القائمة الرئيسية

كيف تؤدي أداءً متألقًا في ظل الضغوط

كيف تؤدي أداءً متألقًا في ظل الضغوط
ملخص المقال

يتناول المقال الذي كتبته جوزفين بيري التوتر الناتج عن الضغط والتوقعات في مختلف مجالات الحياة، مشيرًا إلى أن الدعوة السائدة نحو ""الصلابة العقلية"" – التي تمجد القوة والتحكم والإنكار الذاتي – قد تكون مضللة وغير فعالة. فهي غالبًا ما تؤدي إلى تجاهل المخاوف وقمع المشاعر، مما يعوق الأداء الحقيقي والتكيف مع التحديات. وبدلًا من ذلك، تدعو الكاتبة إلى تطوير ""المرونة العقلية"" المستمدة من علاج القبول والالتزام (ACT)، والتي تُمكن الأفراد من التفاعل بوعي مع اللحظة، واختيار استجابات تتماشى مع قيمهم الجوهرية، مما يحسن الأداء والصحة النفسية. تشرح الكاتبة كيف يمكن استخدام هذه المهارات النفسية – مثل الانفصال عن الأفكار السلبية، وتسمية المشاعر بدقة – لتحسين الاستجابة للضغوط، سواء كنت رياضيًا أو موظفًا أو فنانًا، من خلال خطوات عملية تهدف إلى التكيف لا التصلب.

بقلم جوزفين بيري

عليك معرفته:

مهما كان الميدان الذي تقطن فيه، سواء أكنت هاويا رياضيًا أم محترفًا، أم رجل أعمال، أم معلمًا، أم والدًا متفرغا، أم أي أمر آخر تمامًا، فلا بد أنك شعرت بضغط توقعاتك وتوقعات الآخرين. فالجميع عليه التعامل مع المواقف الشاقة، إذ لا يشعرون أن لديهم المهارات اللازمة للنجاح وتلبية وطأة تلك التوقعات. أنا عالم نفس رياضي، وأساعد في تعليم عملائي التقنيات العقلية للتعامل مع نوعية هذا الضغط. لقد وجدت أن التقنيات والمبادئ العملية نفسها التي أعلمها للرياضيين لا تقدر بثمن أيضًا لعملائي للعديد من مناحي الحياة، بما فيها الأعمال والمسرح.

«الصلابة العقلية» النهج الخاطئ

لعلك لاحظت في ثقافات العمل الغربية المعاصرة، أنه غالبًا ما يُتوقع من الناس الاستجابة للضغط من خلال أن يكونوا «أقوى» عقليًا أو «أكثر صرامة». فمن المرتقب أن تمنع هذه الصلابة العقلية السحرية الأعصاب المزعجة، وتقلل من شعور الإحباط والانزعاج الناجمين من أعماقنا.

«الصلابة العقلية»، ونهج «الرجل القوي، القوات الخاصة، مستعد للمعركة» الذي يجسده، يمثل تصريحا رائعًا، ولا شك فيه. ويتبنى هذا المفهوم نطاقًا واسعًا من الرياضيين والمغامرين ورجال الأعمال والأشخاص في الجيوش العسكرية وهم يتحدثون عن رحلتهم للعثور عليه؛ إذ تدفع الشركات آلاف الجنيهات مقابل الخطب الرئيسة لموظفيها كي تشرح لهم كيفية الحصول عليها. وقد لخص مدرب كرة القدم الأمريكي الشهير فينس لومباردي عبادتنا الثقافية بالمقولة، إذ قال: «الصلابة العقلية هي الإسبرطية بصفاتها من التضحية وإنكار الذات، وصفات التفاني والشجاعة والحب».

في علم نفس الرياضة، يجمع مفهوم الصلابة العقلية بين سمات الثقة والعزيمة مع شعور بالتحكم في مصيرك. قد يبدو لافتا، ولكن في عملي، أتبنى نهجًا مختلفًا كليا. لقد رأيت الضرر الذي يسببه تأنيب الضمير المفرط للثقة والعزيمة والسيطرة، جنبًا إلى جنب مع الإيثار والتضحية والشجاعة. قد تبدو هذه العقلانية الصلبة قوية وغير قابلة للكسر من بعيد، ولكنها في الواقع تحث الأدائيين على دفن رؤوسهم في الرمال عند مواجهة تحدٍ مرعب. يتعلم طلاب القوة العقلية تجاهل مخاوفهم وغالبا ما يفسدون جهودهم. إذا وقعت في هذه المصيدة، والذي ستعرفه إما عن طريق خطاب أجلت ممارسته، أو ورقة ماطلت فيها، أو مشروع يرقد مكتملا بنصفه بعد – كل ذلك مصحوبة بأعذار تبدو مقنعة ولكنها تولد أداء ضعيفًا.

لقد شاهدت أيضًا كيف يمكن للسعي إلى القوة العقلية أن يثير آليات تكيف غير مفيدة ولا صحية، مثل فرض قواعد صارمة على النفس، وسمات الكمال، وقلة التعاطف مع الذات، ومهاجمة الأهداف كتهديدات بدلًا منها تحديات. الدخول إلى أي ساحة تتطلب أداء عاليًا ورؤية المواجهة المقبلة كتهديد أمر غير مرغوب للغاية؛ لأنه يعني أنك تفكر بأجزاء دماغك التي تعتمد على الهروب والخوف، بدلًا من الأجزاء السهلة المستعدة للتحديات. في حالة الخوف، لا تفكر ولا تستجيب بإبداع، بل تتبع أنماطًا استخدمتها سابقًا، وعادةً ما تتبع قواعدَ صارمة، أي أنك لا تستطيع التكيف جيدا في حال معلومات جديدة أو تغييرات في بيئتك.

نظرًا لمقاومتهم العقلية، يمكن لراكب الدراجة الذي يتمتع بقوة عقلية وماهر في تسلق الجبال، ولكنه عرضة للذعر الشديد إن حدث له خلل في إطار العجلة أو اعترضه أحد الجمهور في طريقه. وبالمثل، الممثل ذو القوة العقلية يمكنه التعامل مع ضغط الجمهور المباشر – إلى حين انشغالهم بالهاتف المحمول، حينها ينسى حديثه. القوة العقلية تعني أنهم سيتجاوزون هذه اللحظة، ولكنهم لن يكونوا في أفضل حالاتهم أو جاهزيتهم للتكيف – سيتأثر أداؤهم وستندثر متعتهم.

النهج الذي أعلمه يركز على تنمية المرونة العقلية وليس الصلابة العقلية. المرونة العقلية، المعروفة أيضًا بـ “المرونة النفسية”، مستمدة جزئيًا من مبادئ علاج القبول والالتزام (ACT)، وهي طريقة في العلاج النفسي نشأت من العلاجات المعرفية والسلوكية وتمازجها مع رؤى من البوذية وآفاق أخرى. المرونة العقلية ضرورية للتعامل بحكمة مع الضغوط؛ إذ إنك بحاجة إلى مهارات تساعدك في التعامل مع ما يواجهك، خصوصًا المفاجآت. ففي الرياضة، تتطلب هذه المفاجآت تغيير الخطة في اللحظة الأخيرة، أو معرفة أن مراقبًا سيشاهد مباراتك هذه الليلة. أو في المسرح، يمكن أن يكون الأمر تولي الدور البديل في أثناء الفاصل. في العمل المكتبي، قد يكون الأمر طلبًا في اللحظة الأخيرة للانضمام إلى الفريق لتقديم عرض تجاري جديد. إثراء المرونة العقلية سيساعدك في التعامل مع هذه اللحظات بأداء حسن.

وهنا تعريف رائع لنوع المرونة النفسية التي أتحدث عنها من العالم النفسي السريري الأمريكي ستيفن هايز، مؤسس تقنية ACT، وزملائه، إذ يصفونها بأنها “القدرة على التواصل مع اللحظة الحالية تواصلا غير منقطع… وتغيير أو المثابرة عندما يخدم ذلك أغراضًا ذات قيمة”. ويضيف أن ذكر “الأغراض ذات القيمة” مهم هنا. عندما تكون صلبًا (أو غير مرن نفسيا)، فإنك تمضي في أفعالك بالرغم من كونها لم تعد مجدية في مساعدتك على تحقيق ما يهمك. وعلى النقيض، المرونة تمكنك من التغيير سريعًا بين الاستراتيجيات استنادًا إلى متطلبات كل حالة، واتخاذ قرارات حول كيفية التصرف وفقًا لقيمك، أي “أعمق رغبات قلبك”، على حد قول مدرب ACT والمؤلف روس هاريس.

المرونة العقلية مرتبطة بالأداء الرفيع وتحسين الصحة العقلية. في عام 2006م، نشر هايز وزملاؤه تحليلًا متعلقا بـ 32 دراسة شملت 6628 مشاركًا قد أكملوا مقياسًا للمرونة العقلية المعروف باسم “استبانة القبول والعمل”. في الدراسات جميعها، الأشخاص الذين حصلوا على درجات أعلى في المرونة العقلية أقل احتمالًا بأن يعانوا من اضطراب نفسي، ويتمتعون بصحة نفسية أفضل بوجه عام. من بين المشاركين أشخاص يعانون من ألم مزمن، قد حصلوا على درجات أعلى في المرونة النفسية قادرين على العمل لفترات أطول، وتناولوا أقل كمية من مسكنات الألم، واحتاجوا إلى زيارات طبية أقل. في مكان العمل، اقترف الأشخاص الذين حصلوا على درجات أعلى أقل أخطاء وحصلوا على منزلة أعلى في مجتمعاتهم.

التوجه نحو المرونة النفسية بعدها هدفًا في العلاج ينبع من النهج النفسي مثل ACT، الذي يعترف بأن الناس جميعهم عندهم مخاوف وقلق وضغوط، وأن الأشخاص يتحسنون عندما يواجهون ويعترفون بهذه الأمور، بدلًا من مقاومتها. لقد رأى علماء النفس أنه كلما حاولت حجب الأفكار والعواطف الصعبة، زاد ظهورها. باستقبال هذه الأفكار بدلًا من قمعها، يلاحظ الشخص أن هذه الأفكار باقية ولكن تأثيرها أقل، ثم تجد أن الأمور التي تخشى أن تشتت انتباهك قلت؛ مما يتيح لك استخدام أفكار أكثر فائدة وموجهة نحو الحلول واستراتيجيات تكيف أقل توجها لتجنبها. ما يعني أنك تتحرر من السلوكات التي تثبطك في السعي نحو مبادئك في الحياة.

هذه المبادئ بحد ذاتها مهمة، وخاصة عندما تشعر بالضغط – فلنضرب مثالًا: تخيل أن رئيسك يفاجئك بطلب تقديم منتجك أمام مجموعة متنوعة من المشترين المحتملين، أو ربما تتوتر في أثناء استعدادك للقاء شركاء والدك للمرة الأولى. في هذه المواقف الصعبة والحرجة، قد تعتقد أن الطريقة للخروج منها بذكاء هي من خلال تقوية عزيمتك وزيادة قسوتك.

ولكن يعد النهج الذي يتسم بالمرونة العقلية أكثر فائدة على الأرجح. خاصةً عندما تكون واضحًا بشأن قيمك وتعرف ما يهمك. مع القيم، دائما لديك هدف، وفي كل مرة تحتاج فيها إلى اتخاذ قرار في وقت عصيب، لديك مؤشر للقياس. نهجٌ مرنٌ معزز بالقيم يساعدك على أداء حسن؛ لأنك ستكون ذا فطنة عقليًا وستعمل دائمًا على تحقيق مقاييسك الخاصة في الحياة، لا التي يشجع عليها الآخرون أو تحددها المخاوف أو التوقعات.

في هذا الدليل، سأعرض جزءا من التقنيات الأساسية لتطوير مرونتك العقلية وزيادة وعيك بقيمك. متى أحسست بالضغط، ستتيح لك هذه الأسس اختيار الاتجاه الذي تتخذه بأداء استباقي، ومن ثَم مساعدتك على الأداء نحو الأفضل.


لتأدية أداء حسن عند مواجهة الضغط، تحتاج إلى عدة أمور: الابتعاد عن الأفكار الضارة وحديث النفس السلبي – وسيلة للتعامل مع المشاعر الساحقة – المرونة العقلية للرد بطريقة فعالة ومجدية – وأخيرًا معرفة ما يهمك.

وهنا، إليك خمس خطوات لاتباعها لبناء هذا النهج للأداء جيدا عند الضغط:

انعزل عن أفكارك

بداية، عِ جيدا أن الأفكار التي تخطر في ذهنك عندما تشعر بالضغط ما هي إلا أفكار وهمية. فعندما تكون في ملعب التنس، ربما تفكر “أنا لا أفقه شيئا في التنس، سأكون محرجًا” (أو في المكتب، قد تقول: “أنا عديم الجدوى في تقديم العروض، سأكون محرجًا”) إلا أنها ليست واقعيا، بل هي أفكار نابعة عاطفيًا. ويعرف هذا (في ACT، بـ “الانفصال” أو “التفكيك”)، لن يشغلك الإسهاب في التفكير بأسلوب مفيد وأي حديث نفس مرتبط به. بدلًا من ذلك، ستعين نفسك لاتخاذ قرارات أفضل تقودك نحو ما ينفعك، وليس بعيدًا عما يخيفك.

وهنا تمرين يساعدك في الانعزال عن أفكارك. أولًا، عليك ملاحظة الأفكار غير المفيدة في ذهنك، لا للتفكر فيها بإمعان، ولكن لتصبح أكثر وعيًا بها. طريقة بصرية للتفكير في ذلك هي أن تتخيل حياتك كحافلة، أنت السائق، واتجاه السفر يحدده قيمك، والركاب هم الأفكار أو العواطف التي قد توجهك نحو الطرق الخاطئة. مهمتك بما أنك سائق أن تمضي قدمًا مركزًا انتباهك على اتجاه السفر وألا تتشتت بسبب ضجيج الركاب وثرثرتهم، لكنك لا تستطيع طردهم من الحافلة أو منعهم من الحديث. لذا، الهدف المرجو ليس منعهم، بل ملاحظة ما يقوله هؤلاء الركاب (أفكارك)، أومئ برأسك كأنك تسمعهم، وتركيزك كله منصب على الطريق ومنتبه إلى وجهتك.

ويعد تكرار الأفكار بصوت مسلٍ وسيلة لخلق شعور أنفع بالانعزال عن أفكارك. مثل صوت Minnie Mouse أو «Movie Trailer Man» ميني ماوس أو “إعلان فيلم الرجل”. سيفيدك في صد السلبية والقوة من الفكرة حتى يتضح أنها مجرد تشتيت غير مفيد.

إن بدت فكرة الأصوات سخيفة لك، حاول نهج “حديث النفس غير المباشر”. كمباراة التنس، بدلًا من قول “أنا دائمًا ضعيف في الإرسال الأول”، أضف كلمات بمبدأ “غير المباشر”، مثل “أعتقد أن الإرسال الأول ضعيف”. خطوة بعيدة عن السلبية ستوصلك إلى “ألاحظ أنني في الإرسال الأول ضعيف” (ولخلق بعد أكبر، جرب الإشارة إلى نفسك باستخدام ضمير الغائب من الشخص الثاني “أنت” أو باستخدام اسمك). تولد هذه الطريقة فكرًا بعيدًا عن السلبية وتساعدك في التكيف مع المعتقد، مثل التركيز على إرسال قوي، بدلًا من الإصرار على الفكرة السلبية.

ينطبق المبدأ نفسه على السياقات جميعها. ففي مكتب العمل، حاول تغيير عبارة “دائمًا أبدأ عروضي سيئًا” إلى “أعتقد أنني أبدأ عروضي بأسلوب سيئ”. وهكذا تبعد الأفكار السلبية عن دائرة تفكيرك.

صف مشاعرك بدقة أكثر

عندما تواجه ضغطا ما، قد تشعر بالإرهاق من مشاعرك وتلاحظ لغة عدوانية لا ترحم تنعكس على ذهنك، كأن تقول: “أنا غاضب” أو “أنا مرعوب”. مثل ركاب حافلتك يستعملون لغة عاطفية جدًا في أثناء محاولتهم لفت انتباهك. تفسير مشاعرك بهذه الطريقة قد يشعل استجابتك التلقائية إما للقتال أو الفرار؛ إذ تطورت لمساعدتك على البقاء في حالة خطر، ولكنها غير مجدية في الأداء للعديد من الحالات في الحياة المعاصرة.

بدلًا من التصوير المفزع لهذه المشاعر أو محاولة قمعها كليًا، يُعَدُّ النهج الأكثر مرونة عقليًا هو إثراء قاموسك العاطفي من الكلمات حتى تصف مشاعرك بدقة ووضوح (يطلق عليه علماء النفس “التعريف الوجداني”)، وهذا أمر مهم لأن معظمنا ينحاز إلى الكسل في لغتنا عند الوصف ونعتمد من ستة إلى ثمانية أوصاف عاطفية أساسية (غالبا تتمحور حول الحزن والفرح والقبول والاشمئزاز والخوف والغضب والمفاجأة والترقب اللحظي). فعندما تصف مشاعرك الفعلية بكلمات دقيقة وتصف الشعور بحذافيره (في الواقع، توجد مئات من الكلمات العاطفية؛ هنا قائمة تحتوي على 135 كلمة من الكلمات الأكثر شيوعًا)، سيساعدك على اختيار آلية تكيّف فاعليته كبيرة لتلك المشاعر.

فلنأخذ مثالًا حتى يتضح المقام، لنقل إنك تشعر بالضغط لعدم نجاحك في الانضمام إلى الفريق الأول في الرجبي، أو إن زميلًا حقق الترقية التي كنت ترجوها. إذا قررت أنك “غاضب”، فمن المرجح أن تستجيب بطريقة عدوانية أو تجنبية، ربما تؤول إلى نتائج عكسية. وعلى النقيض، إذا لاحظت أنك واقعيًا “حسود” (من العواطف المرتبطة بالغضب)، فيطيب لك اختيار عنصر معين من الوضع الذي يثير حسدك واتخاذ إجراءات أكثر تفاؤلًا، كتخطيط تدريبات الرجبي الإضافية أو ترتيب مراجعة شخصية مع مديرك. تحديد الحسد بعينه يعينك على أن تكون أكثر وضوحًا في أهدافك وتبذل الغالي والنفيس في تحقيقها بنشاط وحيوية.

استبدل نوعية حديث النفس الذي يقلل الضغط

كيفية التفكير في مشاعرك وعواطفك هي جانب واحد من حديث النفس، ولكنْ ثمة نوع آخر ضارا للغاية عند التعرض للضغط. كلمة واحدة تثير الانتباه، لا سيما كلمة “يجب”، كما في “يجب عليّ إعطاء العرض بيسر” أو “يجب عليّ إنهاء المشروع الليلة” هذه الكلمة محملة بالتوقعات والضغوط، وهي تقيدك من الخيارات المتاحة أمامك جميعها.

أولًا، لنأخذ مثالًا آخر في لعبة التنس. عندما تواجه لاعبة تنس قبل المباراة لاعبة من التصنيفات وهي منافستها “الخصم الآخر” ومصنفة على أنها دون المستوى العادي، فستدخل المباراة بفكر صعب وستجبر نفسها على جملة “يجب عليّ الفوز”، وهذا للأسف سيزيد الطين بِلة وسيحملها إلى ردة فعل كتهديد لنفسها، لمَ؟ لو لم تفز في المنافسة ستخسر مباراتين، ليست المباراة فحسب، بل خسرانها أمام لاعبة مستواها دون العادي. وعلى عكس ذلك، عندما تتحلى بالمرونة العقلية وتبذل جهدًا متحدًا لرؤية الصورة من زاوية أشمل، قد تدرك أن منافِستها لم تشارك في أحداث تصنيف حديثًا (مثل: أحداث تسهم في التصنيف الرسمي في الدوري) أو أنها شاركت كثيرًا ولكن مشاركاتها جميعها كانت خارج البلاد. بهذا الموقف العقلاني، تمنح منافِستها الاحترام الذي تستحقه وتضع توقعات أقل عليها – قد تقول لنفسها إن لديها فرصة هنا للأداء جيدًا، بدلًا من قول إنها يجب أن تؤدي جيدا – وهذا سيعينها على الأرجح على أن تلعب بأسلوب أكثر استرخاء وتؤدي أداء حسنًا.

مع استخدام كلمات أوسع من لغة العواطف وتجنب حديث النفس المليء بالتوترات، يمكن البدء في استبدال كلمات مثل “يجب” و”يلزم” و”بحاجة إلى” بكلمات بديلة أكثر تقبلًا مثل “ملاحظة” و “وعي” و “فرصة”. باستخدام هذه اللغة اللطيفة، ستتكيف مع متطلبات الوضع على ألا تسمح للعاطفة بالسيطرة. ومن ثم يساعدك ذلك على التركيز أكثر على العملية (كيفية أدائك) إزاء النتيجة (سواء النجاح أم الفشل) وستقدر إدراك ما يمكنك تقديمه وفقًا لقيمك في الحياة، بدلًا من الخوف أو تجنب الفشل الوارد.

بعيدًا عن الرياضة، تخيل نفسك في العمل وأتى قائدٌ جديدٌ بارز لزيارة فريقك وسألك عن المشاريع التي تعمل عليها. قد تقول لنفسك عليَّ أن أتحلى بالقوة وأخبره بالمشاريع دون تحضير سابق، أو يجب عليك أن تؤدي على نحو جيد لإقناع صاحب العمل (هذا حديث النفس ربما يشعرك بالهلع). ولكن إذا فكرت غير ذلك على أنها “فرصة لمشاركة ما أنجزته” أو “سيكون هذا بمنزلة رائعة للحصول على دعم قيم لمشروعنا”، فإن ذلك سيخفف من الضغط ويساعدك على التفكير بسرور واستجابة سريعة. فإن أحسست أن التفكير بهذه الطريقة ليس طبيعيًا، فبإمكانك تسهيل الأمر بالتدريب. حاول كتابة عدة أمثلة على نوعية حديث النفس المليء بالتوترات الذي يجري في ذهنك، مثل “يجب أن أكون الأفضل”، ثم اشطب كلمة “يجب” واستبدلها بكلام أقل قيودًا، مثل “بين يدي فرصة للتحسن عن المرة المنصرمة”.

خالف قواعدك

إن التفكير الصارم والروتين يعزز الشعور بالضغط. ينبغي لك زيادة مرونتك العقلية فهي العلاج، وأحد السبل لفعلها هي تحدي طريقتك المعتادة في تأدية شؤونك عن قصد. لوهلة، قد يبدو الأمر يسيرًا جدًا، ولكن إن أحببت الروتين الصارم وقد اعتمدت عليه، ستجد الأمر صعبًا.

لتأدية هذا الروتين، كل يوم من الأسبوع المقبل، حاول فعل أمر على غير عادتك. قد يكون يسيرًا – إما تنظيف الأواني مباشرة بعد العشاء بدلًا من تركها حتى الصباح، أو تجربة طريق مختلف جدًا للعودة إلى المنزل من العمل. وفي الأسبوع المقبل، حاول يوميًا التوقف عن فعل أمر تؤديه دائمًا (إما التوقف عن ارتداء ساعتك إن اعتدت ذلك، أو تجنب ترتيب السرير أول شيء إن اعتدت ترتيبه كل صباح)، على ألا يكون الروتين أمرًا دراماتيكيًا أو مؤذيًا، بل أمرًا لا ترتاح فيه للحظات. مخالفة قواعدك على هذا النحو سيعطي إشارة إلى عقلك أنك قادر على الهروب من الروتين المعتاد، ومرونة في التعامل مع هذه التغيرات، وستعرف إن لم تتبع الروتين المعتاد، لن يحدث خلل في حياتك. 

نرجو أن تنتقل المرونة العقلية الجديدة في المرة القادمة عند التعامل مع موقف عصيب في الحياة. فبدلًا من اللجوء إلى الأساليب أو الاستراتيجيات التي لم تعد تفيد، ستكون مستعدًا بنهم لتجربة حل بديل، أو تفسير النتائج المحتملة للوضع بعقلانية ورشد. لنضرب مثالًا: لو كنت تدرس للحصول على مؤهل ما، وعادتك تقديم الأوراق آخر الأوقات، فهنا معك الوقت الكافي لجعل الورقة مثالية. بمفهوم المرونة، قد ترى أن الورقة لا تحتاج إلى المثالية – يكفي تقديمها – ووقتما تكون فعليا “جاهزًا ومستعدًا” وتقدمها مبكرًا، عندها ستتحلى بوقت إضافي لتقديم ورقة أخرى، أو الاسترخاء، أو أمر يعزز من رفاهيتك. ما زلت تبلي بلاء حسنًا في ظل الضغط، ولكن ساعدت نفسك في تخفيف حدة الضغط بالبعد عن أي روتين صارم. 

حدد قيمك وتذكرها

يعد معرفة أهمية الأداء في المقام الأول الخطوة النهائية والجوهرية للأداء المتميز عند مواجهة الضغط – وهنا تأتي دور قيمك البارزة. مهم جدًا أن نفرق بين القيم والأهداف. فأهدافك طويلة الأمد، بينما قيمك تسري في كل لحظة يقظة. كأن يكون هدفك أن تحرز الأكثر تهديفًا في فريق كرة القدم، ولكن قيمك المتعلقة بكرة القدم دائمًا هي محاولة جاهدة، والسعي دائمًا نحو التحسين، وأن تصبح زميلًا حسنًا. وعندما توضح قيمك وضوحًا صحيحًا، ستحصل على فائدتين رئيستين: إما اكتشاف متى تنتهكها (حينها، على الأرجح أن تثير أنظمتك التهديدية المندفعة عاطفيًا)، أو استخدامها مؤشرًا لكيفية الاستجابة عند الشعور بالضغط، حتى تظل منسجمًا معها.

لتحديد قيمك، يوجد أوراق مقترحة وتمارين عبر الإنترنت (مثل Russ Harris، يقدم مجموعته الكاملة من أوراق العمل هنا)، إلا أني عثرت على طريقة أخرى مسلية لتحديد قيمة رئيسة وهي مشاهدة الصور الملتقطة على هاتفك. هل يوجد موضوع أو شيء التقطته مرارًا وتكرارًا: كالنجاح، أو الأسرة، أو الجمال، أو المجتمع، أو القيم الروحانية؟ ما إن حددت قيمة رئيسة، اقضِ وقتًا مفكرًا في كيفية اتخاذ مزيد من القرارات في حياتك بما يتماشى مع هذه القيمة. إن شعرت بالضغط في مجال معين في حياتك، كالرياضة الجماعية، أو الأداء في العمل، أو الحياة الأسرية في المنزل، فربما تفكر في وسيلة تتعلق بالقيمة التي حددتها في هذا السياق. أن تعطي الأولوية للقيمة في ذهنك وقت الضغط، مع كمية التشتت الناجم من ركاب الحافة، سيضمن وجهتك مركزة ومدرجة على نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية “satnav” والبقاء على المسار الصحيح.

لنأخذ مثالًا ملموسًا بعيدًا عن الرياضة، تخيل أنك بدأت التطوع في جمعية محلية عن الحياة البرية، وفجأة، طلب المدير تقديم محاضرة قصيرة عن الجمعية لمجموعة من الزوار. تعقيبًا على ما قيل آنفًا، قد تعتقد الحل أن تتحلى بالشجاعة والقوة، ولكن سيولد تهديدًا للهروب من الموقف. بدلًا من ذلك، عد لقيمك، ربما تهتم بعمق الطبيعة أو شغف بالمجتمع المحلي. مع وضع هذه القيم في طليعة ذهنك، قد تجدها فيها فرصة (صعبة بالتأكيد، ولكن ليست تهديدًا)، وتشعر بالاسترخاء أكثر وسهولة التفكير على الفور.

النقاط الرئيسة – كيف تؤدي أداء متألقا في ظل الضغوط

  1. «الصلابة العقلية» النهج الخاطئ. 

أسلوب تأقلم شائع للتكيف ويودي بنتائج عكسية، كأن ترى التحديات تهديدات.

  1. طور «مرونتك العقلية»

 بهذه الطريقة، ستكون قادرًا على التفكير على الفور والتعامل مع المفاجآت تفكيرًا جليًا.

  1. انعزل عن أفكارك

جميعنا محاط بأفكار صعبة، ولكن عندما تلحظ وتدرك ذلك دون استجابة، ستتحكم بنفسك.

  1. صف مشاعرك بدقة أكثر 

لتجنب الغوص في المشاعر السلبية، اهتم في تحسين محو الأمية العاطفية وسترى أنه يساعدك بحلول أكثر إبداعية.

  1. استبدل نوعية حديث النفس الذي يقلل الضغط

تجنب إخبار نفسك أنه يجب عليك فعل هذا الأمر أو يلزم عليّ فعله. بدلًا من ذلك، استخدم لغة أكثر لطفًا وعقلانية مرتبطة بالفرصة والملاحظة.

  1. خالف قواعدك

غير طريقة الأمور في الحياة اليومية حتى تجد السهولة والمرونة عند تعرضك للضغط.

  1. حدد قيمك وتذكرها

فهم قيمك وما يهمك يعني أنه مهما كانت الظروف التي تعتريك في طريق حياتك، بإمكانك البراعة في المسار الذي قررته.

اقرأ المزيد

تفوق المرونة على الصرامة

أحد السبل لتحفيز نفسك على تطوير تفكير أكثر مرونة هي رؤية كيف تغير كل شخص “صارم” إلى “مرن” لتحسين الأداء عند الشعور بالضغط. 

عندما أعمل بانتظام مع فتيات مراهقات متفوقات بارعات في الرياضة والمدرسة والموسيقى، غالبا أرى أنهن يعانين من خوف الفشل. حينما تحققين نجاحًا في أمور جمة خلال أول 15 عامًا من حياتك، خوف فعل أمر ما وما يعنيه لك قد يلوح في الأفق، وهو ما يدفع هذا الخوف الفتيات إلى إنشاء قواعد وروتين للحفاظ على السيطرة. غرضه الظاهر الحماية من الفشل، ولكنه مصحوب بالإجهاد والقلق والعجز على تجربة أمور جديدة، أو المخاطرة، أو التفكير الإبداعي. تعد فترة المراهقة تجريبية لسمات وأفكار وأنشطة مختلفة، وإذا كنتِ مكبلة بالخوف لعدم تجربة أمر مختلف، قد تفوتكِ فرص اكتشاف ما تحبينه. بتعزيز المرونة، يمكنكِ استكشاف فترة مراهقتك بطرائق مختلفة جدًا. أما لهؤلاء الفتيات، عندما يتعلمن أن يكن أكثر مرونة، يعني ذلك أن عليهن قبول فشلهن في أمر ما، مع وعيهن التام من أجل المصلحة العامة، إذ يمكنهن استطلاع مختلف المجالات والأداء على مستوى عال؛ نظرًا لاستعدادهن لتجربة أمور جديدة ومختلفة.

مجموعة أخرى رأيتها استفادت كثيرا من التفكير المرن عند الأداء في ظل الضغط هم الرياضيون المصابون. سواء كانوا محترفين يعيلون أنفسهم من الرياضة أم هواة يلعبون في دوري الكريكيت المحلي، فالإصابة هي العائق الذي يخشونه معظمهم. أظهرت الأبحاث في هذا المجال أن الرياضيين الذين يحصلون على درجات عالية في الصلابة العقلية لديهم حدود ألم أعلى وأكثر احتمالًا للعب وهم مصابون. رغم أنه يساعد في أدائهم للحظة، فإنه نذير خطر على مساعيهم الرياضية على المدى البعيد. بتعزيز التفكير المرن، رأيت كيف يبدأ الرياضيون المصابون في رؤية الأمور بنظرة أوسع؛ لا تركز على مباراة واحدة، بل على مسيرة رياضية كاملة. يعترفون بأن الألم لا سبيل لتجاهله وإنما يعد معلومة ثمينة فعليًا. وهذا يمنحهم خيارات أوسع للنظر فيها، كاعتماد التدريب الشامل أو ممارسة رياضات جديدة، والذي بدوره يتيح استراتيجيات تأقلم تأثيرها كبير يتناسب مع قيمهم.

الكتب والروابط

  • “مفتاح المقاومة” (2015) لمدرب علاج القبول والالتزام (ACT) راس هاريس: فيديو مفيد على YouTube يساعدك في فهم لماذا عليك التحلي بالمرونة بدلًا من محاولة التصدي للأوقات الصعبة بصرامة وعناد.
  • أنصح بقراءة كتاب (2015م) “ACTivate Your Life” للمعالجين النفسيين السريريين والمدربين جو أوليفر، وجون هيل، وإريك موريس، لتعلم المزيد من مهارات ACT المشمولة في هذا المقال.
  • يمكنك تجربة استخدام تطبيقات مثل Headspace أو Calm لتعزيز الوعي بالتنبه إلى أفكارك غير المفيدة وعدم التفاعل معها.
  • لمساعدتك على بدء ممارسة التقنيات المذكورة في هذا المقال وفهمها فهما أشمل، شاهد مقطعي فيديو لجو أوليفر على يوتيوب: فيديو “Passengers on the Bus” (2013)، وفيديو “The Unwelcome Party Guest” (2011)، فهما مقطعان قيمان. إذا أضفت إليهما كلمتي «Emotional Wheel» (يعطيك بحث قوقل مزيدًا من الإصدارات الرائعة)، فستجد أوراقًا متاحة سهلة الطباعة تسرد أكثر من 100 كلمة عاطفية تنير مفرداتك العاطفية.
  • كتاب هاريس “فخ السعادة” (2007م): كتاب يوصي به علماء النفس مرارًا وتكرارًا لمعرفة كيفية تعزيز كل من القبول والالتزام والمرونة في حياتك ودمجها معًا. 
  • وختامًا، لو كنت من محبي الاستماع بنهم، فكتابي الصوتي الجديد (متوفر أوديبل) المعنون ب “عشرة أركان للنجاح” (2021م) خير مثال لك. وفيه أقدم جملة نصائح وأنشطة لتطوير نهج أكثر مرونة عقليًا للأداء في ظل الضغط.

المصدر

 

مقالات ذات صلة