القائمة الرئيسية

الحياة باعتبارها أداءً: مراجعة لرواية Nothing Special

الحياة باعتبارها أداءً: مراجعة لرواية Nothing Special
ملخص المقال

يستعرض المقال رواية ""لا شيء مميز"" للكاتبة الإيرلندية نيكول فلاتري، والتي تستلهم أجواءها من عالم آندي وارهول في ستينات نيويورك، حيث تتتبع بطلتها ""ماي"" — وهي فتاة من الطبقة العاملة — خلال فترة عملها كمراهقة في تدوين تسجيلات صوتية من مصنع وارهول، وتجاربها كامرأة في منتصف العمر في العصر الرقمي. تسلط الرواية الضوء على تقاطع الحياة اليومية مع الأداء العلني والمراقبة المستمرة، وتطرح تساؤلات حول طبيعة السرد، والتكنولوجيا، والهوية، مشيرة إلى أن التغيير الحقيقي ليس في البشر، بل في الأدوات التي يستخدمونها لسرد حياتهم. بأسلوب ذكي، تبقي نيكول شخصية وارهول في الخلفية كـ""طيف متنصت""، مما يسمح لها باستكشاف تأثيره الثقافي دون أن تطغى شخصيته على الرواية، مقدمة تأملًا عميقًا في كيف يتحول التوثيق إلى أداء، وكيف أصبحنا جميعًا نعيش حياتنا تحت أعين الآخرين، بشكل مباشر أو ضمني.

بقلم: ريان ساسين

يمكن أن تكون النُّسخ أكثر جاذبية من الأصل: فكِّر في أعمال الفنَّان آندي وارهول، وفي مطبوعات الشاشة الحراريَّة لإليزابيث تايلور وماو تسي تونغ وجاكلين كينيدي، والنسخ المرسومة باليد من علب حساء شركة كامبل. ومن ذلك يعتبر عنوان الرواية الجديدة للكاتبة الإيرلندية نيكول فلاتري: “لا شيء مميز” (Nothing Special) نسخة مستوحاة -كما ذكرت نيكول- من فكرةٍ توصَّل لها آندي عن برنامجٍ حواريّ غير منتج، بعنوان: “البرنامج الحواريّ غير المميز” (The Nothing Special)، والذي تصوّره بألّا يكون حول أيّ شيء بوجه الخصوص. 

يمكن أن يتخيّل المرء المحرِّر وهو يزيل كلمة “The” من دون أن يكترث للعنوان الأصل لمسودة نيكول؛ ليبثّ فيه السخط الصامت المنتشر في هذه الآونة في كتب الكاتبات الإيرلنديات الشابَّات، مثل: “أُناس عاديّون” (Normal People) للكاتبة سالي روني، و”أوقات مثيرة” (Exciting Times) للكاتبة ناويس دولان. وبخلاف تلك الأعمال تعتبر رواية نيكول الأولى -بعد نشر مجموعتها القصصية القصيرة عام 2019- التي جاءت تحت مسمَّى: “اجعلهم يحظون بوقتٍ ممتع” (Show Them a Good Time)، تنظر إلى الماضي، إذ تجري أحداثها في ستينات مدينة نيويورك، ومن ثمّ في بداية عام 2010. أحداث الرواية تتبع “ماي” الابنة النادلة من الطبقة العاملة، بدايةً كطالبة في الثانوية العامة عام 1967، ثمّ كامرأة في منتصف العُمر، في عالَم انتشار الإنترنت في الألفيَّة الجديدة، بينما تتذكَّر الفترة التي أمضتها كمراهقة وهي تدوِّن ما تسمعه من تسجيلات الأشرطة الصوتية التي سجّلها آندي في مصنعه.  

كان آندي مغرورًا، ولكن ثقته كانت مبنيَّة على الحقائق. حيث استخدم مدوّنات التسجيلات غير المحرِّرة -أغلبها كانت مونولوجات قام بها أصدقائه وأبناء وطنه-؛ ليخلق بذلك روايته المُغذَّاة بالأمفيتامين “أ: رواية” (a: A Novel). وفي مذكراته: “بوبسم” (Popism)، التي نُشِرت عام 1980، استرجع وجود الـ “فتاتين الصغيرتين في المرحلة الثانوية” اللتين كانتا مسؤولتين عن المشروع، إلّا أن من الصعب تذكُّر اسميهما الآن، لكنّه تذكَّر تفكيره آنذاك حيث “لم يسبق له رؤية كاتب طابعة (باستخدام الآلة الكاتبة) من قبل، لذا لم يكن يعرف السرعة المطلوبة للكتابة آنذاك”.. “ولكن عند استرجاعي لذلك الوقت أظن أنهما كانتا تكتبان ببطءٍ عمدًا؛ كي تستطيعا إمضاء المزيد من الوقت في المصنع”. بالطريقة نفسها التي يمكن بها تحويل المحادثات المسجلة ثمّ المدوَّنة إلى رواية، تساعدنا وسائل التواصل الاجتماعي على أخذ المواد المكوّنة لحياتنا وتحويلها إلى قصةٍ ليستهلكها الآخرون، سواءً كان ذلك من خلال الصور، أو الفيديوهات، أو النصوص. ونيكول تتخذ نهجًا مستلهمًا لتبيّن كيف أنّ الأشياء المتعلقة بحياتنا اليومية، يمكن أن تحوَّل إلى قصةٍ بواسطة التكنولوجيا، عند الكتابة عن الماضي السابق للعصر الرقمي، الذي كان منشغلاً باستنساخ وتوثيق نفسه؛ ما حوّل الحياة إلى أداء، لذا تبيّن لنا نيكول أنّ ما تغيَّر حقًا هو التكنولوجيا لا الطبيعة البشريَّة. 

دائمًا ما نجد صعوبة في تصنيف آندي؛ فهو فنَّان تُعَرِّفه فترته الزمنية وفي الوقت نفسه هو بشكلٍ ما -غريب- يعتبر ممهّدًا للوسائل الإعلامية الحديثة (في واحدٍ من المشاهد، ماي تشاهد واحدًا من أفلام آندي الشهيرة الطويلة التي بلا حبكة والمرتجلة، ما يعتبر تمهيدًا لبرامج تلفزيون الواقع ومدوّنات الفيديو). “كان دائمًا ما يميل رأسه إلى أحد جانبيه، ما دلّ على استعداده الدائم لتلقّي المعلومات”، تلاحظ ماي في منتصف الكتاب -بعد ما جُرت لعالم المصنع بعد زيارتها للطبيب المحتال المستعد دائمًا لوصف الأدوية، والذي كان صديقًا لوالدة حبيبها- أنّ آندي لا يُذكر باسمه الصريح في الكتاب، وإن ذُكر يُنادى عادةً بلقبه: “دريلا” (Drella)، وهو دمج لاسميّ “دراكولا” (Dracula) و”سندريلا” (Cinderella)، ما يمنحك فكرة جيدة عن انطباعه لدى أصدقائه وتلاميذه. 

وهذا قرار حكيم اتخذته نيكول: فلو استخدمت تصويرًا مفصَّلاً لآندي، بكل حركاته ومؤثراته المميزة والموثقة جيدًا، لهيمن ذلك على الكتاب وعرّضها للانتقادات المُملة عن مصداقية تصويرها. من الأفضل جعله طيفًا وهميًّا متنصِّت. تشرح ماي “لم أتمكن حتى من مقابلته، لكنّي عرفت صوته الهادئ، وصوت خطواته السريعة الخافتة”.  

كالفتيات المراهقات اللواتي يقدن توجهات وسائل التواصل الاجتماعي الحالية، ماي وزميلتها شيلي الخرقاء/الغامضة (تفصيل رائع: عند ركوبها المترو مع ماي “دائمًا ما تنزل في محطةٍ مختلفة كل مرة”)، تخلقان أداءً في حدّ ذاته من خلال الفعل البسيط المتمثّل في تدوين حياة الناس الآخرين. “كنت أشعر بأني التزم بنصٍّ معين” تسترجع ماي الساعات التي أمضتها في زاويةٍ ما من المصنع، فيما آندي وزمرته يمرّون أمامهم ويشاهدونهم. “أداءٌ شاركتُ فيه كل يوم. فدائمًا ما غيّرت ملابسي قبل ذهابي للداخل وكتابتي على الآلة الطابعة.. كان ذلك الشيء الوحيد الذي وجدته ذا معنى، ذلك الشيء الذي نقلني لعالمٍ آخر”. “كنتُ أشعر بإدماني على هذا الأداء: لقد حصلت على ما احتاجه من الأشرطة… ما نوع العمل الذي سنجده بعد ذلك؟ ربما فكّرت شيلي بنفس الشيء الذي خطر ببالي، أنّ حياتنا التي نعيشها الآن ستنتهي بانتهاء تدوين آخر شريط”. هذه الجملة، هذا الاضطراب في علاقة الناس بالآلات، لن تتعجب لوجودهما في روايةٍ نُشِرت عام 2023، فيما ترتبط هُويَّة/حياة الناس اليوميَّة بالهواتف النقَّالة.  

وصف نيكول للآلات في الرواية عميق فهناك “صوت الآلة المستمر لاحتكاك الحديد مع الحديد”، بجانب وصفها للكاميرا على أنها “ساكنة، مثل الحيوان المفترس الذي ينتظر لينقضَّ لاحقًا على فريسته”. يجلب وصفها إلى الذهن طريقة تعاملنا مع الشاشات، وكتابتنا وإرسالنا للرسائل النصيَّة، والتقاطنا للصور، وتسجيلنا ورفعنا للصور والفيديوهات والصوتيات بشكلٍ مستمر. ربما وجدت ماي هدفها، ولكن لا أحد في عالَمها – مع حاجتهم الماسَّة للحصول على الشُهرة – يستمتع بوقته. مع الرغم من أنّ ماي تعتبر نفسها كاتبة، إلاّ أن شريك والدتها الحالي صحَّح لها هذا المفهوم الخاطئ بصراحته في قوله: “لا يعتبر ما تقومين به كتابة يا ماي، ما هو إلا تنصّت على الآخرين، ومراقبة أفعالهم”. 

في هذا العصر مراقبة الناس واسعة الانتشار – كالتمرير السريع بين “ستوري الإنستغرام” (Instagram Stories)، ورؤية تصوير الناس للآخرين ولأنفسهم في الأماكن العامة. ذاك الشعور، حيث القيام بالأداء الذي تجسّده نيكول قد تسلَّل من بين الجدران الفضيَّة، وحفلات معارض الفنون السريعة، وعالم الستينات الفنّي المنهك، ليصل لحياتنا اليومية. وعندما تصبح تجارب ماي بالنسبة للعالَم “تشبه الآلات، وغير شخصية ” تخرج ماي مسرعة من المدينة وتتجه إلى كاليفورنيا، إلى الطبيعة؛ من أجل شعورٍ أوضح بالواقع.. أمَّا الآن سيكون الهرب من ذلك الشعور أصعب بكثير.

في الأحداث الأوّليَّة من رواية ماي “Nothing Special” هي الآن، امرأة في منتصف العُمر، قد عادت للتَوّ للشرق لتعتني بوالدتها المُسِنة، وتبدأ بإرسال رسائل بريد إلكترونية تحتوي على “معلومات لم يطلب أحد إرسالها” -معظمها ذكريات مفصّلة عن والدتها- إلى مجموعةٍ من الغرباء –مساعديّ النشر الشباب الذين تتخيّلهم جالسين أمام لوحة المفاتيح كما جلست هي من قبل أمام الآلة الكاتبة: “لم أستطع سوى أن أتخيّل مُستلمة رسائلي كفتاة في بداية العشرينات من العُمر، لا أكبر من ذلك. حيث أتخيّلها أمام مكتب أنيق، بشعرٍ مرتب، أكثر رُقيّ مما كنت عليه أنا في ذلك العُمر، حيث لا يريد أيّ أحد أن يفتح حاسوبه ليقرأ عن حياة شخصٍ مضطرب. كنتُ آنذاك من الأقليَّة، لكن الآن أصبحتُ من الأغلبية”. الصورة التي تستحضرها قد تخلق انطباعًا حقيقيًا لدى القرّاء، باعتباره تذكيرًا صارخًا بحقيقة أنّ الجميع يعيشون وهُم يقدِّمون أداءً ما في هذا العصر الحديث، سواءً أعجبهم ذلك أم لم يعجبهم.  

المصدر

مقالات ذات صلة