القائمة الرئيسية

هل مشاهدة التلفزيون تجعلك أذكى؟

هل مشاهدة التلفزيون تجعلك أذكى؟
ملخص المقال

يتناول المقال فكرة ""منحنى فيلم Sleeper"" التي طرحها ستيفن جونسن، والتي تشير إلى أن الثقافة الشعبية -خاصة البرامج التلفزيونية والألعاب- أصبحت أكثر تعقيدًا من الناحية المعرفية مع الوقت، مما يتطلب من الجمهور تركيزًا أكبر لفهم الحبكات المتشابكة والشخصيات المعقدة والعلاقات الاجتماعية الدقيقة. ويوضح المقال أن هذا التعقيد ليس سلبيًا، بل يعزز القدرات العقلية للمشاهدين، مثل تحليل المعلومات وتتبع الشبكات السردية المتعددة. كما يناقش المقال تطور البرامج التلفزيونية من حبكات خطية بسيطة (مثل مسلسلات السبعينيات) إلى أعمال متعددة الطبقات مثل ""The Sopranos"" و""24""، التي تتطلب تفاعلًا ذهنيًا أكبر. بالإضافة إلى ذلك، يشير المقال إلى أن حتى برامج الواقع (مثل ""Survivor"") أصبحت أكثر ذكاءً، حيث تعتمد على استراتيجيات اجتماعية معقدة تشبه ألعاب الفيديو. ويخلص الكاتب إلى أن هذا التحول في الثقافة الشعبية يمثل فرصة لتنمية المهارات المعرفية، سواء للأطفال أو الكبار، ويقترح تقييم البرامج بناءً على مدى تحفيزها للدماغ بدلًا من التركيز فقط على محتواها الأخلاقي أو العنف.

بقلم ستيفن جونسن

العالم أ: هل طلب أي شيء استثنائي؟ العالم ب: نعم، هذا الصباح لقد طلب للإفطار… شيئًا يسمى “جنين القمح والعسل العضوي وحليب النمر”. العالم أ: هذه الأطعمة التي كان يُعتقد قبل بضع سنوات أنها تحتوي على خصائص تحافظ على الصحة. العالم ب: هل تقصد أنه لم تكن هناك أطعمة مقلية أو شرائح لحم أو فطائر كريمة أو… حلوى ساخنة؟ العالم أ: كان يُعتقد أن هذه الأطعمة غير صحية.

– مُقتبس من فيلم وودي آلن بعنوان Sleeper.

في 24 يناير، عرضت شبكة فوكس حلقة من مسلسلها الدرامي الناجح بعنوان 24، وهو مسلسل تشويق معروف بنهايات حلقاته المشوقة وبعنفه المروع في كثير من الأحيان. خلال الأسابيع التي سبقت ذلك العرض، اندلعت نيران عدد من قضايا الجدل العام حول مسلسل 24، وركز معظمها على تصويره للإرهابيين المسلمين وكثرة مشاهد التعذيب، والحلقة التي تم عرضها بتاريخ 24 أدت إلى زيادة النيران لا أكثر: ففي أحد المشاهد يستعين إرهابي بقاتل مأجور لقتل طفله لأنه لم يدعم القضية الجهادية، وفي مشهد آخر يأذن وزير الدفاع بتعذيب ابنه من أجل كشف أدلة على مؤامرة إرهابية.

إلا أن العنف الصريح والقلق من الإرهاب الذي أعقب أحداث 11 سبتمبر ليسا العنصرين الوحيدين في برنامج 24 اللذين لم يكن من الممكن تصورهما في برامج شبكة التلفزيون قبل 20 عامًا، فإلى جانب التغيير الملحوظ في المحتوى، هناك تغيير ملحوظ بالقدر نفسه في الصيغة. خلال 44 دقيقة -أو ساعة في الوقت الفعلي عند إضافة 16 دقيقة للإعلانات التجارية- تربط الحلقة بين أحداث حياة 21 شخصية متميزة، لكل منها قصة محددة بوضوح، أو كما يمكن القول بلهجة هوليوود: شخصية محددة لها دوافع وعقبات وعلاقات محددة مع الشخصيات الأخرى. تشق تسعة مواضيع سردية أساسية طريقها خلال دقائق الحلقة، وتكون هذه المواضيع مبنية على الأحداث والمعلومات التي تم الكشف عنها في الحلقات السابقة. ارسم خريطة لتلك الحبكات والشخصيات المتقاطعة جميعها، وستحصل على هيكل -من حيث تعقيد الصيغة- يشبه رواية Middlemarch أكثر من مسلسلات الدراما التي اشتهرت في السنوات الماضية مثل Bonanza.

لعقود من الزمن، افترضنا أن الثقافة الشعبية تتبع مسارًا ينحدر بشكل مطرد نحو معايير القاسم المشترك الأدنى؛ ربما لأن الجماهير تريد رؤية ملذات ساذجة وبسيطة على الشاشة، وتحاول شركات الإعلام الكبرى منح الجماهير ما تريده، ولكن كما تشير حلقة مسلسل 24، يحدث العكس تمامًا؛ فالثقافة أصبحت أكثر تطلبًا من الناحية المعرفية، ولفهم حلقة من مسلسل 24، يتعين عليك استيعاب معلومات أكثر بكثير مما كان يتعين قبل بضعة عقود مضت عند مشاهدة أحد المسلسلات. وخلف العنف والقوالب النمطية العرقية، يظهر توجه آخر لمواكبة وسائل الترفيه مثل مسلسل 24، لذا عليك الانتباه للتوصل إلى استنتاجات وتتبع العلاقات الاجتماعية المتغيرة، وهذا ما أسميه “منحنى فيلم Sleeper”؛ إذ يتبين أن الأشكال الأكثر تفاهة من التحول المجتمعي -كألعاب الفيديو والمسلسلات التلفزيونية العنيفة والمسلسلات الكوميدية- مُثرية في نهاية المطاف.

أعتقد أن منحنى فيلم Sleeper هو القوة الجديدة الأكثر أهمية التي تغير التطور العقلي للشباب اليوم، وأعتقد أنه قوة حميدة إلى حد كبير؛ إذ يعزز قدراتنا المعرفية بدلًا من أن يضعفها، ومع ذلك، فإنك لا تسمع أبدًا هذا الرأي في التقارير الشعبية حول وسائل الإعلام اليوم، فبدلًا من ذلك، تسمع حكايات مخيفة حول الإدمان والعنف والهروب الطائش. من المفترض أن ننظر إلى البرامج التي تروج للتدخين أو العنف غير المبرر بنظرة سلبية، ونعزي دورًا إيجابيًّا لتلك التي تهاجم الأفكار المتعصبة أو حمل المراهقات، فإذا حكمنا من خلال معيار التلاعب الأخلاقي هذا، فإن رحلة الثقافة الشعبية على مدى الخمسين عامًا الماضية -إن لم تكن الخمسمئة- في انحدار؛ إذ أصبحت أخلاقيات القصص أكثر قتامة وغموضًا، وتضاعف أعداد الأبطال المخالفين للعرف.

والحجة المضادة المعتادة هنا هي أن ما فقدته وسائل الإعلام في الوضوح الأخلاقي قد اكتسبته في الواقعية، أي أن العالم الحقيقي لا يأتي في إعلانات ملطفة، وأننا في وضع أفضل مع مسلسلات مثل The Sopranos التي تعكس حالتنا التعيسة وكل ما يحيط بها من غموض أخلاقي، وبينما أفهم هذه الحجة، لن تُمثل ما أريد أن أطرحه في هذا المقال. أعتقد أن هناك طريقة أخرى لتقييم الفضيلة الاجتماعية للثقافة الشعبية، وهي الطريقة التي تنظر إلى وسائل الإعلام كنوع من التدريب المعرفي، وليس كسلسلة من دروس الحياة. وربما يكون هناك بالفعل مزيد من “الرسائل السلبية” في عالم الإعلام اليوم، لكن هذه ليست الطريقة الوحيدة لتقييم ما إذا كان للبرامج التلفزيونية أو ألعاب الفيديو تأثير إيجابي. ويحمل نوع التفكير الذي يتعين عليك القيام به لفهم التجربة الثقافية القدر نفسه من الأهمية، إن لم يكن أكثر أهمية، وهنا تتضح فكرة منحنى فيلم Sleeper.

إن “الذكاء المتلفز” يأخذ بالحسبان المطالب المعرفية التي تفرضها قصص البرامج التلفزيونية على مشاهديها، إذ يكمن “الذكاء” في العديد من البرامج التي نربطها بالترفيه “عالي الجودة” مثل The Mary Tyler Moore Show وMurphy Brown وFrasier، في كلمات وأفعال الشخصيات التي تظهر على الشاشة، إذ تنخرط الشخصيات في حوارات معقدة وتتجنب الانجراف إلى الكوميديا المبتذلة التي اعتدنا عليها، فنبتسم في غرف المعيشة ونستمتع بصحبة هذه الشخصيات الذكية. وبافتراض أننا أذكياء بما يكفي لفهم الجمل التي يقولونها، لا نبذل أي جهد فكري للاستمتاع بالبرامج بصفتنا مشاهدين، فلن تتحدى عقلك بمشاهدة هذه البرامج تمامًا كما لا تتحدى جسدك بمشاهدة مباريات كرة القدم، فيبذل الجهد الفكري على الشاشة لا بخارجها.

إلا أن نوعًا آخر من الذكاء المتلفز آخذ في الارتفاع. فكر في الفوائد المعرفية المنسوبة تقليديًّا إلى القراءة: الاهتمام والصبر والاستبقاء وتحليل المواضيع السردية. على مدى نصف القرن الماضي، زادت البرامج التلفزيونية من المتطلبات التي تضعها على وجه التحديد على هذه القدرات العقلية، ويتضمن هذا التعقيد المتزايد ثلاثة عناصر أساسية: المواضيع المتعددة والإشارات التوجيهية والشبكات الاجتماعية.

وفقًا لتاريخ البرامج التلفزيونية، بدأ عصر المواضيع المتعددة مع مسلسل Hill Street Blues عام 1981م، وهو عبارة عن مسلسل دراما بوليسية لستيفن بوشكو تمت الإشادة به دائمًا بسبب “واقعيته الجريئة”. شاهد حلقة من Hill Street Blues جنبًا إلى جنب مع أي دراما كبيرة من العقود السابقة -كـStarsky and Hutch على سبيل المثال، أو Dragnet- وسوف ترى التحول الهيكلي بوضوح، إذ تتبع البرامج السابقة شخصية أو شخصيتين رئيسيتين، وتلتزم بحبكة واحدة مهيمنة، وتصل إلى نتيجة حاسمة في نهاية الحلقة. واكتب موجزًا للمواضيع السردية في كل حلقة من حلقات Dragnet، وستجد نفسك تدور حول الفكرة نفسها: من مسرح الجريمة الأولي مرورًا بالتحقيق وحتى حل القضية في نهاية المطاف. ولا تقدم حلقة Starsky and Hutch النموذجية سوى أقل قدر من الاختلاف في هذه الصيغة الخطية: مقدمة حبكة فرعية كوميدية تظهر عادةً في نهاية الحلقة فقط، ما يؤدي إلى هيكل سردي كالرسم البياني أدناه، حيث يمثل المحور الرأسي عدد المواضيع الفردية ويمثل المحور الأفقي الوقت.

*الصورة غير متاحة*

أضافت حلقات Hill Street Blues التعقيد بعدة طرق جذرية، إذ ينسج السرد مجموعة من الخيوط السردية المنفصلة يصل عددها أحيانًا إلى 10 على الرغم من أن نصف المواضيع على الأقل تتضمن عددًا قليلًا من المشاهد السريعة المنتشرة خلال الحلقة، ويزداد عدد الشخصيات الأساسية -وليس لبضعة مقاطع فقط- بشكل ملحوظ، وتتسم الحلقات بالحدود الغامضة؛ إذ يتم توضيح موضوع أو موضوعين من الحلقات السابقة في البداية وترك موضوع أو موضوعين مفتوحين للتفسيرات العامة في النهاية. وإذا تم رسمها بيانيًّا، تبدو الحلقة النموذجية من البرنامج كما يأتي:

*الصورة غير متاحة*

يستشهد النقاد عمومًا بمسلسل Hill Street Blues بوصفه بداية “الدراما الجادة” الأصلية في التلفزيون، ما يميز المسلسل عن البرامج الدرامية المكونة من حلقة واحدة من خمسينيات القرن الماضي، والتي كانت عبارة عن مسرحيات “برودواي” يتم أداؤها أمام الكاميرا. لكن ابتكارات Hill Street Blues لم تكن أصلية إلى هذا الحد، بل وُجدت لفترة طويلة على شاشة التلفزيون، ولكن ليس في المسلسلات التي تُعرض خلال ساعات المساء. إن هيكل حلقات Hill Street Blues- وفي الواقع الأعمال الدرامية جميعها التي نالت استحسانًا كبيرًا بعده، من Thirtysomething إلى Six Feet Under- اتبعت نظام هيكل المسلسل الميلودرامي الطويل (Soap Opera). ربما يكون مسلسل Hill Street Blues قد أشعل عصرًا ذهبيًّا جديدًا للدراما التلفزيونية خلال فترة عرضه التي امتدت سبع سنوات، لكنه فعل ذلك باستخدام بعض الحيل التي أتقنها مسلسلا  Guiding LightوGeneral Hospital من قبله بفترة طويلة.

تمثلت عبقرية بوشكو في مسلسل Hill Street Blues في الجمع بين الهيكل السردي المعقد والموضوع المعقد، ولقد أظهر برنامج Dallas بالفعل أن المواضيع الممتدة والمتشابكة في المسلسلات الميلودرامية الطويلة محبوبة بالرغم من الانقطاعات التي تستمر مدة أسبوع، لكن المحتوى الفعلي لمسلسل Dallas كان بسيطًا للغاية (كانت القضية الأكثر إثارة للاهتمام التي تم تناولها هي السؤال الكلاسيكي حول من أطلق النار على جون روس). أظهر مسلسلا All in the Family وRhoda أنه يمكنك معالجة القضايا الاجتماعية المعقدة، لكنهما قاما بمعالجتها في إطار الكوميديا المبتذلة، بينما قام مسلسل Hill Street Blues على شخصيات معقدة تواجه القضايا الاجتماعية الصعبة وهيكل سردي يتناسب مع تعقيد هذه الشخصيات.

منذ مسلسل Hill Street Blues، أصبحت الدراما متعددة المواضيع النوع الخيالي الأكثر انتشارًا في التلفزيون: كمسلسل St. Elsewhere وL.A. Law وThirtysomething وTwin Peaks وN.Y.P.D. Blue وER وThe West Wing وAlias وLost (الاستثناء البارز الوحيد في الدراما هو مسلسلات مثل Law and Order التي قامت بشكل أساسي بتحديث صيغة مسلسل Dragnet التاريخي وبالتالي ظلت مرتكزة على خط سردي واحد)، ومع ذلك، منذ أوائل الثمانينيات، كانت هناك زيادة ملحوظة في التعقيد السردي في هذه الأعمال الدرامية. حتى البرنامج الأكثر طموحًا على شاشة التلفزيون، وهو مسلسل The Sopranos، يتابع بشكل روتيني ما يصل إلى اثني عشر موضوعًا مختلفًا على مدار الحلقة، مع أكثر من 20 شخصية رئيسية، فإذا تم رسمها بيانيًّا، ستبدو إحدى حلقات أواخر الموسم الأول كما يأتي:

*الصورة غير متاحة*

العدد الإجمالي للمواضيع المتضمَّنة يساوي الحبكات المتعددة لـHill Street Blues، ولكن هنا يكون كل موضوع أكثر أهمية. لا يقدم البرنامج تمييزًا واضحًا بين الحبكات المهيمنة والثانوية، ولكل فكرة ثقلها الخاص. تعرض الحلقة أيضًا أسلوبًا وتريًّا لسرد القصص يغيب تمامًا عن مسلسل Hill Street Blues: غالبًا ما يتصل مشهد واحد في The Sopranos بثلاثة مواضيع مختلفة في الوقت نفسه، ما يركب حبكة فوق الأخرى، ويعتمد كل موضوع في حلقة The Sopranos على أحداث الحلقات السابقة ويستمر هذا الاعتماد عبر حلقات بقية الموسم وما بعده.

قم بتجميع هذه المخططات معًا، وستحصل على صورة تعبر عن فكرة منحنى فيلم Sleeper الذي ظهر على مدار الثلاثين عامًا الماضية من برامج التلفزيون ذات الشعبية الكبيرة. وبطريقة ما، ستمثل هذه الصورة خريطة للتغيرات المعرفية في عقل الجمهور بقدر ما هي خريطة للتطورات في صيغة البرامج التلفزيونية، كما لو أن عمالقة الإعلام قرروا تكييف أدمغتنا لمتابعة أعداد متزايدة من المواضيع المتزامنة. قبل Hill Street Blues، تمثلت الحكمة التقليدية بين المديرين التنفيذيين في مجال التلفزيون في أن المشاهدين لن يرغبوا في متابعة أكثر من ثلاث حبكات في حلقة واحدة، وبالفعل، جلبت الحلقة الأولى التجريبية من مسلسل Hill Street Blues، والتي تم عرضها في يناير 1981م، شكاوى عديدة من المشاهدين مفادها أن المسلسل كان معقدًا للغاية، ولكن بعد مرور عقدين من الزمن، تجذب برامج مثل The Sopranos جمهورها بقصص تجعل Hill Street Blues يبدو ببساطة مسلسل Three’s Company الكوميدي، إذ يتقبل الجمهور هذا التعقيد بسعادة لأنهم تدربوا على مدار عقدين على يد الأعمال الدرامية متعددة المواضيع.

ويُعد تعدد المواضيع السمة الهيكلية الأكثر جذبًا في الدراما التلفزيونية الحديثة، وهو بالتأكيد يستحق بعض المديح الذي يُنسب له، ومع ذلك، لا يزال يُمثل جزءًا من القصة لا أكثر.

قضية الحيرة

بعد وقت قصير من وصول الجيل الأول من أفلام الرعب وبالتحديد أفلام التقطيع (Slasher Moviesمثل Halloween وFriday the 13th-) أصدرت شركة Paramount فيلم محاكاة ساخرة لهذه الأفلام بعنوان Student Bodies، تمامًا كما فعلت سلسلة الأفلام Scream بعد 15 عامًا. في المشاهد، تسمع جليسة الأطفال المراهقة ضجيجًا خارج منزل في الضواحي، وتفتح الباب للتحقق من الأمر ولا تجد شيئًا، ثم تعود إلى الداخل، وعندما يُغلق الباب خلفها، تتجه الكاميرا نحو مقبض الباب، فنرى أنها لم تقفل الباب، وتتراجع الكاميرا للخلف ثم تعود بسرعة مرة أخرى للتشديد على جدية الموقف، وبعد ذلك تظهر إشارة واضحة على الشاشة مع نص يشرح للتوضيح: “مفتوح”.

إن هذه الإشارة الواضحة عبارة عن جزء من المحاكاة الساخرة بالتّأكيد، لكنها مجرد نسخة مبالغ فيها من وسيلة تستخدمها القصص الشعبية طوال الوقت، وعندما يتضمن نص خيال علمي في بعض المختبرات المتقدمة شخصية رجل غير متخصص في العلم يستمر في مطالبة العلماء بشرح ما يفعلونه بمسرِّع الجسيمات، فهذه الإشارة الواضحة تمنح الجمهور المعلومات التي يحتاجها بالضبط لفهم الحبكة. “مهما يحدث، لا تسكب الماء عليه، وإلا ستحدث انفجارًا هائلًا!” تعمل هذه التلميحات كنوع من السرد القصصي، إذ إنها تقول للجمهور ضمنيًّا: “نحن ندرك أنه ليست لديك أدنى فكرة عن مسرع الجسيمات، ولكن كل ما عليك أن تعرفه هو أنه جهاز فاخر وكبير ينفجر عندما يبتل”، وإنها تجذب تركيز العقل إلى التفاصيل ذات الصلة: “لا تقلق بشأن ما إذا كانت جليسة الأطفال سوف تنفصل عن خطيبها، اقلق بشأن ذلك الرجل الذي يتربص بين الشجيرات”، إذ تقلل هذه الإشارات من مقدار العمل التحليلي الذي يتعين عليك القيام به لفهم القصة، وكل ما عليك فعله هو اتباع الإشارات.

وبهذا المعيار، بالتّأكيد سيجد الجمهور صعوبة في فهم حبكات البرامج التلفزيونية الناشئة آنذاك، وإذا كانت المواضيع السردية المتشابكة قد ازدادت على مدار العشرين عامًا الماضية، فقد أصبحت الإشارات الواضحة نادرة بشكل مماثل. وعند مشاهدة Hill Street Blues في أوائل الثمانينيات، ستجد تكاملًا معلوماتيًّا لكل مشهد يختلف بشكل ملحوظ عما تراه في برامج مثل The West Wing أو The Sopranos أو Alias أو E.R.

إذ يقتصر الغموض في Hill Street Blues على الأحداث المستقبلية: هل سيتم إعدام القاتل المدان؟ هل سيتزوج فوريلو من جويس دافنبورت؟ هل سيجد رينكو في نفسه القدرة على القبض على مغنٍّ شعبي لحيازته عقاقير غير قانونية؟ إلا أن المشاهد تشرح نفسها بنفسها للمشاهد مع قليل من الغموض. فهناك سؤال مفتوح أو لغز يحرك كل قصة -كيف سينتهي الأمر كله؟- ولكن ليس هناك أي غموض بشأن النشاط الفوري الذي يظهر على الشاشة. ومن ناحية أخرى، فإن الدراما المعاصرة مثل The West Wing تدمج الألغاز باستمرار في الأحداث المباشرة، إذ ترى شخصيات تؤدي إجراءات أو تناقش الأحداث التي تم عمدًا حجب المعلومات المهمة عنها، وأي شخص تابع هذا البرنامج سيعرف هذا الشعور: يشير مشهد تلو الآخر إلى بعض المعلومات المهمة بشكل واضح ولكن لا يفسرها، وبعد الإشارة السادسة، ستجد نفسك تتمنى أن تتمكن من إرجاع الشريط لمعرفة ما يتحدثون عنه على افتراض أنه قد فاتك شيء ما، وبعد ذلك تدرك أنه من المفترض أن تكون في حيرة من أمرك. والسؤال المفتوح الذي تطرحه هذه المسلسلات ليس “إلامَ ستؤول الأمور في النهاية؟” بل هو “ماذا يجري الآن؟”.

ويمتد النقص المتعمد في مساعدة المشاهد إلى الحوارات أيضًا، وإن وسائل الترفيه الشعبية التي تتناول القضايا الفنية -سواء كانت تعقيدات إصدار التشريعات أو إجراء عملية جراحية في القلب أو تشغيل مسرع الجسيمات- تتحول تقليديًّا بين نمطين من تقديم المعلومات في الحوار: الملمس والمضمون؛ فالملمس هو الكلام الغامض كله المقدم لإقناع المشاهد بأنه يشاهد أطباء فعليين يعملون، والمضمون هو الإشارات المضمنة المزروعة وسط نسيج الخلفية والتي يحتاجها المشاهد لفهم الحبكة.

وعادةً ما يحدد السرد الخط الفاصل بين الملمس والمضمون عن طريق إدخال تلميحات للبيانات المهمة أو توضيحها، وهناك لحظة كوميدية عن غير قصد في فيلم The Day After Tomorrow الذي حقق نجاحًا كبيرًا في عام 2004م، حيث أدى إعلان عالم المناخ المُحاط بالشرطة (الذي لعب دوره دينيس كويد) عن نظريته حول الوصول الوشيك لعصر جليدي جديد إلى تجمع عدد من المسؤولين الحكوميين، وحذر في كلمته من أننا “وصلنا إلى نقطة حرجة لتحلية المياه!” في هذه اللحظة، ووضع الكاتب والمخرج رولاند إميريش -محترف في تقديم الإشارات الواضحة- ملاحظة رسمية لطيفة: “من شأن هذا أن يفسر السبب وراء هذا الطقس القاسي”، إذ يكاد الأمر يشبه الإشارة الواضحة “مفتوح” التي ظهرت على الشاشة في فيلم Student Bodies.

ومن ناحية أخرى، فإن الحوار في برامج مثل The West Wing وE.R. لا يخاطب جماهيره، فهو يجري بسرعة وتتسارع الكلمات بالتزامن مع اللقطات السريعة التي تنتقل عبر الممرات وغرف العمليات، إذ تتحدث الشخصيات بوتيرة أسرع في هذه العروض، لكن الشيء الرائع حقًّا في الحوار ليس مجرد مسألة السرعة، بل الرغبة في غمر الجمهور بالمعلومات التي لن يفهمها معظم المشاهدين. إليك مشهد نموذجي من برنامج E.R.:

[ويفر ورايت يدفعان نقالة تحمل فتاة تبلغ من العمر 16 عامًا، يتبعهما والداها جانا وفرانك ميكامي، وكارتر ولوسي خلفهم][

ويفر: عمرها 16 سنة، فاقدة للوعي، لديها تاريخ من المعاناة من رتق القناة الصفراوية.

كارتر: غيبوبة كبدية؟

ويفر: يبدو الأمر كذلك.

السيد ميكامي: كانت بخير حتى ستة أشهر، عندها بدأت بالتدهور.

كارتر: ما هي الأدوية التي تتناولها؟

السيد ميكامي: أمبيسلين وتوبراميسين وفيتامين أ وفيتامين د وفيتامين ك.

لوسي: الجلد مصاب باليرقان.

ويفر: كذلك صُلبة العين، ورائحة النفس حلوة.

كارتر: النتن الكبدي؟

ويفر: نعم.

لوسي: ما هذا؟

ويفر: توقف الكبد عن العمل، لنجري فحص بول. [إلى كارتر] يا رفاق، المكان مزدحم قليلًا هنا، لماذا لا تتعاملون مع الوالدين؟ ابدأ باللاكتولوز، 30 سم مكعبًا لكل نانوجرام.

كارتر: سنعطيها دواءً لتنظيف دمها.

ويفر: دم في البول، اثنان في واحد.

كارتر: فشل الكبد يتسبب في عدم تجلط الدم.

السيدة ميكامي: يا إلهي!

كارتر: هل هي مسجلة في قائمة طلب زرع الأعضاء؟

السيدة ميكامي: لقد كانت حالة طلبها 2أ لمدة ستة أشهر، ولم يتمكنوا من العثور على متبرع مناسب لها بعد.

كارتر: لماذا؟ ما هي فصيلة دمها؟

السيدة ميكامي: AB.

[هذا يُفاجئ كارتر مثل الصاعقة، ولوسي تتفاجأ أيضًا، ثم ينظران إلى بعضهما بذهول[

هناك إِشارات واضحة هنا بالتّأكيد -فشل الكبد يتسبب في عدم تجلط الدم- ولكن نسبة المصطلحات الطبية مرتفعة بشكل ملحوظ ليتمكن من فهمها شخص عادي، ومن وجهة نظر سردية بحتة، تصل الفكرة الحاسمة في النهاية: “AB”. فصيلة دم الفتاة البالغة من العمر 16 عامًا تربط بينها وبين فكرة سابقة من الحبكة تتضمن شخصًا وقع ضحية نزيف دماغي والذي -بعد تعافيه بشكل كبير في أحد المشاهد الافتتاحية- ينتهي به الأمر بالموت دماغيًّا. في وقت سابق بكثير، قبل مشهد فشل الكبد أعلاه، يناقش كارتر بإيجاز أخذ أعضاء ضحية النزيف من أجل زرعها، ويشير طبيب آخر بشكل عابر إلى أن فصيلة دمه نادرة (وهي AB) ما يجعل احتمالية أن تناسب شخصًا آخر ضئيلة. ويدور التطور هنا حول حدث غير مرجح إحصائيًّا يحدث في غرفة الطوارئ؛ متبرع مثالي بالكبد يظهر في الوقت المناسب للتبرع بكبده لفتاة لديها فصيلة الدم النادرة نفسها، لكن أحداث الحلقة تكشف عن هذا التطور بدقة ملحوظة. ولفهم هذه الفكرة الأخيرة “AB” -وسبب تفاجؤ كارتر ولوسي- عليك أن تتذكر ملاحظة عابرة حول شخصية تنتمي إلى حبكة فرعية مختلفة تمامًا. قد يكون لبرامج مثل E.R. قدر أكبر من العنف مقارنة بما كان يعرض على قنوات التلفزيون الشعبية من قبل، ولكن عندما يتعلق الأمر بسرد القصص، فإنها تمتلك جودة لا يمكن نعتها إلا بالدقة.

حتى برامج التلفزيون السيئة أفضل

قد يجادل المتشككون بأنني قمت بالتحيز هنا من خلال التركيز على برامج رفيعة المستوى نسبيًّا مثل The Sopranos أو The West Wing، في حين أن التغيير الأكثر أهمية في السنوات الخمس الأخيرة من الترفيه السردي يتعلق بتلفزيون الواقع. هل يبدو المشهد الثقافي الشعبي المعاصر واعدًا بمثل القدر إذا كان العرض الممثِّل للفترة هو Joe Millionaire بدلًا من The West Wing؟

أعتقد أن الأمر كذلك، ولكن للإجابة على هذا السؤال بشكل صحيح، عليك أن تتجنب الحنين للماضي. فعندما يتحدث الناس عن العصر الذهبي للتلفزيون في أوائل السبعينيات -ذاكرين برامج مثل The Mary Tyler Moore Show وAll in the Family- فإنهم ينسون أن يذكروا مدى فظاعة معظم البرامج التلفزيونية خلال ذلك العقد، وإذا كنت ستلقي نظرة إلى اتجاهات الثقافة الشعبية، فعليك مقارنة التفاح بالتفاح، أو في هذه الحالة، الليمون بالليمون؛ فالمقارنة ذات الصلة ليست بين Joe Millionaire وMASH؛ بل هي بين Joe Millionaire وThe Newlyweds Game أو بين Survivor وThe Love Boat.

ما تراه عند إجراء هذه المقارنات المباشرة هو أن التعقيد المتزايد قد أدى إلى رفع مستوى البرامج في قاع وقمة نطاق الجودة. يعد مسلسل The Sopranos أكثر طلبًا من جمهوره بعدة أضعاف مقارنة بـHill Street Blues، وبالمثل يُعد Joe Millionaire أكثر طلبًا عند مقارنته بـBattle of the Network Stars. هذا هو الاختبار النهائي لنظرية منحنى فيلم Sleeper: حتى الأشياء الرديئة قد تحسنت.

إذا كانت أوائل التلفزيون قد استَلهمت من المسرح، فإن برامج الواقع اليوم تم تصميمها بشكل كبير مثل ألعاب الفيديو: سلسلة من الاختبارات التنافسية، والتي تزداد صعوبة بمرور الوقت، وكذلك تستعير العديد من برامج الواقع من ثقافة الألعاب خاصية أكثر مكرًا؛ فلا توضح القواعد بشكل كامل في البداية، لذا عليك أن تتعلمها وتستنتجها في أثناء اللعب.

في برنامج مثل Survivor أو The Apprentice، يعرف المشاركون -والجمهور- الهدف العام للمسلسل، لكن كل حلقة تتضمن تحديات جديدة لم يتم وضع القوانين لها مسبقًا، فعلى سبيل المثال، تم وضع عقبة في الجولة الأخيرة من الموسم الأول من The Apprentice أمام الاستراتيجية التي حكمت اللعب حتى تلك اللحظة، عندما أعلن ترامب أن المتنافسَين المتبقيين سيتعين عليهما تجميع وإدارة فريق من اللاعبين الذين تم استبعادهم بالفعل في حلقات سابقة من العرض، وفجأة، أصبح الهدف الشامل للعبة -القيام بأي شيء لتجنب الاستبعاد- يمثل تضاربًا محتملًا للمنافسَيْن المتبقيين؛ إذ كان هيكل الجولة الأخيرة في صالح اللاعب المتبقي الذي حافظ على علاقات جيدة مع رفاقه، وفجأة، لم يكن مجرد شق طريقك إلى القمة كافيًا، بل كان عليك أن تكوّن صداقات بينما تشق طريقك نحو الفوز. وقام برنامج Joe Millionaire الأصلي بتقويض الأعراف الأساسية -وهي أن مسؤولي العرض لا يكذبون علنًا على المتسابقين بشأن الجوائز- من خلال حث عامل بناء على الظهور بمظهر الرجل الثري بينما تنافست 20 امرأة لجذب انتباهه.

وقد استعارت برامج الواقع عنصرًا رئيسيًّا آخر من الألعاب: العمل الفكري المتمثل في استكشاف قواعد النظام بحثًا عن نقاط الضعف والفرص. بينما يكشف البرنامج عن أعرافه، ويتحدث كل مشارك عن سماته الشخصية وخلفيته، فإن التشويق في المشاهدة يأتي من معرفة الطريقة الأفضل للمشاركين لاستكشاف البيئة التي تم إنشاؤها لهم. والمتعة في هذه البرامج لا تأتي من مشاهدة الآخرين وهم يتعرضون للإذلال على شاشة التلفزيون، بل من وضع أشخاص آخرين في بيئة معقدة وعالية الضغط حيث لا توجد استراتيجيات ثابتة ومشاهدتهم وهم يشقون طريقهم عبر هذا كله. ولهذا السبب، فإن المحادثات حول هذه البرامج تتمحور دائمًا حول الاستراتيجيات التي تم اتخاذها في حلقة الليلة السابقة: لماذا قام كوامي باختيار أوماروزا في تلك الجولة الأخيرة؟ ما هي الاستراتيجية الشريرة التي سيبتكرها ريتشارد هاتش الآن؟

وعندما نشاهد هذه البرامج، فإن الجزء من دماغنا الذي يراقب الحالة العاطفية للأشخاص من حولنا -الجزء الذي يتتبع التغيرات الدقيقة في النغمة والإيماءات وتعبيرات الوجه- يفحص التصرفات على الشاشة بحثًا عن الإشارات. نحن نشجع شخصيات معينة بشكل ضمني ونصوت لاستبعاد الآخرين. تثير العروض السردية التقليدية أيضًا روابط عاطفية مع الشخصيات، لكن هذه الروابط ليس لها التأثير التشاركي نفسه؛ لأن الروايات التقليدية لا تتعلق بشكل واضح بالاستراتيجيات الاجتماعية. تصف عبارة “إعادة النظر في الأحكام السابقة” الشعور بالتفاعل الذي يشعر به المشاهدون فيما يتعلق بالألعاب وليس القصص. نحن نستوعب القصص، ولكننا نعيد التخمين عندما نلعب. لقد جلبت برامج الواقع هذا التخمين إلى البرامج التلفزيونية، ويتمثل الفرق الوحيد في أن اللعبة المعنية تدور حول البراعة الاجتماعية بدلًا من البراعة الجسدية.

عوائد الثقافة التلفزيونية الذكية

أسرع طريقة لتقدير التدريب المعرفي لنظرية منحنى فيلم Sleeper هي الجلوس ومشاهدة بضع ساعات من البرامج الناجحة من أواخر السبعينيات على قناة Nick at Nite أو قناة SOAPnet أو على مشغل أقراص DVD؛ إذ سيشعر المشاهد المعاصر الذي يشاهد برنامجًا مثل Dallas اليوم بالملل من المحتوى؛ ليس فقط لأن البرنامج أقل ذكاءً من المسلسلات التلفزيونية اليوم (وهو كذلك بهامش صغير) ولكن أيضًا لأن البرنامج يحتوي على معلومات أقل بكثير في كل مشهد، على الرغم من حقيقة أن هيكل المسلسل جعله واحدًا من أكثر الروايات التلفزيونية تعقيدًا عندما كانت شعبيته كبيرة. ففي Dallas، لا يحتاج المشاهد المعاصر إلى التفكير لفهم ما يحدث، وعدم الحاجة إلى التفكير أمر ممل. فالعديد من العروض الناجحة مؤخرًا -كـ24 وSurvivor وThe Sopranos وAlias وLost وThe Simpsons وE.R.- اتبعت النهج المعاكس، إذ وضعت كل مشهد ضمن شبكة سميكة من الارتباطات، عليك أن تركز لتتبع خيط الحبكة، وتدرب عبر هذا التركيز أجزاء دماغك التي ترسم الشبكات الاجتماعية والتي تجمِّع المعلومات المفقودة والتي تربط ما بين المواضيع السردية المتعددة.

وبطبيعة الحال، لا يعمل مجال الترفيه على زيادة التعقيد المعرفي لمنتجاته لأغراض خيرية، إذ وُضعت نظرية منحنى فيلم Sleeper لمدى ربحية جعل الثقافة التلفزيونية أكثر ذكاءً. إن الجانب الاقتصادي من الترويج التلفزيوني ومبيعات أقراص DVD يشير إلى وجود ضغط مالي هائل لإنتاج برامج يمكن مشاهدتها عدة مرات واكتشاف فروق دقيقة ومعلومات جديدة في المشاهدة الثالثة، وفي الوقت نفسه، تم إنشاء المنتديات عبر شبكة الإنترنت للملاحظات والتعليقات التوضيحية التي من شأنها أن تسمح للبرامج الأكثر تعقيدًا بالازدهار، وذلك بفضل مواقع المعجبين حيث يتم تحليل كل حلقة من برامج مثل Lost أو Alias بدقة مخصصة عادةً للعلماء. وأخيرًا، دربت الألعاب التفاعلية جيلًا جديدًا من مستهلكي الوسائط على استكشاف البيئات المعقدة والتفكير بسرعة البديهة، وأصبح جمهور اللاعبين الآن يتوقع التحديات نفسها من برامجهم التلفزيونية. في النهاية، تُخبرنا نظرية منحنى فيلم Sleeper شيئًا عن العقل البشري، وتُخبرنا النظرية أن عقلنا قد ينجذب نحو ما هو مثير عندما يتعلق الأمر بالمحتوى، فالمظاهر تجذب في نهاية المطاف، لكن العقل يحب أيضًا أن يتم تحديه؛ فهناك متعة حقيقية يمكن العثور عليها في حل الألغاز أو اكتشاف الأنماط أو استيعاب نظام سردي معقد.

وفي الإشارة إلى بعض الطرق التي حسنت بها الثقافة الشعبية عقولنا، فأنا لا أزعم أن أولياء الأمور يجب أن يتوقفوا عن الاهتمام بنوعية البرامج التي يستمتع بها أطفالهم، فما أدافع عنه هو تغيير المعايير التي نستخدمها لتحديد ما هي نسخة “الوجبات السريعة غير الصحية” من البرامج وما هي البرامج المغذية حقًّا؛ فبدلًا من الحكم على البرامج بناءً على محتوى العنف أو التفاهة، أو عبر مدى حشمة الملابس أو التلفظ بالكلمات البذيئة، يجب أن يكون الاختبار الحقيقي هو ما إذا كان برنامج معين ينشط الدماغ أم يخدره، هل يُناقش البرنامج موضوعًا واحدًا يمكن التنبؤ بنهايته أم يرسم خريطة لشبكة اجتماعية معقدة؟ هل الشخصية التي تظهر على الشاشة تتجول وتطلق النار على كل شيء في الأفق أم أنها تحاول حل المشكلات وإدارة الموارد؟ إذا كان أطفالك يرغبون في مشاهدة تلفزيون الواقع، فشجعهم على مشاهدة Survivor بدلًا من Fear Factor، وإذا كانوا يريدون مشاهدة برنامج غموض، فشجعهم على مشاهدة 24 بدلًا من Law and Order، وإذا كانوا يريدون لعب لعبة عنيفة، فشجعهم على لعب Grand Theft Auto بدلًا من Quake. في الواقع، قد يكون من المفيد أن يكون لدينا نظام تقييم موجه لعالم الثقافة الجماهيرية يقوم تصنيفه على العمل المعرفي المتطلّب، لا الفحش والعنف. 

ويمكن لكل من الأطفال والكبار أن يتعلموا من هواياتهم المشتركة الآخذة في التزايد. لا تعجبنا في كثير من الأحيان الحدود الضبابية بين عوالم الأطفال والكبار: كتفسير ثقوب الجسد للأطفال الصغار، أو هوس الرجال البالغين بجهاز Xbox، لكن هذه الضبابية الديموغرافية لها جانب جدير بالثناء لا نعترف به بما فيه الكفاية؛ وهو أنها تفرض على الأطفال التفكير كالكبار: عبر تحليل الشبكات الاجتماعية المعقدة، وإدارة الموارد، وتتبع التشابكات السردية الدقيقة، والتعرف إلى الأنماط طويلة المدى، والكبار بدورهم يتعلمون من الصغار عبر محاولة فهم الموجات التكنولوجية الجديدة، وتحليل الواجهات الإلكترونية (Interface Parsing)، واكتشاف الفوائد الفكرية للعب، لذا يجب على أولياء الأمور أن ينظروا إلى البرامج التلفزيونية الذكية على أنها فرصة وليست أزمة، إذ لم تعد الثقافة التلفزيونية الذكية كالخضروات التي تجبر أطفالك على تناولها، بل كالنشاط الممتع الذي تمارسونه معًا. 

المصدر 

مقالات ذات صلة