديثة في علم الأعصاب.

كتاب (The Heat of the Moment: A Firefighter’s Stories of Life and Death Decisions 2019) لصابرين كوهين هاتون، وهي واحدة من ستّ نساء يَعْملنَ في رئاسة أقسام الإطفاء في الولايات المتحدة، وتحمل شهادة الدكتوراه في علم الأعصاب السلوكي.

المصدر

مقالات ذات صلة