القائمة الرئيسية

البحث عن تجربة ذاتية عميقة

البحث عن تجربة ذاتية عميقة
ملخص المقال

يناقش المقال جوهر النفس البشرية المتمثل في التجربة الذاتية التي توجه جميع اختياراتنا وأهدافنا، مشيرًا إلى أن هناك تنوعًا هائلًا ومتغيرًا باستمرار من الحالات الذهنية البشرية على كوكب الأرض، كما يمكن أن تمتد إلى الكائنات الأخرى. ويؤكد المقال أن جودة تجربتنا الذاتية هي الأهم في حياتنا، فهي تحدد كيف نعيش ونتفاعل مع العالم، وأن فهم هذه التجارب محدود بسبب طبيعتها الذاتية التي لا يمكن ملاحظتها مباشرة من الخارج. لذلك، يدعو إلى تعلم مراقبة حالات وعينا وتجاربنا الذاتية بشكل واعٍ لاختيار تجارب عقلية صحية ومفيدة، مع إدراك الترابط العميق بين ذاتنا وجودة حياة الآخرين والطبيعة المحيطة.

بقلم: الدكتور باتريك دي فيليشاور. 

النقاط الرئيسة:

  • تُعدّ التجربة الذاتية جوهر نفسيتنا.
  • إن التجارب الذاتية هي التي توجه الاختيارات جميعها التي نتخذها، وتحدد الأهداف جميعها التي نضعها لأنفسنا.
  • لا يمكننا معرفة عالمنا العقلي إلا عن طريق حياتنا مباشرة.

تجربة الذات في علاقتها بالحياة

في الوقت الحالي، يتألف عالمي العقلي من رؤية درجات الألوان الخريفية الدافئة في حديقتي، في حين أتذوق مزيجًا من حبوب البن الإثيوبية وأستمع إلى صوت موسيقا بوسا نوفا لستان جيتز في الخلفية. هذه إحدى الحالات العقلية المفضلة لدي للكتابة والتأمل في طبيعة العقل البشري؛ إنها حالة تدعم إبداعي.

حاليًا، يوجد حوالي 8 مليارات حالة مختلفة من التجارب الذاتية، تتحول وتتغير باستمرار. تظهر حوالي أربع تجارب ذاتية بشرية جديدة في الثانية على كوكبنا. لا نعرف ما إذا كانت التجارب الذاتية موجودة على كوكبنا فحسب، فربما توجد تغيرات على أحد الكواكب الخارجية التي تكشف لنا التلسكوبات الفضائية المستمرة عنها.

إذا جرى تضمين التجارب الذاتية المحتملة جميعها للحيوانات، فإن هناك كمية هائلة ومتغيرة باستمرار من التجارب الذاتية، وهذا يطرح بعض الأسئلة المثيرة للاهتمام: متى نشأت تجربة الذات في العقل الحي؟ فتجربة الذات تكمن في صميم علم النفس لدينا.

البحث عن تجارب الذات

في أنحاء العالم جميعه، يبحث الشباب عن تجارب ذاتية عميقة، وفي المدن الرئيسة جميعها في العالم، يتألف هذا البحث من مزيج من الإيقاعات الصاخبة والملموسة والجذابة، وغالبًا ما تكون مختلطة أحيانًا مع مزيج من المنشطات المخدرة والكحولية. يبحث الشباب في أنحاء العالم جميعه عن تجارب ذاتية عميقة.

ويسعى بعض آخر إلى بلوغ ذروة التجارب في الرياضات الخطرة التي تتضمن تحديات شديدة ومخاطر عالية. أصبحت الصحة والعافية صناعة تبلغ قيمتها تريليون دولار، وكذلك الكوكايين. توجه تجارب الذات الخيارات جميعها التي نقوم بها وتحدد الأهداف كلّها التي نحددها لأنفسنا.

لذلك، من المهم جدًا أن نسأل عن جودة هذه الحالات العقلية. هل أنت جندي مجبر على حمل سلاح في إحدى الحروب العالمية الجديدة؟ هل أنت رضيع في بيئة فُجّرت للتو؟ أم أنك قائد عالمي يقرر أين ستسقط القنابل التالية؟

إن جودة الذات التي نختبرها أكثر أهمية من أي شيء آخر، وينطبق هذا على العوالم العقلية كلّها، بصرف النظر عن الجنس أو العرق أو العمر أو الدخل. حتى بالنسبة للحيوانات، سواء أكانت برية أم مستأنسة.

ما يحدث في عوالمنا العقلية: مجموعة غنية ومتنوعة من الأفكار والعواطف والدوافع والأحاسيس والمشاعر والذكريات التي تتغير باستمرار. لا يوجد عالمان عقليان متماثلان، أو يظلان دون تغيير. 

كيف نُمثّل تجاربنا بالنسبة لحياة أخرى؟ 

ما الذي نعرفه عن تلك الأنشطة العقلية كلّها التي تحدث فيما نسميه عقلنا؟ عادةً ما تحدث هذه التجارب دون تدخل منا وننغمس في محتواها. هل لدينا قدر من الاختيار في تكوين حالاتنا العقلية، أم نُجبر على تحملها؟

إننا نمتلك بعض الأساليب التي تمكننا من اكتشاف ما يحدث في العقل البشري. يمكننا مراقبة التعبيرات والسلوكيات من الخارج لعقول الآخرين. يمكننا الاستماع إلى القصص التي يروونها لنا عن تجاربهم الذاتية. يمكننا استخدام مجموعة واسعة من التقنيات لمراقبة الدماغ في أثناء عمله، ولكن ما نراه دائمًا يمثل ما يحدث في خلايانا وأعصابنا.

لا يوجد طريقة للخروج من عقلنا ومراقبته. نحن لا نراقب أبدًا حالة عقلية أخرى مباشرةً. لذلك، إلى حد ما، نحن دائمًا نخمن ما يفكر فيه وما يشعر به الشخص الآخر. نجري تصفية المعلومات: نضيف ونحذف، نكبر ونقلل. يمكننا مراقبة عقلنا الخاص مباشرةً فقط.

لكن ما نراه هو فقط الطبقة العلوية من عديد من الطبقات الأساسية للنشاط الخلوي والعصبي. الذكريات والعادات جميعها التي تشكلت ثقافيًّا والتي اكتسبناها خلال تاريخ حياتنا تكمن تحت ذلك العالم العقلي المرئي، ونحن لا نراها. نرى فقط جزءًا صغيرًا من محتوى عقلنا الخاص، ونرى حالة العقل للآخرين بشكل غير مباشر فقط. يواجه علم النفس حاجزًا معرفيًا.

يمكننا تعلم تحسين ملحوظاتنا وتكنولوجيتنا. يمكننا تدريب الإدراك الداخلي لتجربتنا الذاتية، ومهما كشفت تكنولوجياتنا، نبقى دائمًا مع تجربتنا الذاتية الخاصة. يمكننا تسمية هذا الحاجز وجوديًا: لا يمكننا سوى أن نشعر ونختبر جودة حالتنا العقلية الخاصة.

وفي ذلك، ما هو لنا؟ ما الذي ينتمي إلينا؟ تتداخل أدمغتنا مع أجسادنا، وأجسادنا متصلة بعمليات البناء الضوئي وجهاز ATP synthase الذي تنتجه عمليات تطورية معقدة جدًّا ناتجة عن مليارات السنين من التطور.

إذن، ما الذي يمكننا فعله لإنشاء تجارب ذاتية صحية واتخاذ خيارات تحسن جودة تجارب الآخرين الذاتية؟ يمكننا التعلم. يمكننا البدء بتعلم مراقبة حالة وعينا الطبيعية، ويمكننا أن نلحظ حالاتنا العقلية المتغيرة باستمرار دون الاندماج فيها.

يمكننا أن نتعلم أن نستمتع بالحالات الطبيعية البسيطة للوجود، مثل مشاهدة أطفالنا وهم يلعبون في ظلال الخريف الدافئة، ويمكننا مشاهدة أحفادنا وهم يلعبون، في حين نتذوق مزيجًا من أوراق الشاي ونسمع صوت أوراق الأشجار الهامسة في الوقت نفسه.

يمكننا البدء بتكوين حالات داخلية بسيطة ونوعية والاختيار من بينها. ماذا نختار؟ ما هي الحالات العقلية التي نرغب في تجربتها: نشوة النبض النفساني، النشوة الجنسية، فراغ التأمل، أو حتى الحالة الطبيعية للعقل السليم؟ توجد كثير من التجارب الذاتية الممكنة.

أيًّا كان ما نختاره، فإن تجربتنا الذاتية تنشأ دائمًا من الحالة الحسية الداخلية للعقل المتجسد والمتأصل في الحياة بعمق وحميمية، وترتبط جودة ذاتنا بشكل أساسي بجودة حياة الآخرين والحياة الأخرى، لأن هويتنا هي هذا الارتباط الحميم بين الوعي بالحياة.  

المصدر 

مقالات ذات صلة