القائمة الرئيسية

قناديل البحر المتوسط كمصدر غذاء

قناديل البحر المتوسط كمصدر غذاء
ملخص المقال

يتناول المقال تجربة الباحثة الإيطالية أنتونيلا ليون وفريقها في تحويل قناديل البحر من كائنات بحرية مهملة إلى غذاء محتمل، في ظل تزايد أعدادها بشكل مقلق في مناطق مثل البحر المتوسط بسبب التغير المناخي وتقلّص أعداد الأسماك. بالتعاون مع طهاة مبتكرين مثل فابيانو فيفا، طوّر الفريق طرقًا آمنة وطبيعية لمعالجة قناديل البحر، مستبدلين المواد الكيميائية السامة بأملاح الكالسيوم. ورغم التحديات الثقافية والتنظيمية، يرون فيها مصدرًا غذائيًا مستدامًا يمكن أن يفتح آفاقًا اقتصادية جديدة، خاصة لصغار الصيادين. إلا أن الباحثين يحذرون من الإفراط في صيدها دون فهم كافٍ لتأثير ذلك على النظام البيئي، مشددين على ضرورة توفّر طلب في السوق المحلي، وجهود تنظيمية لتقنين استخدامها غذائيًا في أوروبا.

بقلم: أغوستينو بتروني

صباح يوم مُثلج، في يناير من عام 2022، دلفت إلى مطعم Duo -وهو مطعم صغير وحصريّ في قلب مدينة ليتشي جنوب إيطاليا-، حاملاً صندوقًا بداخله قنديليّ بحر مجمدين. وبرفقتي أنتونيلا ليون -وهي باحثة أولى في معهد علوم الإنتاج الغذائي التابع لمجلس البحوث الوطني الإيطالي-، التي كانت تحمل بدورها خطابًا تفويضًا للطاهي فابيانو فيفا؛ يفيد التعامل بشكلٍ قانوني مع الكائنات البحرية. استقبلنا فيفا عند مدخل المطعم بمصافحةٍ حارَّة، آخذًا الصندوق. وفي غضون دقائق، فيما أذاب مساعده قنديليّ البحر المجمدين تحت الصنبور، ربط فيفا رداء طهِيه الأبيض وملأ وعاءً بالماء وأشعل الموقد.

تُعد ليون جزءًا من مجموعةٍ صغيرة من العلماء الذين كانوا يدرسون قناديل البحر في البحر المتوسط في فترة الإثني عشر عامًا الماضية. وقبل سبع سنوات قاموا بإشراك الطهاة، واختبروا طرقًا عديدة لجذب عامة الناس إلى تناول اللّافقاريات البحرية.

أوضحت ليون: “إنّ فكرة أكل قنديل البحر لم تخطر ببالنا أبدًا، لأننا كنَّا نرى واحدًا فقط بين الحين والآخر”. لكن مع تزايد وفرة العديد من أنواع قناديل البحر –في عام 2014، غطَّى 400 طن من قناديل البحر (من نوع الجذفم الزخرفي) كل كيلومتر مربع من خليج تارانتو الضخم- تساءلت ليون عمَّا يمكن فعله بها.

إقناع الإيطاليين بتناول قناديل البحر يشبه حثّهم على تجربة الأناناس على البيتزا – المهمة ليست سهلة. حيث يأكل سكان جنوب إيطاليا الأخطبوط وقنفذ البحر والمخلوقات البحرية الأخرى، ولكن يتم تجاهل قناديل البحر إلى حدّ كبير. إذ يُحظر بيع قنديل البحر للاستهلاك البشري في الاتحاد الأوروبي، حيث لا يزال المنظمون لا يعتبرون هذا المخلوق البحري غذاءً آمنًا وقابلاً للتسويق بسبب عدم الاهتمام التاريخي به كمصدر للغذاء، ولهذا السبب دلفت ليون إلى مطعم Duo برسالة إذنٍ في حوزتها.

ولا يبدو أنّ المخاوف المتعلقة بالسلامة بشأن قناديل البحر تمثّل مشكلة في الصين، حيث وُجدت قناديل البحر في قائمة الطعام منذ ما يقرب من ألفيّ عام (يُعد قنديل البحر المبرد المتبل بالخلّ الأسود والسُكر وصلصة الصويا ومسحوق مرق الدجاج وزيت السمسم أحد المقبلات المفضلة). وتشير تقديرات حديثة إلى أنّ 19 دولة تحصد ما يصل إلى مليون طنّ من كائنات البحر الهلامية، مما يساهم في قطاعٍ عالمي تبلغ قيمته حوالي 160 مليون دولار.

ومن خلال الشراكة مع طهاة ذوي تطلّعات مستقبلية مثل فيفا، بدأت ليون -وفريقها البحثي، عام 2015- مهمتها المتمثّلة في البحث عن طرقٍ لجعل قناديل البحر لذيذة وآمنة، حيث يمكن إضافتها إلى قوائم طعام البحر المتوسط. ومع استمرار النضوب السّمكي في المحيطات بمعدلاتٍ مقلقلة، بجانب ازدهار قناديل البحر، يتساءل المزيد من الناس عمَّا إذا كان تناولها سيخفّف بشكلٍ فعَّال من مشكلة تزايدها، وما إذا كانت ستصبح مصدرًا مستدامًا وآمنًا للغذاء.. ولكن هل يمكن أن تصبح قناديل البحر غذاءً للجميع؟

تنتمي قناديل البحر إلى مجموعةٍ كبيرة من الحيوانات المائية التي يشير إليها علماء الأحياء البحرية بمسمَّى: “العوالق الحيوانية الهلامية”. بعضها، مثل قنديل البحر من نوع Irukandji box السَّام جدًا، والذي يوجد بشكلٍ رئيس في سواحل أستراليا، ويمكن أن يكون له قرص شفّاف بحجم رقائق الذرة. والآخر، مثل قنديل لبدة الأسد، له أطراف يصل طولها إلى 36 مترًا. وتعد قناديل البحر جزءًا مهمًا من النظم البيئية البحرية، باعتبارها مصدرًا غذائيًا لـ 124 نوعًا من الأسماك و34 نوعًا من الحيوانات الأخرى، مثل السلاحف جلديَّة الظَهر.

لكن هناك خطبٌ ما في عالَم قناديل البحر. فمنذ مطلع هذا القرن، شهد العلماء زيادة مقلقة في أعداد قناديل البحر في أجزاء مختلفة من العالم. ووفقًا للوكاس بروتز -وهو باحث درس قناديل البحر لفترة طويلة في معهد المحيطات ومصايد الأسماك بجامعة كولومبيا البريطانية-، فإن فهم الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة يمثّل تحديًّا كبيرًا.

أمَّا بروتز فيقول: “لا تتزايد جميع أنواع قناديل البحر في كل مكان، لكننا نرى زيادة كبيرة ومستمرة في العديد من المناطق حول العالم”. وهناك أسباب عديدة يمكن أن تدفع لهذا التغيير، من بينها: وصول أنواع من قناديل البحر إلى مناطق جديدة، وتوسيع نطاقها مع تغيّر المناخ وارتفاع درجة حرارة المياه، ممَّا يعمل في صالح بعض الأنواع دون غيرها.

الزيادة في أعداد قناديل البحر ملحوظة بشكلٍ حاد خاصةً في أماكن مثل البحر المتوسط، وعلى طول سواحل اليابان. ولقد دمّرت حشودها مزارع الأسماك، وسدّت محطات توليد الطاقة، وأغرقت قوارب الصيد لأنها تُثقل الشباك، وقلبت السياحة رأسًا على عقب من خلال جعل المياه غير آمنة للسباحة. ويمكن أن يؤثّر وجودها على الكائنات التي تعيش معها في البحر أيضًا. 

فيما يقول ستيفانو بيراينو، زوج ليون وخبير الأحياء البحرية وقناديل البحر في جامعة سالنتو في ليتشي: “تخيّل [شيئًا بحجم] أكبر ناقلة نفط في العالم ينتقل على طول سواحل البحر المتوسط، ويستهلك كل العوالق”، موضحًا بذلك كيف يمكن للأعداد الضخمة لقناديل البحر أن تتغذّى على كل العوالق التي تحتاجها آكلات العوالق الأخرى.

ونظرًا للتوافر الجديد لقناديل البحر في البحر المتوسط، انضم بيراينو إلى ليون في سعيها للعثور على طرق طهيّ محتملة لقناديل البحر.

وبالعودة إلى مطعم Duo، ارتدى فيفا قفازات مطاطية ورفع قنديليّ البحر (من نوع الجذفم الزخرفي) من أسفل صنبور الماء الجاري. وكانا لا يزالان مجمدين بعض الشيء – على خلاف قناديل البحر المجففة المستخدمة غالبًا في المطابخ الشرقية، والتي يجب إعادة ترطيبها قبل الاستخدام. وضع فيفا القنديلين في قدرٍ من الماء المغلي وبدأ في التحريك.

عندما بدأت ليون لأول مرّة في دراسة كيفية استخدام قناديل البحر في الغذاء –وكيفية تخزينها لاستخدامها لاحقًا– عثرت على مشكلة رئيسة واحدة. كانت الطريقة الأساسية للحفاظ على قناديل البحر، والتي تم إتقانها في آسيا، هي تجفيفها باستخدام المركب الكيميائي شب الصوديوم، لكن تكمن المشكلة في أن استهلاك الألومنيوم يمكن أن يكون سامًّا، وقناديل البحر المعالجة بشب الصوديوم لا تلبّي معايير الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية، لذا شرعت ليون وزملاؤها في ابتكار طريقة جديدة غير سامَّة لتجفيف وتخزين قناديل البحر الصالحة للأكل. 

وتغلّب فريقها على تحدي التجفيف باستخدام أملاح الكالسيوم بدلاً من الشب، واستمر في تجربة القناديل المجففة والطازجة والمجمدة، وتحويلها إلى حلوى موس ومرنغ وتوابل ومكثفات.

حيث يتم تحويل العوالق الهلامية الكبيرة إلى أغذية ومنتجات غذائية في مختبر ليون في معهد علوم إنتاج الغذاء، إذ تجري ليون وفريقها المكوّن من سبعة أفراد التجارب المختلفة على طاولة اختبار فولاذية طويلة مع رفّين من الجِرار والموازين الشفَّافة وسط غرفة الاختبار الواسعة، فيما تتواجد داخل الثلاجة رفوف أنابيب الاختبار التي تحتوي على مستخلصات قناديل البحر.

ولكن إجراء التجارب في المختبر شيء، وإقناع الإيطاليين بالتفكير في استبدال السمك بقناديل البحر في الحساء شيء آخر. وفقًا لدراسةٍ أُجريت عام 2020 بقيادة مدرِّسة علوم وتكنولوجيا الأغذية في جامعة علوم تذوّق الطعام في بولينزو، لويزا توري، قد يكون هناك بعض الأمل فيما يتعلق بتقبل عامة الناس. حيث استطلعت الدراسة آراء 1445 شخصًا حول موقفهم تجاه فكرة استهلاك قناديل البحر، مع الأخذ في الاعتبار سِمات مثل العُمر والعادات السلوكية واختلاف الأذواق. ووفقًا للنتائج، يُعد الشباب كثيريّ السفر وذوي مستويات التعليم العالي والحساسية تجاه البيئة أكثر عرضة لتناول قناديل البحر.

أنا أنتمي إلى هذه الفئة، لذلك عندما دعاني فيفا لاستنشاق الرغوة البيضاء، التي تتصاعد من على سطح الموقد، تقبّلت ذلك بذهنٍ منفتح.

أغمضت عينيّ وتنفسّت بعمق، وقلت له: “تشبه رائحة المحار”. 

أجاب فيفا: “أنت بحاجةٍ إلى أن تنسى ما اعتدت عليه، عليك أن تفصل نفسك عن الطعام الموجود في ذاكرتك”. 

هل يكمن سِّر تقبّل الطعام غير الاعتيادي في تكوين ذكريات طعام جديدة؟ إذا كان الأمر كذلك، فسنحتاج إلى إيجاد طريقة لنقل قناديل البحر من المحيط إلى طاولات العشاء.

وبالإضافة إلى المساعدة في إيجاد طرق للتعامل مع البحار المستقبلية المليئة بقناديل البحر، تمّ وصف صيد هذه المخلوقات على أنه وسيلة لمساعدة صغار الصيادين الأوروبيين الذين يعانون من انخفاض المخزون السّمكي.

يقول روكو كازاتو -وهو صيَّاد صغير من الجيل السادس من تريكاسي بورتو-، عن فكرة صيد قناديل البحر: “مصدر للدخل؟ هذا سيكون شيئًا مدهشًا، لكنني لن أتناولها أبدًا، حتى لو كانت آخر شيء متوفر يمكن تناوله في العالم”. 

فيما يروي كازاتو الألم الناتج عن سحب شبّاك الصيد المملوءة بقناديل البحر، والتي لم يتمكن من بيعها، ويقول إنه إذا كان هناك طلب محلّي على قناديل البحر، مثل عقارب البحر التي يتم استهلاكها بشكلٍ شائع، فإن قناديل البحر الموجودة في الشبكة ستساعد صغار الصيادين مثله على تغطية نفقاتهم.

وعلى الرغم من أن ليون تعمل على إيجاد بعض الأجوبة، فإن معرفة أيّ قناديل البحر صالحة للأكل والآمنة للاستهلاك لا يزال سؤالاً لا يكلَّف سوى القليل من الباحثين في الإجابة عنه. فوفقًا لبروتز، في حين أنّ العديد من أنواع قناديل البحر المختلفة تتزايد في جميع أنحاء العالم، فإن حفنة منها فقط هي المفضلة للاستهلاك البشري، ومجرد كونها أكثر وفرة لا يعني أن صيدها سيكون حلاًّ سِحريًا. ويذكر عنوان ورقة بحثية -شارك بروتز في كتابتها عام 2016- كل شيء، حيث “لا ينبغي لنا أن نفترض أنّ صيد قناديل البحر سيحلّ مشكلة قناديل البحر”. 

لذا خلص البحث إلى أهمية توخي الحذر: لم تتم دراسة قناديل البحر بشكلٍ كافٍ، كما أن تأثيرات إزالتها من النظام البيئي، حتى عندما تكون زائدة، غير معروفة ومن المحتمل أن تكون سلبية. على سبيل المثال، تعمل بعض قناديل البحر بمثابة حاضنات للأسماك الصغيرة، ويمكن أن تكون قناديل البحر مفترسة وفريسة في السلسلة الغذائية.

فيما يعرب سيلفسترو غريسو -وهو عالِم أحياء بحرية ومدير الأبحاث في محطة أنتون دوهرن لعلم الحيوان-، عن قلقه إزاء التوجّه نحو الصيد كسبيل لمكافحة العدد المتزايد من قناديل البحر، إذ يخشى أن مجرد البدء في استخراج قناديل البحر لأغراض الأعمال التجارية -الاستنزاف السريع- قد يكون له عواقب غير متوقعة على البيئات البحرية المحلية. ففي أوائل العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، على سبيل المثال، حوّل جزء من أسطول الصيد في خليج كاليفورنيا بالمكسيك جهوده إلى صيد قناديل البحر، وسرعان ما استفاد الصيادون وعمّال مصانع المعالجة من السوق الجديدة، لكن الإفراط في صيد الموارد؛ أدَّى إلى الاستنفاد السريع لقناديل البحر.

ومع ذلك، فإن بعض الصيادين يستعدون للانطلاق في حال افتتاح مصايد الأسماك -هناك فضول بالفعل من آسيا بشأن صيد قناديل البحر في البحر المتوسط-، ولكن حتى مع اهتمام الصيادين، إذا لم يكن هناك طلب في السوق، فلا فائدة من ذلك.

لذا وفقًا لليون، إن توصيل قناديل البحر إلى الجماهير يتطلّب رجل أعمال يرغب في استثمار عدة آلاف من اليوروهات اللازمة لمطالبة الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية بقبول بيع قناديل البحر كغذاء صالح؛ مما سيسمح ببيعها بشكلٍ قانوني في أسواق الأسماك والمطاعم.

وتعتقد ليون أنها وفريقها قاموا بجمع البحث العلمي اللازم لدعم مثل هذا الطلب المقدّم إلى الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية، وأن بعض روّاد الأعمال أبدوا اهتمامًا أوّليًا، وقالت إن هي إلا مسألة وقت فقط قبل أن تُدرج بعض أنواع قناديل البحر في قائمة الأطعمة الأوروبية المعتمدة، وهي حريصة على سدّ الفجوة بين الصيادين والأسواق والطُهاة.

وقالت ليون إن إنشاء هذا السوق يمكن أن يساعد الصيادين الحرفيين، وهُم الأكثر تضررًا من تزايد أعداد قناديل البحر: “إنهم يعودون بشباكٍ مليئة بقناديل البحر وثلاثة أسماك. إذا أصبحت قناديل البحر طعامًا صالحًا للأكل، فيمكن بيعها كمنتجات بحرية مثل غيرها”. 

واستهدفت ليون في البداية الطُهاة الفضوليين –أولئك الذين ليس لديهم تصوّرات مسبقة، كانوا متحمسين لقبول التحدي– في عام 2015، وأصبحوا أعضاء مهمين في الفريق. كانت ليون وفريقها جزءًا من مشروع GoJelly الممول من الاتحاد الأوروبي، والذي بحث في الاستخدامات الجديدة لقناديل البحر، بما في ذلك في الأسمدة ومستحضرات التجميل والأغذية العلاجية وفِخاخ للدائن الدقيقة. وتعني العضوية أن ليون يمكنها أن تجلب قناديل البحر بانتظام لفيفا وغيره من الطُهاة لتقديم التجربة في مطابخهم وإيجاد طرق لجعل هذا المخلوق البحري شهيّ. وعلى مرّ السنين، جرّب فيفا طهي قناديل البحر المخلّلة والمجففة، وقدّمها كـ رقائق البطاطس، وكجزء من مقادير الحساء، وكصلصات المعكرونة.

أمَّا باسكوالي بالامارو، الحائز على نجمة ميشلان، ومسؤول طُهاة مطعم Indaco في جزيرة إيشيا، فقد كانت الصعوبة الكبرى التي واجهها هي انخفاض الوزن أثناء طهي قنديل البحر. 

حيث يتكوّن قنديل البحر من 95% من الماء ونسبة قليلة من البروتين، وعندما يموت الحيوان فإنه يفقد الكثير من تلك المياه. ولتجنب ذلك، يعتقد بالامارو أنه يجب استهلاكها طازجة خلال ساعات قليلة من الاصطياد، أو تخزينها بشكلٍ آمن عبر تجميدها أو حفظها باستخدام تقنية ملح الكالسيوم التي اكتشفتها ليون.

ويقوم بالامارو بغلي قنديل البحر من نوع بيلاجيا (Pelagia) القادم من البحر المتوسط لمدة دقيقة واحدة، ثمّ ينقعه في الحمضيات لمدة ساعة، ثمّ يتبّله بزيت بذور اليقطين قبل تقديمه مع الكينوا. 

فيما يفضّل جينارو إسبوزيتو -مسؤول الطُهاة في مطعم Torre del Saracino في فيكو إيكوينسي الحائز على نجمة ميشلان- مزج قنديل البحر بالخيار المتبّل والكفير الحارّ ومعجون الخسّ.

 قامت ليون بجمع الوصفات الأكثر نجاحًا لهؤلاء الطُهاة وغيرهم في كتاب: “طهيّ قناديل البحر الأوروبية”، المتوفّر مجانًا. 

ولكن لم يقتنع جميع الطُهاة بإمكانيات قنديل البحر في الطهي. ففي عام 2017، قام غريسو -وهو أيضًا عالِم أغذية وطاهٍ شغوف- بقلي 50 كيلوغرامًا من قناديل البحر من نوع بيلاجيا في مؤتمر Slow Fish في جنوة بإيطاليا؛ لخلق الوعي حول الارتفاع السريع في أعداد قناديل البحر في البحر المتوسط.

يقول غريسو عن تلك التجربة: “لقد نجحت، لأنها كانت مقليَّة، كل طعام يبدو جيدًا عندما يكون مقليًّا”. 

وهو يعتقد أنّ قناديل البحر لا تحتوي على نسيجٍ مثير للاهتمام وليس هناك سبب مقنع لاستخدامها في الطهي، ومن ثمّ فهو لا يعتقد أنه سيتم تبنّي قناديل البحر بسرعة في المطابخ التي لا تستخدمها تقليديًا. 

ولكن وفقًا لليون، فإن قنديل البحر اليوم يمرّ بما مرَّت به الطماطم في القرن السادس عشر. حيث لم تكن الطماطم، التي أصبحت الآن مكونًا رئيسيًا في مطابخ البحر المتوسط التقليدية، معروفة قبل جلبها من القارتين الأمريكيتين في حوالي خمسينيات القرن السادس عشر. في البداية، كان يُعتقد بأنها سامَّة وغير صحيّة. ومع ذلك، ربما بِفضل الطُهاة ذوي التطلعات المستقبلية أو ببساطةٍ بسبب الضرورة، بدأت الطماطم في الظهور على البيتزا وفي صلصات المعكرونة، لتصبح في النهاية جزءًا من النظام الغذائي للبحر المتوسط.

ومن الصعب تحديد ما إذا كانت قناديل البحر ستتخذ مسارًا مماثلاً وتصبح مقبولة في الأسواق الغربية، لكن العديد من المأكولات البحرية المفضّلة لدينا آخذة في الانخفاض أو نفدت بالفعل، كما يوضح بروتز: “قد نصل إلى مرحلةٍ لا تتوفر فيها مأكولات بحرية أخرى”. 

وبالعودة إلى المطبخ في مطعم Duo، حوّل فيفا أحد قنديليّ البحر إلى حساءٍ، وأضاف إليه صلصة الطماطم وزيت الزيتون وفصّ ثوم وبقدونس. ثمّ قدّم الطبق إليّ.

رأيت المجسّات المنتفخة وجزءًا من القرص الشفاف يطفو في السائل البرتقالي، ففقدت شهيتي. شربت الملعقة الأولى من المرق بسرعة، وكان طعمه مثل حساء الطماطم اللذيذ (بنكهةٍ بحرية)، ثمّ بحثت عن قطعة من قنديل البحر، وابتلعتها بتردد.

شعرت وكأنني أتناول جرعة من البحر نفسه، حيث ذكرني قوامها بالحبّار المطبوخ أو شريحة الدهن من (ستيك) اللحم المطبوخ. بينما كنت أمضغ القطعة، محاولاً قمع اشمئزازي الغريزي، فكرت في ذلك اللحم المطبوخ، ثمّ ابتلعته.

نظرت إلى فيفا، وقلت له بصراحة: طعمها مثل البحر! فابتسم موافقًا الرأي.

وبينما واصلت شرب الحساء، تبادرت إلى ذهني كلمات إسبوزيتو -مسؤول الطُهاة في مطعم Torre del Saracino-، الذي أشار إلى أنّ قناديل البحر تحمل وصمة عار، ولكن يمكن ترك غريزة تجنبها؛ لأنّ “في المطبخ نحوِّل الخوف والرهبة إلى مذاقٍ أفضل”. 

قد يكون ترددي نتيجةً للتراث الثقافي -فهذا الطعام غير مألوف بالنسبة لي كما كانت الطماطم غير مألوفة بالنسبة لأسلافي منذ أكثر من 500 عام-، وفيما كنت أفكر في ذلك، كان فيفا يطهو قنديل البحر الآخر، حيث غلّفه بالدقيق ثمّ قام بقليه قليًا عميقًا في الزيت النباتي.

هذه المرَّة، أصبح مقرمشًا ومقدّدًا كـ البطاطس المقليَّة. وبالطبع، كان طعمه لذيذًا. 

المصدر

مقالات ذات صلة