القائمة الرئيسية

العمل، والأجور، والتدريب المهني: البحث عن دلائل حول حياة الفتيات في مصر القديمة

العمل، والأجور، والتدريب المهني: البحث عن دلائل حول حياة الفتيات في مصر القديمة
ملخص المقال

يتناول المقال قلة المعلومات المتوفرة عن حياة الأطفال في مصر القديمة، لا سيما الفتيات العاديات اللواتي لم تحظَ حياتهن بالاهتمام الكافي في السجلات التاريخية التي تركز غالبًا على النخبة. يسلط المقال الضوء على تحديات تحديد مفهوم ""الفتاة"" في النصوص الهيروغليفية، ويبرز كلمة ""شرييت"" التي تشير إلى الفتيات العاملات في الوثائق الإدارية، مما يدل على مشاركتهن الاقتصادية المبكرة. يستعرض المقال اكتشافات أثرية من مدينة إلفانتين التي توضح أن الفتيات كن يتلقين أجورًا عن عملهن في ورش النسيج، وكان هناك نظام تدريب منظم يجمع بين الفتيات والحرفيات. كما يوضح المقال أن حياة الفتيات كانت مرتبطة بالطبقة الاجتماعية والوضع القانوني، حيث تضمّن المجتمع مهاجرين ومستعبدين. في النهاية، يؤكد المقال أهمية النظر إلى مصادر متنوعة لتكوين فهم أعمق لحياة الفتيات في مصر القديمة، مع الاعتراف بأنهن كن مساهمات فاعلات في الاقتصاد وليس مجرد مشاركات سلبيات في المجتمع.

نعلم القليل جدًا عن حياة الأطفال في مصر القديمة.

والسجلات المتاحة غالبًا ما تركز على حياة النخبة، مثل الملك الصغير أو أبناء كبار المسؤولين، الذين يبرزون بشكل أكبر في الأدلة المادية المتبقية، لا سيما في الفن الجنائزي. وكان معدل وفيات الرضع مرتفعًا في تلك الحقبة.

نتيجة لذلك، تركز أغلب الدراسات في علم المصريات على تمثيلات الطفولة في مصر القديمة على حياة الأولاد والشباب الذكور.

ولكن، كيف كانت حياة الفتيات العاديات في مصر القديمة؟

البحث عن كلمات هيروغليفية تدل على الفتيات
تكمن المشكلة الأولى في دراسة حياة الفتيات في مصر القديمة في الإجابة على السؤال: من هي الفتاة في مصر القديمة؟

لم يكن العمر الزمني يُسجل دائمًا من قبل المصريين القدماء في رسائلهم أو نقوشهم.

بدلاً من ذلك، كانت كلمات عامة أكثر ورموز هيروغليفية ترافق عادةً صور الرجال والنساء والأطفال للدلالة على أدوارهم الاجتماعية.

كانت هذه الكلمات والرموز مرتبطة بشكل غير مباشر بالتطور البيولوجي.

على سبيل المثال، كانت الكلمات الهيروغليفية التي تدل على الرضع والأطفال الصغار تُصاحب غالبًا بصورة طفل صغير جالس، أحيانًا مع إصبع مرفوع إلى فمه.

من بين الكلمات التي استخدمت لوصف الفتيات الصغيرات اللواتي يتحدثن ويمشين ويشاركن إلى جانب البالغين في أعمالهم، كانت كلمة ""شرييت"" (sheriyt).

وهي كلمة غالبًا ما تُذكر في الوثائق الإدارية القديمة التي تسجل دفع الأجور، وتشير إلى فتاة عاملة. وكانت هذه الفتيات تُميز في الوثائق عن النساء الأكبر سنًا، رغم صعوبة تحديد أعمارهن بدقة.

وبذلك تكشف السجلات الإدارية المكتوبة والأدلة الأثرية أن الفتيات من مختلف الطبقات الاجتماعية كنّ يندمجن في النشاط الاقتصادي منذ سن مبكرة.

الدفع مقابل العمل
توفر مدينة إلفانتين، الواقعة عند الحدود الجنوبية لمصر بالقرب من أسوان الحديثة، نافذة فريدة على الحياة الحضرية لبعض الفتيات اللاتي عملن في ورش النسيج خلال المملكة الوسطى المصرية القديمة، التي تعود تقريبًا للفترة بين 2030 و1650 قبل الميلاد.

في عام 1996، عثر علماء الآثار على وعاء خزفي تم إعادة استخدامه كسطح كتابة في أحد المنازل ضمن المستوطنة الحضرية المكتظة.

قام المنقبون بتأريخ الوعاء في البداية إلى عهد الملك أمنمحات الثالث، الذي حكم قبل نحو 3800 عام. ومع ذلك، وبالاعتماد على أسلوب الخط وأنواع الأسماء الواردة، قام بعض العلماء بتأريخه إلى فترة أقدم. يحتوي الوعاء على قوائم بدفعات من الحبوب مخصصة لعمال النسيج على مدار شهر كامل.

ما يجعل هذا الوثيقة مهمة للغاية هو أنها تذكر أسماء ما لا يقل عن 18 عاملاً طفلاً، منهم 11 فتاة مميزة بوضوح بالكلمة المصرية ""شرييت""، يعملن جنبًا إلى جنب مع 28 امرأة بالغة.

تُظهر القائمة أن النساء البالغات في هذه الورشة كن يتلقين بين 50 و57 ""هقات"" (أي ما يعادل حوالي 240-274 لترًا) من الحبوب – رغم عدم وضوح ما إذا كانت هذه دفعة واحدة، أو دفعة شهرية، أو نوعًا آخر من الدفع. وكانت الفتيات يحصلن على أجور أقل لكنها لا تزال مهمة تتراوح بين 3 و7 ""هقات"" (حوالي 14-34 لترًا).

ويبدو أن بعض النساء البالغات الأخريات حصلن على حصص مماثلة للفتيات، إلا أنه من الصعب معرفة وضعهن الاجتماعي أو أعمارهن بدون معلومات إضافية.

تؤكد هذه الوثيقة ليس فقط أن الفتيات كن يتقاضين أجورًا مقابل عملهن، بل تشير أيضًا إلى وجود نظام تدريب منظم حيث عملت الفتيات والفتيان الصغار جنبًا إلى جنب مع الحرفيات المتمرسات.

ويأتي هذا تأكيدًا للأدلة المستمدة من الفنون البصرية التي تصور ورش النسيج من نفس الفترة.

الحياة العملية والحياة المنزلية
تشير الأدلة الأثرية إلى أن إنتاج النسيج كان يتم داخل المنازل وفي ورش مخصصة لهذا العمل على حد سواء.

تشير الحفريات في إلفانتين إلى أن المنازل كانت تحتوي على عدة غرف متعددة الأغراض، تشمل ساحات، ومداخل، ومطابخ مع أفران (يمكن التعرف عليها من خلال الجدران السوداء ورواسب الرماد)، وأيضًا سلالم محتملة تؤدي إلى أسطح المنازل.

كان الخصوصية محدودة، وكانت الحياة اليومية تتضمن تفاعلًا وثيقًا مع الحيوانات، كما تدل عليه وجود حظائر حيوانات ملحقة بالمنازل.

مؤخرًا، بالقرب من المنزل الذي عُثر فيه على قائمة الحصص، وجد علماء الآثار إبرًا، ومغازل، ومراوح، وبقايا أوتاد لآلة نسيج كبيرة.

وُجدت هذه الأدوات داخل المنازل وفي الساحات الملحقة بها.

من الصعب تحديد الاستخدام الدقيق لهذه المباني، ولكن من المحتمل أنها كانت تخدم أغراضًا متعددة.

الحياة المتأثرة بالطبقة والوضع القانوني
لم تعش كل الفتيات في إلفانتين نفس التجربة الحياتية. فقد كان لموقع المدينة على الحدود الجنوبية لمصر في تلك الفترة أثر كبير، إذ احتضنت سكانًا متنوعين من بينهم مهاجرون، وأشخاص مستعبدون، وعمال مؤقتون.

توثق رسالة تعود إلى عهد الملك أمنمحات الثالث وصول بعض العائلات، بما في ذلك نساء وأطفال، إلى إلفانتين بحثًا عن عمل خلال فترة مجاعة في مناطقهم الأصلية.

-تشير هذه الرسالة القديمة إلى عائلات، بما في ذلك نساء وأطفال، يبحثون عن عمل.
© أمناء المتحف البريطاني.

يمكن مقارنة هذه الأدلة بوثيقة قانونية من نفس الفترة الزمنية لكنها من مدينة مصرية أخرى، هي اللاهون. تذكر هذه الوثيقة شراء ونقل نساء وأطفال مستعبدين يُطلق عليهم اسم ""أماوت""، وهو يشير إلى منطقة في غرب آسيا. وتُظهر الوثيقة أنهم حصلوا على أسماء مصرية جديدة.

تُذكرنا هذه الوثائق بأن عوامل مثل الطبقة الاجتماعية والوضع القانوني قد شكلت حياة الفتيات بعمق على الدوام.

تقدير عمل الفتيات
إن الوصول إلى الأفكار والمشاعر والمنظورات اليومية للعديد من الأشخاص في مصر القديمة، وخصوصًا الأطفال، يمثل تحديًا كبيرًا للمؤرخين. فعلى سبيل المثال، لا نمتلك ثروة من اليوميات الشخصية التي تكشف عن الحياة الداخلية للفتيات في تلك الحقبة.

لكن من الواضح أن الفتيات لم يكنّ مجرد مشاركات سلبيات في المجتمع، بل كنّ مساهمات اقتصاديات فاعلات، وغالبًا ما كن يتلقين تعويضًا رسميًا عن عملهن.

يجب على المؤرخين دائمًا أن يتجاوزوا السياقات النخبوية ليشملوا أنواعًا متنوعة من الأدلة ، مثل الوثائق الإدارية، والبقايا الأثرية، والتمثيلات الفنية ، لبناء صورة أكثر اكتمالًا عن حياة القدماء.

مقالات ذات صلة