القائمة الرئيسية

كيف تمارس الفلسفة مع الأطفال

كيف تمارس الفلسفة مع الأطفال
ملخص المقال

يتحدث المقال عن كيفية ممارسة الفلسفة مع الأطفال، حيث يوضح أن الأطفال بطبيعتهم فضوليون ويميلون إلى طرح أسئلة فلسفية عميقة حول الوجود، والعدالة، والحقيقة، وغيرها من القضايا الأساسية. يقدم الكاتب، وهو فيلسوف وأب، نصائح عملية للآباء والمعلمين حول كيفية تشجيع الأطفال على التفكير النقدي والإبداعي، مثل طرح الأسئلة المفتوحة، والاستماع باهتمام لأفكارهم، وتشجيعهم على تحليل المفاهيم والبحث عن الحجج. كما يشير إلى أن ممارسة الفلسفة مع الأطفال تعزز مهاراتهم في التحليل والمنطق، وتعمق فهمهم للعالم، وتقوي ثقتهم بأنفسهم. المقال يسلط الضوء على أهمية خلق مساحة آمنة للأطفال للتعبير عن أفكارهم دون خوف من الخطأ، ويؤكد أن هذه المحادثات ليست مفيدة للأطفال فحسب، بل يمكن أن تكون مصدر إلهام وتذكير للكبار بجمال التفكير الفلسفي والفضول الطبيعي الذي نمتلكه جميعًا في طفولتنا.

سكوت هيرشوفيتز Scott Hershovitzis


ما يجب معرفته

عندما كنتُ في الخامسة من عمري تساءلت عما إذا كان زملائي في الفصل يرون الألوان بالطريقة نفسها التي أراها بها. ماذا لو كان يبدو لي اللون الأحمر كما يبدو لهم اللون الأزرق؟ وما ذا لو كان يبدو لهم اللون الأزرق كما يبدو لي اللون الأحمر؟ هل ثمة طريقة لمعرفة أن خبراتي اللونية كانت معاكسة لخبراتهم اللونية؟ تبدو الإجابة بالنفي، لأننا كنا متوافقين فيما نراه على أنه أحمر وما نراه على أنه أزرق. ولو كانت معاكسة ستبدو الأشياء مختلفة بالنسبة إلينا فقط. 

لقد انشغل الفلاسفة بهذه المشكلة على مر العصور، ويُطلَق عليها مشكلة “الطيف اللوني المقلوب inverted colour spectrum”، وهي تثير أسئلة عميقة حول طبيعة الألوان والوعي. لكن الأطفال قد انتبهوا إلى المشكلة أيضًا في صغرهم. في الواقع يقول دانييل دينيت Daniel Dennett – أحد فلاسفة الذهن البارزين – إن العديد من تلامذته الجامعيين يتذكرون أن أول تفكّرهم في إمكان الطيف اللوني المقلوب كان في طفولتهم. 

إن هذا اللغز ليس اللغز الفلسفي الوحيد الذي يجذب انتباه الأطفال الصغار. أنا فيلسوف وأب. ولدي ابنان، ريكس Rex وهانك Hank. وكانا يطرحان أسئلة فلسفية ويحاولان الإجابة عنها بمجرد أن استطاعوا التحدث. وفي كثير من الأحيان، كانا يعيدان إنشاء الحجج القديمة. فعندما كان هانك في الثامنة من عمره، جادل بأنه يجب علينا أن نؤمن بالإله حتى لا نحزنه – إذا كان موجودًا. ويطلق الفلاسفة على هذه الفكرة اسم “رهان باسكال”، نسبة إلى بليز باسكال، عالم الرياضيات والفيلسوف الفرنسي إبان القرن السابع عشر. وعندما كان ريكس في الرابعة من عمره، تساءل عما إذا كان يحلم طوال حياته. وهذا السؤال أيضًا له جذور عميقة في الفلسفة، وكان مفتاحًا لتأملات رينيه ديكارت في المعرفة، وأدى دورًا بارزًا قبل ديكارت بزمن طويل في كتاب جوانغ زي Zhuang Zi، وهو نص طاوي Daoist عمره ألفا عام. 

إن الأطفال يفكرون في بعض أعمق الأسئلة التي يمكن أن يسألها أي شخص: لمَ العالم موجود؟ ما هو دورنا فيه؟ هل الإله موجود؟ هل لنا قيمة؟ هل لأي شيء قيمة؟ وكثيرًا ما يكون الكبار في حيرة من هذه الأسئلة. ربما يكون من الصعب التعامل مع هذا القدر من الأسئلة، ولكن قد يخيفك أيضًا أن يطرح طفل سؤالًا لا تكون متأكدًا من الإجابة عنه إذ من المفترض أنك أنت الخبير. ولكن لا داعي للذعر عندما يطرح الطفل سؤالًا لا تستطيع إجابته. وفي هذا الدليل، سأوضح لك طرقًا لتحويل هذه اللحظات إلى مناسبات رائعة، وسأشرح لماذا يستحق الأمر هذا الجهد. 

الأطفال فلاسفة بالفطرة

قد يكون الأطفال مجانين، ويمثلون دوامة لا تهدأ من النشاط، ودوامة من الأسئلة (كما يعلم كل أب). كيف تعرف أن طفلك يسأل سؤالًا فلسفيًا؟ إذا كان أحد أسئلته يجعلك تتمهل وتتساءل عن العالم فهذه علامة جيدة. فالسؤال الفلسفي هو السؤال الذي يتطلب منا أن نفكر مليًا في أنفسنا وفي العالم في محاولة لفهم كليهما فهمًا أفضل. 

لا يلاحظ إلا قلة من البالغين أن الأطفال فلاسفة بالفطرة. لكنهم كذلك بالتأكيد. لقد أمضى الفيلسوف الأمريكي غاريث ماثيوز Gareth Matthews معظم حياته المهنية في التحدث مع الأطفال. وبدأ بالطريقة نفسها التي بدأت بها. فقد لاحظ أن أطفاله يطرحون أسئلة فلسفية ويقدمون حججًا فلسفية. وتساءل: هل كل الأطفال يقومون بهذا الأمر؟ ومن ثم تحدث مع أولياء الأمور وزار المدارس ليتحدث مع الأطفال بنفسه. 

اكتشف ماثيوز أنه من الشائع أن يثير الأطفال الصغار أسئلة فلسفية من تلقاء أنفسهم. ويتجلى هذا النشاط بين الثالثة والسابعة. ووجد ماثيوز أيضًا أن الأطفال أذكياء في طريقة حلهم للألغاز. وفي الواقع وصل إلى اعتقاد أن الأطفال فلاسفة أفضل من البالغين من بعض النواحي. 

يتمتع الأطفال بميزتين. الأولى: إنهم جديدون على العالم ويحيرهم باستمرار؛ ولذلك يسألون عن كل شيء. قبل عدة سنوات، استمعت متخصصة علم النفس ميشيل شوينارد Michelle Chouinard إلى تسجيلات لأطفال صغار وهم يقضون أوقاتهم مع والديهم. ووجدت أن الأطفال يطرحون أكثر من سؤالين في الدقيقة. وتطلب ما يقرب من ربع هذه الأسئلة تفسيرات؛ فقد أراد الأطفال أن يعرفوا إجابة أسئلة تبدأ بكيف أو لماذا. الميزة الثانية: إنهم لا يخشون الخطأ، أو أن يبدوا تافهين. فالأطفال يخطؤون طوال الوقت. وما هو تافه هو مجال عملهم الرئيس. وهذا يجعلهم مفكرين شجعان، ومستعدين لمشاركة أفكارهم حتى لو كانوا لا يعرفون أنهم على حق. 

الأمر يستحق دعم غريزتهم الفلسفية

إذا كان الأطفال فلاسفة بالفطرة، فقد نتساءل لماذا يحتاجون إلى مساعدة. والإجابة هي أن الموهبة قد تضعف إن غاب التشجيع. لقد وجد ماثيوز أن جولات الأطفال العفوية في الفلسفة تبدأ في التباطؤ في سن الثامنة أو التاسعة تقريبًا؛ إذ في هذا العمر يبدأ قلقهم بشأن تفكير الآخرين فيهم. ويدركون أن معظم البالغين لا يقضون وقتًا في التفكير في أسئلة مثل: “هل أنا في حلم طوال حياتي؟”ولذلك يتجاوزون هذا النوع من الأسئلة. 

ومع ذلك، وجد ماثيوز أن بإمكانه تحفيز المحادثات الفلسفية مع الأطفال الذين يبلغون من العمر ثمانية أو تسعة أو أعوام أو من هم أكبر حتى. إنهم لم يطرحوا أسئلة فلسفية من تلقاء أنفسهم كما كان حالهم في كثير من الأحيان، ولكن كل ما كان على ماثيوز فعله لبدء المحادثة هو أن يقرأ لهم قصة تثير سؤالًا فلسفيًا، ويسألهم عن أفكارهم بشأن هذا الموضوع. إنه يخلق مساحة للفلسفة، ويملؤها الأطفال. 

لقد كانت هذه التجربة هي تجربتي أيضًا. وأتذكر الأيام التي كان فيها ريكس يتساءل بصوت عالٍ عما إذا كان يحلم طوال حياته. ولكن عندما سُئل عما إذا كان رغيف النقانق hot dog هو شطيرة، بدأ على الفور في محاولة وضع نظرية حول ماهية الشطيرة (هل لا بد أن تتكون الشطيرة من قطعتين من الخبز؟ وهل يهم ما بينهما؟ أو ما هو نوع الخبز؟). وبذلك، هو يقوم بأحد الأنشطة الأساسية في الفلسفة، ألا وهو التحليل المفاهيمي. 

هناك ربح كبير يعود من رعاية الغريزة الفلسفية لدى الأطفال. وصف ريكس الفلسفة ذات مرة بأنها فن التفكير. وهذا صحيح، حتى عندما يكون الموضوع تافهًا (“هل النقانق شطيرة؟”)، وتتمثل المهمة في صقل قدرة الطفل على التمييز بين الأمور، والتفكير في البدائل، والبحث عن أمثلة مضادة. إنها تبني مهارات مفيدة في حل أي مشكلة تقريبًا. وهي من نوع التمرين نفسه على محاولة معرفة ماهية الحقيقة، أو العدالة. وبلا شك هذه الأسئلة أهم من تحديد ماهية الشطيرة. ولكن إذا أردنا أن يفكر أطفالنا بعمق في القضايا المهمة، مثل الحقيقة والعدالة، يجب علينا أن نجعلهم يعتادون التفكير بهذه الطريقة في كل ما يحدث من أجل إشراكهم فيها، بما في ذلك قضية النقانق. 

وهناك فوائد أخرى للانشغال بالقضايا الأشد أهمية مع الأطفال. فإذا عرف الأطفال أنك مهتم بالأسئلة الكبيرة (“لماذا نحيا؟”، “ماذا يحدث بعد الموت؟”) فمن المرجح أن يشاركوك اهتمامك. ثانيًا: يمكن للفلسفة أن تجعل الأطفال يعتادون التفكير بطرائق قد يكونون مخطئين فيها، وهي مهارة يمكننا جميعًا استعمالها. ويمكن أن يعلمهم قيمة رؤية الأشياء من وجهات نظر الآخرين، إذ يفكرون بطرائق قد يكونون مخطئين فيها. 

هناك فائدة تعود إليك أيضًا؛ إذ من الممتع سماع أفكار الأطفال. إنهم أذكياء مبدعون، وسوف يفاجئونك بدقة تفكيرهم، وسوف يذكّرونك ببعض الفضول الذي كان لديك في طفولتك. في الواقع يمكنهم مساعدتنا على استعادة شعورنا بالدهشة تجاه العالم. 

فكّر بالأمر مليًا

• تعقّب ما يقوله الأطفال

إن الأطفال سيمارسون الفلسفة في صغرهم، بك أو دونك. والسؤال هو هل تلاحظ ممارستهم وكيف تستجيب لها؟ هل ستتجاهل استفساراتهم؟ أم ستدعمها؟ 

الخطوة الأولى هي ببساطة ملاحظة متى يكون لدى الطفل سؤال فلسفي. في بعض الأحيان ستجد الأمر واضحًا؛ فالطفل الذي يتساءل عن سبب وجودنا هنا، وما الهدف من حياتنا، هو منخرط في استفسار فلسفي بداهة. ولكن في كثير من الأحيان تمرّ بنا أسئلة الأطفال الفلسفية مرور الكرام؛ لأنها لا تأتي تحت عنوان معين. 

سوف تجد كثيرًا من أسئلة الأطفال الفلسفية في صورة شكوى. يروي ماثيوز قصة طفل صغير اسمه إيان Ian، دعتْ عائلتُه عائلة أخرى، وبعد العشاء، اختار الأطفال الثلاثة للعائلة الزائرة عرضًا لمشاهدته، الأمر الذي منع إيان من مشاهدة برنامجه المفضل. وبعد مغادرتهم، سأل إيان والدته: «لماذا من الأفضل أن يكون ثلاثة أفراد أنانيين بدلًا من فرد واحد؟».

أنا أحب هذا السؤال. فهو تحدٍّ للفكرة (الشائعة بين خبراء الاقتصاد) القائلة إننا يجب أن نهدف إلى تحقيق أقصى قدر من إشباع ما يفضله الناس. وهو أيضًا تحدي للديمقراطية: هل يعدّ عدّ الأصوات طريقة جيدة لتحديد ما يجب فعله عندما يصوّت الناس لمصالحهم الأنانية؟ كانت والدة إيان متحيرة من سؤاله، وأظن أن حالها هو حال معظم البالغين. لقد كان إيان يطعن في شيء يعتبره الكبار أمرًا مفروغًا منه، وهو أن العدد الأكبر من الناس هو الأهم. ولم تتمهل والدة إيان من أجل بحث السؤال. ومن ثم فاتتها فرصة للتفكير مع إيان بشأن أفضل طريقة يمكن بها للمجموعات أن تتخذ القرارات معًا. 

لو كانت والدة إيان تريد الإجابة عن هذا السؤال لربما سألته: ما هي الطريقة العادلة في نظرك لتحديد ما يُشاهَد؟ أو ربما أرجعت فرضية إيان خطوة إلى الوراء، وهي أن الأطفال الزائرين اختاروا مشاهدة العرض لأن عددهم كان أكبر. إذ ربما كان سماحها لهؤلاء الأطفال باختيار ما يُشاهَد اهتمامًا منها بحسن الضيافة. وإذا كان الحال كذلك، فربما سألت إيان: كيف يمكننا جعل الضيوف يشعرون بالترحيب في منزلنا، ومن ثم تساعده على رؤية الموقف في ضوء مختلف. 

إن الفكرة المركزية هنا هي الإنصات للأطفال – لفضولهم وشكواهم. فعندما يطرحون عليك سؤالًا يتسبب في تمهلك، خذ وقتًا للتفكر وحاورهم في ذلك الموضوع. 

• اطرح أسئلة وقدم إجابات

كيف يمكنك المضي قدمًا في هذه المحاورة؟ إن أبسط طريقة هي طرح الأسئلة. فإذا قال الطفل أن شيئًا ما أنت فعلته لم يكن عادلًا، اسأله ما هو العدل. أو عما إذا كان يؤول إليه جعل الأمور عادلة. والهدف هو جعل الأطفال يفكرون في المشكلة، ولذا لا تقبل «لا أعرف» بعدها إجابة فاصلة. وإنما قل: «أنا أيضًا لست متأكدًا من الأمر، دعونا نفكر فيه معًا». 

يُعدّ طرح الأسئلة طريقة رائعة للرد على شكاوى الأطفال وفضولهم. ولكن يمكنك أيضًا طرح الأسئلة بلا مقدمات في أي وقت تريد فيه التحدث مع الأطفال بشأن موضوع ما. سألت نفسي ذات عشاء «لماذا يُعدّ الكذب خطأ؟». ثم تحادثنا محادثة رائعة حول متى يتعين علينا إخبار الآخرين بالحقيقة – ومتى يكون من المقبول شيء من المراوغة – أو الكذب عليهم. 

يمكنك أن تسأل عن أمور بسيطة أو حتى تافهة (حقّق سؤال “هل الحبوب حساء؟” نجاحًا كبيرًا في منزلي). ولكن من المفيد أيضًا طرح أسئلة أكبر. وبإمكانك مساعدة طفلك على التفكير في الأسئلة المتعلقة بالجنس أو الجندر gender. سل عن ماهية الصبية والفتيات، ولماذا يعاملهما الناس معاملة مختلفة، وعما إذا كانت هذه المعاملة عادلة. وبإمكانك مساعدتهم على التفكير في ما يجعل الشخص صالحًا، أو ما يجعل الحياة طيبة. عليك أن تسأل. 

من المحتمل أن يفاجئوك بإجاباتهم، لكن لا تنظر إلى قيمتها الظاهرية؛ إذ لكي تجعل الأطفال يفكرون بعمق عليك أن تقوم بما هو أكثر من مجرد طرح الأسئلة: عليك أن تُسائل إجاباتهم. فإذا قال طفل إن الكذب خطأ لأن الكاذب يخدع الناس، سله عما إذا كان بإمكانه التفكير في المواقف التي يكون فيها خداع شخص ما مقبولًا. ثم اسأل عن كيفية تحديد الفرق بين المواقف التي يُقبل فيها الخداع والمواقف التي لا يُقبل فيها. 

إن الهدف هو حث الأطفال على تقديم حجج لآرائهم (الدفاع عنها) والتشكيك فيها أيضًا. وطرح الأسئلة هو أقوى أداة في جعبتك. 

• مارس الفلسفة، ولا تُعلِّمها

أتذكّر عندما كان ريكس مهتمًا بحجم الكون وهو في السابعة من عمره. لقد أراد أن يعرف حجم الكون، لكنني لم أكن أعرف، ولذا حاول الوصول إلى الإجابة بنفسه. وفي يوم من الأيام، أخبرني أنه اكتشف أنه لا نهائي. 

سألته: “لماذا تقول ذلك؟”

فقال: «حسنًا، تخيل أنك أخذت سفينة فضائية إلى حافة الكون، ثم لكمت الحافة لكمة مباشرة. ألا يجب أن تتحرك يدك إلى مكان ما؟»

سألته: «ماذا لو توقفت يدي؟»

فقال ريكس: «حسنًا، سيكون هناك شيء ما يمنعها، ومن ثم أنت لم تصل إلى الحافة بعد!». 

هذه الحجاج مشهورة. فقد تبناه الفيلسوف اليوناني القديم أرخيتاس Archytas، والشاعر الروماني لوكريتيوس Lucretius، وفيزيائي بحجم إسحاق نيوتن. على الرغم من ذلك، لم يسمع ريكس عن أي من هؤلاء الشخصيات. كل ما في الأمر أنه فكّر مباشرة في شيء وجده محيرًا، وتوصل إلى الحجة نفسها التي توصلوا إليها (استغرق اكتشاف البشر لخطأ الحجة زمنًا طويلًا. وكما شرحتُ لريكس، فإن المساحات المحدودة لا يلزم أن يكون لها حواف. تخيل أنك نملة تمشي على سطح بالون، ستجد أنه يمكنك السير إلى الأبد دون الاصطدام بحافة، لأن السطح منطوٍ على نفسه). 

تدير جانا موهر Jana Mohr منظمة تعلم وتعليم الفلسفة Philosophy Learning and Teaching Organization (PLATO) في سياتل. وهي، مثل ماثيوز، تزور المدارس لتتحدث مع الأطفال في الفلسفة. لكنها تقول بوضوح إنها لا تعلمهم الفلسفة، وإنما تمارسها معهم

يرى ماثيوز أيضًا أن المحادثات الفلسفية مع الأطفال تمثل فرصًا للتعاون. إذا سألت طفلًا سؤالًا مباشرًا في العلوم أو التاريخ، فمن المرجح أن تعرف الإجابة على نحو أفضل منه، ومن ثم ستؤدي دور المعلِّم. لكن إذا سأل طفل عما إذا كان الإله موجودًا، أو ما هو المغزى من الحياة، أو عما إذا كان الكون لا نهائيًا، فمن المرجح أنك لا تكون في وضع أفضل منه للإجابة عن أسئلة كهذه. وهذا يعني أنه يمكنكما البحث معًا. 

يجسّد البالغون والأطفال مواهب مختلفة في هذه المحادثات؛ فالأطفال مبدعون وزاخرون بالأسئلة، أما الكبار فهم مفكرون أكثر حذرًا، ولديهم معرفة أكبر بالعالم. لكنك تريد أن يعرف الطفل أنك تقدّر وجهات نظره أيضًا، وهذا يتطلب منك أن تتعامل مع أفكارك بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع أفكار الطفل – أي باعتبارها محل بحث. 

من المهم طرح الأسئلة بالروح المطلوبة، فلا ينبغي أن تحاول إجبار الطفل على التسليم، ولا تتصيد أخطاءه، حتى لو كنت تطرح أسئلة تتحدى آراءه. فالهدف هو أن تصلا معًا إلى الإجابة الصحيحة، أو على الأقل تعميق فهمك. 

اضغط برفق

لإعانة الطفل على التطور كمفكر، عليك أن تضغط عليه قليلًا. ولهذا عليك أن تُسائل إجاباته. فإذا كانت إجابته الأولى دائمًا جيدة بما فيه الكفاية، فلن يعتاد على التفكير بعمق. 

لكن عليك أن لا تضغط على الطفل بشدة. فإذا كنت ترغب في إبقاء الأطفال مهتمين بالفلسفة، لا بد أن يكون هذا النشاط ممتعًا؛ لذا اختر الموضوعات والمناسبات بعناية، وحاول التجاوب مع اهتماماتهم. وإذا لم يكونوا منخرطين في المحادثة فلا تلح عليهم، أو لا تصر على أن تستمر المحادثة طويلًا. 

لكن إذا كانت المحادثة مهمة عد إليها تارة أخرى. في منزلنا، وجدنا أن وقت النوم غالبًا ما يكون أفضل وقت للمحادثات العميقة؛ ففي هذا الوقت يكون المنزل أكثر هدوءًا، وتقل عوامل التشتيت وهم على فراش النوم. وهم أيضًا يحاولون إطالة اليوم، ومن ثم يكونون مستعدين للتحدث عن المشكلات. في وقت النوم يمكنك استعادة أحداث اليوم – أو الأسبوع – وإثارة أي قضية تبدو حقيقة بالتحدث بشأنها.

أو ربما أفضل وقت هو في أثناء العشاء أو التنزه. ابحث عن المناسبات التي يكون فيها الأطفال قابلين للمحادثة واحتفظ بالموضوعات التي تود طرحها، واعلم أن معظم هذه المحادثات ستكون قصيرة، فالأطفال الصغار لا تناسبهم الندوات. ولكن إذا قمت بإعادة النظر في الموضوعات التي تشغلهم أكثر من غيرها، ستجد أن قيمة المحادثات تتراكم بمرور الوقت وغالبًا ما تسفر عن رؤى مدهشة – لك ولهم. 

• استمر

ينجذب الأطفال الصغار على نحو طبيعي إلى الفلسفة. لكن الأطفال الأكبر سنًا غالبًا ما يكون محل اهتمامهم شيء آخر. ومع ذلك، من السهل تحفيز المحادثات الفلسفية مع الأطفال الأكبر سنًا. ومن الأفضل أن تتوجه إليهم على نحو غير مباشر. حاليًا كبر أطفالي قريبًا، ومن ثم هم بحاجة إلى تعامل مختلف، فبدلًا من أن أطرح سؤالًا مباشرًا عليهم، غالبًا ما أخبرهم عن محادثة أجريتها مع شخص آخر وأسألهم عن رأيهم فيها؛ إذ من الأرجح أن يتفاعلوا إذا بدا الأمر وكأنني أطلب عونهم، بدلًا من طرح مجموعة من الأسئلة. 

يحب الأطفال الأكبر سنًا أيضًا التعرف إلى ما يحدث في العالم؛ لذا فإن الأخبار تشكّل نقطة انطلاق عظيمة للمحادثة الفلسفية. يمكنك أن تسألهم: “هل هناك أسباب وجيهة لبدء الحرب؟” أو: “كيف يمكن أن يتقاسم العالم تكاليف أزمة المناخ قسمة عادلة؟ 

إذا كانت لديك موضوعات معينة ترغب في عرضها للنظر فيها، أو كنت تريد نشاطًا أكثر هيكلية، فإن منظمة تعلم وتعليم الفلسفة (PLATO) لديها مجموعة أدوات رائعة مليئة بالألعاب والأنشطة الفلسفية. وبمقدورك البحث حسب مستوى الصف المدرسي والموضوع. بعض الألعاب يسيرة للغاية، مثلًا: قدم فاكهة لأطفالك واسألهم عما إذا كانت حلوى (ثم تابع: لماذا؟ أو لماذا لا؟ هل أي شيء يُقدَّم بعد الوجبات يعدّ حلوى؟ أم فقط إذا كان نوعًا من الحلوى؟ هل يمكننا تناول الحلوى قبل وجبتنا؟). لكن العديد منها أعقد. إحدى الألعاب التي أفضلها هي لعبة لوحية تسمى “الاختلاف Difference”، وهي مصممة لتحفيز المحادثات المتعلقة بعدم المساواة والعدالة. وربما يحسن تأدية بعض الألعاب الأكثر تفاعلية في الفصول الدراسية، لكن مجموعة الأدوات تُعدّ مصدرًا غنيًا للآباء أيضًا. 

النقاط المركزية: كيف تمارس الفلسفة مع الأطفال

1- الأطفال فلاسفة بالفطرة: إنهم يسألون عن كل شيء، ولا يخشون الخطأ. 

2- الأمر يستحق دعم غريزتهم الفلسفية: تشجيعك يساعدهم على التفكير بعمق في القضايا ذات الأهمية، وبدونه تبدأ جولات الأطفال العفوية في الفلسفة التباطؤ في سن الثامنة أو التاسعة تقريبًا. 

3- تعقّب ما يقوله الأطفال: تتمثل الخطوة الأولى في ملاحظة الموقف الذي يطرح فيه الطفل سؤالًا فلسفيًا. 

4- اطرح أسئلة وقدم إجابات: الهدف هو حث الأطفال على تقديم حجج لآرائهم (الدفاع عنها) والتشكيك فيها أيضًا. 

5- مارس الفلسفة، ولا تُعلّمها: يجسّد البالغون والأطفال مواهبَ مختلفة في المحادثات الفلسفية، وستوفر لك هذه المحادثات فرصًا للتعاون. 

6- اضغط برفق: فإذا كنت ترغب في إبقاء الأطفال مهتمين بالفلسفة، لا بد أن يكون هذا النشاط ممتعًا؛ لذا اختر الموضوعات والمناسبات بعناية.

7- استمر: كلما كبر أطفالك تكون بحاجة إلى التعامل مع الأمور بشيء من التحايل. وهناك بعض الألعاب والأنشطة الرائعة التي تعينك على ذلك. 

لماذا من المهم ممارسة الفلسفة

الفلسفة من خلال الكتب

تُعدّ القراءة مع الأطفال طريقة رائعة أخرى لبدء محادثات فلسفية معهم. ولدى معهد بريندل للأخلاقيات Prindle Institute for Ethics في ولاية إنديانا موقع إلكتروني يسمى “تعليم الأطفال الفلسفة Teaching Children Philosophy”، ويحتوي على قوالب للعديد من الكتب المصورة الأكثر شيوعًا. فهو يعرّف الآباء بالقضايا الفلسفية المثارة في القصص، ويقدم أسئلة مقترحة قد تطرحها على الأطفال في أثناء القراءة. 

أحب قراءة كتاب “فريدريك” Frederick (1967) لليو ليوني Leo Lionni مع الأطفال الصغار. وهو يحكي قصة الفئران التي تجمع الطعام لفصل الشتاء باستثناء الفأر فريدريك الذي يجمع الألوان والكلمات، وعندما يحل الشتاء ويبدأ مخزون الطعام في النفاد، تسأل الفئران الفأر فريدريك عن المؤن التي جمعها. فيذكرهم بالألوان الجميلة التي يرونها في المواسم الأخرى، وتشعر الفئران بشيء من الدفء. ثم يتلو قصيدة من تأليفه تلهيهم عن بؤسهم. 

يعرض الكتاب العديد من الموضوعات التي يمكن الحديث حولها. هل كان فريدريك يعمل عندما كان يكتب القصيدة؟ ما هو العمل؟ ما قيمة القصيدة؟ هل من العدل ألا يساعد فريدريك الفئران في جمع الطعام؟ هل يمكن أن تكون القصائد ذات قيمة مثل الطعام؟ ودائمًا ما يكون لدى الأطفال الصغار تعليقات كثيرة على كل هذه الأسئلة. 

هناك كتاب آخر أحب قراءته هو “أسد المكتبة Library Lion” (2006م) لميشيل كنودسن Michelle Knudsen. يحكي عن أسد يزور مكتبة، وهو أمر غريب ومخيف، لكن أمين المكتبة يقول له إنه يستطيع البقاء إذا اتبع القواعد. ثم أصبح الأسد علامة محبوبة من علامات المكتبة، لكن ذات يوم سقط أمين المكتبة وكُسر عظمه، فيجري الأسد لطلب المساعدة لكنه لم يستطع لفت انتباه مساعد أمين المكتبة، فقد كان يزأر بصوت عالٍ ما أمكنه، لكنه بذلك ينتهك القاعدة الأكثر قدسية في المكتبة: التحدث بهدوء. وبعد أن أدرك الأسد ما فعله، طرد نفسه من المكتبة. 

مرة أخرى، يثير الكتاب الكثير من الأسئلة الفلسفية. لماذا نحن بحاجة إلى القواعد؟ ما الذي يجعل قاعدة ما جيدة؟ متى يكون من المقبول كسر القواعد؟ ومن الذي يقرر متى يكون من المقبول كسرها؟ لم أقابل مطلقًا طفلًا لا يتوق إلى مناقشة هذه القضايا في أثناء قراءته للقصة. 

يمكن للأطفال الأكبر سنًا قراءة كتب فلسفية بأنفسهم. وبالنسبة إلى أطفال المرحلة الابتدائية، توفر الكتب الموجودة في سلسلة “أسئلة كبيرة حقًا Really Really Big Questions” – ومنها كتاب “المفكرون الجرئيون Daring Thinkers” (2022م) للفيلسوف والمؤلف لدى Aeon و Psyche ستيفن لُو Stephen Law – مقدمات ممتعة لقدر كبير من الأسئلة الفلسفية. هناك كتاب آخر من تأليف لُو أيضًا، “ملفات الفلسفة الكاملة The Complete Philosophy Files” (2011م)، وهو يناسب أطفال الصف المتوسط (الذين تتراوح أعمارهم بين التاسعة والثانية عشر)، وهو أعمق بكثير لكنه سيبقيهم مستمتعين. عندما كنتُ في المدرسة الثانوية، أحببت كتاب “هناك خطآن في عنوان هذا الكتاب There Are Two Errors in the the Title of This Book” (1992) لروبرت إم. مارتن Robert M Martin، وهو مصدر غني بالألغاز والمفارقات، وهو الآن مطبوع في طبعته الثالثة المنقحة والموسعة (2011م). 

الروابط الإلكترونية والكتب

– يستكشف كتابي “مغامرات مضنية وبدائية وقصيرة في الفلسفة مع أطفالي Nasty, Brutish, and Short: Adventures in Philosophy with My Kids” (2022) أسئلة حول الميتافيزيقا والأخلاق بمساعدة طفليّ ريكس وهانك. وهو مقدمة ممتعة ومضحكة للفلسفة، ونداء للتعامل مع الأطفال على أنهم مفكرون جادون. 

– يجمع كتابا غاريث ماثيوز “الفلسفة والطفل الصغير Philosophy and the Young Child” (1980) و”حوارات مع الأطفال Dialogues with Children” (1984) العديد من محادثاته الفلسفية مع الأطفال، ويدافعان عن فكرة أن الأطفال أهل للتفلسف. ويتعامل كتابه “فلسفة الطفولة The Philosophy of Childhood” (1994) مع الأطفال كموضوع للاستكشاف الفلسفي. 

– يحاجج كتاب جانا موهر “مرئيون وغير مسموعين: لماذا أصوات الأطفال مهمة Seen and Not Heard: Why Children’s Voices Matter” (2021) من أجل الاستماع إلى الأطفال والتعلم منهم.

– يحتوي موقع تعليم الفلسفة للأطفال التابع لمعهد بريندل للأخلاقيات في إنديانا على قوالب تعليمية للعديد من الكتب المصورة الشائعة. ويقدم نظرة عامة على الأسئلة الفلسفية التي يثيرها كل كتاب، ويقترح أسئلة يمكنك طرحها في أثناء القراءة.

– يحتوي الموقع الإلكتروني لمنظمة تعلم وتعليم الفلسفة (PLATO) على قوالب تعليمية للكتب المصورة، ومخططات دراسية للمعلمين، ونصائح لبدء برامج الفلسفة في المدارس. والمنظمة تدير أيضًا ورش عمل للمعلمين وأولياء الأمور. 

– تُعدّ سلسلة مقاطع الفيديو “الفلسفة اللاسلكية Wireless Philosophy” (اختصارًا Wi-Phi)، المتوفرة على موقع YouTube، مصدرًا قيمًا للأطفال الأكبر سنًا. إنها مليئة بمقاطع الفيديو القصيرة (خمس أو سبع دقائق) تغطي أسئلة الفلسفة. وفي بعض الأحيان نختار أنا وريكس مقطعًا لنشاهده معًا، حتى نتمكن من التحدث عنه في أثناء مشاهدتنا. 

– يمكنك أيضًا استثمار الأفلام والعروض بعدّها موطنًا للأسئلة الفلسفية. ولا تحتاج إلى دليل للقيام بذلك. كل ما عليك هو النظر إلى الأسئلة التي تخطر على بالك في أثناء المشاهدة، وسؤال أطفالك عنها. ولكن إذا كنت تريد المزيد من الدعم فإن موقع “الفلسفة The Philosophy” يحوي قائمة بالأفلام الشهيرة التي تثير أسئلة فلسفية – ودليلًا للأسئلة التي يثيرها كل فيلم. وكثير منها أفلام رائعة (The Matrix، Eternal Sunshine of the Spotless Mind، Memento). ولذا جهّز الفشار وحدد موعدًا لفيلمك وأمسيتك الفلسفية! 

المصدر

مقالات ذات صلة