علاقتي شبه الاجتماعية مع المؤثرة الشهيرة جين إم عبر وسائل التواصل الاجتماعي مستمرة بقوة منذ ثمانية أعوام، اكتشفتها لأول مرة عبر مقطع فيديو بعنوان “تعرّف على صديقي”، ومنذ ذلك الحين، مع أكثر من 3 ملايين مشترك آخرين، استمررت في متابعة ما تأكله في اليوم ومنتجاتها المفضلة لهذا الشهر، أصبحت مقاطعها متنفسًا لعقلي، مما يتيح لي الاسترخاء من خلال مشاهدة حياتها الجميلة والمليئة بالإنتاجية.
إلا أن جين قامت بتعقيد الأمور عن طريق إضافة موضوع يختلف عن محتواها المعتاد، وهو مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، تحدثت مؤخرًا عن الانقطاع عنها لصالح صحتها، كما نشرت “قصة” عبر الإنستغرام عن مخاطر ChatGPT ومقطع فيديو على يوتيوب، وأوصت بقراءة كتاب بعنوان “Amusing Ourselves to Death” لنيل بوستمان، وهو عمل نقدي إعلامي بارز منذ عام 1985م ينتقد اختزال التلفاز للحياة إلى هدف الترفيه، (شملت توصياتها الأخرى كتابًا بعنوان “Stolen Focus” للكاتب يوهان هاري و”Recapture the Rapture” للكاتب جيمي ويل).
تستغل منصات وسائل التواصل الاجتماعي “الجوانب التي نشعر بانعدام الثقة فيها، وتستغل ما يغرينا”، قالت جين في مقابلة أدت إلى تحول علاقتنا شبه الاجتماعية -على الأقل لمدة ساعة- إلى علاقة اجتماعية حقيقية، “وأنا ألعب دورًا في هذا”، تكسب جين المال من خلال الإعلانات، ويُعد ذلك جزءًا من عمل أي مؤثر، “هذه هي الطريقة التي أدفع بها فواتيري وأدعم بها عائلتي”، كما قالت، “ولكن هذا ليس سوى جزء صغير من الأمر برمته”.
لقد لاحظت انتقاد جين لوسائل التواصل الاجتماعي لأول مرة في فيديو للأسئلة والأجوبة، حيث ناقشت العلاقات شبه الاجتماعية، تميّز الفيديو بجماله الاستثنائي، تألقت جين بملابس رائعة في مطبخها بكاليفورنيا، وكانت ترتدي أقراطًا ماسية من ماركة 8 Other Reasons، وروّجت بشكل سلس لماركة إستي لودر وهي ترتدي رداءً من ماركة Parachute قبل أن تنتهي الدقيقتان الأوليان، توضح للكاميرا أنها تؤيد العلاقات شبه الاجتماعية، ولكن فقط إذا كنّا على علمٍ بأننا في واحدة، وتؤكد قائلةً: “هذه العلاقات لا تستبدل الصداقات والعلاقات الحقيقية الحالية، إنما هي إضافية، يجب أن تكون إضافة إلى حياتك، وليس استبدالًا”، جلست هناك أشاهدها تتحدث عن العلاقات شبه الاجتماعية، وأنا أستوعب سخرية كوني في واحدة معها.
تُضفي مقاطع الفيديو الخاصة بنمط الحياة طابعًا رومانسيًّا على أكثر الأجزاء العادية من الحياة اليومية، بطريقة قد تبدو غير منطقية للمبتدئين، يقوم الناس بتسجيل أنفسهم وهم يتسوقون ويفرشون أسنانهم، ولكن بشكل جمالي مع موسيقى خلفية هادئة وتعليقات صوتية لأفكار المؤثر، فمشاهدة شخص آخر يعيش حياته أسهل من أن أعيش حياتي، وأستنبط منه أفكارًا حول كيفية تحسين وجودي، ولكن كلما زاد وعيي بالهيكل التحتي للواجهة؛ زاد شعوري بالارتباك.
الاعتراف بآليات عمل وسائل التواصل الاجتماعي الداخلية، مع كشف مبدئي للمحتوى عبر المحتوى نفسه من قبل صانعي المحتوى، هو ما وصفته أليس مارويك، أستاذة الاتصالات المشاركة في جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، كـ “محتوى وصفي (meta-content)”، يمكن أن يكون المحتوى الوصفي واضحًا، مثلما نشر المؤثر كيسي نيستات عندما تساءل، في فيديو، عما إذا كان توثيق حياتك يمنعك من التواجد بشكل كامل فيها، أو عندما شرحت ميغان ماركل، في فيديو مصوّر بالكاميرا الأمامية لسلسلة وثائقية عن هاري وميغان، لماذا قامت هي والأمير هاري بتسجيل العديد من الفيديوهات وسط انهيار العائلة، أو عندما ذكرت المؤثرة جاكي أينا في فيديو عبر اليوتيوب عن “احتراق المؤثرين الوظيفي” أن إنتاج الفيديوهات يهدف في جوهره إلى الحصول على مشاهدات، ولكن يمكن أن يكون المحتوى الوصفي غير واضح، كمؤثر يمر على عدسة الكاميرا قبل أن يعود ليحمل الكاميرا، أو المؤثرين الذين يوثقون أنفسهم أثناء تحرير الفيديو الذي تشاهده، مما يشوش حدود الزمان والمكان.
لا يهتم الجمهور، ويستمرون في المشاهدة، مقبلين تمامًا على الأداء، ربما لأن تزايد المحتوى الوصفي يعد وسيلة لفهم الأصالة من خلال الاعتراف بالتصنع، خصوصًا في وقتٍ يكون فيه الدخول إلى المجال أسهل من أي وقت مضى، يرغب الجمهور في معرفة ما هو “حقيقي” وما هو ليس كذلك، كما توضح سوزان موراي، أستاذة دراسات الإعلام في جامعة نيويورك، “تُربكنا فكرة وجودنا في وقت لا يمكننا فيه الوثوق بأي مصادر، لا توجد أرض صلبة نقوم عليها، ويتم التشكيك في كل شيء”، لذلك نستمر في البحث، كما تقول موراي، عن “الأشياء المتفق عليها، فهمنا الأساسي لما هو حقيقي وصحيح”، ولكن عندما ينتقد المحتوى الذي نستهلكه ذاته، نتساءل ما إذا كان بإمكاننا حقًّا الهروب من مؤامرات وسائل التواصل الاجتماعي، ربما عندما ننظر مباشرة إلى الهاوية، نبدأ في الاستمتاع برفقتها.
الأصالة الرقمية –التي وصفتها مارويك على أنها “مبنية ثقافيًّا” منذ البداية– تتغير على مر السنين، في موقع تمبلر وتطبيق الإنستغرام في بداية عام 2014م، مثّل الكمال المنسق الطريقة المثالية للتواجد في عالم الإنترنت، على سبيل المثال، صورة لرأس فتاة من الخلف، بشعرٍ متموج وشريطة زرقاء، في السنوات التالية، اكتسحت الساحة الصور المصوّرة بالكاميرا الأمامية بدون مكياج وبتعليقات طويلة وشخصية على الإنستغرام، مما يشير إلى الرغبة في تحقيق الأصالة من خلال الشفافية والتأمل، تم انتقاد جميع هذه الأنواع، فيجادل النقاد الثقافيون بأن الوجود على الإنترنت هو دائمًا أداء مصطنع، وصفت جيا تولينتينو في كتابها لعام 2019م بعنوان “Trick Mirror” كيف أن الإنترنت -على عكس المسارح الفعلية- يفتقر لكواليس يعلّق فيها الأداءعلى الإنترنت، “يمكن لجمهورك أن يستمر في التوسع، ولن ينتهي الأداء أبداً.” الاحتيالات عبر الإنترنت في هذه الفترة، مثل مهرجان فير (Fyre Festival) وكارولين كالواي، اعتمدت على الواقع المفبرك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إذا كان كل شيء مزيفًا على أي حال، فلماذا نظهر الحقيقة؟
ثم جاء تطبيق “بي ريل” (BeReal)، وهو تطبيق اجتماعي يرسل إشعارات فورية مرة واحدة في اليوم للمستخدمين لالتقاط صور متزامنة بالكاميرات الأمامية والخلفية دون تصفية أو تعليقات، تم وضعه كمضاد لعدم الأصالة على الإنترنت، ولكن كما كتبت آر إي هاولي، “لا يكمن الفرق بين بي ريل والعمالقة في وسائل التواصل الاجتماعي في علاقة بي ريل بالحقيقة، وإنما في حجم ومقياس الزيف”، لا يزال يُميل مستخدمو بي ريل كاميراتهم وينتظرون حلول الوقت المناسب جماليًّا لالتقاط صورتهم اليومية، يذكرنا التطبيق فقط بمدى صعوبة التوقف عن الأداء عبر الإنترنت.
في هذا السياق، قد يكون من الصعب تخيل مدى امتداد حدود عالمنا الرقمي، ينبع قلق جين من مستقبل الإنترنت، جزئيًّا من دورها كأم، لقد أنجبت مؤخرًا ابنها لينون (شاهدت حفل عيد ميلاده الأول عبر اليوتيوب) وتشعر بالقلق بشأن العالم الرقمي الذي سيورثه، في عصر موقع “ماي سبيس” (MySpace)، كانت لديها أصدقاء عبر الإنترنت وكانت تتسلل للخروج في الساعة 1 صباحًا لتلتقي بهم في الحياة الواقعية: “أعتقد أن آنذاك، كنّا نستخدم التكنولوجيا حقًّا كأداة للترابط”، الآن، بدأت في خنقنا، نشر المحتوى عبر الإنترنت لم يعد وسيلة لتحقيق هدف، بقدر ما هو هدف بحد ذاته.
سألت جين ما إذا كانت تشعر بالقلق أحيانًا بشأن مناقشة مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، نظرًا لموقفها كمؤثرة، أنكرت ذلك ووصفته كعامل محفز: “لا أستطيع تغيير العالم، ولكن إذا كنت قادرة على التأثير في نطاق تأثيري، فسأحاول فعل ذلك”، ولكن الأمر ليس بهذه البساطة، يذكرنا المحتوى الوصفي بأن الأصالة لا تزال أداءً، يبقى الإنترنت مزيفًا، حتى عندما نطويه على نفسه، من السهل التفكير في شخصيتنا الرقمية على أنها واحدة فقط من شخصياتنا العديدة، فتختلف شخصيتنا المهنية من شخصيتنا مع والدينا أو أصدقائنا، ولكن يمكن تحرير الشخصية الرقمية بطرق لا يمكن تطبيقها على الشخصيات الأخرى.
يتعرف الجمهور -الذين ربما يكونون على دراية بنشر المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأنفسهم- على هذه الهياكل، أنظر أحيانًا بارتياب إلى النسخة الرقمية المصغرة من نفسي عبر الإنستغرام التي تبدو وتتصرف مثلي، ولكنها مصقولة قليلًا، “لا تزال هناك أسئلة حول ما هو حقيقي في الأساس، لكن [الجمهور] أكثر عرضة لتقبل الواقع المفبرك أو الأداء” من أي وقت مضى، كما تقول موراي.
كنا ننظر إلى حياة المؤثرين بوصفها قدوة، كواقع يمكننا أن نسعى إليه، لكن الآن يدرك الجانبان بأنهما جزء من سيناريو مثالي، إذ يدرك المشاهد أنه لا يمكن الوصول لواقع المؤثر، ويعترف المؤثر بأن واقعه ليس حقيقيًّا تمامًا.
بعد بضعة أسابيع من مكالمتنا، قامت جين بنشر مقطع فيديو جديد، احتوى على جزء من مقابلتنا، من زاوية مختلفة عمّا أتذكره من مكالمتنا عبر تطبيق زووم، قالت بعد المقطع: “كما رأيتم، أجرينا محادثة طويلة للغاية حول وسائل التواصل الاجتماعي، والعلاقات شبه الاجتماعية، والمستقبل”، وأضافت لاحقًا: “نسيت أن أقول هذا لها في المقابلة، ولكنني أعتقد حقًّا أن المحتوى الذي أنشره يتعلق بك أكثر مما يتعلق بي، أنت تتأمل في حياتك الخاصة وترى من مقطعي ما يتناسب معك، وتتجاهل ما لا يتناسب معك، وأعتقد أن هذا هو ما يجعل المحتوى جميلًا”.
بينما كنت أشاهد مقطع فيديو لها وهي تتحدث عن المقابلة التي أجرتها معي للمقالة -عن المحتوى الوصفي- التي تقرأها الآن، أحسست بأن كلامها كان صحيحًا، مشاهدة فيديو زفاف جين جعلني أفكر بجدية في الزواج كشيء سأقوم به يومًا ما، مشاهدة وحفظ فيديو مستلزمات الولادة جعلني أشعر بأنني أكثر استعدادًا لعملية الحمل الصعبة (على الرغم من عدم وجود خطط للإنجاب في الوقت الحالي).
ويُعد المحتوى الوصفي في الأساس تسوية، والإدراك بوهم الإنترنت لا يغير استهلاكنا له بقدر ما يذكرنا بعمق المأزق، وأنه لا وجود لحل آخر.
