إن قوة التشخيص آخذة في الازدياد. ظهر الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM) في عام 2022م، وهو بمثابة الكتاب المقدس لمتخصصي الصحة النفسية، في قائمة الأكثر مبيعًا في صحيفة وول ستريت جورنال. كما كان الكتاب الأعلى مبيعًا في مجال علم النفس على موقع أمازون. نُشرت خمس طبعات منذ عام 1952م، والأحدث، DSM -5- TR (2022م)، لعلها النسخة الأكثر شعبية بينهم. لماذا؟ هل بمقدور العلم أن يقيّم ويفهم المعاناة البشرية؟ أهو الاعتقاد بأن هذا الفهم سوف يقودنا إلى علاجات مخصصة وفعّالة ومناسبة لمشاكلنا؟
قد يكون مغريًا أن نرى أنفسنا متمثلين بشكل موضوعي في معايير التشخيص وقوائم “الكتب المقدسة” مثل دليل (DSM)، ولكن حكاياتنا الفردية وقلقنا يتنافى مع التشخيصات السهلة لأنه لا وجود لها بمعزل عن تاريخنا أو محاولاتنا لتكوينها، أو فهمها، وضمها إلى الهويات التي نحاول أن نصنعها من أنفسنا باستمرار. كل هذه الوعود مغرية، ولكنها مضللة. لا يمكن أن نعرّف المعاناة البشرية من خلال تصنيفات مجرّدة. فإن وجودها ليس مستقلًا عن أولئك الذين يعانون. بالرغم من قيمة دليل (DSM) فإن أي مشروع يسعى إلى تصنيف المشاكل النفسية من حيث اختلافها عن مفهوم ما هو “طبيعي” يخاطر بتجاوزه لحقيقة أن الاضطرابات لا تنشأ من العدم، إن لها تاريخها. وهي أيضًا جزء من تاريخنا. وهي أيضًا لا تبقى على حال واحدة، وإنما تتغير بتغيرنا.
منذ لحظة ظهوره في منتصف القرن العشرين، تلقى الدليل (DSM) اهتمامًا كبيرًا كونه مشروعًا علميًا تطوريًا. لم يكن الجميع متفقين على هذا. انتقد الدليل علاوة على أدوات تشخيص أخرى لكونها أداة للأدوية المستحوذة من قبل القطاع الخاص ومنتجات للأنظمة الصحية البيروقراطية، تعج بالتصنيفات الخاطئة، ولتجاوزها حقيقة أن المعاناة النفسية مقترنة بالمجتمع الذي يولّدها. على كُلٍ، في هذه الجدالات، يجري تجاهل التاريخ الشخصي للذين يعانون.
التجربة الإنسانية مجزّأة، وغير محددة، وتتدفق في الزمن. تميل المؤسسة التي تتبع أسلوب القائمة فيما يخص بالاضطرابات الموجودة في اختبارات التشخيص والأدلة – يشمل ذلك الاستطلاعات عبر الإنترنت، و”اختبارات” الشخصية- إلى إهمال حقيقة أن الناس ينظرون إلى أنفسهم ذواتًا موجودة في خط زمني يمتد من نقطة ما (الماضي) ويمضي إلى نقطة ما (المستقبل). الميزة التي يتفرد بها الإنسان في تجربتنا، هي التاريخية، وهي موضع اهتمام بعض الفلاسفة مثل مارتن هيدجر وعلماء النفس التحليلي مثل جاك لاكان. بعيدًا عن التساؤل حول الحقائق المتعلقة بالخط الزمني للفرد (ماذا حدث ومتى وأين)، التاريخية في الفلسفة تشير إلى حقيقة أننا نخلق ونعيد خلق السرديات الذاتية. عن طريقها نحاول أن نفهم حياتنا في أثناء تقدمنا في طرقها العديدة التي تربط ماضينا بمستقبلنا. هذه الطرق الملتوية والمحيّرة، التي تعج بالنهايات المسدودة والروابط الخاطئة، في كثير من الأحيان تسهم في تكوين معاناتنا.
تمكن روبرت أخيرًا من أن يعطيني نبذة عن معاناته. في هذه اللحظة، أستطيع أن أحاول تشخيص حالته.
أنا محلل نفسي أعمل في لندن. الناس الذين يأتون لزيارتي، في الغالب تكون إحالات ذاتية، ينشدون المساعدة من خلال هذه المفاهيم، ومحاولة الفهم وتكوين الهوية. أتى روبرت (ليس اسمه الحقيقي) لزيارتي في الثلاثينيات من العمر. سبب زيارته هو قلقه بشأن عمله في معرض فني، حيث كان يشعر بأنه دخيل، ولا يملك ما يربطه بزملائه في العمل. على منوال تجاربه السابقة في سوق العمل، ينتابه خوف عميق ومتعب من أن مديريه وزملاءه يراقبونه باستمرار مترصدين في انتظار أي غلطة يرتكبها. هذا الخوف يجمّد الدم في عروقه، لم يتمكن من التفكير. لقد رغب في الاختفاء.
“أنا أختفي” أخبرني. “انظر في المرآة، فلا أجدني”
ماذا تَعني باختَفيت؟ أسأله.
يبدو غير متيقن. لا أعرف كيف أصف ذلك بطريقة أخرى. عندما ينتابني الخوف والقلق، يتفكك الوجه الذي أراه في المرآة. لا يبدو أنه وجهي، يتحول إلى مجموعة مظاهر. عين هنا، وأخرى، أنف، أذن -لا أستطيع التعرف إلى نفسي. لا أستطيع أن أرى وجهًا. إنه خاوٍ. لم أعد موجودًا، أقف متسمرًا.
“ما معنى هذا الكلام؟ “أسأله مرة أخرى.
أرى مظاهر مفككة. أبقى في هذه الحالة العبثية، يحدق نحوي، “لفترات طويلة”. يتوقف عن الحديث. “لساعات”، يعترف، مطرق الرأس.
وهذا مجمل القول. تمكن روبرت أخيرًا من أن يعطيني نبذة عن معاناته. في هذه اللحظة، أستطيع أن أحاول تشخيص حالته. قلق حاد؟ نعم. أو نقص في المهارات الاجتماعية أو المهنية أو غيرها من مجالات العمل؟ نعم. الاستغراق بالمظهر الخارجي؟ نعم. سلوكات متكررة، مثل تفقّد المرآة؟ نعم. علامات الاضطراب في الأكل؟ لا. التشخيص؟ اضطراب تشوه الجسم، برقم F45.22 في DSM-5- TR. الوصف الإكلينيكي المذكور في دليل (DSM) يبدو كما لو كان مكتوبًا خصيصًا لروبرت.
تنظيم دليل (DSM) منذ البدء كان مبنيًا على نتائج صادرة عن أدوات إحصائية. كمشروع علمي، يقترح أن بوسعنا ويجب أن نتحدث فقط عن الأمور القابلة للملاحظة والتقييم بوضوح. تظهر هذه الفكرة في مجموعة من الأدوات النفسية التي تسعى إلى تقديم تفاسير موضوعية لتجارب الإنسان. ومن ضمنها التصنيف العالمي للأمراض (ICD)، حاليًا في نسخته الحادية عشر، ومعايير مجال البحوث في المعهد الوطني للصحة العقلية (RDoC).
باسم الموضوعية العلمية، نقوم بتحويل المعتقدات المعقدة إلى مجموعات تاريخية من البيانات.
ولكن كيف تصنع هذه التفاسير. كيف بوسعك أن تقيم المرض النفسي، المعاناة البشرية والقلق بطريقة موضوعية. الطريقة تكمن في حساب ما تراه بمساعدة أدوات بسيطة وغير متحيزة مثل المقابلات المصممة أو الاستطلاعات. يمكن لهذه الأدوات أن تكشف جوانب من كيفية تفكير مجموعات كبيرة من الأشخاص وشعورهم تجاه العالم وأنفسهم. من خلال هذه البيانات، تنشأ التصنيفات والأنماط. تقريبًا كل تصنيف ومعيار في دليلنا التشخيصي قد حُدد عن طريق هذه الأدوات، التي تطرح أسئلة مثل:
على مقياس من 0 (سيئ جدًّا) إلى 9 (جيد جدًّا)، كيف تقيم مزاجك العام هذا الأسبوع؟ وماذا عن الأسبوع الماضي؟
باستخدام مقياس من 0 (لا أوافق بشدة) إلى 9 (أوافق بشدة) يشير إلى درجة موافقتك على العبارة الآتية: “لم أعد أجد متعة في أي شيء بعد الآن”.
خلف هذه الأسئلة، والأدوات التي نشأت منها، نوايا ومبادئ نبيلة. ومع ذلك، فالأمور ليست بهذه البساطة. هل نكون غير مخلصين لظاهرة الحزن إن قمنا بتصوير تجربتنا مع الحزن عن طريق بيانات موضوعية؟ لحزننا تاريخ ومعنى في تاريخنا الخاص. ولد في لحظة معينة، تغير، وما زال يتغير. من غير الممكن أن نصور حزننا بإخلاص من خلال “استخدام مقياس من 0 (لا أوافق بشدة) إلى 9 (أوافق بشدة)” أو استخدام أي عدد من القياسات على أي نوع من المقاييس. من خلال التقاط صورة لأحد الاضطرابات- يعني هذا نزعه عن سياقه وتاريخه- نقوم بإخضاعه عنوة لأدوات وأفكار تتنافى مع الغاية. باسم الموضوعية العلمية، نقوم بتحويل المعتقدات متعددة الأوجه والمعقدة إلى مجموعات تاريخية من البيانات.
إنها مسألة متعلقة بالتاريخ.
طلبت من روبرت أن يخبرني بالمزيد. متى بدأ هذا؟
لم يتمكن روبرت من التحديد. يشعر بأنه لطالما كان يعاني صعوبة في رسم الوجوه- ورؤيتها كذلك. يخبرني بأنه عندما يحدق في المرآة يبدو وكأن وجهه يتجرد من المعنى.
“يتجرد أكرر”
ويقول: “نعم.” وليس فقط الوجه. يحصل الأمر ذاته مع الأجساد كذلك. وكأنما تتجرد من المعنى، أيضًا. انتهى بي الأمر محاكيًا أسلوب لوسين فرويد أو فرانسيس بيكون في الرسم.
وهل هذه مشكلة؟ أسأله، محاولًا التخفيف عنه.
لم أقصد أن أوحي بذلك. قال.
أدعوه ليخبرني المزيد عن الجسد البشري. أسبقه، الأجساد العارية مجردة من الملابس
إنها دقيقة، ولكن تاريخ هذا التشخيص لم يوضع في الحسبان.
“بالفعل، يقول، يصمت.”
“استرجعت ذكرى”
“ولكني أشعر بالخجل”. يعترف روبرت.
يذكر حادثة وقعت معه عندما كان يبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا.
في طور البلوغ، مبهورًا ومغلوبًا برجولته، راح روبرت يرسم صورًا جنسية، مقحمًا فيها نفسه وأخته التي كانت تبلغ من العمر خمسة عشر عامًا آنذاك. في أحد الأيام، وجدت والدته هذه الرسومات. جزِعة، ارتأت بأن الطريقة المثلى لمعالجة الموقف هي أن تعقد اجتماعًا عائليًا. شاهدها بذعر وهي تضع رسوماته، وتتحدث عنها بصوت جهوري، وعلى مسمع من الجميع راحت تهينه. أرغمته أن يطلب الصفح من أخته، ومن ثم جعلته يتخلص من رسوماته على مرأى من الجميع، بوجود والده كذلك الذي لم يقل شيئًا وإنما اكتفى بإيماءات. وعندما انتهى كل هذا، طُلب منه أن ينصرف إلى حجرته. ومن ثم انفجر باكيًا لساعات، وعقب ذلك أعاد رسم كل شيء بعناد مستعينًا بذاكرته. قام بدسّها في مكان ما، وأصرّ على ألا ينظر إليها البتة. في نظره، لا وجود لها بعد الآن.
الصعوبات التي يواجهها روبرت مع الوجوه والأجساد كان لها مسبب. سبب عدم قدرته على فهم معنى الوجوه هي حالة صدمة من حدث في الماضي.
وفقًا لمنطق دليل (DSM) تعرّف معاناة روبرت من خلال الشكل الذي تتخذها في وقت التقييم. في هذه اللحظة، قد يصنف على أنه F45.22 أو شيء مشابه. تشخيص دليل (DSM) لحالة كهذه هي لقطة واحدة لشخص يعاني. إنه تشخيص دقيق. ولكن الجزء الذي يتناول التاريخ أُهمل. الإهانة والرفض الذي تعرض له روبرت من قبل عائلته: الألم الذي شعر به: شعوره بالذنب حيال مشاعره الجنسية المستيقظة: الخوف من أن الشيء الذي شغف به -الرسم بالمرسام- سيقوده إلى الضياع والرفض.
لم يتح لروبرت أن يعالج ما وقع بطريقة تعينه على فهم معناه. لمعاناته أصل. وثمة طرق تقود من الأصل لمشكلته الراهنة. اضطراب روبرت، الساعات التي يقضيها أمام المرآة والصعوبة التي يعانيها لفهم وتمييز وجهه، قد يكون معروفًا وموصوفًا بدقة في دليل (DSM) تحت رقم مناسب. ولكن لهذا الاضطراب ماضٍ غير مذكور في دليل التشخيص.
في وقت يصبح فيه دليل (DSM) من الكتب الأكثر مبيعًا، من المهم أن نأخذ بالحسبان بأن عملية التشخيص هي عملية مستقلة عن حياة الفرد، رغم كونها فعّالة في بعض الأحيان. نموذج التشخيصات الجاهزة من خلال الكميات تكشف عن قصور عند اعتبار السمة التاريخية التي تتميز بها تجاربنا واستيعاب بأنها من غير الممكن أن تختزل في مجموعة بيانات.
المعاناة النفسية هي غير قابلة للقياس جوهريًا. وإنما تتطور في الطرق الملتوية العديدة. تتغير وتتحول. يدعونا هذا إلى فهم المعنى الكامن في تاريخنا، حتى وإن كان المعنى مهددًا بالغياب، يقلقنا ويحيرنا-حتى وإن كانت وجوهنا تتلاشى في المرآة
