-شيري فان دايك
ما ينبغي عليك معرفته
عندما يُصر عليك رئيسك إنهاء ملف معين على الرغم من انتهاء ساعات عملك، قد تجد صعوبة لالتقاط أنفاسك، وقد تنهمر دموعك، وربما تفقد سيطرتك مرارًا وتكرارًا على مشاعرك حالما يتكرر شجار أطفالك، فتبدأ بالصراخ ليكفوا عن ذلك. سينتهي بك المطاف بلوم نفسك لفقدانك السيطرة على مشاعرك، وذلك بسبب جهلك في كيفية التعامل معها، وسيؤدي ذلك لتكديس تلك الأحاسيس بعيدًا، أو دفنها نتيجةً لقراراتك السيئة.
هل تبدو تلك المواقف مألوفة لديك؟ لا تقلق، فأنت لست وحدك، طبيعتنا نحن البشر تحتم علينا في بعض الأوقات إظهار ردود أفعال عاطفية وقوية لمشاعرنا التي نعاني منها، لكن عجز البعض في إدارة مشاعرهم بطرق صحية وفعالة. إنها تعد مشكلة متفشية، وقد يقود ذلك للعديد من العواقب الوخيمة.
تخدم العواطف أهداف مفيدة إذا كانت في حدود المعقول، فتزودنا بالمعلومات، وتأثر على قراراتنا، وتجبرنا على إبداء ردود الفعل، على سبيل المثال: إذا كنت تمشي لوحدك في الليل، وسمعت خطوات قريبة منك، سيقودك عقلك بشكل لا إرادي للركض في حال وقوع خطر، أو إذا تعرضت للظلم، سيحفزك الغضب لإحداث تغييرات ليعاملك الناس بصورةٍ أكثر عدلًا.
رغم ذلك، باستطاعة المشاعر أن تكون مؤلمة وقاسية، فعندما تنشأ مشاعرنا، نحاول إدارتها ومواجهتها، ويُعرف هذا الإجراء بتنظيم المشاعر، وهو الذي يعيد توجيه انتباهنا بعيدًا عن المسبب لتلك الأحاسيس، وتغيير أفكارنا حول الموقف، أو تصرفاتنا، ولا يقوم تنظيم المشاعر (ولا يجب عليه) بجعل مشاعرنا تختفي نهائيًّا، لكنهُ يساعدنا على تهدئة عواطفنا، وبالتالي يسهل التعامل معها.
عندما تغمرنا المشاعر ولا يمكننا التحكم فيها بأساليب صحية وفعالة ينتج عنها مشاكل تعرف باضطراب المشاعر. ويحدث ذلك للجميع في بعض الأحيان، وخصوصًا عندما نتعامل مع ظروف استثنائية، مثل: الجائحات، والكوارث الطبيعية، أو فقدان شخص عزيز، لكن عندما تقع اضطرابات المشاعر في الظروف الدائمة، حتى لو كانت مجابهة الإجهاد البسيط، قد يسبب ذلك فوضى، ويجعل عيش الحياةِ صعبة، وتعد هذه الاضطرابات عاملًا مرتبطًا بالعديد من مشاكل الصحة النفسية، مثل: الحالة المزاجية، واضطرابات القلق. أيضًا يساهم هذا الاضطراب في السلوك الانتحاري، وإيذاء النفس، ويقود لسلوك التدمير الذاتي، مثل: تعاطي المخدرات، واضطراب الأكل، أو وجود صور أخرى لتجنب المشاعر والأفكار المؤلمة.
يُدرك معظم الناس عندما يكبرون كيفية ضبط عواطفهم، لكن للبعض، الاستراتيجيات التي يتبعونها ليست صحية ومفيدة. من النظريات التي تفسر هذا الأمر، هي نظرية البيولوجية الاجتماعية، فوفقًا للعلاج الجدلي السلوكي (DBT)، يولد بعض البشر بنسبة عالية من الحساسية العاطفية: هؤلاء لديهم ردود فعل عاطفية أقوى، ويستغرق منهم وقتًا أطول للتخلص من هذه المشاعر الغامرة، ويتعاملون بالعموم مع مستوى أعلى من الآلام العاطفية (مثل: الغضب الشديد، والحزن، والعار، والقلق)، مع أن هذه المشاعر الحساسة (الجزء البيولوجي من النظرية) لا تعد غير مألوفة ولا مشكلة بحد ذاتها إلا عندما تظهر مع البيئة الإشكالية (الجزء الاجتماعي)، حينها، ستزداد الأمور صعوبةً.
ينشأ بعض الأطفال في بيئة يتعرضون فيها لقمع مستمر، فعلى التوالي، يتلقى الأطفال رسائل توحي لهم بوجود خلل بهم، ويتلقون العقوبة لمواجهتهم أو تغاضيهم لمشاعرهم، وأفكارهم، وأحاسيسهم الجسدية. عندما يتربى طفل حساس المشاعر بصورة عالية في بيئة تدمغ مشاعره باستمرار، سيولد ذلك إعصارًا مثاليًّا نتاجه اضطراب المشاعر.
في الأصل، وُضِع DBT -العلاج السلوكي الجدلي- من قبل عالم النفس الأمريكي مارشا لينهان ليتعامل مع اضطراب الشخصية الحدية، فالأشخاص المعنيون بهذه الحالة يخوضون اضطراب مشاعر مزمنة، وغالبًا ما يقعون في الأفعال الانتحارية، وسلوك إيذاء النفس، وبناء على ذلك، فإن تركيز العلاج السلوكي الجدلي منصب على تعليم الناس مهارات لإدارة مشاعرهم بكفاءة، وفي الوقت الحالي، الكثير من المعالجين النفسين يستعملون نموذج العلاج السلوكي الجدلي للعديد من مشاكل الصحة النفسية، مثل الاكتئاب، واضطراب القلق. وبصفتي طبيبة نفسية، فإني أُعلم جميع مرضاي مهارات العلاج السلوكي الجدلي، بغض النظر عن المشاكل التي يعانون منها.
تتحدث هذه الإرشادات عن استعمال مهارات العلاج السلوكي الجدلي لمساعدتك في خوض وإدارة المشاعر الشديدة، حيث تُوجد أربع مجموعات من المهارات؛ أولًا: مهارات اليقظة الذهنية، والتي تعين الآخرين لعيش حياتهم في اللحظة الراهنة، وجلب ردة فعل متقبلة لتجاربهم، ثانيًا: مهارات تحمل الضغوط، فهي تساعد في تخطي حالات الأزمات من دون أضرار، ثالثًا: مهارات تنظيم المشاعر، والتي تفسر ماهية المشاعر، والسبل الصحية لإدارتها، رابعًا: مهارات فاعلية التعامل مع الآخرين، فهي تعين الآخرين على البقاء بشكل فعال في علاقتهم، عن طريق استعمال التواصل الواثق. وفي هذه المقالة، سنركز بشكل أساسي على المهارات الثلاث الأولى.
داويت مرضى يعانون من مشاكل صحية عقلية مختلفة لما يزيد عن ٢٠ عامًا، ورأيت بشكل مباشر فاعلية العلاج الجدلي السلوكي، واستعملت الكثير من مهارات هذا النموذج بنفسي، ولضيق المساحة، فإننا غير قادرين على التعمق في جميع المهارات، لكن سأزودك ببعض الأفكار عبر عدة مناهج، والتي ستعينك في ضبط مشاعرك بصورة فعالة سواءً على المدى الطويل أو القصير.
ماذا تفعل؟
عندما تبلغ المشاعر ذروتها، غالبًا سيصعب التفكير بما يمكنك فعله لمساعدة نفسك، لذلك، ستحتاج أولًا لإعادة تنظيم مشاعرك عاجلًا، بعض المهارات سريعة المفعول والتي تعمل عن طريق تغيير كيمياء الجسم، وسيكون الأمر مفيدًا للغاية إذا جربت هذه المهارات قبل أن تواجه موقفًا في حياتك، لتعرف كيفية التحكم بها.
جرب بعض طرق الضبط السريعة
انْحَنِ للأمام: تعد هذه مهارتي المفضلة لإعادة تنظيم مشاعري، قم بالانحناء كأنك ستلمس أصابع قدميك (ليست مهمة قدرتك على لمس أصابعك، وبمقدورك الانحناء بينما تكون جالسًا عن طريق تثبيت رأسك بين ركبتيك)، خذ نفسًا عميقًا وبطيئًا، وابْقَ في تلك الوضعية لمدة بسيطة (ما يقارب 30 إلى 60 ثانية)، عندما تشعر أنك مستعد للنهوض مرةً أخرى، قم بالاعتدال بشكل بطيء كي لا تقع، تساعد هذه الوضعية على تنشيط جهازنا العصبي السمبثاوي (اللاودي)- ويعرف بجهاز الراحة والهضم- والذي يؤدي إلى تهدئة النفس والشعور بالسكينة.
ركِّز على زفيرك مع ‘تنظيم تنفسك’: قد تبدو هذه الطريقة نمطية بعض الشيء، لكن التنفس يعد من أفضل الطرق للسيطرة على المشاعر. ركِّز على جعل زفيرك أطول من شهيقك، هذا سيعزز من الجهاز العصبي السمبثاوي، ويقودنا لنغدو أكثر سكينةً وسيطرةً على مشاعرنا، عندما تقوم بالزفير، قم بالعد باطنيًّا لترى مُدة زفيرك، واتبع نفس الطريقة عند الشهيق، عد بنفس الوتيرة، وتأكد أن زفيرك أطول بقليل من شهيقك، لتوضيح ذلك: إذا عددت لرقم 4 عند شهيقك، تأكد أن زفيرك لا يقل عن 5 ولفائدة مزدوجة، قم بأسلوب التنفس المذكور، بينما تنحني للأمام.
ستساعدك مهارات الضبط المذكورة لتفكر قليلًا بوضوح لدقائق معدودة، لكن قد تتفاقم مشاعرك ثانيًا إذا لم يتغير شيء بمحيطك، وهذا يقود لأهمية المرحلة التالية.
ارفع مستوى الوعي لمشاعرك
لإدارة المشاعر بكفاءة أعلى على المدى البعيد، يجب عليك الوعي بها وبعناصرها، ويجب أن تعلم كيف تصنف مشاعرك بدقة، قد يبدو الأمر غريبًا، فبالتأكيد أنك تعرف ماهية شعورك، لكن كيف تعلم أن ما كنت تطلق عليه “غضب” هو في الحقيقةِ غضبًا وليس قلقًا؟ أكثرنا لا يعطي مشاعره الكثير من التفكير، فنعتقد أن ما نشعر به هو حقيقة ما نحس به، وهذا مشابه لاعتقادنا بأن اللون الذي نطلق عليه دائمًا ‘أزرق’ هو بالفعل أزرق، لكن كيف يمكننا حقًّا معرفة صحة ذلك؟
غالبًا يتعلم الأشخاص ذوو الحساسية العالية -بسبب نشأتهم في بيئة ضارة- كيف يتجاهلون، أو لا يثقون بتجاربهم العاطفية، وبالتالي يحاولون الهروب والابتعاد عن هذه التجارب، ويخلق ذلك صعوبةً في تصنيف المشاعر بدقة أكبر، فبالفعل، أي شخص معرض لتقلبات المزاج سيواجه مشكلة في تحديد حقيقة مشاعره، فكأنما تعتريه أحاسيس مبهمة، فهل تقدر على تحديد ما تشعر به حقًّا عندما يعتريك شعور ‘بالحزن’، أو ‘بالسوء’، أو ‘بالإحباط’؟ إذا كنت تعاني من تحديد ماهية شعورك، في المرة القادمة، خذ بعين الاعتبار الأسئلة المدرجة عندما تواجه مشاعرك، حتى لو كانت أحاسيس بسيطة:
- ماذا كان الحدث المحفز أو المعزز لهذا الشعور؟ وما هي ردة فعلك؟ (لا تلقي بالًا سواءً كان جوابك صحيحًا أو خاطئًا، فقط كن وصفيًّا)
- ماذا كانت أفكارك حول الموقف؟ وكيف كان تفسيرك لمجريات الحدث؟ هل لاحظت أنك تصدر أحكامًا، وتستبق النتائج، أو كنت تضع الفرضيات؟
- ماذا لاحظت في جسدك؟ مثلًا: توتر، أو ضيق في بعض المواقف، تغييرات في مستوى تنفسك، ودرجة حرارتك، ودقات قلبك؟
- ما هي ردة فعل جسدك؟ صِف تعابير وجهك، وكيف كانت لغة جسمك ووضعيته.
- ما هي الأمور المُلِحّة التي شعرت بها؟ هل اعترتك رغبة برمي الأشياء، أو بالصراخ؟ هل غمرك شعور بتجنب التواصل البصري، والهروب أو تفادي ذلك الموقف الذي كنت فيه؟
- ماذا كانت ردود أفعالك؟ هل استسلمت لأي من الأمور الملحة التي ذُكرت سابقًا؟ أو هل قمت بفعل آخر بدلًا من ذلك؟
سيساعدك الخوض في هذا التمرين على زيادة مهارتك لتصنيف مشاعرك بدقة، عندما تطرح على نفسك الأسئلة السابقة، بإمكانك محاولة سؤال نفسك إذا كان شعورك يتطابق مع واحد من هذه التصنيفات الأربع: الحزن، الغضب، السعادة، الخوف. ألجأ لهذه المفردات مع عملائي كنقطة بداية لتصنيف المشاعر الأساسية، مع التدرج، ستتمكن من العمل على مفردات دقيقة، وقد تساعد قائمة مفردات المشاعر بذلك.
قد يتبادر لذهنك لماذا يُعد هذا الأمر بالغ الأهمية، يجيب على تساؤلك قول الطبيب النفسي الأمريكي دان سيجل، إذا لم تستطع تسميته، لن تستطيع ترويضه، إن صنفت مشاعرك، ستكون مخولًا لضبطها، بدءًا من تقبل مشاعرك التي تواجهها، وهي المهارة التالية التي ستطلع عليها هنا.
تقبل مشاعرك
غالبًا، تتكون مشاعر مؤلمة بداخلنا نتيجة حكمنا على أنفسنا جراء ما نشعر به، لنأخذ على سبيل المثال فكرة الصراخ على الأطفال، فقد تشعر بالغضب بسبب شجار أطفالك، لكنك تُذكر نفسك بأن لديهم الكثير من المجريات في حياتهم أيضًا- فقد يكون تصرفهم ناجمًا عن ضغوط الواجبات المدرسية، أو بسبب تشاجرهم مع رفاقهم- وتبدأ في هذه النقطة بالحكم على نفسك بأنك ‘والد سيئ’، أنت الآن لا تشعر فقط بالتوتر نحو أطفالك، لكنك قد تشعر بالندم، والخزي، والغضب من نفسك، هذه الحالة هي التي تعين على زيادة شدة المشاعر التي نمر بها.
نقطة مهمة يجب أن توضع في الحسبان، وهي أن المشاعر ليست جيدة أو سيئة، صحيحة أو خاطئة، إنما يُشعر بها كما هي. فمهما كانت مشاعرنا، يجب علينا الإحساس بها في ظل الظروف الراهنة، وأساس الخلل ليس بها، بل في فرضياتنا وتفسيراتنا لها.
توقف للحظة، وتفكر حول تجربتك الخاصة مع مشاعرك، هل تؤمن بأن لديك عواطفَ لا ينبغي عليك الشعور بها؟ تأكد بأنك لا تخلط بين مفهوم المشاعر والسلوكيات، لتوضيح ذلك، الإحساس بالغضب (مشاعر) يعد مختلفًا تمامًا عن الصراخ عندما تكون غاضبًا (سلوكيات)، في اللحظة التي تصنف فيها مشاعرك التي تحكم على نفسك بسببها، تَفقد إذا كنت تستطيع ربط هذه المشاعر مع رسائل سابقة ولدت بداخلك أحاسيس مماثلة، على سبيل المثال، تذكر أين ترسخ بداخلك أن الشعورَ بالحزن أمرٌ خاطئ؟ بعد ذلك، خذ بعضًا من الوقت للنظر حول كيفية قبولك لذاتك بدلًا من الحكم عليها بسبب المشاعر، وفكرة القبول لا تعني ميلك لتلك العاطفة، أو أنك ترغب بالاستمرار في ذلك الشعور، إنها ببساطة تعني قبولك لما تشعر به، (نصيحة سريعة: إذا كنت تعاني مع هذا الأمر، تفكر في صديقك العزيز، أو طفلك، أو شريك حياتك إذا تولدت لديهم نفس المشاعر، ماذا ستقول لهم؟)
حاول كتابة بعض العبارات لتساعدك في تقبل مشاعرك، على سبيل المثال:
- أشعر بالغضب.
- لا بأس من شعوري بالغضب الآن.
- من المنطقي أن أشعر بالغضب الآن بسبب…….. (اكتب السبب هنا).
- من المعقول أن أمتلك مشاكل مع انفعالاتي بسبب المحيط الذي نشأت فيه.
بعد ذلك، مارس القبول مرارًا وتكرارًا، التحدث للذات يعد أمرًا يصعب تغييره لأنه يُعد تلقائيًّا ومتأصلًا فينا، لذلك اكتب عبارات قبول لمشاعرك، أو اجعلها في هاتفك النقال لتكون بحوزتك طوال الوقت، عندما تنشأ المشاعر بداخلك، أخرجها لتتمكن من معرفتها وقبولها، اقرأها مرة وأخرى في اليوم، مع الوقت، ستلاحظ تغير تفكيرك حول ذلك الإحساس، وستجد أنك أصبحت أكثر قبولًا لمشاعرك، وأقل حكمًا على ذاتك.
قلل من حدة المشاعر عن طريق ‘فعل النقيض’
عندما تكتشف فيها طبيعة مشاعرك، وتتحقق منها، في المرحلة القادمة ستقرر إذا ما كنت ترغب بخفض هذه المشاعر، فإنه لمن المهم التأكد من أننا ننصت لأحاسيسنا لمعرفة ماذا تريد إخبارنا، فالمشاعر تنشأ لسبب ما، أحيانًا، ترسل المشاعر رسالة، وتضل تشتد وتقوى مرةً وأخرى، وذلك يمنعنا من إبداء ردة الفعل المناسبة.
هذه بعض الأمثلة التي قد تشعر أن باستطاعتك محاولة إبداء فعل معاكس لمشاعرك، تخيل على سبيل المثال أنك شعرت بالغضب تجاه شخص معين، وإحساس الغضب أوصل لك رسالته، وتملكتك رغبة في التواصل لتحسين الأوضاع، لكن لا يزال الغضب يعتريك ولا تستطيع خلق نقاش فعال، في هذه اللحظة ستكبح مشاعر الغضب بداخلك. وقد يعد التوتر أيضًا مثلًا مناسبًا، لنقل إنك تشعر بتوتر بسبب تواجدك بين مجموعة من الناس، وتعلم في قرارة نفسك أنه لا يوجد أمر يهدد سلامتك في ذلك الموقف، وترى أن القلق بدأ يعوقك في خلق تواصل فعال مع الآخرين، لكنك لا تستطيع تقليص ذلك الشعور.
لتمارس هذه المهارة، حالما تتحقق من طبيعة مشاعرك التي تعتريك، ستُحدد الرغبة المتصلة بتلك المشاعر دوافعك، حينها افعل النقيض تمامًا!
يُقال في العلاج السلوكي الجدلي أن ‘المشاعر تحب ذاتها’، فهي تحثنا لردود فعل تجعلها تستمر بداخلنا، وتكون أقوى، بالتالي، الفكرة في هذه المهارة تتمحور حول وضع حد لهذه الدائرة، فبإمكاننا تقليل حدة المشاعر عن طريق إظهار ردود فعل معاكسة لما تحثنا عليه، أريد الإشارة لملاحظة مهمة، إذا كنت تشعر بالخوف، وهنالك ما يسوغ ذلك الخوف (مثلًا، إذا كانت صحتك، أو سلامتك، أو سعادتك، أو إذا كان هنالك شخص تهتم لأمره في خطر)، فإننا لا نرغب أن تقوم بردة فعل معاكسة لشعورك، فالخوف يوجد لكي يحمينا، فإذا كنت في مأزق وخطر، افعل ما يمليه عليك شعور الخوف بداخلك، اركض، اختبئ، اهرب، افعل ما يمليه عليك خوفك.
هنا بعض الأمثلة لتوضح كيفية إبداء ردود الفعل المعاكسة:
الغضب: تشعر بالغضب من شريكك بعد شجار حصل مؤخرًا، ولديك رغبة ملحة لقول كلام جارح له، عدم الاستجابة لما يمليه عليك شعور الغضب يعني تفاديك لشريكك لبعض الوقت: فإذا كان يجلس في غرفة المعيشة لمشاهدة التلفاز، قد تذهب لغرفة نومك للقراءة، وردود أفعالك قد تعني أنك قررت التعامل معه بصفة رسمية وباحترام ج، فتظهر تلك الصفات لتتفادى تفاقم الأمور، بالطبع إذا قررت الابتعاد، وانتهى بك المطاف في غرفة نومك، ووجدت نفسك تسهب بالأفكار وإصدار الأحكام عن شريكك، فسيستمر شعور الغضب بداخلك، في تلك الحالة، حاول إصدار ردود أفعال مغايرة لأفكارك (تفكر بخصاله الحميدة التي تعجبك).
الحزن/ الاكتئاب: إذا كان مزاجك منخفضًا، أو كنت تشعر بالاكتئاب، غالبًا ستتكون لديك رغبة لفعل أمور محددة كعزل نفسك عن الآخرين، والتوقف عن المشاركة في الفعاليات التي تقوم بها عادةً، لذلك، سيصبح الفعل المعاكس لهذا الإحساس هو التواصل مع الآخرين، والاستمرار في نشاطاتك (أو الرجوع إليهم)، والتأكد من قيامك بفعل أمور عادةً ما تُشعرك بالارتياح، والاستمتاع، والسعادة، والهدوء، ونحو ذلك.
يجب عليك الالتزام بالممارسة المستمرة قبل أن تلاحظ تغيرًا في مشاعرك، لأن ردود الفعل المعاكسة لمشاعرك أحيانًا تقود لآثار مباشرة، وقد تكون أكثر تدرجًا في أحيان أخرى، فالأمر مماثل مع كل مهارات العلاج السلوكي الجدلي، وبالطبع فإن الفعل المعاكس لا يتمحور حول التخلص من هذه الأحاسيس أو قمعها، لأن المشاعر في نهاية المطاف تخدم هدفًا، فإذا أوصلت المشاعر رسالتها، ووجدتها تقف في طريقك، يمكنك العمل على خفضها مع هذه المهارة.
نقاط محورية
- تخدم المشاعر غرضًا، حتى وإن كانت مؤلمة. فهي تزود بمعلومات حول الموقف، وتحفز على ردة الفعل، وترسل رسائل للآخرين، فعن طريقها، سندير مشاعرنا من دون التخلص منها.
- يحدث خلل في تنظيم المشاعر عندما تعاني من إدارتها بطرق صحية. خلل التنظيم يحدث للجميع في بعض الأوقات، تكرار حدوث هذا الخلل يعد عاملًا في كثير من المشاكل الصحية العقلية، بما في ذلك اضطراب المزاج، والقلق.
- جرب بعض الأفكار السريعة لإعادة التنظيم. عندما تكون المشاعر في شدتها، قد يهدئك تمرين الانحناء أو التنفس المتواتر (قم بالعد في الشهيق ليكون أطول من الزفير) لتتمكن من معرفة ماذا ستفعل تاليًا.
- ارفع وعيك في مشاعرك. كثير من الناس يعانون في إدراك وتسمية مشاعرهم بوضوح، قم بممارسة هذه الطريقة: اسأل نفسك ما سبب هذا الشعور، وما هي الأفكار التي راودتك، وماذا لاحظت في جسدك، وهل شعرت برغبة ملحة لفعل معين؟
- تقبل مشاعرك. تقبل مشاعرك، بدلًا من أن تحكم على نفسك بسببها، وقد يمنع ذلك خلق ألم عاطفي إضافي، سيساعدك كتابة ومراجعة بعض العبارات مثل: ‘لا بأس بأن يتملكني هذا الشعور الآن’.
- قلل من حدة مشاعرك عن طريق ‘الفعل المعاكس’. إذا كان هنالك شعور يقف في طريقك، حدد ما هو العمل الذي يحثك عليه، وافعل العكس تمامًا، على سبيل المثال قد يحثك الشعور لتقول كلامًا جارحًا، لكنك بدلًا من ذلك تقول كلام محترمًا.
تعلم أكثر
في هذه القسم، سأصف تمرينَيْن إضافيَّيْن في العلاج الجدلي السلوكي لإدارة المشاعر لمن يهمه الأمر.
حالات العقل
واحدة من المهارات التي أجمع عليها من أعمل معهم بفائدتها عندما نتعامل مع خلل تنظيم المشاعر هي تمرين ‘حالات العقل’، والتي تصف كيفية امتلاكنا لثلاث حالات مزاجية مختلفة في التفكير، وكيفية استعمالنا لها في مستويات مختلفة، فعقلنا المنطقي يتكون من الحقائق والمنطق، في هذه الحالة، قد نتفادى أو ندفع مشاعرنا بعيدًا لأنه يُعد من الصعب الولوج لها، وعقلنا العاطفي تسيطر فيه المشاعر على تصرفاتنا، فيصعب الدخول على مسار المنطق، وآخر حالة هي العقل الحكيم، والتي تجمع بين المنطق والعاطفة والقيم، ووضع الاعتبارات للأفعال التابعة المحتملة والتبعات، تبلغ حالات العقل هذه ذروتها في الإحساس الداخلي بالمعرفة والحكمة.
بينما نعد العقل الحكيم المنظور المتوازن الذي نرغب في الاعتماد عليه على الأغلب، فإنه يجب أن نعي أهمية العقل المنطقي والعاطفي، وأننا لا نرغب في التخلص منهما، ففي بعض الأوقات، نحتاج لأن نُفكر بمنطقية من غير أن تقف المشاعر في طريقنا، إن عواطفنا تخدم غرضًا حتى وإن كانت مؤلمةً لنا في بعض الأوقات، أيضًا العقل العاطفي يتخلله مشاعر ممتعة لا نرغب بتفويتها.
وفي الغالب نحتاج للعمل بصورة واعية للوصول لعقلنا الحكيم، وبالمناسبة، إذا كانت فكرة العقل الحكيم تبدو غريبة عليك، فاطمئن بأن حالك مشابه للجميع، وأنك تملك واحدًا بداخلك، تفكر في موقف حدث لك مؤخرًا عندما تملكك شعور قوي يدفعك لفعل أمرٍ ما، لكنك لم تنصَع لتلك الرغبة الملحة، على سبيل المثال: بدلًا من بقائك في السرير متحجِّجًا بالمرض، تدفع نفسك لنهوض والاستحمام، أو عندما يعتريك غضب عامر وترغب بالهجوم على أحد، تعض على لسانك وتفعل ما بوسعك لتفادي إصدار الألفاظ القاسية عليه، بالنتيجة، إنك تشعر بأحاسيسك، لكنك لا تدعها تسيطر عليك لأن ردود فعلك صادرة من عقلك الحكيم.
من السبل المتبعة لاستحضار عقلك الحكيم هو أن تتصور أنك تتعامل مع أزمة معينة، على سبيل المثال، قد ينشب بينك وبين شريكك جدال كبير لدرجة وضع خيار الانفصال في عين الاعتبار، أو قد تكون خسرت وظيفتك، أو تلقيت أخبارًا سيئة عن شخص عزيزٍ عليك، الآن، تخيل أنك جسدت منظور العقل الحكيم في شخص معين، قد يكون هذا الشخص متواجدًا في حاضرك، أو ينتمي لماضيك، أو قد يكون شخصًا تتطلع إليه -مثلًا شخصية مشهورة، أو فرد في مجتمعك- أغلق عينيك الآن، وتخيل ما قد يخبرك به ذلك الشخص في ذلك الموقف الصعب، وأعطِ لنفسك المساحة لتفكِّر فيما قيل لك لعدة دقائق، واجعل الإحساس بهذا الموقف يسري في جسدك قدر المستطاع، استمع لكلماتهم، ونبرات أصواتهم، وقد تصل للإحساس بالاحتضان إذا كان ذلك سيريحك، أنت هنا تستفيد من عقلك الحكيم.
لا تقلق إذا كنت تناضل مع هذا الأمر، فقد يبدو لك الوضع صعبًا بسبب إمضائك الكثير من وقتك في حالات العقل الأخرى، لذلك قد يتطلب الأمر بعضًا من الممارسة، أو يمكنك تجريب مسار مختلف قليلًا، فبدلًا من أن تتصور شخصيتك الحكيمة تخاطبك، تصور ماذا يمكن أن تقول لشخص تهتم حقًّا لأمره يواجه أزمة مشابهة، واختبر نفسك إذا كنت تستطيع تطبيق تلك الكلمات بنفسك، فإنه لمن الأسهل دائمًا أن تكون الشخص الحكيم في عقل أحدٍ آخر.
عدم التسرع في إصدار الأحكام
لنقم بتعريف مهارة عدم التسرع في إصدار الأحكام، والتي تعد مهارة ذات فائدة لغالبية البشر، وبالأخص لمن يعاني من حدة المشاعر، فهي مهارة تُعنى باللغة التي نستعملها، سواء كانت لغة مسموعة للغير، أو تتراوح بداخلنا، وكيف لهذه الكلمات أن تسبب مشاعر مؤلمة.
إصدار الأحكام تُعد صفةً منتشرةً بيننا، تَفكر قليلًا، هل قمت بالحكم على أن هذه المهارة ‘سيئة’ أو ‘جيدة’؟ سواءً آمنت أن ذلك الأمر صحيح أو خاطئ، سخيف، بشع، جنوني، لئيم، غريب إلى آخره….. فتلك المفردات تعد أحكامًا، خلاصة القول: ترعرعنا بمحيط يطلق هذه الأحكام من حولنا، وغالبيتنا يكمل دائرة إطلاق الأحكام تلك، سواءً مع أنفسنا، أو تجاه الآخرين والمجتمع.
قم بتجربة هذا التمرين: سأعطيك بعض الكلمات لتقولها لنفسك، أو لتفكر بها، لا تقلق إذا كانت كلمات لا تقولها بالعادة لذاتك، فأنا فقط أحاول إعطاءك نبذة عن مفهوم هذه المهارة، حاول قدر المستطاع أن تكون تلك الكلمات ذات وقع على ذاتك عندما تطلقها، قل: ‘أنا كسول’. كرر ذلك: ‘أنا كسول’، حاول أن تعنيها لنفسك (قد يكون الأمر سهلًا لبعض الناس)، الآن، لاحظ المشاعر التي تظهر بداخلك، هل يمكنك تصنيفها؟ قد تلحظ مشاعر العار أو الندم، وربما مشاعر الخيبة، أو حتى الغضب تجاه نفسك، لا تقلق إذا لم تعتريك تلك المشاعر، فقط ضع جُل تركيزك على ما يشعر به جسدك، هل يبدو لك ثقيلًا أو خفيفًا؟ باردًا أو دافئًا؟ تأمل في ذلك لوهلة.
كلمة ‘كسول’ تعد نقدًا سلبيًّا، لذلك عادةً ما نتسبب بمشاعر مؤلمة عندما نصدر أحكامًا على أنفسنا، لذلك يدور مفهوم عدم التسرع في إصدار الأحكام حول التخلص من الانتقادات واستبدالها بحقائق للموقف الحاصل، على سبيل المثال: عندما لا أنجز جميع المهام المدرجة في قائمة مهامي لليوم، ستعتريني مشاعر الإحباط من ذاتي.
جرب هذه الطريقة، قم بنفس التمرين الذي ذكرناه سابقًا، لكن استعمل ألفاظًا تعزيزية، فبدلًا من قول ‘أنت كسول’ (النقد)، استعمل بعضًا من هذه الكلمات، والتي تتناسب لتملأ فراغ المشاعر لديك (ولاحظ أن المشاعر لا تعد نقدًا، لكنها تصور ماهية شعورنا حيال الموقف): لم أنجز جميع مهامي لهذا اليوم، لذلك أنا أشعر_________ (مثلًا: بالندم أو بالإحباط من نفسي). كرر ذلك، ولاحظ عواطفك، وما هي التغيرات التي تحدث لجسدك، ثم قم بتصنيف مشاعرك، هل وجدت اختلافًا بين نقدك السابق ونقدك هنا؟ ما هو الاختلاف إذا كان كذلك؟ وإذا لم تلحظ أي اختلاف، فلربما لم يكن للكلمات وقعٌ عليك. غالبية البشر يظهرون ردود فعل عاطفية قوية مع إصدار الأحكام، كقولنا: ‘أنا كسول’، وعدم التسرع في إصدار الأحكام -كما ذكرنا سابقًا- لا يمحي المشاعر بداخلنا، لكنه لا يزيد الطين بِلة، وهذا هو المغزى من عدم إصدار النقد.
على الأغلب، قد تبدو هذه المهارة معقدة بعض الشيء، لأن كثيرًا ما يحدث الانتقاد بصورة لاإرادية وبلا وعي، لذلك سيتطلب الأمر قليلًا من الممارسة قبل أن تلاحظ وتصف مفرداتك حال ظهورها. يعد من الصعب في بعض الأحيان إدراك ما هو الانتقاد، واحدة من الحيل التي تساعد في ذلك، هو سؤال نفسك هل تستخدم تلك المفردة بطريقة طبيعية؟ فعندما تلاحظ النقد، من المحتمل أن تُطلقه (وقد يكون أكثر قابلية للتنفيذ مع الانتقادات التي لا تعزز المشاعر المؤلمة) أو قد تغير رأيك وتمتنع عن إصدار ذلك النقد -كما فعلنا في التمرين السابق- ومع مرور الوقت ستصبح واعيًا حول تلك الانتقادات، وأكثر قابليةً لتغييرها، وسيساعدك ذلك لإدارة مشاعرك بكفاءة عالية. إذا كنت مهتمًّا لأداء بعض التمارين، اطلع على ورقة العمل التي أستعملها مع عملائي.
غايتي من هذه المقالة هو إعطاء نبذة عن مهارات السلوك الإدراكي، والتي تساعد في إدارة العواطف، إذا كنت مهتمًّا أكثر في هذه المهارات، أو كنت تشعر بالقلق لأن الأطباء النفسيين لم يكونوا ذوي عون لك، اطلع على المصادر المرفقة في الأسفل، وتذكر أنه مهما كانت المدة التي عانيت فيها، فهنالك العديد من الطرق لتهدئة عواصفك الداخلية.
مع أطيب التمنيات بالصحة والعافية.
مواقع & روابط
هنالك عدة طرق مختلفة يعاني منها الناس في تنظيم مشاعرهم، بين يديك بعض من مراجعي المفضلة، والتي قد تفيدك:
- طورت عالمة النفس الأميركية Elaine Aron وآخرون، مفهوم الشخصية الحساسة، فلديها موقع إلكتروني عظيم يوضح هذا المبدأ، ومزود بتفاصيل من أبحاثها، وكتبت أيضًا عددًا من الكتب، منها كتاب The Highly Sensitive Person: How to Thrive When the World Overwhelms You (1996)، وكتاب The Highly Sensitive Child: Helping Our Children Thrive When the World Overwhelms Them (2002)
- ولدى عالم النفس الأمريكي وخبير العلاج السلوكي الجدلي Charlie Swenson بودكاست رائع تحت مسمى To He’ll and Back، والذي يتميز بطرح مهارات العلاج السلوكي بطريقة مفهومة وسهلة، وفيها حس الفكاهة، وقد يشارك بعض الأحيان تجاربه الخاصة، وقد يستضيف آخرين.
- يستضيف موقع DBT Self Help أفرادًا خاضوا بأنفسهم العلاج السلوكي الجدلي، ويحتوي الموقع الكثير من المراجع العظيمة، بما في ذلك فيديوهات، وتمارين لتعليم الآخرين مهارات العلاج السلوكي الجدلي لتنظيم عواطفهم.
- نُشر عني كتاب Calming the Emotional Storm: Using Dialectical Behaviour Therapy Skills to Manage Your Emotions and Balance Your Life ( 2012)، والذي يشرح مهارات السلوك الجدلي لمن يعاني من مشاكل اضطراب العواطف من البالغين، بالإضافة إلى The DBT Workbook for Emotional Relief (2022)، وفي الوقت نفسه، قد يجذب كتابي Don’t Let Your Emotions Run Your Life for Teens: Dialectical Behavioural Therapy Skills for Helping You Manage Mood Swings, Control Angry Outbursts, and Get Along with Others (النسخة الثانية، 2021م) انتباه الشباب.
- يملك New Harbinger Publications سلسلة من مصنفات العلاج السلوكي الجدلي والتي كتبها علماء نفس أمريكيون، تناقش تشخيصات ومشاكل مختلفة، بما في ذلك اضطراب ما بعد الصدمة Kirby Reutter، والغضب Alexander L Chapman and Kim L Gratz، والقلق Chapman, Gratz and Matthew T Tull، والشره المرضي Ellen Astrachan-Fletcher and Michael Maslar، بالإضافة لمصنفي الاضطراب ثنائي القطب.
