النقاط الرئيسة
- يحد اضطراب فقدان الشهية من قدراتنا التخيلية، بما في ذلك قدرتنا على تصور الحياة بشكل مختلف.
- قد تكون هناك حاجة إلى أزمات الحياة؛ لتثير فينا الندم “المتوقع أو الرجعي”.
- إن تخيل الحياة كما هي -ولكن معززة بالحضور الفعلي في التجارب- يتطلب قدرًا أقل من التخيل.
- يمكن أن يساعد الافتقار إلى الحضور، والرغبة في الحضور، في ظهور الندم المتوقع في لحظات عدم وجود أزمة.
“ربما يكون هنا جوهر الصعوبة؛ إذ لا يمكن التردد على أي من المسارين بأفكار اللحظة الحالية فقط، فهناك دائمًا ذلك الأفق البعيد الذي يلوح لك، واللحظة التي ستصل فيها إلى قمةٍ، فتلتفت إلى الخلف للنظر إلى المسافة المقطوعة، وتقارن مساوئها ومحاسنها بالمكان الذي تقف فيه الآن، ولكنك في أثناء السير أجريت مسبقًا هذه المقارنة بشكل متوقع، بحيث لا يمكن فعل أي شيء، أو اختياره في ذاته فقط”. من Autobiography of an Illness غير المنشورة لعام ٢٠٠٤م.
ما مدى دقة تأثير الندم المتوقع في سياق اضطراب فقدان الشهية والتعافي منه؟ وما الذي يمنعه من الظهور، أو من إحداث فرق إذا كان يمكنه ذلك؟ وما الذي يسمح له بتوجيه الرغبة في الأفعال الجديدة حقًّا؟
في خلال سنوات مرضي التي بدت أنها نمطية -آخر ثلاث سنوات أو أربع من سنوات دراستي الماجستير والدكتوراه العشر؛ إذ كنت أنصت في الليل غالبًا، وأتناول كثيرًا من الطعام في جوف الليل، وعدا ذلك لم أتناول أي طعام إطلاقًا، ولم يكن لدي أي شيء آخر يحدث في حياتي- كنت في معظم الأوقات مرهقًا جدًّا لأشعر بالندم، وبدا كل شيء بعيد المنال شيئًا فشيئًا؛ ففي نهاية المطاف، يعتمد الندم سواء في وضعه المتوقع أم الرجعي على القدرة على التمني لو كانت الأمور مختلفة.
وبحلول ذلك الوقت، لم يكن الندم يسيطر عليّ إلا في أوقات الأزمات، فعندما سقطت والدتي من على حصان في اليونان، أعقبت ساعات من الألم عملية جراحية فاشلة في الورك، وإصابتها بعدوى المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين (MRSA). وبين حين وآخر في تلك الدقائق الأولى الطويلة، والأسابيع الطويلة اللاحقة، كنت أتخيل وفاتها، وفي الوقت نفسه أدركت أيضًا كيف كنت سأفشل حتمًا؛ نظرًا للحالة الجسدية التي كنت فيها، في النجاة، وتحمّل ما كانت تمر به.
وقبل كل شيء، تخيلت الندم الشديد الذي كنت سأشعر به لو ماتت في أثناء سلسلة الإصابة بالصدمات تلك؛ الندم على جعل تجربتها الأخيرة بصفتها والدتي تجربة مليئة بالحزن؛ بسبب اضطراب فقدان الشهية، وهذا ما أدى إلى تغيُّري في النهاية.
إذا كان موت والدتي القريب -الذي تخيلته، والفعلي- ضروريًّا ليتغلغل في الضباب المحيط لاحقًا بمرضي؛ فإن الموت الفعلي هو ما جاء لاحقًا، فبعد تعافيّ من الاضطراب، كانت هناك مدّة شعرت فيها بالامتنان الشديد والحزين للندم المتوقع الذي نجوت منه عندما توفي والدي فجأة عن عمر يناهز الـ٥٨ عامًا، بعد عام أو عامين من تعافيّ مرة أخرى. كتبت تدوينة بعد أسابيع قليلة من وفاته؛ إذ أردت مساعدة أولئك الذين يقرؤونها على توجيه الندم المتوقع بأنفسهم للتحرك قبل فوات الأوان.
ولكن المشكلة هي أن الموت دائمًا ما يكون صعب التصديق، حتى بوجود خطرٍ محدق أو مرض، ناهيك من غيابهما؛ لذلك، عادة ما يكون من الصعب الاستفادة من تخيل الموت أو التفكير به بوصفه قوة تحفيزية، ما لم يأتِ شيء مهم لجعله أقل صعوبة في التصديق. وبعد ذلك، في واحدة من المآزق الكثيرة التي يوقعنا فيها اضطراب فقدان الشهية، وهي إضعاف قدرات المرء التخيلية؛ بسبب نظام غذائه الشبيه بالمجاعة أساسًا، وهذا يعني أن تخيل أي شيء أصعب إطلاقًا مما قد يكون عليه في الحالة العادية، وحتى بينما يكون التخيل أكثر أهمية وجوديًّا.
مرة أخرى، يذهلني أنه من الممكن أن نشعر بالندم المتوقع بقليل من الخيال، وفي غياب الأزمة التي تصدمنا وتدفعنا إلى الهروب إلى الخيال؛ هناك طريقتان لتحفيز الندم المتوقع بشأن عدم التعافي: إحداهما تتطلب القدرة على تخيل الحالة المحسنة التي تنظر منها نفسك المستقبلية إلى الماضي بندم، والأخرى لا تتطلب ذلك.
في الطريقة الأولى؛ تخيل أنك حللت مشكلتك، ويكون ندمك المتوقع هو عدم حلها مبكرًا، (إن هذا شيءٌ غالبًا ما أجد نفسي أُطمئن فيه شخصًا مترددًا في اتخاذ إجراء، أو اتخاذ الإجراء التالي: أتوقع أن الشيء الوحيد الذي ستندم عليه هو عدم فعل ذلك مبكرًا، أما في الطريقة الأخرى؛ فتتخيل مستقبلًا حيث ما زلت عالقًا في مشكلتك، ولا يوجد شيء سوى الندم، ومع ذلك ما زال الشعور بالخوف من فعل الشيء الذي من شأنه أن يُذهب هذا الندم باقيًا أيضًا.
وفي الواقع، يعدُّ سياق اضطراب الطعام سياقًا غريبًا كليًّا عندما يتعلق الأمر بما يحتاج المرء إلى تخيله حتى يصبح الندم ممكنًا، وفي كثير من الحالات عند اتباع الطريقة الأولى (تخيل التعافي)، قد لا يكون هناك كثيرٌ مما يحتاج إلى التغيير فيما يتعلق بالواقع المتخيل لما بعد التعافي، بخلاف الطريقة التي يعيشها المرء فيه، وبالنسبة لكثيرٍ من الأشخاص الذين يتعافون جزئيًّا -وهي حالة من السهل جدًّا أن تقضي عقودًا طويلة وأنت فيها– فلا يعني ذلك أنهم لا يملكون المهنة المجزية، أو الشريك المحب، أو الأطفال المحبوبين، أو أيامًا يقضونها على الشاطئ، أو الخروج للتسوق مع الأصدقاء، فهم جميعًا متأثرون بوجود طرق تفكير وأفعال لا تتوافق مع الحضور والتقدير الحقيقيّين.
ومن هذا المنطلق، فإن ضعف حرية التخيل لدى الأشخاص المصابين باضطرابات فقدان الشهية -حتى تلك التي عُولجت جزئيًّا- له نتيجة منطقية جدًّا؛ فأنت لا تحتاج في الواقع إلى تخيل أي شيء آخر غير ما لديك فعلًا، وأعتذر لذكري كلمات أغنية فرقة كولدبلاي هنا، ولكنها مناسبة جدًّا للسياق: “أريد شيئًا كهذا تمامًا”، لقد ظننت دائمًا أن هناك جمالًا جذريًّا في الجرأة على القول، ولا سيّما في تعاون موسيقا البوب الراقصة مع ذا شينسموكرز؛ لا أريد شيئًا أكثر مما أملكه فعلًا.
لذا فخاتمة اضطراب فقدان الشهية تنص على: من دون أن يدمر الاضطراب هذا الشخص، وأظنُّ أن هذا سيكون أسهل غالبًا من تخيل حياة مختلفة تمامًا. وبالتأكيد، قد تجعلك تجربة التعافي كاملة تدرك أن ما كنت تظن أنك تحبه عندما كنت غير متعافٍ كاملًا؛ لم يعد هو ما تحبه، أو أنك لم تعد كما كنت بعد الآن، ولكن هذه قصة مختلفة.
في الجزء الأول من هذه السلسلة، قدمت مثالًا على الندم المتوقع في سياق التفكير في التعافي: “لا أريد لأطفالي أن يرحلوا عن المنزل، ويدركوا أنني لم أكن موجودة فعلًا في فترة طفولتهم بأكملها”. إن الندم المتوقع وغياب الحضور (حسب ما جرى تناقله) هو اقتران متكرر، وإذا كان عدم القدرة على الحضور في أي تجربة هو الوضع الراهن؛ فإن الندم المتوقع يتضمن تخيل استمرار عدم الحضور، والشعور بالألم للإمكانات المهدرة التي قد تحدث.
يبدو أن الافتقار إلى الحضور هو حافز قوي للتعافي في حدّ ذاته، فمن كان يظن أنّ شيئًا بسيطًا جدًّا سيحقق الغاية في إدراكك، ويكون سببًا لتغيير حياتك؟ وعند اقترانه بالندم المتوقع، يمكنه إنجاز أكثر من هذا حتى، فهذا الاقتران مثير للاهتمام هيكليًّا.
إن الافتقار إلى الحضور يعني أن تكون دائمًا على مسافة مما تعيشه؛ فهو يتضمن السماح للأفكار بشأن الأمور التافهة، مثل: “هل تناولت كثيرًا من الطعام اليوم؟” و”هل مارست ما يكفي من الرياضة اليوم؟” بالتطفل بشكل متكرر على أي شيء آخر يحدث، ويتعلق الندم المتوقع بالخروج من تجربتك أيضًا، ولكن بطريقة بنّاءة؛ فبدلًا من أن تكون خارجها هنا الآن بوصفها حالة افتراضية تلقائية وعقيمة، فأنت توسع بفاعلية آفاق الحاضر من خلال طرح سؤال بشأن المستقبل؛ لذا إن توقع ندمي المستقبلي يتضمن التساؤلَ، في هذه الحالة: “هل سيكون من المقبول الاستمرار بطريقة العيش هذه إلى الأبد؟”، أو “لو استمرت حياتي هكذا لخمس سنوات”، أو “لو كنت لا أزال هكذا عندما ماتت أمي”، والإجابةَ عن هذه التساؤلات بـ “لا”.
إذ يكون الافتقار إلى الحضور هو عدم قدرة بسيط على أن تكون هنا الآن، ومنخرطًا بشكل كامل فيما يحدث حاليًّا؛ فإن هذا الشكل من الندم المتوقع يتكون من جزأين: ١) هذا ما تبدو عليه الحياة الآن. ٢) هذا ما أشعر به تجاه استمرار هذا النوع من الحياة. وهذا له علاقة بالطرق “الجيدة” الأخرى للخروج من تجربتك الخاصة، مثل ذلك الشعور البسيط بالخروج من الجسد الذي تشعر به أحيانًا عندما تدرك “مذهل، أنا أقضي وقتًا رائعًا الآن”، ولا يزال الحضور موجودًا، ولكنّه فقط يحتوي على جزءٍ متباعدٍ، وهذا يختلف تمامًا عن الشعور المتبلد الدائم الذي يجلبه التفكير الناجم عن الاضطراب.
لذا، فإن الرغبة في هدوء الضجيج وانقشاع الضباب يمكن أن تكتسب قوة من إضافة الندم المتوقع، وفي المقابل، يمكن أن تقلل أيضًا من الجهود التخيلية المطلوبة للاستفادة من الندم. وفي النهاية، كلّ ما عليك أن تتخيله قد يكون ما هو موجود فعلًا، ولكن بحضورك كاملًا فيه.
