القائمة الرئيسية

كيف تخاطب الجمهور؟

كيف تخاطب الجمهور؟
ملخص المقال

يتحدث المقال عن رهاب التحدث أمام الجمهور وكيفية التغلب عليه من خلال تبني النهج اليوناني القديم في الخطابة، الذي يركز على فهم الجمهور واحتياجاته بدلاً من التركيز على الذات والمخاوف الشخصية. يوضح الكاتب أن الخطابة فن يمكن تعلمه وليس مهارة فطرية، ويقدم استراتيجيات عملية لتحسينها، مثل تحليل الجمهور، تحديد الهدف من الخطاب، وربط المحتوى بسعادة المستمعين. كما يشير إلى أهمية الممارسة والتدريب، ويؤكد أن إتقان الخطابة لا يعزز الثقة فحسب، بل يحسن التواصل الاجتماعي والمهني. المقال ينتهي بالتأكيد على أن الخطابة الفعالة هي أداة قوية للتغيير الشخصي والاجتماعي، ويدعو إلى إحياء هذا الفن القديم في العصر الحديث.جون بوي ما يجب معرفته قد تبدو التجارب الشائعة جميعها في رهاب التحدث بوصفه سلوكا مزعجًا من سلوكيات خيانة الذات، سواءٌ كنت تواجه حشدًا من الجمهور، أو حفنة من الزملاء في طاولة الاجتماع، أو كنت مسؤول توظيف في منصة زوم، أو حاولت كبح ذاتك خلال صراع عائلي، وقد تأتيك لحظات تتمنى لو بوسعك مشاركة ثقافتك، والتعبير عن معتقداتك ومشاعرك، ولكن في اللحظة التي تقرر فيها ذلك، تتلاشى المفردات جميعها من شفاهك. فكر بطرقنا الاعتيادية لنصف فيها المشكلة، فغالبًا ما نشير لأنفسنا قائلين: ‘أنا خجول’، ‘أنا أعاني من رهاب التحدث’، و’لا أعلم كيف أكون على هيئتي الطبيعية أمام جموع الناس’، إننا نتفاعل مع المشكلة كما لو أنها نابعة من قصور نفسية بداخلنا أو عاطفية، إنه لمن الطبيعي أن نكون مستائين ونافرين بعد سنوات من مراقبة مرونة ألسنة أقراننا عندما يعبرون عن أفكارهم وشغفهم، هذه المشاعر السلبية قد تعزز من ردود فعلنا الأصلية: هنالك الكثير بداخلي، لكن لا أستطيع البوح به! يوجد خطب ما بي… إن هذا التشخيص ربما يبدو محيرًا للفلاسفة والمتعلمين اليونانيين القدامى الذين اخترعوا نظرية اللغة في القرن الرابع قبل الميلاد، بعد ذلك قاموا بتعليمها لكل طالب في الغرب لما يقارب ٢٠٠٠ سنة وتوقفوا منذ قرنين، من المنظور القديم، إن الخطابة تشبه الكتابة، أو في هذا الشأن القوة العسكرية، فكان ينظر إليها بوصفها فنًّا يدرس ويعلم، وبعيدًا كل البعد عن كونه فطريا أو تكوينا عاطفيا، بالنسبة لهم، فكرة توقع الشخص العادي والجاهل بأن يكون ذا منطوقٍ فصيح وموثوق به، سيكون مثل توقع المراهق غير المدرب بكفاءة ليكون محاربًا محنكًا في ساحة المعركة، إن رأيهم صحيح هذا اليوم، فليس واقعيًّا أن تظن نفسك مؤهلًا، ناهيك عن كونك بارعًا في فن لم يسبق لك تعلمه أو ممارسته.تحت الإطار الأكبر لعلم البلاغة (والذي يعنى بدراسة الإقناع بشتى أشكاله)، أمضى الطلاب في العصور القديمة سنوات لاكتساب استراتيجيات في فهم كيفية ضبط المنطق، والعواطف، والكلمات مع الحفاظ على توازنها، فالتحدث بطلاقة يعتمد على تعلم كيفية تحليل أوجه الحجج وفحص السبل الممكنة جميعها للقواسم المشتركة مع الجمهور قبل التعبير عن الآراء، وهذا شبيه لنهج الكتابة والقراءة لدينا في الوقت الحاضر، فالتدرب على الخطابة كان شاملًا وذا نهج نقدي للمعرفة، مع إضافة التركيز على علم النفس والتواصل الاجتماعي. يتحدث الفرد الأمريكي يوميًّا ما يقارب ١٦٠٠٠ كلمة، إذا أخذت في الحسبان دور التحدث في الحياة الأسرية، والتواصلات الاجتماعية، وبيئات العمل، سترى -أكثر من أي وقت مضى- أن القدرة على التواصل بفعالية هي المهارة الوحيدة بالغة الأهمية التي نمتلكها، إذا تحدثنا بطرق منفرة، أو مبهمة، أو يصعب فهمها، لن يهم مقياس ذكائنا، وعملنا الجاد، أو حتى كوننا أشخاصا جيدين، لأن المستمع سيصعب عليه فهم حديثنا والعمل معنا، وستنخفض منافعنا مع الآخرين بسبب التواصل المتوتر، وعلى النقيض من ذلك، فإذا تحدثنا بوضوح وبطلاقة، سيسهل فهم الآخرين لنا، وسيدركون المغزى الذي نصبو إليه، ويعجبون بنا. مؤخرًا، عملت مع مهندسة كانت تشتكي قائلة: ‘ذهبت للمدرسة لسنوات، معتقدة بأن عملي بعد تخرجي سيتمحور حول التصميم، ولكن الواقع هو أن ٩٠٪ من وقتي يمضي في شرح الأفكار، والعمل على العروض، وإدارة النقاشات بين الفرق والعملاء’، تحمل ملاحظتها أوجهًا صحيحة عبر كل وظيفة تقريبًا، وبقدر تألقك وأنت تكدح في نطاق عملك، وبقدر أهمية مساعيك الفردية، إلا أن فريقك ومجتمعك سيُحكم عليهما من خلال مهاراتك في التعامل مع المكالمات الهاتفية، والعملاء، واجتماعات الزوم، وعروض المبيعات، والدعم الفني، إذا بدا ذلك صعب المنال، فكم برأيك عدد كبار المسؤولين التنفيذيين الذين تتذكرهم يمتلكون مهارات خطابة ضعيفة؟ وبالنظر إلى أهمية الخطاب المؤثر والواضح، ستعتقد بأننا نمضي الكثير في تعلم تلك المهارة في المدرسة، مع ذلك، غالبيتنا -على أقل تقدير في الغرب- تتكون السنوات الدراسية في حياته من ١٢ إلى ٢٠ سنة تتضمن القراءة، والكتابة، وحل المسائل الرياضية على الورق، وبسبب نهضة المجتمع بالعلم القائم على المعلومات، فإن جانب البلاغة، وتعليم الخطابة أغفل على نحو شبه كامل، وأدى ذلك إلى تخرج العديد منا من دون جاهزية ممارسة النشاط المحوري في حياتنا، وبقي الخطاب الموضوع الأكثر أهمية الذي لم نفكر به سابقًا! كيف يمكن للفرد التعلم على عجل من اليونانيين عن الخطابة بلا توتر؟ سأتخطى الإرشادات بشأن موضع وقوفك على خشبة المسرح، وكيف تستعمل البوربوينت، وسأجعل هذه المقالة لتوضيح أكثر عنصر جذري ونافع في نظرية اللغة القديمة، ستتعلم الحديث أمام الملأ -وأمام أي جمهور، وفي أي مكان- وليس من خلال السيطرة على مشاعرك، بل عن طريق إيلاء اهتمام عالِ لكيفية إنصات الآخرين إليك.ما يجب فعله فكر بالجمهور يبدأ كثير منا ‘تحضير الخطاب’ من دون أي تدريب، وينتهي به الأمر بالإغماء من القلق، وجلد الذات، والتوقعات الذاتية، ويصرح قائلًا: أكره مخاطبة الجمهور، سيصبح ذلك كابوسًا، وسيعلم الجميع بأني أحمق! يبدأ النهج الحديث التقليدي في الخطابة من خلال مواجهة هذه المخاوف (تخيل جمهورك عراة! وتبنَّ سلسلة من الإيجابيات القوية لخلق ثقة كيماوية، استعمل حاصرات البيتا!). إذا كان ذلك المشهد يمثلك، غالبًا ستكون خطوتك التالية هي التفكير بشأن المادة العلمية، لديك مجموعة بيانات من المعلومات (إحصاءات المبيعات في الربع الرابع، وحملات البكالوريوس لخطاب الزواج القادم، وهكذا) تصارع في كيفية تنظيمها. على النقيض من ذلك، لم يبدأ اليونانيون بهزيمة القلق أو تنظيم مادة الخطاب، بدلًا من ذلك هم أصروا بأن ‘الجمهور’ هو أهم عنصر في مفهوم الخطابة، وكما ناقش أرسطو في كتابه فن البلاغة عام ٣٣٥ قبل الميلاد (بوصفه أكثر كتاب موثوق في العالم عن الخطابة)، أن الجمهور هو بداية الخطابة ونهايتها. ما يظهر أولًا بوصفه مفهوما واضحا وواسعا للغاية، ما هو في الحقيقة إلا بداية سهلة وبسيطة بشأن الخطابة المريحة، عندما يكون لديك التزام خطاب مستقبلًا، ابدأ تجهيزاتك

بقلم وورقة (أو فتح ملف) واسرد أكثر الأشياء واقعية وحرفية تعرفها عن الجمهور الذي ستتحدث إليه، الجواب على هذه الأسئلة قد يعينك على ذلك: 

  • من المستمع؟ 
  • كم عدد الحضور؟
  • كم أعمارهم؟ 
  • إلى أي جنس أو فصيلة ينتمون؟ 
  • ما خلفيتهم عنك وعن موضوعك؟
  • لماذا اجتمعوا ليستمعوا إليك؟ 

لن تستغرق هذه الخطوة الأولية منك إلا دقائق، ومن الأفضل إذا استطعت سؤال الشخص الذي دعاك إلى الخطاب عن سبب دعوته لك، وماذا يتوقع جمهورك منك؟ وهل سيقدمون لسبب خاص؟ لأن كلما دربت أفكارك نحو احتياجات جمهورك وطبيعته بعيدًا عن ضوضاء قلقك، كلما عرفت أكثر عن كيفية التواصل معهم. 

قدم لي ‘لانس’ الجندي السابق في الجيش الأمريكي -الذي خاض ثلاث جولات في العراق وأفغانستان، ويعمل حاليًا في شركة لصنع الماسحات الضوئية الأمنية- بعدما تلقى ترقية سريعة من كونه موظفًا في خدمة العملاء التقنية إلى نائب الرئيس المسؤول عن المبيعات، أمضى السنة السابقة في تدريس موظفي أمن المطار طرقًا عملية لكيفية استعمال الآلة، وفي منصبه الجديد، يملك ٣٠ يومًا لإعداد عرض تقديمي للمبيعات مدته ساعة، كان مرعوبًا عندما اعترف لي قائلًا: ‘أنا مندوب مبيعات سيئ’.

وجّهت لانس نحو الخطوة الأولى، التي تتمحور حول مراعاة جمهوره، فقال بأن معظمهم متخصصون في تنفيذ القانون، سألته ما الأمر الأكثر أهميةً لهم، رجح قائلًا: ‘عدم إهدار أموال قسمهم على معدات سيئة’، خضنا نقاشًا عميقًا عن احتياجاتهم العاطفية، وأدرك لانس بأن جمهوره يرتعب من تبعات الاختراقات الأمنية في الموت والمذبحة أكثر من أي شي آخر، وذلك يرجع لكونهم مسؤولين عن السلامة العامة مدى الحياة، من المؤكد بأن ذلك يعني لهم أكثر من صرف بعض الدولارات أو حفظها، وبعد التحدث عن تجربة لانس الحربية، أدركنا بأنه أيضًا كُلف بحماية الأشخاص المحيطين به، وكان على مقربة من تبعات الثغرات الأمنية المأساوية. 

عندما بدأ لانس بالتفكير بشأن جمهوره بالمعنى الحرفي -بدلًا من كونه بعبعًا مخيفًا نُطِلق عليه الجمهور- وجد كثيرا من الأمور التي يقولها لهم. 

فكر في السبب خلف حديثك

قبل أن تبدأ كتابة خطابك، تفكر في غرضك منه، هل هو الإمتاع، أو الإخبار، أو الإقناع، أو الإلهام؟ بعد أن تقرر، جد طريقة لتعبر بها عن هدفك المحدد في جملة واحدة، مثلا: من مخرجات عرضي، أتمنى أن يعلم الحضور أ ويقومون بفعل ب

إن تحديد هدف خطابك بهذه الطريقة سيمنحك التدقيق في كثير من الأفكار المثيرة والممتعة، والتي تحمل في طياتها معاني مختلفة قد تتبادر إلى ذهنك، لكن في نهاية المطاف، لا علاقة لها بجمهورك أو خطابك، كلما أصبح حديثك مترابطًا وجذابًا، ستجد بأن مخاوفك تقل من الثرثرة وعدم وضوح الفكرة، والتي كثيرًا ما ترتبط بـ ‘الخطابة’. 

خذ مثلا ‘جاك’ -مندوب مبيعات أمريكي لشركة بضائع أوروبية فاخرة– الذي قَدِمَ لي طالبًا يد العون في تقرير المبيعات الربع سنوي، عادةً ما يدوم العرض لمدة ١٥ دقيقة، لكن الخوف المستوحى من الالتزام بهذا التقرير السنوي عميق ومستمر. 

كان التقرير الذي يعد له جاك يحتوي على شرائح موضحة لخطوط اتجاه وزوايا متعددة، وتحتوي كل واحدة منها على أرقام ورسوم بيانية، تخيلته يحلق طوال الطريق إلى أوروبا ليتخفى من التواصل المباشر، ويهدر من وقته في المسرح مديرًا وجهه أمام جمهوره لتفسير معلومات يعجز عن نطقها، والتي كان من الممكن أن يكتفي بإرسالها عبر البريد الإلكتروني. 

عندما ناقشنا المغزى الحقيقي خلف عرضه التقديمي، تبين لنا بأنه شخصي، أراد جاك أن يقنع مديريه بالتوقف عن إهدار الأموال على الجهود التسويقية المدبرة في أوروبا وغير المنطقية في منطقته، لذلك طور أفكارًا دقيقة، ومرتبطة محليًّا مع أفكاره الخاصة، وأراد الإذن ليديرها، يؤكد هذا الانتقال البسيط (من الناطق بلغة الأرقام المجهولة، إلى شخص يواجه الآخرين، ويخلق تواصلًا بصريًّا، ويتحدث إليهم عن أمور يرغبها) بأن أداء جاك تحول من لقاء مسرود إلى خطاب شبيه بالقصة والمحادثة، أعددنا بيانًا عن نقاط جاك التي يرغب في طرحها، وبسطنا شرائح عرضه، وأدرنا وجهه إلى المكان الذي ينتمي إليه؛ جمهوره، كان جاك مفعمًا بالطاقة بسبب هذه المراحل، ومستعدًّا ليخاطب زملاء عمله بشخصيّته الحقيقية بدلًا من ترديد ‘خطاب’ متبنى لن يؤدي الغرض المطلوب!

عندما توضح الغرض من خطابك أمام الآخرين، ستجبر نفسك على معرفة الأسباب الاجتماعية والعاطفية لتتحدث وجهًا لوجه معهم. 

فكر في سعادة جمهورك 

نادرًا ما يتهم أرسطو بأنه شخص عاطفي وغامض، تتمحور واحدة من أكبر أفكاره في نظرية اللغة بأن الناس تستمع لسبب واحد فقط؛ وهو ما يخدم سعادتهم. 

ربما تعتقد أنك أعطيت تقريرًا مرحليًّا عن تطبيق قاعدة بيانات رضا العملاء التابع لفريقك أو إعلان لبداية شركتك الناشئة، لكن عادةً ما ينصب تركيز جمهورك على موضع آخر: سعادتهم…

عدد أرسطو في كتابه فن البلاغة الأمور التي تجلب السعادة للبشر، فقال: الصحة، العائلة، الغنى، المنصب، وهلم جرا، يبدو هذا الجزء غريبًا ليُذكرَ في كتاب يتحدث عن مخاطبة الجمهور، لكن سيتضح لك كل شيء عندما تفهم مقصده، يعتمد نجاحك بصفتك متحدثًا -بغض النظر عن موضوعك- على البرهنة لجمهورك بأنك تعير اهتمامك إلى أكثر الأشياء المهمة لديهم، فأنت تراهم، وتفهمهم، وتراعي احتياجاتهم. 

بمعنى آخر، لن يعيرك الجمهور اهتمامًا بالنقاط المنطقية والحقوقية في موضوعك سواء كنت تتحدث عن سياسة الضرائب، أو الطرق التي تخفف من انبعاثات الكربون، ما لم ترتبط بكيفية تنمية حياتهم.

غرس السعادة في قلوب الجمهور له علاقة طفيفة بتبني طرق غير متداولة ‘ممتعة’ ومفعمة في الخطاب، لتُثبت في كل مرحلة بأن حديثك لمنفعتهم لا منفعتك، إذا أجبرت على تقديم تقرير مبيعات ممل، يمكنك مثلا أن تظهر انتباهك بصورة موجزة وواضحة، فخلاصة القول هنا تتمحور حول إظهار الاحترام لوقت جمهورك وانتباههم الذي أعاروه لك. 

عملت مؤخرًا مع رائدة الأعمال ‘أليس’ –البالغة من العمر ٦٠ سنة- والتي انخرطت في جولة من الإعلانات للابتكارات الإلكترونية، بالنظر إلى جمهورها من الشباب الرأسمالي اليافع، اشتكت قائلة: ‘إنهم عنصريون للجنس الآخر ولديهم تحيز عمري، فمن الوهلة التي أبدأ بها حديثي، أستطيع رؤية نظرتهم الرافضة، وهو فعلًا أمرٌ مثيرٌ للسخرية، لأن معرفتي التقنية تفوق معرفتهم!’. 

تناول اكتشافها الاقتصادي الذكي مشكلة صحية عالمية وملحة، لكنها حينما شاركت خطابها معي، عرفت لماذا لم يكن مثيرًا للممولين، ففي الـ ١٠ الدقائق الأولى ناقشت تاريخ عملها ونشأة اختراعها، بدلًا من التوجه مباشرةً نحو اهتمام جمهورها الذاتي، تمت إعادة ترتيب عرضها ليكون موضحًا لإمكانات السوق الهائلة لاكتشافها، وأصبح كالتالي: التحدث أولًا عما يثير اهتمام جمهورها، وبهذا يكون خطاب أليس، وأليس بحد ذاتها أكثر إثارة لاهتمام الجمهور، وفي غضون أسابيع من هذا التغيير، تعاونت أليس مع شركة صناعية أوروبية عملاقة. 

الممارسة

إنك لن تدعو أحدًا على حفلة بيانو موسيقية، وتفشل في التدرب عليه، إن قيادة اجتماع زووم أو عرض تقديمي لأي موضعٍ كان من دون بعض الممارسة تصرف غير حكيم. 

انقسم معلمو الخطابة على مر التاريخ بشأن ما إذا كان من الأفضل كتابة كل كلمة من الخطاب، ثم البدء بحفظه، أو كتابة نقاط بسيطة تحتوي على الخطوط العريضة، من وجهة نظري، اتبع ما يناسبك من أي الطريقتين، وعندما يكون خطابك جاهزًا، مارس هذه النصائح المفيدة: 

  1. تمرن أمام المرآة أو كاميرا الفيديو، قد تشعر بالغباء أو الألم، أعلم ذلك وإني أتعاطف معك، لكن تذكر أن استمرارية بعض الأمور الصعبة ستؤدي في نهاية المطاف لتكون أقل إيلامًا من الوقوف في وسط المسرح والفشل في إيصال ما ترغب به.
  2. في الحد الأدنى، احفظ مقدمتك والخاتمة، إن هذين الجزأين من خطابك هما الأكثر خطورة، رتبها بعقلك، ودرب لسانك وفمك على تطوير ذاكرتك الحسية المعرفية لتنطقها، وستقل احتمالية نسيانك للحديث في منتصفه.
  3. نظم وقت خطابك لتتأكد بأنك ضمن نطاق وقتك المحدد. 
  4. أخيرًا، عدل خطابك عندما تتمرن عليه، واعلم أن إيماءاتك ونبرة صوتك ستنقل ما تركز عليه اتجاهاتك التي وردت بشكلها الأصلي من خلال الكلمات التي كتبتها، استعمل تمرينك لتركز على تعديل النقاط المتكررة في خطابك، وبطريقة مماثلة، إذا لاحظت كلمات حشوية مثل: ‘همم’، ومصطلحات لينة لها أسلوب ساخر وبليد، من الأفضل استبدالها بتعبير صادق وحيوي، ومع كل جزء تعدل عليه في خطابك، لن يتركز هدفك على التحدث على نحو أساسي، بل في استثمار خطابك بمعنى أصيل وصادق لنفسك وجمهورك.  

نقاط محورية – كيف تخاطب جمهورك 

  • إن رهاب التحدث ظاهرة وتجربة مزعجة، فقد تلوم نفسك بسبب انعدام قدراتك أو شخصيتك، لكن الأمر متعلق قليلًا بتركيبتك العاطفية، وكثيرًا بتدريبات الخطابة الأساسية.  
  • أدرك اليونانيون القدامى بأن الخطابة من أشكال الفن المهمة، والقابلة للتعلم، والبارزة، فالتدرب على البلاغة كان جانبًا من جوانب التعليم على مر القرون. 
  • تشير الافتراضات في النهج اليوناني بأن تبدأ تحضيراتك لأي خطاب من خلال وضع جمهورك أولًا في الحسبان، واسأل نفسك: ستتحدث لمن؟ وماذا يعلمون عنك وعن موضوعك؟ 
  • حدد أهدافك العامة، هل يهدف خطابك إلى الإخبار، أو الإمتاع، أو الإقناع، أو الإلهام؟ بعد ذلك، حدد غايتك بجملة مفردة: من مخرجات عرضي، أتمنى أن يعلم الحضور أ ويقومون بفعل ب
  • فكر في ماذا يحتويه خطابك للجمهور فيما يتعلق بموضوعك وطريقة إيصاله، وكيف يمكنك أن ثبت لهم بأنك لست تثرثر بعيدًا عن نطاق موضوعك، بل تتحدث بلغة يفهمونها، وتركز على سعادتهم.
  • لا تتوقع اكتساب البلاغة بلا تدريب، تمرن على خطابك واهدف إلى تذكر مقدمتك وخاتمتك.

تعلم المزيد

لقد ركزت على سبل متبعة في تقنيات اليونان القديمة، والتي من شأنها تطوير قدرتك على مخاطبة الجمهور، لكن ما وجدته مثيرًا للاهتمام وملهمًا، هو قدرة تأثير هذه المهارات علينا عاطفيا، وروحانيا، واجتماعيا، وحتى سياسيا!  

لسنوات عديدة كان موضوع التدرب على الخطابة لا يثيرني، فالنهج الحديث في هذا الجانب وبتركيزه على الابتسامة والثقة بالنفس الزائفة ما هو إلا خداع، ففكرة تحويل ‘طبيعتي’ عمدًا ما هي إلا من سبل التحدث التي تبدو مزيفة.

اكتشفت النهج اليوناني -وأُعجبت بموضوع التدرب على الخطابة ونظرية اللغة– عام ٢٠٠٩م من خلال صدفة بحتة عندما شاهدت مقابلة (للتاريخ الشفهي والتي تتمحور حول الحب) مع أحد أقاربي المنعزلين الذي يقطن في ولاية أيوا الريفية، كانت العائلة غريبة الأطوار، فكان قريبي يقطن في قبو عائلته منذ أن كان في الثانوية، وكان نادرًا ما يتحدث إلى أحد، وفي عمر ٥٩، كسر عزلته وتزوج، إذا كنت تتساءل كيف؟ لقد انضم إلى توستماسترز (Toastmasters)، وهي أكبر منظمة عالمية مكرسة لتعليم فن الخطابة. 

وكما وصف لي قريبي بأن التدرب على الخطابة أتى بثماره بوصفه نوعا من أنواع الجلسات العلاجية -غير النفسية- وكيف أن تعلمه التفكير بصورة أقل عن نفسه وأكثر عن مستمعيه، حَول حياته كاملةً التي تجاوزت اللحظات العائلية القليلة التي أمضاها بإلقاء الخطب، وكما تعلمت مؤخرًا، هذا التكنيك الذي يعنى بصب الانتباه على كيفية تلقي المستمع للخطاب بوصفه وسيلة للوصول إلى إمكانياتنا الكاملة، كان محط تطلعات القدامى في التدرب على الخطابة.

في القرن الرابع قبل الميلاد، وقبل اندلاع الديمقراطية الأثينية في اليونان، كانت الخطابة ممنوعة، ومع ذلك، أصبحت المحاكم والمفاوضات العامة والخطابات الموجهة إلى جماعة من الأفراد أمرًا شائعًا، ونشاطًا مطلوبًا أحيانًا بسبب وجود الانتخابات، أصبحت قدرة الفرد ليعبر عن رأيه إلى قرين آخر عنصرًا أساسيًّا للحياة الاجتماعية والسياسية، ووسيلة للحفاظ على الخطاب العام من أن يسرق من قبل الأصوات الصاخبة، والمخادعين، والدجالين، بل أيضًا إنها أضمن طريق نحو الثروة والنفوذ.  

وكما أصبح هذا الموضوع يدرس عالميًّا، اكتشف اليونانيون وبعدهم الرومانيون بأن مهارات اللغة مشابهة لنظام التشغيل الذي يربطنا مع الغير، عندما لا نقدر على الدفاع عن وجهات نظرنا، سيسهل الشعور بالتهميش، والنفور، والغضب، لأن ‘طبيعة البشر أنانية’ (لعدم فهمها للغير) وأن ‘الخطاب العام سيئ’، وفي المقابل، ستقل احتمالية المواطن الذي يتدرب على إبداء الرأي من أن يعاني من السياسة السيئة، أو الاغتراب الجماعي.

ستقل احتمالية أن يتضرر المواطن الذي يتدرب على إبداء الرأي من ….

تحتكم هذه المفاهيم والأفكار التي تجتاحني مع كثير من أشكال النفور التي تتميز بها الحياة الحديثة، سواء من ارتفاع مستويات العزلة وانعدام الثقة (بين الجيران، وما يتعلق بالأمور الحكومية، والمؤسسات العامة الأخرى) وانخفاض مستويات مشاركة المجتمع المدني، فبعد عقود من الهوس بقوة الشركات التي لا تخضع إلى رقابة وارتفاع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، بدأت أتساءل عن فرصة تحسن مشاكلنا الاجتماعية والسياسية إذا تبنينا موضوع البلاغة الذي انمحى منذ قرن أو قرنين.

يرادف هذا الموضع تقريبًا في وقتنا الحاضر ‘الهراء’ أو ‘ التظاهر’، نقول: ‘إنها فقط بلاغة’، لانتقاص هذا المفهوم، مثلا: أصبح الخطاب السياسي منحرفًا عن طريقنا، كل يوم في تغير، والذي ننظر إليه الآن بصورة ‘طبيعية’ وخالية من التخطيط، مع ذلك، فمفهوم الخطابة بالنسبة لليونانيين أمر يبنى، فدوافعنا هي مصدر ما ننطق به باستخدام الفن، أدركت في شبابي أهمية ذاتي العالية بأن كل شيء متصنع، والجمادات والأرواح البشرية جميعها زائفة، فرفض تعلم وتبني فن الخطابة، لم يجعلني متحدثًا فصيحًا، وذكيًّا، أو جديرًا بالثقة أكثر من الغير، بل على النقيض من ذلك، وجدت نفسي عاجزةً للغاية عن إبداء ما بداخلي، بل مؤخرًا أدركت بأنها ليست جديرة بالثقة أيضًا!

انغماسي الأخير في هذا الموضوع ساعدني على فهم وتخفيف خوفي الذي يُصور مثل وباء عالمي في مركزية الذات، فوظيفة العالم لا تقتصر على فهمي، بل إنها وظيفتي أنا للتعبير عن ذاتي بطرق تسمح للآخرين فعل المثل، وكما أدرك اليونانيون منذ ٢٤٠٠ سنة: يأتي التغير من خلال وسيلتين هما: العنف، والاستعمال الناجح للكلمات، إن الخطابة من أفضل الأدوات التي يمكنك تعلمها والتي قد تقودك إلى تغيير العالم حسب رغباتك. 

كتب & روابط 

شاهد هذه الخطب العظيمة من التاريخ لتلهمك (والتي لن تظهر لك عندما تبحث عن ‘خطب عظيمة من التاريخ’): 

خطاب ويل روجر «لحم الخنزير، والفاصوليا، والليموزين» (Bacon, Beans and Limousines) (١٩٣١م) -وهو واحد من الفنانين المحبوبين في القرن ٢٠- والذي انتهك من خلاله تقريبًا القواعد الأساسية كلها في الخطابة عندما حاول إيصال تنديد قوي بعدم المساواة في الثروات في خطاب الإذاعة الوطنية الذي ألقاه في ذروة أزمة الكساد الأعظم، موهبة روجر في قول الحقيقة نادرًا ما تُعرض بصورة جيدة. 

خطاب حاكمة ولاية تكساس السابقة آن ريتشارد في المؤتمر الوطني الديمقراطي عام ١٩٨٨م، كان رائعًا، لكن بهجة الحشود لوحدها قد تخدم مثل تمهيد في البلاغة الكلاسيكية وتقنيات الخطابة المتخصصة. 

هذا الخطاب الذي لم تقلل جاذبيته من بلاغته ..

اطلع على كتابي «أرغب بإخبارك أمرًا: إتقان فن الخطابة في فترة الانفصال» (I Have Something to Say: Mastering the Art of Public Speaking in an Age of Disconnection) (٢٠٢٠م)، فهو يعد كتابًا تمهيديًّا أكثر من كونه تعليميًّا نظرًا لحاجتنا في وقتنا الحاضر -أكثر مما سبق- لفهم وتبني فن التدرب على الخطابة (في حاشيته المثرية تفسير عن كيفية الاستعداد لإلقاء خطاب رائع).

اقرأ مقدمة الشخص العادي للوصول إلى مفهوم البلاغة الأساسي وتاريخها في موقع «فن الرجولة» (Art of Manliness ) الذي تأسس عام ٢٠٠٨م ( مناسب للذكور والإناث). 

انضم إلى توستماسترز (Toastmasters) أو تعرف عليها، فهي أكبر منظمة عالمية مكرسة لتعليم فن الخطابة (ومهارات القيادة المتضمنة معها). 

إن كتاب فن البلاغة لأرسطو كتاب منيع، ولا يزال يعد المرجع العالمي والأكثر مصداقية في البلاغة، يمكنك تحميله مجانًا في MIT (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا). 

بقي نص شيشرون (De Oratore) الذي نُشر عام ٥٥ قبل الميلاد بوصفه نصا محوريًّا في البلاغة والخطابة لـ ١٥ قرنًا، فهو مليء بالمعاني، ويسهل قراءته أكثر من كتاب أرسطو. 

عرضت بيغي نونان ـكاتبة الخطابات السابقة للرئيس الأمريكي الأربعين رونالد ريغان- في كتابها «الخطابة البسيطة: كيف توصل أفكارك بوضوح، وأسلوب، وموضوعية» (Simply Speaking: How to Communicate Your Ideas with Style, Substance, and Clarity) (١٩٩٧م) توجيهات بسيطة وواضحة عن كيفية كتابة وإلقاء خطاب رائع. أعاد كتاب «لينكولن في جيتيسبيرغ: الكلمات التي جددت أمريكا» (Lincoln at Gettysburg: The Words That Remade America )(١٩٩٢) للمؤرخ التاريخي غاري ويلز بناء الخطوات الرئيسية (والقريبة من الاستحواذ) التي بموجبها كتب رئيس أمريكا ١٦ إبراهام لينكولن أقوى خطاب في تاريخ أمريكا في ٢٧٢ كلمة. 

المصدر

مقالات ذات صلة