القائمة الرئيسية

الإساءة اللفظية في مرحلة الطفولة تعيد برمجة الدماغ النامي للطفل

الإساءة اللفظية في مرحلة الطفولة تعيد برمجة الدماغ النامي للطفل
ملخص المقال

تسلط أبحاث علم الأعصاب الجديدة الضوء على كيف يمكن للإساءة اللفظية في مرحلة الطفولة أن تغير نمو الدماغ وتزيد من خطر مشاكل الصحة النفسية في وقت لاحق من حياة الإنسان. فالأطفال الذين يتعرضون بانتظام للإهانة أو التهديد أو التقليل من شأنهم من قبل البالغين قد ينمو لديهم نظام تهديد مفرط النشاط واستجابة ضعيفة للمكافأة، مما يجعل الثقة والتحكم العاطفي أكثر صعوبة في مرحلة البلوغ.

لا تؤثر هذه التغييرات على السلامة العاطفية فحسب، بل تؤثر أيضًا على قدرة الطفل على تكوين علاقات صحية وبناء تقدير الذات. ويؤكد الخبراء أن الإساءة اللفظية يمكن الوقاية منها، ويدعون إلى زيادة الوعي العام والعمل السياسي لحماية صحة الأطفال العقلية والعصبية.

حقائق رئيسية من الأبحاث

  • التأثير على النمو العصبي: تزيد الإساءة اللفظية من نشاط أنظمة التهديد وتضعف استجابات المكافأة في أدمغة الأطفال.
  • ضرر طويل الأمد: تزيد الإساءة اللفظية المبكرة من أخطار القلق والاكتئاب وإلى اختلال السلوك الاجتماعي في مرحلة البلوغ.
  • ضرر يمكن الوقاية منه: إن إيقاف الإساءة اللفظية أمر بالغ الأهمية للنمو الصحي للدماغ ولتحقيق الرفاهية على المدى الطويل.

الكلمات القاسية يمكن أن تجرح - وعندما توجه إلى الأطفال، يمكن أن يكون لها تأثير مدى الحياة. لقد أظهرت الأبحاث أنه عندما تُستخدم الكلمات بانتظام من قبل البالغين المحيطين بالأطفال لإذلالهم أو إحراجهم أو السيطرة عليهم، يمكن أن يحدث ذلك تغييرات في أدمغتهم التي لازالت في مرحلة النمو. وقد وجدت دراسة أجريت عام 2023 على أكثر من 20,500 بالغ في المملكة المتحدة أن واحداً من كل خمسة أفراد أفادوا بأنهم تعرضوا للإساءة اللفظية في طفولتهم.

تختلف تعريفات الإساءة اللفظية، ولكنها تتميز بشكل عام بنمط منتظم من السلوك، حيث يؤدي النقد أو التهديدات أو الرفض للطفل إلى شعوره بالتقليل من شأنه باستمرار، أو باللوم، أو التهديد، أو الخوف، أو السخرية. وهذا ليس هو نفس الأمر عند فقدانك لأعصابك أحيانًا مع أطفالك وقول شيء مؤذٍ في لحظة غضب.

أعتقد أنا وزملائي أن هذا يشكل رؤية الطفل للعالم، والآخرين، ونفسه. فالتعرض للإساءة، بما في ذلك الإساءة اللفظية، يؤدي إلى زيادة خطر القلق والاكتئاب ومحاولات الانتحار وتعاطي المخدرات في وقت لاحق من الحياة. ويؤثر ذلك على تكوين علاقات مبنية على الثقة في مرحلة البلوغ. ومع ذلك، وعلى الرغم من عواقبها المدمرة، لا تزال الإساءة اللفظية مهملة إلى حد كبير في النقاش المجتمعي والسياسات العامة.

إن منع الإساءة اللفظية - إلى جانب جميع أشكال إساءة معاملة الأطفال وإهمالهم - هو أكثر من مجرد ضرورة أخلاقية. إنه أمر أساسي لنمو الدماغ الصحي والرفاهية مدى الحياة.

تغيرات في الدماغ

كنت من بين الخبراء الذين جمعتهم جيسيكا بوندي، من جمعية ""الكلمات ذات أهمية"" الخيرية، في مجلس العموم ""البريطاني"" في أبريل 2025 لمناقشة منع الإساءة اللفظية في مرحلة الطفولة. فبصفتي عالم أعصاب، أمضيت عقوداً في استخدام تصوير الدماغ لفهم كيف يمكن للشدائد والصدمات المبكرة، بما في ذلك الإساءة اللفظية، أن تشكل نمو النشء. ونعلم الآن أن الإساءة العاطفية، بما في ذلك اللغة العدائية أو المهينة باستمرار من البالغين، يمكن أن تغير بشكل كبير طريقة إدراك دماغ الطفل للعالم وتفاعله معه.

وتتأثر عدة أنظمة دماغية رئيسية بسبب الإساءة اللفظية. فعلى سبيل المثال، يساعدنا نظام التهديد عادةً على البقاء آمنين عن طريق اكتشاف الخطر وتفعيل استجابة سريعة - رد فعل ""القتال أو الهروب"" المعروف جيدًا. ولكن عند الأطفال الذين يتعرضون لإساءة متكررة، بما في ذلك الإساءة اللفظية، يصبح هذا النظام مفرط النشاط. حتى الإشارات الاجتماعية المحايدة - تعبير الوجه، أو نكتة، أو تعليق حسن النية - يمكن أن يفسرها هؤلاء الأطفال على أنها تهديد.

وتؤثر الإساءة اللفظية أيضًا على كيفية تكوين الأطفال للعلاقات. ففي حالة النمو الصحي، تساعد التبادلات اللفظية وغير اللفظية الدافئة مع مقدمي الرعاية (مثل الثناء والإطراء والفهم العميق) الأطفال على تعلم كيفية إقامة علاقات آمنة وصحية. كما أنها تساعدهم على بناء تقدير الذات والثقة الاجتماعية. لكن الإساءة اللفظية، إلى جانب أشكال أخرى من سوء معاملة الأطفال، يمكن أن تضعف نظام المكافأة في الدماغ. حيث يصبح الدماغ أقل استجابة للتجارب الإيجابية.

ولذلك نعتقد أن هذه التكيفات الدماغية يمكن أن تغير كيفية بناء الطفل الذي تعرض لسوء المعاملة لعالمه الاجتماعي. وقد تساعد الطفل على البقاء في بيئة اجتماعية سلبية، ولكن بمرور الوقت قد تترتب عليها آثاراً سلبية طويلة الأجل، حيث يصبح من الصعب الوثوق بالآخرين؛ ومواجهة صعوبة في التعامل مع العلاقات؛ وتصديق أنك ذو قيمة حقيقية ومحبوب حقًا.

عواقب مدى الحياة

بحلول مرحلة البلوغ، يكمن الخطر في تأسيس دورة متكررة من التوتر والانهيار في العلاقات الشخصية. ويمكن أن تتزعزع العلاقات مع الآخرين (كالزوجة أو الزوج مثلاً) بسبب مخاوف عميقة من الهجر أو الرفض. وتتداخل هذه الجروح المبكرة مع إحساسنا بالذات، مما يكوِّن عدسة دائمة يُنظر الشخص من خلالها إلى العالم. وقد يكون من الصعب على الشخص الشعور بالراحة النفسية أو الأمان.

وبالإضافة إلى عملي البحثي في كلية لندن الجامعية (UCL)، حيث أعمل رئيساً تنفيذياً لمؤسسة ""آنا فرويد""، وهي مؤسسة خيرية مكرسة إلى إحداث تحول استراتيجي في جهود دعم الصحة العقلية من خلال الرعاية القائمة على الأدلة، والبحوث المتقدمة، والتطوير المهني، وتوفير الموارد. حيث رأينا في عملنا السريري في مؤسسة ""آنا فرويد""، عددًا لا يحصى من الشباب والبالغين الذين يعانون نتيجة للرسائل اللفظية المؤذية التي تلقوها أثناء نشأتهم.

فاللغة القاسية تلتصق بنا، ويبقى أثرها، لأننا مبرمجون بيولوجيًا لإعطاء أهمية للمعلومات السلبية والتهديدية لكي نحافظ على سلامتنا من الأخطار. ولكن هذه الجروح اللفظية تصبح هي أساس الكثير من القلق والألم والضيق اللاحق. ويمكن للبالغين قضاء عقود في محاولة التعويض لإثبات أن تلك الكلمات خاطئة.

إننا بحاجة إلى تسليط الضوء على تأثير الإساءة اللفظية، ومساعدة الآباء ومقدمي الرعاية والمعلمين وجميع البالغين في حياة الطفل على فهم قوة كلماتهم. وهذا لا يعني أن السلوك السيئ يجب أن يمر دون رقابة؛ فما زال الأطفال بحاجة إلى حدود واضحة وملاحظات تصحيحية صادقة. ومع ذلك، فهذا يعني أهمية خلق بيئات - في المنزل، في المدرسة، في المجتمعات - يتم فيها التحدث إلى الأطفال باحترام وتشجيع ورعاية.

 

إن الإساءة اللفظية ليست جزءًا حتميًا من نمو الإنسان. حيث يمكن الوقاية منها. ونتائج الأبحاث العلمية واضحة: فإنهاؤها ضروري لحماية نمو الدماغ الصحي وتحسين نتائج الصحة النفسية مدى الحياة. سيستفيد المجتمع ككل، مع جيل جديد أكثر قدرة على النجاح في التعليم والتوظيف.

نحن بحاجة إلى التأكد من أن كل طفل يتغذى بكلمات تبنيه، ولا تهدمه.

المصدر

مقالات ذات صلة