كوني قد نشأت في أسرة صارمة فقد تعلمت احترام آداب السلوك، وما زلت أدعو من هم أكبر مني بـ “السيد” و”السيدة”، ودائماً ما أقول “شكراً لك”، لكنني نادراً ما أستخدم عبارة Please (رجاءً)، ويسعدني أن أسأل شخصاً ما “Could you shut the window?” (“هل يمكنك إغلاق النافذة؟”)، لكن الطلب “Please shut the window” (“رجاءً أغلق النافذة”) يبدو غير صبور وفظًا بشكٍ كبير.
وعلى الرغم من أن هذه الكلمة لا تزال تظهر في المطبوعات والكلام، إلا أنني لست الوحيد الذي لاحظ أنه يبدو أن استخدامها –وفهمها– يتغير، فما الذي حدث؟
عندما دخلت هذه الكلمة اللغة الإنجليزية لأول مرة في وقتٍ ما في عام ١٣٠٠، كان الفعل Please (رجاءً) يقصد به إظهار الاحترام، حيث كانت العبارة عادةً ما تقال if it please you (إذا كان ذلك يرضيك)، إذ تم ترجمتها من العبارة الفرنسية s’il vous plaît. على سبيل المثال، يسأل الصياد المحترم ترايسترام في ملحمة توماس مالوري الإنجليزية من القرن الخامس عشر المدعوة موت آرثر (Le Morte d’Arthur):
“And if it please you … that I may be made knyghte” (“وإذا كان ذلك يرضيك… سأكون فارساً”).
وباستطاعتك زيارة مدينة باريس اليوم وستجد أن عبارة s’il vous plaît المتواضعة لا تزال على قيد الحياة وبخير، ولكن أخذت هذه العبارة في اللغة الإنجليزية منعطفاً آخرَ.آخراً.
فبحلول القرن السادس عشر، أصبحت الأربع كلمات ثلاثًا،ثلاث، حيث تم تقصير عبارة If it please you (إذا كان ذلك يرضيك) إلى if you please (إذا كان يرضيك)، وثم أصبحت الثلاث كلمات كلمتين – كما كتب جيمس شيرلي عام ١٦٥٩ في مسرحيته هونوريا ومامون (Honoria and Mammon) “Please you to have a little patience” (“من فضلك أن تتحلى ببعض الصبر”)،ومن ثم أصبحت الكلمتان وثم اخيراً، أصبحت الكلمتين كلمة واحدة، حيث كتب تاجر في مدينة لندن في عام ١٧٧١ “Please send the inclosed to the Port office” (“يرجى إرسال المرفق إلى مكتب الميناء”) – ويُعد هذا المثال الأول للظرف (adverb) الذي وجده قاموس أكسفورد الإنجليزي، ويُعد كذلك مثالاً رئيسياً على إلحاحها الغلظ، ومع كل تناقص للعبارة يفقد المتحدث بعض الاحترام لمستمعه ويكتسب بعض الاحترام لنفسه.
ومع ذلك، فقد عاشت كلمة please (رجاءً) المختصرة لعدة قرون. بعد أن أرسلت بريداً إلكترونياً إلى عالم النفس ستيفن بينكر الذي ترأس لجنة استخدام قاموس التراث الأمريكي قبل حلها في عام ٢٠١٨ حول الظرف (please)، قام بتتبع استخدامه على مر الزمن في الروايات – وهو تقدير تقريبي للكلام الخطابي، ووجد أنه تمتع بارتفاع مطرد منذ عام ١٨٦٠ حتى عام ٢٠١٢، بينما انخفضت حالات استخدام عبارة if you please (إذا كان يرضيك) في نفس الفترة، واقترح بينكر أن تزايد استخدام الظرف قد يعكس اتجاهاً نحو “إضفاء الطابع غير الرسمي”، حيث إنه ربما كانت الكفاءة المتمثلة في قصر طول الظرف هي ما أثار شعبيته، ولكن في نهاية المطاف قد يكون الانجراف في اتجاه الطابع غير الرسمي مبالغاً جداً.
ومنذ عام ٢٠١٢، انخفض تواتر ظهور الظرف في الروايات، وأشار بينكر إلى أن “المصطلحات المؤدبة” تميل إلى الانجرار بين دافعين وهما الخوف من الظهور بمظهر وقح والخوف من الظهور بمظهر متملق أو مندفع. وكذلك قال بينكر إنهأنه “قد ترتفع شعبيتها وتنخفض عندما يبدو أنها تنحرف كثيراً في اتجاه أو آخر”. ويرجى وضع الخط الفاصل بين ما يعتبر موجزاً ووقحاً اعتماداً على سياقه، فعندما يسأل طفل “هل يمكنني الحصول على المزيد من الحلوى رجاءً؟” يبدو ذلك غير مؤذٍي مقارنة بقول بعندما يقول رئيسك في العمل “هل يمكن أن يكون هذا التقرير على مكتبي بحلول يوم الاثنين رجاءً؟” حيث تميل الكلمة إلى نقل معنى التوقع بدلاً من معنى سؤال حقيقي، وهذا يمكن أن يمنحها ميزة التسلط. ويمكن أن تبدو كلمة please (رجاءً) روتينية بشكل خاص عندما تكون قادمة من شخص في منصب سلطة، ويمكن أن تُفهم من قبل الناس بطريقة خاطئة في الكثير من الأحيان، فأنا، على سبيل المثال، لا أستطيع أن أتلفظ بها ما لم أكن في موضع قبول شيء معروض بالفعل – كما في “Yes, please.” – “نعم، رجاءً.”
وفي بعض الأحيان، قد يمكن أن تنطوي كلمة please (رجاءً) على وقاحة متعمدة، وأخبرني نعوم تشومسكي والذي يمكن القول عنه إنه والد اللغويات الحديثة: “لا أستطيع أن أتخيل شاباً يقول «هل يمكنك أرجوك…» إلا مع تشديد خاص على كلمة please (رجاءً) يعبر عن الانزعاج، مما يعني «لقد طلبت أكثر من اللازم»”. وهنا تذكرت فيلم الإثارة لفترة التسعينياتالتسعينات بعنوان غريزة أساسية (Basic Instinct)، عندما تطلب شخصية كاترين تراميل من المحققين الزائرين “أخرجوا من هنا بحق الجحيم، رجاءً”، فإنها هنا تلخص الأمر: يمكن للكلمة أن تنقل ببراعة مشاعر الغضب أو السخرية أو العدوان السلبي أو التنازل أو الشكليات أو اليأس – وكل ذلك دون أي ذرة من الأدب الحقيقي.
وبالطبع، هنالك الكثير من الطرق الأخرى لطلب شيء ما – فكر في عبارة “هل تمانع …؟” كما لاحظ الكاتب كوير سيشا في صحيفة نيويورك تايمز، فإن الطلب “مرحباً، هل يمكنك …؟” منتشر بشكل خاص في سياق المكتب، ويجد سيشا هذه العبارة مزعجة بشكل خاص، وعلى نطاق الفظاظة إلى اللطافة، فإنه بالتأكيد أقرب إلى الأخيرة. ومع ذلك، فإن البدائل اللطيفة مثل هذه قد تنجرف بالمستقبل القريب في اتجاه الطلب المهذب، وعلى عكس كلمة please (رجاءً)، فإن طولهم يزداد عن مقطع لفظي واحد، ومثل سلفهم s’il vous plaît، لا يفترضون أي نتيجة.
وتشومسكي مثل كثيرين غيره لا يزال يستخدم من كلمة please (رجاءً). (وقد أوضح ذلك بقوله “أنا شخص متحفظ من الطراز القديم”)، وأشك في أنه يستخدم الكلمة ليجعلها تعطي أي معنى غير اللطف، ولكن مع ذلك، أعتقد أن الجهود المبذولة لفرض استخدامها غير موفقة ومضللة: فخذ على سبيل المثال إعدادات شركة أمازون للمساعد الافتراضي أليكسا (Alexa) التي ترد بـ “شكراً على سؤالك بشكل لطيف” عندما يقول الأطفال “الكلمة السحرية”، أو شركات مثل Chick-fil-A التي تدرب موظفيها على استخدامها. هذه التدابير تخلط ما بين كلمة please (رجاءً) والمجاملة بشكل عام – كما لو أنه من المستحيل أن تكون مهذباً بدونها.
والحقيقة هي أن اللغة الإنجليزية لغة حية تتطور بشكل دائم وحتمي، ولا يمكن لأحد أن يقوم بإيقاف تغيرها. ورغم ذلك، إذا كان اختصار الكلمة الذي دام لقرون يعلمنا أي شيء، فسيكون ذلك أن هذا التطور يمكن أن يكون متقطعاً وأن انتقالاته محرجة، فكلمة please (رجاءً) في مفترق طرق غريب بين معناها السابق والمستقبلي – لكن سيسعدني أن أراها تختفي، رجاءً.
