القائمة الرئيسية

كيف تتميز في عملك؟

كيف تتميز في عملك؟
ملخص المقال

يتناول المقال الفرق بين ""النجاح"" و""التميز""، موضحًا أن الكثير من الناس يسعون للصمود أو للنجاح، لكن قلة من يسعون للتميز الحقيقي، وهو ما يتجاوز مجرد المال أو الشهرة. يستعرض المقال أفكار أفلاطون وأرسطو حول السعي نحو الخير الأسمى وتحقيق التوازن بين متطلبات الجسد والروح، ويشدد على أهمية البيئة الاجتماعية، وتنظيم الوقت، والتعليم الملائم للمواهب الفردية. ويؤكد أن التميز يتطلب دعمًا أسريًا ومجتمعيًا، ومسارات تعليمية متعددة تتيح لكل فرد أن ينمو وفق قدراته، مع أهمية تبني العادات الجيدة وتطويرها بوعي، وليس اتباعها بشكل أعمى.

بنيامين ستوديبيكر 

ما تجب عليك معرفته

هل تطمح أن تتميز في تحقيق شيء ما؟ لا يطمح العديد من الناس أن يكون إنجازه عاديًّا حينما يتعلق الأمر فيما نكسب عيشنا منه، ولا يكفي حتى أن تكون غنيًّا ومشهورًا لتحقق ذلك التميز. تعد فرقة نيكلباك (Nickelback) فرقة كندية كبيرة، وقد كسبت الكثير من المال بعد أن حققت أصداء واسعة تدل على نجاحها، لكن معظم الناس لا يعتقدون أن موسيقاهم ممتازة. فيختلف مفهوم التميز عن مفهوم النجاح.

تتمحور معظم النصائح التي يقدمها الناس حول القدرة على الصمود أو تحقيق النجاح في الحياة. وتعد تلك النصائح ثنائية الأبعاد، فيطلب منا بعض الأشخاص أن نعمل بجد وإنتاجية، كما يطلب البعض الآخر ممارسة الرعاية الذاتية لتجنب إرهاق أنفسنا. ومن الجدير بالذكر أن مؤلفي الكتب التي تشجع على الرعاية الذاتية ربحوا أموالًا طائلة من خلال التركيز على أحد هذَيْن الجانبَيْن وإهمال الجانب الآخر!

يعد هؤلاء الكتّاب ناجحين، ولكن النصائح التي يقدمونها للناس ليست ممتازة، فلن ننمو وننضج إذا قضينا كل الوقت في محاولة اجتياز اليوم، وسنرهق أنفسنا ونُنْهَك إذا سعينا خلف المثالية. يحتاج الناس إلى تعلم تحقيق التوازن الدائم وتوزيع وقتهم وطاقتهم توزيعًا فعالًا كخطوة أولى، واستغلال وقتهم للوصول إلى التميز وليس مجرد النجاح كخطوة ثانية.

استلهم التميز من أفلاطون وأرسطو

كان الفيلسوفان اليونانيان أفلاطون وأرسطو من الأرستقراطيين الأثرياء الذين لم تكن لديهم وظائف ثابتة. ونظرًا لأنه كان لديهما الكثير من الوقت والكثير من المال، فكان بإمكانهما قضاء حياتهما كلها في التفكير في المعنى الحقيقي للتميز. ولم يكن عليهما أن يقلقا بشأن الصمود في الحياة لأنهما وُلِدا ثريَّيْن فلم يكونا مهتمَّيْن بالنجاح، لأنه عندما تولد غنيًَّا، فليس من الصعب أن تكون ناجحًا. لقد أرادا السعي لتحقيق الخير الأسمى، وأرادا أن يكون هذا السعي محورًا لكل ما قاما به. وعلى الرغم من أنك قد لا تكون أرستقراطيًّا يونانيًّا ثريًّا، إلا أنه لا يزال لديك الكثير لتتعلمه منهما حول مفهوم التميز. 

أول شيء لاحَظاه عن كونهما بشرًا هو أنه حتى الأغنياء ليسوا آلهة. فكل شخص لديه جسد واحتياجات. يروي أفلاطون قصة في إحدى محاوراته التي تسمى فايدروس. ويتخيل أفلاطون في تلك القصة أن الإنسان عربة طائرة من ثلاثة أجزاء تجرها خيول مجنحة. ويهتم الفارس بالحقيقة والخير والجمال ويطمح أن يطير بالمركبة فوق السحاب في السماء ليكتشفها. لكن الفارس ليس لديه أجنحة ليطير بها، فهو معتمد على حصانين أحدهما أبيض والآخر أسود. يتطلع الحصان الأبيض أن يحظى باحترام كبير ويُعدّ الشرف والمكانة فوق كل شيء كما أنه يستجيب إلى اللوم والثناء. ولكن تختلف اهتمامات الحصان الأسود حيث إنه يطمح للاستمتاع بملذات الحياة كالطعام والنوم وكل أنواع الرفاهية ولا يخجل من أي شيء، لكنه يخشى سوط الفارس. فالحصان الأسود يخشى الألم بقدر حبه للمتعة.

لا يمكن للفارس أن يعرف التميز إلا إذا تمكن من جعل هذه الخيول تطير بالعربة فوق السحاب، لكن الخيول ليس لديها اهتمام وعزم بما يحدث هناك. وهنا يبرز دور الفارس فيحفز الخيول بإعطائها ما تريد لتتعاون معه، ولكن دون إفراط. فالمبالغة في إعطاء الخيول ما تريد سيقويها على سَحْب العربة إلى أي مكان. وحينما تتجاهل الخيول ستضعف وتتمرد، وحينما تطعم الخيول أكثر من اللازم، ستدير العرض. للوصول إلى تميز ذي قيمة حقيقية، علينا أن نتجاوز المتعة والمكانة، لكن لا يمكننا أن نتركهما وراءنا تمامًا. فيتضمن هذا النوع من التميز احتياجاتنا المادية والاجتماعية، ولكنه يتجاوزها، فالقيمة نفسها كمثال مجرد. يعد التوازن مهمًّا لتحقيق التميز، ولكن ما هو التوازن؟

فكر بالأمر جيدًا

اختَلِطْ في بيئة اجتماعية جيدة

يعد تحقيق التوازن في العربة تحديًا كبيرًا للإنسان. لكنه ليس تحديًا نواجهه وحدنا. فبالنسبة لأفلاطون، يساهم المجتمع الذي نعيش فيه في رعاية خيولنا. فنحن لا نزرع طعامنا ولا نبني بيوتنا ولا نوفر وسائل ترفيهنا. ويساعدنا الآخرون في تلبية احتياجات الحصان الأسود. فكيف نرضي الحصان الأبيض دون أن يشعرنا الآخرون بالتقدير والاستحقاق؟ يعتقد أفلاطون أن بعض الأدوار الاجتماعية تساعدنا على تحسين قيادة العربة أكثر من غيرها، كما أنه يحاول ترتيب تلك الأدوار حسب أهميتها. وتساهم بعض الأدوار في مساعدتنا على الصمود في الحياة، ناهيك عن الازدهار والنمو. كما يشعرنا بعض الأشخاص بالراحة ولكن لا يُحتَرمون، ويحظى البعض منهم بالاحترام لكنهم لا يشعروننا بالراحة نفسها. كما تشعرنا بعض الأدوار بالراحة والاحترام، لكن الوقت غير كافٍ للسعي وتحقيق التميز. عليك أن تضع ثلاثة أمور في بالك عندما تختار عملك وأصدقاءك وعلاقاتك. حينما تفتقد الراحة في حياتك ستلاحظ أن حاجتك للراحة تتحكم بك، وحينما تفتقد الاحترام ستشعر بحاجتك للاحترام. وإذا لم تكافح في حياتك، فإنك ستعيش وأنت تكافح للصمود في الظروف الصعبة.

نَظِّم وقتك تنظيمًا جيدًا

كيف نحصل على الأشياء الثلاثة في حياة واحدة فقط؟ يُميِّز أرسطو في السياسة بين الفراغ والتسلية، حيث يعد وقت الفراغ هو الوقت الذي نقضيه في التعلم والتأمل لتحقيق التميز، كما تتمحور التسلية حول الراحة والتعافي. قد يساعدك أن تعد الفراغ على أنه وقت للتنمية وتعدّ وقت التسلية على أنه وقت للتعافي. فبالنسبة لأرسطو فإننا نقضي أيامنا في القيام بثلاثة أشياء: العمل والنمو والتعافي، حيث يتطلب العمل والنمو وقتًا وطاقة، فالنمو يتطلب الطاقة نفسها التي نحتاجها للعمل، كما أن التعافي من كلا النشاطَيْن يستغرق فترة من الوقت.

عندما طُبق العمل بنظام ثماني ساعات لأول مرة، ظهر شعار محتواه:

يبدو أننا حصلنا على الأشياء الثلاثة، ولكن تكمن المشكلة في أن الوقت الذي نقضيه في النوم ليس وقتًا كافيًا للتعافي. فعندما نعود إلى المنزل من العمل، عادة ما نكون متعبين للغاية بحيث لا نستطيع أن ننمي أنفسنا، ولكننا لسنا متعبين لدرجة أن ننهي يومنا ونخلد إلى النوم. ونحاول أن نستمتع ببقية اليوم حينما نحاول التعافي، وقد نشعر بالسوء حيال هذا. تلك الثماني ساعات الأخيرة هي ما نريده! لماذا لا نرغب بأن ننمي أنفسنا؟ ولكن في أغلب الأحيان قد يرهقنا ذلك. هذا بالنسبة للأشخاص الذين يعملون ثماني ساعات فقط في اليوم ويحصلون على ثماني ساعات من النوم في الليلة. ويعد ذلك بالنسبة للكثيرين منا مستحيلًا. (سُئِل أرسطو عن طريقة زيادة اكتسابنا للوقت، ولكن إجابته على السؤال لم تكن مفيدة ولا ينبغي أن تؤخرنا في تكملة السرد).

يضطر معظم الناس انتظار التقاعد في هذه الأيام، وذلك على أمل توفير ما يكفي من المال لقضاء بعض الوقت في تنمية أنفسهم. ولكن قد تسوء حالتهم الصحية بحلول وقت التقاعد وتنخفض طاقتهم، فيجب علينا أن نستغل طاقتنا فيما ينفعنا بالوقت الحالي.

النمو لا يستلزم أن نصل إلى سن التقاعد ويمكننا أن ننمو ونطور من أنفسنا ونحن شباب، فالشخص الذي يدرك غايته في سن مبكرة يسهل عليه إيجاد غايته وهدفه الذي يريد التميز به. هذا وقد يعد دعم الأسرة ونظام المدارس العامة عاملًا مساهمًا في حصول الأشخاص على الوقت والموارد التي تساعدهم على تطوير أنفسهم، ولكن لا ينعم كل أشخاص المجتمع بالأسرة الصالحة والتعليم. يعتقد أفلاطون أن المحسوبية تشكّل مشكلة كبيرة، فلا يظن أن التميز يُورث بشكل مباشر، فقد يولد بعض الأطفال المتميزين في عوائل لا تبلي أي اهتمام لاكتشاف وتطوير إمكانيات أطفالهم، وقد يولد بعض الأطفال وينعمون بعوائل غنية وتتمتع بإمكانات كبيرة ولكن تتسرب قدرات أطفالهم دون نمو وتطوير. وقد اقترح أفلاطون القضاء على مفهوم الأسرة في الجمهورية وتكاتف أفراد المجتمع لتربية الأطفال جماعيًّا. ولكن اعتقد أرسطو أن نهج أفلاطون كان غير طبيعي وأن الأسرة تمثل الحجر الأساسي لأي مجتمع، كما أنه كان يؤمن بالتسلسل الهرمي الطبيعي لذلك فلم يكن قلقًا بشأن الأشخاص الموهوبين الذين يولدون في عوائل لا تدعم مواهبهم.

تمثل العائلات دورًا رئيسيًّا لبعض الأشخاص في اكتشاف ودعم إمكانيات أطفالهم، ولكن يعتقد البعض الآخر أن العائلة ليس لها دور في تسليط الضوء على إمكانياتهم. ولنساهم في التأثير على العوائل وتعزيز دورهم يجب علينا التأكد من قدرتهم على دعم أطفالهم سعيًا للتميز، وهذا يعني أننا بحاجة إلى التأكد من أن الأسر تتمتع بالاستقرار الاقتصادي لمنح أطفالها مساحة للنمو. وقد نحتاج إلى أنظمة دعم بديلة للأشخاص الذين لا يتمتعون بأسر صالحة أو يجدون أن بنية الأسرة مُنفِّرة. فقد نجد في كثير من الأحيان أن الأطفال يُتركون دون اهتمام في الظروف الصعبة وذلك بسبب عدم وجود حلول بديلة للوالدين، وينتج عن إهمالهم أن الطفل يفقد أمله في وصوله لمرحلة التميز قبل أن يدرك معنى كلمة “التميز”.

ركِّز على التعليم الذي يتناسب مع مواهبك

يعتمد نوع المدارس التي نحتاجها إلى حد كبير على نوع التميز الذي نسعى إليه. ويطلق الفلاسفة اليونانيون على هذه المجالات المختلفة من التخصصات اسم technê، أو “الحِرَف”. وإذا لم نختر تخصصًا مناسبًا لمهنتنا، فلن نتميز في دراستنا. تفضل العديد من المدارس العامة التعليم الموحد الذي يركز على مهارة القراءة والكتابة والحساب، ولكن تلك المدارس تحد من قدرة الطلاب على إيجاد المجال الذي يبدعون ويتفوقون به. وأشار أفلاطون إلى أن نوع التعليم الذي نتلقاه يحدد طريق حياتنا المهنية. وإذا ركز التعليم تركيزًا صارمًا على مجموعة محدودة من الحرف التي لا تتناسب مع مواهب جميع أفراد المجتمع، فإننا نقلل من قدراتهم وإمكانياتهم المختلفة التي قد ينتج عنها فجوات في مجتمعنا وذلك بسبب عدم تميز كل شخص في المجال الذي يتناسب مع قدراته.

وفي حين أن مرحلة الشباب مرحلة ممتازة للنمو، إلا أننا قد نتأثر بالغنى. فمن المهم أن يكون الطفل من أسرة صالحة وفي مدرسة تناسب مواهبه وميوله. ولكن قد تناسب تلك العائلة أو المدرسة شخصًا ما ولا تناسب الشخص الآخر. وهذا يدل على أن التميز يتطلب مجتمعًا يراعي الشباب ليس فقط بأسر ومدارس قوية، بل بأسر ومدارس قادرة على استيعاب المواهب المختلفة. وقد تختلف نظرة ومعايير الأشخاص للأسر والمدارس المناسبة، حيث يعد بعض الأشخاص الأسر والمدارس “جيدةً” فحسب، ولكن تعد للبعض الآخر منهم احتياجًا للهياكل الاجتماعية غير التقليدية. وهذا يعني أنه من الضروري ليس فقط دعم الأسر والمدارس، بل دعم عدد وافر من المسارات القابلة للحياة.

يعتقد الأشخاص الذين لم يحظوا بفرصة التعليم أن وضعهم ليس ميؤوسًا منه. فقد وسّع الإنترنت خيارات الطلاب الناضجين ووفر لهم فرصًا غير تقليدية. فإمكانهم الاشتراك في برامج مختلفة تقدم الدورات التدريبية عبر الإنترنت اعتمادًا على مهنتهم وأقل تكلفة، مثل ((Masterclass و (Great Courses). ويعد اليوتيوب (YouTube) مصدرًا أساسيًّا للتعلم المجاني لمن يواجه عوائق مالية. ولا تزال المكتبات العامة أساسية لا غنى عنها، كل ما تحتاج إليه هو الوقت الكافي، فالتعلم ليس مستحيلًا على الرغم من صعوبته خلال سنوات العمل الأولى. 

حسِّن إبداعك

لنفترض أنك عثرت على الموارد المناسبة لك. ماذا ستفعل؟ يظن أرسطو أن عاداتنا الجيدة التي تساهم في نمونا وتطويرنا تمثل الجزء الأول من رحلتنا التعليمية. حيث يفرض علينا المعلمون والموجهون عادات السلوك، ولكن بمرور الوقت تأتي اللحظة الحاسمة ونشكك في هذه العادات ونتساءل، ما الفائدة من تلك العادات؟ ولماذا يجب علينا أن نلتزم بها؟ سيشعر الطالب بالاستقرار حينما يكتشف بنفسه سبب أهمية هذه العادات ويلتزم بها التزامًا صارمًا، ولكن إذا لم يدرك الهدف منها وأهمية التزامه بها، فلن يستمر بممارسة تلك العادة وقد يقع في الفساد والرذيلة. ويدرك الطالب المتفوق الهدف من تلك العادات ويعرف كيف يحسّنها ويطورها، فلن يترك كل العادات التي اكتسبها ولن يلتزم بها التزامًا عقائديًّا.

تخيل أنك طفل مهتمّ بالموسيقى وحلم حياتك أن تصبح موسيقيًّا متميزًا. وتعلم أن عائلتك ستدعم مواهبك واهتماماتك، فيسجلونك في دروس الموسيقى لتتعلم عادة الممارسة وتطور الفضائل التي قد تساهم في وصولك للتميز وتتسم بالاجتهاد والوعي. ولكن قد تتساءل في مرحلة ما عن سبب اهتمامك والتزامك بالتدريب وتفكر ما إذا كان مدرسو الموسيقى الذين اختارهم والداك هم الأفضل. وقد تؤثر تلك التساؤلات على خيارك وتعتقد أن الموسيقى تضيع وقتك ولا أهمية لها، فتقرر عدم الذهاب إلى دروس الموسيقى وتتوقف عن التدريب وتقضي وقتك في الاستمتاع بالحفلات. وقد تشعر بالرضا عن نفسك حينما تتخذ ذلك القرار، ولكن تلاشى حلمك ولن تصبح موسيقيًّا متميزًا.

وقد تسلك المسار الآخر وتستمر في التدريب واتباع خطى والديك ومعلميك وتحقق حلم حياتك وتصبح موسيقيًّا جيدًا. وحينما تصبح موسيقيًّا قد تشعر بأن أداءك أوتوماتيكي إلى حد ما ومؤلفاتك ليست أصيلة، ولكن تلك المشاعر لا تعيق حياتك ولا تحفزك على تطوير نفسك. وقد تكتفي بما حققته وتتوظف كأستاذ موسيقى وتعيش حياة جميلة وتشعر بالرضا فيها، لكنك لن تصل لمرحلة الامتياز بالموسيقى. يتساءل الموسيقيون المتميزون عما إذا كان آباؤهم ومعلموهم يعرفون حقًّا ما هي الموسيقى الممتازة. كما أنهم يوظفون معلمين جددًا لأنفسهم ويقضون وقتًا في التفكير بتحسين الموسيقى لمستوى “جيد”، ويناقشونها مع أي شخص يستمع إليها. يطوّر الموسيقيون المتميزون مفهومهم للموسيقى الجيدة ليبقوها بطرق جديدة ومبتكرة فيعزفون عزفًا رائعًا يتميزون به.

النقاط الرئيسية – كيف تصل لمرحلة الامتياز؟ 

1. تذكر أن التميز يتجاوز الصمود والنجاح.  يتحدث أفراد المجتمع باستمرار ويقدمون توصيات عن التطوير الذاتي أو العمل الجاد أو الرعاية الذاتية، ولكن يهملون مناقشة رحلة الوصول للتميز.

2. اتبع نهج أفلاطون وأرسطو في تحقيق التميز. إن النظر إلى حكمة الإغريق القدماء يقدم لنا بعض الإرشادات حول ماهية التميز وطريقة تحقيقه.

3. اختلط في بيئة اجتماعية جيدة.  تحتاج إلى الراحة والاحترام والوقت لتطور مواهبك وتصل للامتياز. اختر الوظائف والأصدقاء والشركاء الذين يتناسبون مع هدفك.

4. وزع وقتك توزيعًا معقولًا. ميّز بين النمو والتعافي وتأكد من استغلال وقت فراغك بطريقة متوازنة.

5. احصل على التعليم الذي يناسبك. لا تثبط عزيمتك إذا واجهت مشكلة في البيئات التعليمية التي لا تناسب مهنتك.

6. حسّن إبداعك. عبّر عن إحساسك بأداء مهنتك أداءً جيدًا، حتى لو كان ذلك يتعارض مع الحكمة المتعارف عليها.

7. فكر في عملك. من الضروري أن تمنح نفسك مساحة من عملك، خذ استراحة من محاولة الوصول للتميز وراجع أفكارك ومعتقداتك فيما يتعلق بالامتياز.

سبب أهمية التميز

يعد تحقيق التميز لأول مرة مجرد البداية، فبمجرد العثور على صوت مميز، يتحمس الموسيقي المميز لمشاركته مع الآخرين. يفرّق أرسطو بين “التأمل” و”الفعل”، فحينما نتأمل نفكر فيما هو جيد وكيف تؤثر تلك المفاهيم الجيدة على حرفتنا، ولكن حينما نتصرف فإننا نطبق هذه الأفكار فنشارك الخير مع الآخرين بهذه الطريقة من خلال حرفتنا، حيث تعد حرفتنا وسيلة لنعبر بها عن مفهومنا للتميز في المجتمع. كما تعد المهن كالتمثيل أمام الجمهور، فحينما نمثل نقدم ذلك العرض للجمهور وحينما نؤدي حرفة ما فإننا نصنع شيئًا ليجربه الآخرون، وعندما نبدأ التمثيل يقرر الآخرون ما إذا كانوا يعتقدون أننا وجدنا طريقة جديدة للوصول إلى الخير والتعبير عن التميز.

لكننا نركز معظم الوقت على احتياجات أجسادنا التي نعيش بها ونهمل التفكير بما هو مفيد لعائلاتنا ومجتمعاتنا والعالم ويشجعنا على تصنيف الواقع إلى فئتين؛ “أنا” و”ليس أنا”. ونركز على الاختلاف والانفصال، فلا ندرك أن لكل شيء جانبًا مترابطًا في الحياة. ولنستوعب هذا الترابط يجب علينا ألا نصغي لما يحدّثنا به جسدنا الداخلي، ويعتقد أفلاطون أن تحقيق ذلك يتطلب جهدًا فلسفيًّا. وبما أن معظمنا لا يقضي وقته في قراءة كتب الفلسفة، فإننا لا ندرك مفهوم الترابط، وهذا يعني أن مفهومنا البشري عن الخير مجرد تقليد سيئ للخير الحقيقي. كما يصنف الناس الموسيقى التي يستمتعون بها على أنها موسيقى جيدة وليس بسبب إدراكهم وفهمهم لمعنى الترابط. ولو كان أفلاطون حيًّا لقال إن الكثير من نجوم موسيقى البوب ​​يغنون عن العلاقات العدائية مع العشاق السابقين وهي تجربة مألوفة ولكنها تعزز التمييز بين الذات والآخرين.

ولكن يختلف مفهوم أرسطو عن النجاح، فبالنسبة له إذا كان معظم الناس يحبون موسيقاك، فأنت على المسار الصحيح. ربما لم يخصص الكثير منا الوقت الكافي لتعلم العزف على الآلات الموسيقية، ولكن نستطيع التمييز عندما نسمعها. يعد مفهوم أرسطو عن الخير أكثر قربًا للطبيعة البشرية من فهم أفلاطون. فبالنسبة لأرسطو تهدف كل الأشياء أن تكون جيدة في النهاية. لذلك يمكننا اكتشاف ما هو جيد من خلال مراقبة الطبيعة، ومن خلال مراقبة ما تهدف إليه العمليات الطبيعية. أما بالنسبة لأفلاطون فيتطلب التميز أن نتجاوز الخبرة العادية. لكن بالنسبة لأرسطو التميز يمكن اكتشافه بسهولة في العالم من حولنا إذا بحثنا عنه بتمهل. وهذا لا يعني أن التميز هو الفكرة الشائعة التي يفهمها ويتصورها معظم الناس، ولكن إذا كان هناك مجموعة كبيرة منهم تظن أن شيئًا ما مميز، فيجب أن يؤخذ ذلك الرأي في الحسبان.

ومن الجدير بالذكر أن معظمنا ليس متأكدًا من الرأي الصحيح. فيعتقد أفلاطون وأرسطو أنه يجب علينا دائمًا أن نتأمل لتحسين مفهومنا عن التميز والخير وتعلم تطبيقه على حرفنا. وحينما نصل إلى نقطة نكون فيها مستعدين للعمل وممارسة الحرفة لبقية حياتنا، يجب علينا أن نتذكر أن رحلة تعليمنا في الحياة ليس لها نهاية. فعلينا أن نوازن بين التأمل والتصرف.

إذا كنت موسيقيًّا ممتازًا وأنتجت ألبومًا رائعًا، سواء نال استحسان النقاد أو حظي بشعبية كبيرة فأنت في موقف صعب. حيث إنك ستضطر للسفر حول العالم وإقامة الحفلات الموسيقية. وستُجبر لإنتاج ألبومات بنفس الجودة، إن لم تكن أفضل. وإذا قضيت كل وقتك في الأداء والتأليف، فلن تستطيع تأليف موسيقى جديدة  وستبدو موسيقاك قديمة ومكررة.

ولكي تتفادى حدوث ذلك قد تحاول تجربة أنواع جديدة ومميزة من الموسيقى ولكنك تعجز بسبب انشغالك في الأداء. فقد لا ينتقد معجبوك ونقادك ألبومك الأول أو الثاني المقلد أو التجريبي بشكل كارثي. وقد يحبك بعض الجماهير بغض النظر عما تقوم به، وذلك بسبب قوة وامتياز أغانيك القديمة. ولكن إذا كنت تريد أن تستمر على مستوى الامتياز نفسه، فيجب عليك أن تأخذ استراحة من الأداء وتعود إلى النشاط التأملي الذي جعلك ناجحًا في المقام الأول. ولهذا السبب يتعين على الموسيقيين المتميزين الهروب إلى أماكن معزولة حيث يمكنهم التواصل مرة أخرى مع الموسيقى. وحينما يستلهمون الموسيقى، يجدون الخير ويكتشفون التميز ويعاودون حب حرفتهم.

تعد فترات الراحة من العمل والتأمل العقبة الأخيرة للوصول للتميز. وهذا يعني أنه علينا في ذروة شهرتنا ونجاحنا أن نتذكر أن هدفنا هو الوصول لمرحلة التميز، ولكن يجب علينا أن نصل لمرحلة متقدمة من النجاح لنؤمن حياتنا حينما نحتاج الاستراحة.

المصدر

مقالات ذات صلة