القائمة الرئيسية

كيف تُحسّن من نقاشاتك مع الآخرين؟ 

كيف تُحسّن من نقاشاتك مع الآخرين؟ 
ملخص المقال

يقدّم سكوت أيكين في هذا المقال دليلًا لفهم فن الحِجاج وكيفية ممارسته بفعالية، مركزًا على أن النقاشات لا ينبغي أن تكون ساحات صراع أو فرصًا للغلبة، بل وسائل للوصول إلى الحقيقة وتحسين الفهم. يوضح أن الحِجاج الجيد يقوم على تقديم المسوغات لتغيير المعتقدات، ولكن هذه المعتقدات بطبيعتها مقاومة للتغيير، لأننا نراها صحيحة وننتقي الأدلة التي تدعمها. لذا، يدعو أيكين إلى خوض النقاشات فقط حين تكون مجدية، وتبنّي مقاربة متواضعة وواعية، تفهم فيها رأيك ورأي الطرف الآخر بصدق. لا يكفي أن تتقن الردود أو تكتشف مغالطات، بل الأهم أن تنظر إلى الحِجاج كفرصة تعليمية وتشاركية تهدف إلى الفهم لا الانتصار، مع الاعتراف بأن تغيير المعتقدات قد يكون مؤلمًا لكنه ضروري للنمو الفكري.

سكوت أيكين

ما ينبغي معرفته 

الحِجاج صعب، ولعلك تقرأ هذه المقالة لأنك خضتَ نقاشًا خرج عن السيطرة؛ فربما أن الطرف الآخر قد ذكر قصة وعدّها دليلًا حاسمًا لادعاء عام، وأنه أساء فهم مسوغات بغرض أن يجعلك تبدو غبيًا، أو ربما نعتك بأقذع الأوصاف، أو ربما فعل كثيرًا من الأمور السيئة التي ينزع إلى فعلها من يخوضون الجدالات. إنّ هذه التجارب هي السبب في أن الناس يرون الحِجاج عدائيًا ولا طائل تحته، وينبغي تجنبه. 

أو لعلك تبحث عن تعلم مصطلحات جديدة تصف بها الحركات المزعجة التي يقوم بها الناس، أو ربما تبحث عن «خدعة غريبة» «تدمغ» بها الآخرين بالحقائق والمنطق. يوجد خبر جيد وآخر سيئ: لدينا بعض المصطلحات المتحذلقة، ولكن تركيزنا في هذا الدليل سينصب بشكل أساس على كيفية التفكير فيما هو على المحك في أثناء الحِجاج، وسبب خروجه عن السيطرة، وكيفية وضعه مرة أخرى على المسار الصحيح. إنّ مفتاح تحسين الحِجاج -في نظرنا- لا علاقة له بتعلم حيل جديدة؛ بل بإدراك كيفية عمل الحجج، وسبب أهميتها. 

الحجج والمشكلات التي تطرحها

لنفحص الحجج أولًا، بدايةً، لا بد من التفريق بين الحجة كنتيجة، والحجة كعملية، إنّ الحجة كنتيجة هي مجموعة من الأسباب أو المسوغات (تسمى في المنطق: مقدمات) والخلاصة التي تصل إليها الأسباب تسمى النتيجة، فمثلًا، العبارة «أحضِر جاكيتك لأنها ستمطر»، هي حجة بهذا المعنى، وكذلك عبارة «الله موجود لأن العالم يتطلب مسببًا أول، والله هو المسبب الأول»، أما كعملية، فإنّ الحجة تكون نقاشًا للأسباب بين متحدثين، مثلًا: شخصان يتناقشان حول الجاكيتات أو وجود الله. إنّ قواعد تحسين عملية الحجاج -من منظورنا- تشتق من قواعد نتاج الحِجاج الجيد؛ وذلك لأن المتناقشين في نهاية المطاف يبحثان حول الخلاصة التي تنتهي إليها مجموع أفضل الأسباب. 

ما سبب وجود الحجج؟ الإجابة سهلة سهولةً خادعة: نتناقش حول الأسباب من أجل التأثير على معتقدات الآخر والتزاماته، أقدم لك الأسباب لتعتقد بصحة شيء لأنني أريدك أن تعتقد بأنه صحيح، أو يزداد اعتقاداتك بصحته، ربما نختلف حوله، وربما لا نختلف. أيًا كانت الإجابة، فسأقدِّم لك أسبابًا، وستزنها أنت. يفعل الناس ذلك عادةً في تناولهم لكثير من الأشياء، حدَّ أنهم نادرًا ما يلاحظون ذلك، قد يقول شخص، «احضر جاكيتك؛ لأنها ستمطر»، هذه حجة، عادية صحيح، ولكن من الجدير بالملاحظة أنها قيلتْ لتغيّر معتقدًا معيَّنًا، ثم تحديد الفعل بناءً على ذلك الاعتقاد. 

نختلف، وبناءً على ذلك نتناقش حول كبير الأمور وصغيرها، تقدم العديد من هذه الاختلافات مشكلة لكيفية المضي قدمًا في ضوء الرؤى المختلفة، لنقل مثلًا إنك وشخصًا في تويتر اختلفتما حول الإجهاض، ففي نظره، ينبغي حظر الإجهاض في الظروف والحالات جميعها، أما أنت، فترى أنه ينبغي أن يسمح به قانونيًا في أغلب الحالات، ولا ريب أن الإجابة عن هذا السؤال مهمة لتحظى الحوامل بالإجهاض من عدمه، فهو ليس مجرد نزاع حول ما إذا كان من المناسب وضع الكاتشب على السجق؛ فلا بد من حسمه. صحيحٌ أننا قادرون على حسم الموضوع بعدة طرق، مثل رمي النرد أو -لا سمح الله- القتال، ولكن النقاش المنطقي بين شخص يقدم أعلى فرص الوصول إلى أفضل إجابة ممكنة، وتحسين الموقف الإدراكي للجميع. في الحالات المثالية، سيقدم هذا الشخص في تويتر أسبابه، وستقدم أنت أسبابك، ثم، معًا، ستريان إلى منتهى هذه الأسباب، ولكن هنا مكمن الإشكال. 

الإشكال الرئيسي متعلق بطبيعة الشيء التي يسعى الحجاج إلى التأثير عليها: الاعتقاد. لا شك أنك تعتقد بأن معتقداتك صحيحة، كما يرى الآخرون أن معتقداتهم صحيحة. وهذا ما يجعلها «معتقدات»، وليس آمالًا، أو رغبات، أو خوفًا. نقطة البداية هذه تُصعّب حتى مجرد تأمل إمكانية أن معتقدات الشخص الآخر صحيحة.

ثمة ملمح آخر أيضًا يخص المعتقدات، وهو أننا عاجزون عن التحكم المباشر فيها. لا يمكنك أن تجبر نفسك على تغيير ما تعتقد، ولا يوجد مبلغ كبر حجمه أو صغر قادر على أن يجعلك تعتقد أن بابا الفاتيكان بوذي، أو أن 2 + 2 = 5. ما يغيّر اعتقاداتك هو التعرض للمعلومات والأسباب، على الرغم من ذلك، ينزع الناس إلى التجمع حول المصادر التي تدعم معتقداتهم التي يتبنونها أصلًا، ويختارون الأدلة التي تدعم هذه الاعتقادات، ونفعل ذلك دون وعي غالبًا، كما أن المحفزات -سواء أكانت مالية أم غيرها- قد تؤدي دورًا في هذا الأمر كذلك، فكما قال أبتون سينكلير، مؤلف رواية «الغابة» (1906): «يصعب أن تقنع شخصًا بأمر يعتقد راتبه على عدم الاقتناع به». إنّ وجود نزاعات المحافظة على الاعتقادات الموجودة تجعلنا نشدد على أهمية الحِجاج: إنّ العمل في الشركة الشريرة في رواية سينكلير يتطلب من المرء أن يتفادى بحذر التعرض للآلة أو الحجج التي قد تدحض اعتقاد الشخص، إنّ الحِجاج يهدد بفقع الفقاعة. 

إذن، إمكانية تغيّر الاعتقاد تعتمد على الحجج التي يواجهها الناس، ولكن يَصعبُ رؤية دليل  لشيء أنت تعدّه خطأ كدليل أصلًا، الاختلاف يولد الحِجاج، ولكنه أيضًا يصعب مِن بدء الحِجاج. 

هدفنا  في هذا الدليل هو مساعدتك في التفكر مليًا بكيفية مقاربة الحجج، بحيث تخوض نقاشات أثمر من العادة، وهي نقاشات تسعى فيها أنت ومَن تحاوره إلى فهم ما الموضوع على المحك، وتسلمون باتباع الأسباب إلى حيث ما تفضي إليه، بدلًا من تقديم المصطلحات الأكاديمية العويصة لنظرية المعرفة، أو تصنيف كل نوع من المغالطات المنطقية (على الرغم من أنها هي الأمور التي نبحث فيها في أبحاثنا وندرّسها في فصولنا الدراسية لنظرية المعرفة، والمنطق، والتفكير النقدي)؛ سنبحث في جوانب عامة وعادة ما يُغفل عنها للحِجاج، مؤملين أن يُلهمكَ ذلك أن ترى الحجج من منظور جديد، وحين يحين الوقت، تعرف كيف تحسّن من حِجاجِك. 

فكّر فيها مليًا

قرر فيما لو كان النقاش يستحق وقتك أم لا، حالةً حالة.

ذكرنا آنفًا أن طبيعة الحِجاج هي أنك وشخصًا آخر تسعيان لتغيير رأي الآخر. لا شك أن إمكانية أن الشخص الآخر في النقاش لا يكترث بتبادل نقاش منطقي معك، وإنما غايته ترهيبك، أو جرك إلى موضع تكون فيه أمانتك سلاحًا ضدك لصالح جمهور منحاز لرأيه، وقد ينقلب الحِجاج على صاحبه عندما ينتهي بعدوانية مضاعفة، أو سوء فهم، أو مضاعفة الاستدلال المنطقي السيء. ليس لدينا أي نصيحة في النقاش مع هؤلاء (الترولز)، أو الأشخاص غير الصادقين في التزاماتهم في النقاش؛ فلن يوجد إلا أمل ضعيف في إحراز أي تقدم معهم؛ فلعل أفضل حل هو تجنبهم، ولكن لدينا نصائح تخص جانب تحديد إنْ كان النقاش يستحق الخوض فيه أم لا. 

القاعدة التقريبية مفادها المقارنة التشبيهية مع الحرب العادلة. خذ في اعتبارك الانخراط في النقاش عندما تنطبق الشروط التالية: (1) أنّك مستعدٌ تمام الاستعداد للمشاركة، و(2) توجد فرصة معقولة لنجاحك من ناحية خوض نقاش مثمر (حتى وإنْ لم يكن بالضرورة نقاشًا «تنتصر» فيه)، و(3) أنّك لن تزيد الوضع سوءًا. يسهل -بناءً على ذلك- تصور حالات لا ينصح بخوض النقاش فيها، فمثلًا لو خضتَ نقاشًا سياسيًا مع عمك السكران في إجازة آخر السنة؛ فلن يقتصر الإشكال على استبعاد سماع صوتك في النقاش؛ بل قد يفسد جو وجبة العشاء، ثم قد لا تدعى مجددًا لقضاء وقت مع أقربائك. ولأسباب مشابهة، لا فائدة من مناقشة (الترولز) في الإنترنت؛ لأن فرص النجاح في هذه النقاشات متدنية، وتوجد إمكانية عالية لزيادة الوضع سوءًا، على الرغم من ذلك، خضنا بعض النقاشات العظيمة مع أناس في أثناء العشاء، وعلى طاولة القهوة؛ بل وحتى -صدق أو لا تصدق- في مؤتمرات الفلسفة. وأفضل النقاشات لم تكن تلك التي وصلنا فيها إلى نتائج رائعة، أو حصل فيها موافقة كبيرة أو رفض كبير للموضوع؛ بل كانت تلك الانكشافات التدريجية التي سلطت الضوء على شيء لم نره من قبل. إنّ الانتصار الحقيقي في هذه النقاشات عندما يلاحظ شخص من المتحاورين الدليل على أنه دليل، ثم سيكون في موضِع  يتيح للدليل أن يؤثر به. 

قارِب النقاش مقاربةً متواضعة

من الإشكالات المتجذرة في النقاشات والتفكير المنطقي أن كل شخص يعتقد بأنه بارع فيها (بمن فيهم غير البارعين فيها)، وقد لاحظ ذلك الفيلسوف والمنطقي الأمريكي العظيم تشارلز ساندرس بيرس، وقال في عام 1877: «قليل من يتكبد عناء دراسة المنطق؛ لأن كل شخص قد أقنع نفسه أنه كفء في فن التفكير المنطقي». 

ولعلك تتساءل: ألا يهتم كثير من الناس بالمنطق؟ هذا صحيح، ولكنهم ينزعون إلى الاهتمام بالمنطق عندما يتعلق الأمر بحجج الآخرين! ولنكرر ما قلناه آنفًا: تبدو اعتقاداتنا صحيحة بالنسبة لنا؛ لأن  طبيعة الاعتقاد بمعتقد مفادها أنك ترى صحته، والأمر نفسه ينطبق على التفكير المنطقي، أن ترى أن معتقدًا صحيحٌ، مفادها أنك ترى أن لك مسوغات معقولة للاعتقاد به، فلا بد أن تعتقد أنك بارع في المنطق، وهذا ما أطلقنا عليه في كتابنا «حجج رجل القش» (2022) «معضلة بيرس»: كيف تضع يدك على عيوب تفكيرك المنطقي إذا كنتَ أصلًا تنزع إلى رؤية مسوغاتك على أنها مسوغات معقولة؟ 

تقدّم معضلة بيرس درسًا مهمًا: لا يقتصر الإشكال على أن الناس فيهم نزعة فطرية نحو الأشياء التي يعتقدون بها؛ بل إنهم ينزعون كذلك إلى تهنئة أنفسهم على إدارتهم الناجحة للأدلة التي أفضتْ بهم إلى الاعتقاد بما اعتقدوا به (والحط من قيمة الآخرين على فشلهم في هذا الجانب)، ولكن النقاش المفتوح مع الآخرين، فردًا لفرد، مما يعرضك لمسوغات اعتقادهم، قد يساعدك على تجاوز نقاطك المنطقية العمياء. 

خذ في حسبانك أن الحجج سيشعر بها الخصم وكأنها هجمات

إنّ محاولة شخص لتغيير اعتقاداتك غالبًا ما ستبدو وكأنها هجوم أو فرض؛ خصوصًا إذا كان الاعتقاد مهمًا لك. أحد أسباب ذلك أن الشخص الآخر هذا يشير -ولا بد من ذلك- إلى أنك لم تفِ بمهامك كمفكر منطقي في الخلوص إلى ما خلصت إليه، إنّ الاعتقادات التي تعتقد بها لها مضامين حولك وحول قدراتك على إدارة الأدلة. فالاعتقاد «الخاطئ» قد يظهر على أنه فشلٌ معين، وسماع المسوغات في النقاش ضربٌ من الفرض من ناحية أنك لم تضبط ضبطًا محكمًا الأدلة التي تلقيتها (وهو ما يعدُّ مقلقًا عندما تعارض الأدلة اعتقاداتك).

قد يكون قول الطبيب قبل أن يحقنك بإبرة «ستشعر ببعض الألم» مشابهًا للتغييرات التي تخوضها اعتقاداتك في النقاش، ولكن في وسعك أن تتوقع ذلك، وتسعى إلى تقبل هذا الضيق، وأنت تعرف أن التجربة -في نهاية المطاف- في صالحك، وأن الشخص الذي تجادله، الذي تسعى إلى تغيير اعتقاداته، قد يشعر بقلق كذلك. 

إنّ المقارنات المعتادة بين النقاشات والرياضات أو القتال صحيحة من جوانب مهمة، فالنقاش -مثل الحرب- قد يتعلق بحسم أمور مهمة، ويتضرر الناس كُرهًا؛ إلا أن المغزى من النقاش هو أن تغيّر اعتقاد شخص في شيء معين، وفعل ذلك يتطلب تقديم المسوغات، إذا أردت أن تتجاوز خصمك في رياضة معينة؛ فإنك تدفعه، ولكنك لا تستطيع فعل ذلك إذا أردت أن تشق طريقك في النقاش (أن تأمر شخصًا لا يعد مسوغًا)؛ فلا بد من تقديم المسوغات بحيث يتحركون في اتجاهك طوعًا، وهذا ما يعنيه أن تغيّر رأي شخص ما. 

إذا أردت أن أقنعك بأن السماء ستمطر لاحقًا؛ فلا بد أن ألفت نظرك إلى الأمور التي تحفز هذه الفكرة؛ مثل الغيوم المظلمة المتجمعة في السماء، أو تطبيق الطقس في هاتفي النقال، والأمر نفسه ينطبق على ذلك الشخص من تويتر: إنْ أردتَ أن تغيِّر رأيه بخصوص حقوق الإجهاض؛ فلا بد أن توجهه إلى الأدلة التي تعارض رأيه، وإنْ أردتَ أن تنجح في ذلك؛ فلا بد أن توجهه إلى نوعية الأدلة التي يقبلها، أو سيقبلها، ومن يختلف معك فسيحاول فعل الشيء نفسه. 

اسعَ إلى فهم رأيك ورأي الخصم

 تقديم حجة مقنعة تصل إلى الحقيقة يتطلب أن تبذل قصارى جهدك في فهم موضوع حجتك، جميعنا يعرف ذلك الشخص المدعي الذي لا يمنعه جهله من أن يكون له رأي في كل شيء، فلا تكن ذلك الشخص، وهذا يتطلب أن تعرف رأيك ومسوغاته، وأن تفهم كذلك الآراء المعارضة ومسوغاتها، والنقاط المحتملة في الاختلاف مع رأيك. 

أحد السبل التي تفهم بها رأيك ومسوغاته فهمًا تامًا هو أن تتخذ منظور المعلم: ما الفكرة الجوهرية؟ وما الذي يجعلها فكرة جديرة بأن يُعتقد بها؟ إنّ المُحاوِر الجيد معلمٌ جيد، والمعلم الجيد يشرح بوضوح، ويحفز الاهتمام، ويجعل الجمهور صعب المراس أن يرى مغزى ما يشرحه، يتطلب ذلك صبرًا ورغبةً في الحديث مع الناس حيث هم، ومفتاح تعليم فكرة كبيرة هو أن تُبين من أي وجه تتوافق مع الأشياء الأخرى، وتساعد في شرح لمَ الأشياء على ما هي عليه؟ وتفك جزءًا من لغز الحياة. 

وعندما تتمكن من فهم  رأيك تمام الفهم؛ فمن المهم أن تسعى إلى فهم آراء  الذين رفضوا رأيك. المحاور الجيد يتحدث مع أولئك الذين يختلفون معه، ويسمعونه، وهذا يتطلب أنهم يعرفون الآراء البديلة كما يعرفها من يتبنى هذه الآراء.

عندما يكون الموضوع يتحزب فيه الناس ضد بعضهم؛ فتفادَى الاعتماد فقط على تفسيرات من يتبنون رأيك لفهم خصومك الفكريين؛ فرواياتهم مبسطة؛ لأنها تركز تركيزًا أساسيًا على ما يظهر خطأ في رأي خصمك أو محاولات لعقلنة هذه الروايات المبسطة، كما أن الأبحاث الأخيرة تشير إلى أن الناس سيئون في توقع ذيوع آراء محددة في الانقسامات السياسية؛ إذْ ننزع إلى تضخيم تطرف آراء أولئك الذين نختلف معهم وعدم عقلانيتها، وهذا يقلل من احتمالية أن نتناقش مع المخالفين أصلًا. 

إذا كنتَ ستناقش أشخاصًا؛ فلا بد أن تراهم عقلانيين إلى حدٍّ معتبر؛ وإلا فلن تبلغهم حججك، وإنْ كانوا عقلانيين؛ فلن يعدّوا أنفسهم أشخاصًا يحبون الخطأ وتسويغه. لا بد أن تسعى إلى فهمهم من منظورهم إذا أردتَ أن تقدم مسوغات سيعدونها هم كمسوغات، فمن منظور ذلك الشخص من تويتر، فإنه قد يرى تقييد الإجهاض من نواحي قانونية خلاصة منطقية لفهمه المبني على نظرية الفهم المحافظ للدستور، إذا استطعتَ أن تقدّم مسوغات تُبيّن أن هذه النظرية لا تسوغ تقييد الإجهاض؛ فإنّ تلك المسوغات قد تلامس شيئًا فيه، كما أن الإشارة إلى أن رأيه خاطئ لأنه نابع من تربية محافظة لم تكن عرضة للمساءلة ليس مسوغًا سيقبله. 

ومما يعضدك في فهمك لخصمك الفكري أن تعرّض نفسك لكيفية رؤية هذا الشخص لمسوغاته، وهذا قد يعني أن تقرأ المواقع التي يتابعها، وأن تشاهد برامج الأخبار أو قنوات التيكتوك التي يشاهدها، وأن تسمع للبودكاستات التي يسمعها، كما أنه يعني بلا شك أن تستمع بصبر إلى شخص وهو يصف رؤيته قبل أن تناقشه حولها، لا يعني ذلك أن تعجب بهذا الرأي، ولكن التعرض للمنظورات المختلفة عن منظورك تثقفك حول كيف أن الناس الذي يختلفون معك يفكرون منطقيًا مع بعضهم بعضًا. بعدما تبدأ «تعلم لغتهم» ستوجد لحظات غريبة ستحسن من فهمك لطريقة  فهمهم لأنفسهم. قد ترى بعض مسوغات رأيهم على أنها مسوغات جيدة؛ أي، تستطيع كيف خلص مفكر دقيق إلى هذه الخلاصة؛ حتى وإنْ لم تغيّر رأيك، لاحظ هذه اللحظات، قدرتك على أن تقول هذا المسوغ الجيد لشخص تتحاور معه كشيء سمعته وفكرت به مطولًا تفكيرًا نقديًا، أمرٌ مُقدَّر عندما تحاول أن تقدم لهم مسوغات رأيك. 

الدفاع عن رأيك دفاعًا فعالًا يتطلب منك أن تمنح مسوغات تراها أنت وخصمك على أنها مسوغات؛ وإلا فلن تخاطب مسوغات محاورك؛ بل مسوغاتك أنت فقط، ولن تحظى بأي فرصة لحل الخلاف. 

استعدَّ للنقاش حول النقاش السليم

عادةً ما يكون النقاش غير مباشر على نحو يثير الجنون، فمثلًا لو أنّك تحاول أن تذكر وجهة نظرك بخصوص القتل الجماعي بالأسلحة النارية في الولايات المتحدة الأمريكية، وأشرتَ إلى أبحاث تفيد أن أغلب حوادث القتل الجماعي بالأسلحة النارية لا تنتهي عندما يتقدم «بطل» ومعه مسدس ويتولى الأمر بيديه، فقد يرفض الشخص الذي تحاوره نتيجة الدراسة بذكره لقصة سمعها حول قتل جماعي بالأسلحة النارية قتل فيها مواطن معه مسدس القاتل، بصرف النظر عن صحة القصة من عدمها، لا بد أن تبين أن القصص التي تروى بشكل فردي ليست دليلًا قويًا، إنها حالات لافتة للنظر، ولكنها لا تعكس بالضرورة التوجهات العامة، لاحظ الآن أن المحادثة تحولت إلى محادثة حول النقاش السليم، بدلًا من القتل الجماعي بالأسلحة النارية.

بعض قواعد المناقشة قد تمد لنا يد العون في خوض هذه النقاشات، وتجنب طرح الحجج الضعيفة، فمثلًا عندما يقدم شخص مسوغات كجزء من حجته؛ فلا بد لهذه المسوغات أن تكون ذات صلة مع نتيجته، إنْ لم تكن كذلك؛ فإنّ الحجة غير متناسقة؛ أي إن النتيجة لا تلزم من المقدمات، لا بد أن تعكس الحجة المسوغات المتاحة جميعها؛ أي، لا ينبغي على المرء أن يتجاهل مسوغًا معروفًا لوجهة نظر خصمه الفكري؛ بل عليه أن يقر به. 

كما توجد مغالطات ينبغي تفاديها؛ وهي أنواع رديئة من الحجج قد تبدو في خِضم النقاش حججًا معقولة، منها على سبيل المثال قول: الشخص على خطأ في المسألة بسبب العيوب الشخصية (وهذه مغالطة الشخصنة المسيئة)، وتقديم مسوغات لن تبدو معقولة إلا لشخص سبق وأن قبل نتيجتك (مغالطة المصادرة على المطلوب)، أو وصف نسخة مبالغ فيها من وجهة نظر خصمك الفكري (مغالطة رجل القش)، ثم نقد وجهة النظر المبالغة فيها هذه بدلًا من وجهة نظر الشخص الحقيقية، قد تفيدك هذه المفاهيم في فهم أدوات نقد الحجج المعيوبة، وقد تبعدك عن فخ الوقوع فيها كذلك. 

الفكرة المحورية فيما يخص المغالطات المنطقية هي أنها من أجل أن تؤدي دورها في إعادة النقاش إلى مساره الصحيح؛ فلا تعتقد أنك بمجرد استعمال المصطلح أن تؤدي مفعولها على خصمك الفكري كالتعويذة السحرية، فذكر نقدك على رأي خصمك الفكري على أنه مغالطة شخصنة أو مغالطة رجل القش ليس كافيًا؛ فلا بد من توضيح مكامن الخلل، وسبب توافق هذه المصطلحات مع الحالة. إذن، مع وجود مغالطة الشخصنة، لا بد أن تبين كيف أن تعليقات خصمك حول شكل الشخص لا تحرم ذلك الشخص مصداقية أن يقول رأيًا حول السياسة العامة، ومع وجود مغالطة رجل القش، لا بد أن توضح ما قلته بدقة، وليس ما ذكره خصمك الفكري. 

إنّ عدم مباشرية النقاش هو مصدر دائم لغضب المحاورين، ولكن هذا مما لا بد منه في النقاشات؛ فنحن لا نتحدث عن المسألة رأسًا، وإنما لا بد أن نتحدث عن كيفية التحدث عنها، إنّ تعقد الأمور مرده أننا في إدارتنا للخلاف لا بد من معالجة كثير من الأمور المصاحبة لهذا الخلاف، إنّ هذه النقاشات الفوقية -كما يطلق عليها أصحاب تخصص المنطق- تجعلنا نعي قواعد النقاش. 

اسعَ للنقاش نقاشًا عادلًا 

نقدم لكم  هذه المقارنة التشبيهية: بعض الأفعال محرمة في الحرب (مثل استهداف المدنيين)، وينبغي أن يكون الأمر كذلك في النقاش، النصر الظالم في النقاش -حيث «يفوز» الشخص بالنقاش بالتزييف والخداع، أو بالنقاش الظالم- ليس نصرًا أبدًا، ولا يقتصر الإشكال على أنّك «ستنتصر» بمسوغات رديئة؛ بل ستؤذي محاورك بواسطة الحط من قدرته على الحوار الفكري المنطقي، كما أنّك ستؤذي نفسك؛ فمن مصلحتك أن تخسر النقاش إنْ كنتَ تستحق ذلك؛ فالخسارة تكفيك الأخطاء؛ سواء أكان ذلك اعتقادًا خاطئًا أم مفهومك الخاطئ الذي مفاده أن حجتك ستقنع الآخرين، ففي الحالتين تعلمتَ درسًا، ولهذا قال إبيقور: «الخاسر في الخلافات الفلسفية يكسب أكثر كلما تعلّم». 

والنقاشات كالحروب لا تدوم، وقد يتقاطع طريقك مع طريق خصمك الفكري، فقد تود أن تُبقي علاقة من الثقة والاحترام المتبادل بينكما. إنّ البحث عن «التغلب» على شخص في النقاش يتوجه توجهًا خاطئًا يتعلق بالسيطرة، ولا يكون ذلك في أثناء الحوار فحسب، بل فيما بعده، لذلك علينا أن نقارب حوارتنا الخاصة والفردية على أمل أننا قادرون على تهيئة المسرح لثقافة نقاش منطقي أكثر احترامًا وأمانة. صحيحٌ أن هذا مجرد أمل، ولكن من الأفضل أن يكون مثالًا نتعلم منه. 

الأفكار المحورية في الدليل – كيف تُحسّن من نقاشاتك مع الآخرين؟

1. لا مناص من الحاجة إلى النقاش: الحوارات العدوانية أو غير المثمرة قد تُفقدنا الأمل في النقاشات، ولكنها ضرورية لأنها قد تجيب عن أسئلة مهمة وتغيّر اعتقادات. 

2. النقاش معقد بطبيعته: إنّ طبيعة الاعتقاد والسبل الانتقائية التي نتناول فيها الأدلة قد تُصعِّب علينا مقاربة النقاش بعقلية مفتوحة. 

3. خذ في حسبانك أن الحجج سيشعر بها الخصم وكأنها هجمات: النقاش مع شخص آخر قد يبث في شعور المرء أنه لم يفِ بمتطلبات التفكير المنطقي، حاول قبول هذا القلق، وأنت تعرف أن خوض النقاش تجربة مثرية وجديرة بعيشها. 

4. اسعَ إلى فهم رأيك ورأي الخصم: النقاش الحسن يتطلب أن تقدم مسوغات حسنة يعدّها المتحاوران على أنها كذلك؛ لذا ابحث في كيفية تفكير خصمك الفكري في المسائل التي تناقشها.

5. استعدَّ للنقاش حول النقاش السليم: نبّه إلى وجود مغالطات فكرية في حجة خصمك الفكري، وتوضح سبب كونها مغالطة فكرية.

6. اسعَ للنقاش نقاشًا عادلًا: «التغلب» على المحاور بتكتيكات ظالمة أو أسلوب حوار منطقي رديء ليس انتصارًا، و«الخسارة» العادلة في النقاش لها منافعها.

ما أهمية النقاش؟ 

الوزن الأخلاقي للنقاش

       في نظر الفلاسفة أمثالنا، النقاش والحِجاج موضوع في نظرية المعرفة؛ حيث الحجج المقبولة هي التي تكوّن المعرفة، أما الحجج الرديئة فتكوّن الجهل. ولكن نظرًا لجسامة الحِجاج وأهميته، ثمة حاجة لتناول الحِجاج من جانب أخلاقي كذلك. 

 الفيلسوف الإسلامي ابن رشد (من القرن الثاني عشر الميلادي) قال إنّ المتجادلين مسؤولون عن أثر نقاشاتهم على اعتقادات الجمهور. على الرغم من أن هدفه كان لاهوتيًا متعلقًا بخروج المسلمين عن الإسلام؛ فإنه ذكر حكاية مناسبة عن شخص زرع شكوكًا لا أساس لها من الصحة عن المختصين في الرعاية الصحية في عصره في أوساط أناس لا علاقة لهم بمجالات الطب، والذين ماتوا جمعيهم نتيجة لذلك. دعونا نحدّث هذه القصة: سينطبق قانون ابن رشد كذلك على الشخص الذي ينشر الميمات في مواقع التواصل الاجتماع مشيرًا إلى أن فايروس كورونا كان أكذوبة، أو أنك قد تتشافى منه أن تغرغرت بعصير ليمون، من هذا المنظور، هذا الشخص مدان أخلاقيًا كالشخص الذي يكذب في العلن، إنّ الحِجاج لصالح الكذب قد يعدُّ لا أخلاقيًا في حالات حيث يوجد اتفاق جماعي عام؛ إذْ إنّ إطالة مدة الاعتقاد الخاطئ للشخص مماثل لجعلهم يعتقدون باعتقاد خاطئ. 

المتحدثون في النقاش يخاطرون بإضرار الآخرين، والجمهور قد يتأذى، إنّ الحاجة لتحسين الحِجاج لا مناص منها، وجانب من هذا يشمل إدراك كيفية تبنينا للاعتقادات. يذكرنا ابن رشد أن الناس يكتسبون الاعتقادات طوعًا، وهم معرضون لخطر السقوط في الخطأ دون وعي منهم، إذن، لا بد من المتحاورين أن يقروا بمسؤوليتهم في تأثيرهم على الآخرين. 

لاحظ الفيلسوف ويليام كليفورد -وهو فيلسوف عُرف عنه حرصه على أخلاقيات الاعتقاد- في عام 1877 أن اعتقاداتنا ليست معزولة عن بعضها؛ فكونك كسولًا فيما يخص أحدها (أي إنك لم تبذل جهدك في تقصي الأدلة حول اعتقاد تساورك الشكوك حوله) سيفسد على نظام الاعتقاد برمته، وعلاج ذلك أن تسعى إلى انتقادات الآخرين. أعيد ما قلته آنفًا: لا يسعنا تغيير اعتقاداتنا طوعًا، وإنما لا بد من الأدلة، وأحد أعظم مصادرها: النقاش والحِجاج. 

إننا نعتمد إدراكيًا على عمل الآخرين في محاولتنا أن نعرف حقيقة هذا العالم، والنقاش يتعلق بكيفية تقسيم هذا العبء علينا وتوزيعه. إنّ الحِجاج والنقاش حوار عِدائي، ولكن إنْ فُعل على وجهه؛ فهو أيضًا شكلٌ من أشكال التعاون. 

المصدر

مقالات ذات صلة