القائمة الرئيسية

مهارة تعليم الثقة

مهارة تعليم الثقة
ملخص المقال

يسلط المقال الضوء على المسيرة التعليمية الملهمة للمعلّمة جوديث هاربر، التي درّست الأدب والأداء في مدرسة ويستوود الثانوية بأريزونا لأكثر من 38 عامًا، معتمدة على بناء الثقة من خلال المخاطرة المتدرجة والطقوس الجماعية والعلاقات الشخصية العميقة مع طلابها. من خلال أنشطة مثل تحليل النصوص، وكتابة الأعمال الإبداعية، والعروض المسرحية، خلقت بيئة آمنة تُمكّن الطلاب من التعبير عن أنفسهم واكتشاف قدراتهم، مما ساهم في نموهم الشخصي والثقة بالنفس، كما ظهر في قصص طلاب مثل ليزيت مونتانو ودولتشي. تؤكد هاربر أن جوهر التعليم الفعّال يكمن في العلاقات، والتعلم المستمر من الزملاء، والاعتراف بالأخطاء، وتكييف أساليب التدريس مع نقاط القوة الشخصية. وتنتقد النهج السياسي المتقلّب في إصلاح التعليم، داعية إلى التركيز على الأساسيات والممارسات المحلية المستدامة.

بقلم كريستينا ريزغا

تبدأ جوديث هاربر دائمًا فصل “الأدب والأداء” في مدرسة ويستوود الثانوية، في ميسا، أريزونا، بمناقشة أحد اقتباساتها المفضلة: “الثقة هي نتيجة النجاح في تجاوز المخاطر”. تلخص هذه الكلمات لأستاذ علم النفس الراحل جاك آر. جيب فلسفتها التعليمية، إذ تعتقد هاربر، التي تقاعدت هذا العام بعد 38 عامًا في التعليم، أنَّ الشباب سوف يصلون دائمًا إلى إمكاناتهم الكاملة إذا تمكنوا من تعلم الثقة. تقول هاربر: إنَّ تلك الثقة ظهرت في الطلاب في فصولها الدراسية عندما قاموا بالمهام اليومية الصغيرة، وواجهوا المخاطر التي نسقتها عمدًا من خلال دروسها، مثل تحليل الشعر المعقد، والمسرحيات، والروايات، وكتابة نصوص أصلية بناءً على تلك النصوص، وتعلم كيفية تنظيمها وتنفيذها.

حين اختارت ليزيت مونتانو التي تخرجت عام 2020م فصل هاربر عندما كانت طالبة أصغر سنًّا، اختارته سرًّا كوسيلة لتجنب القراءة والكتابة باللغة الإنجليزية. لم تتعلم مونتانو التي تتحدث الإسبانية اللغة الإنجليزية حتى بلغت 13 عامًا. وفي المدرسة الإعدادية، غالبًا ما كانت تتعرض للتنمر بسبب لهجتها، ولكن ما أدهشها في صف هاربر، أنها لم تطور فقط مهاراتها في القراءة والكتابة أكثر من أي فصل آخر، بل أدركت أيضًا أنها تستمتع بالتحدث أمام الجمهور والأداء على المسرح.

عندما زرت مدرسة ويستوود الثانوية، وصف أكثر من اثني عشر من زملاء مونتانو فصول هاربر أنها الأكثر تحديًا فكريًّا في تجربتهم بالمدرسة الثانوية، لكن ذكر معظمهم أنَّ قيمة الفصول تجاوزت المحتوى الأكاديمي. وقالت مونتانو: “تستطيع الآنسة هاربر التعامل مع الأشخاص الذين لا يؤمنون بأنفسهم. قبل فصل السيدة هاربر، لم أكن أؤمن بنفسي، لأنني لم أكن أعرف نقاط قوتي، أما الآن، فأنا أكثر انفتاحًا من ذي قبل؛ على استعداد لتحمل المخاطر، والتعرض للخطر، والتواصل مع الغرباء”. وقررت مونتانو أنْ تلتحق بجامعة أريزونا في الخريف لتتخصص في الكيمياء الحيوية، وقالت إنها في صف هاربر “نضجت كشخص، وليس مجرد طالبة”.

جلستُ مع هاربر في مايو 2019م لأتعرف على أسلوبها في غرس الثقة في نفوس طلابها، وما الذي أبقاها معلمة لما يقرب من أربعة عقود. عُدِّلَت محادثتنا بشكل طفيف لدواعي الوضوح والطول.

كريستينا ريزغا: ما الذي يبرز أفضل عمل لدى طلابكِ في اعتقادكِ؟

جوديث هاربر: العلاقات، العلاقات، العلاقات، والأهم من ذلك كله، أنني أبني علاقات مع طلابي من خلال أعمالهم الكتابية والأدائية. ولكن الأمر يتعلق أيضًا بالنظر إلى كل طالب كل يوم، ومحاولة معرفة ما به: “هل أنت بخير اليوم؟ تبدو متعبًا قليلًا. ملابسك أنيقة”. نحن هنا نطرح مجرد أسئلة ونستمع إلى الردود. وإذا لزم الأمر نبدل الأمور لنسمح للطلاب بتعليمنا أشياء جديدة. هذه هي طبيعة الفصل الدراسي، فهي بيئة ديناميكية ومتغيرة باستمرار.

كما أبني أيضًا إحساسًا قويًّا بالمجتمع، حتى يشعر الطلاب بالأمان عند تحمل المخاطر. هذا يعني أنني أريدهم أنْ يتواصلوا مع الطلاب الآخرين. أريدهم أنْ يشعروا أننا في شراكة، وأريد أنْ تكون لدينا طقوس خاصة بنا.

ريزغا: هل يمكن أنْ تعطيني مثالًا على أحد الطقوس المهمة من العام الماضي؟

هاربر: أحد الطقوس التي أستمتع حقًّا بمشاركتها مع طلابي هي تناول الطعام معًا. عندما يكون لدينا موعد تسليم عمل كتابي، أحدد جلسات للكتابة المسائية الجماعية، ودائمًا ما أشتري البيتزا للمجموعة. في مرحلة ما خلال جلسة عملنا، ننتقل إلى طاولة أخرى ونتناول البيتزا ونتحدث فقط، إذ لا نتحدث عن العمل، بل نتحدث مع بعضنا البعض فقط. إنها طريقة غير مباشرة لأقول: “أنتم تهمونني. نحن نهتم ببعضنا البعض. نحن نخصص بعض الوقت لبعضنا البعض”. ونسمي هذا “وقت المشاركة”، لأنه موضوع أدبي نستكشفه في النصوص جميعها التي نقرأها.

تدور الكتب جميعها التي نقرأها في صفي حول استكشاف سؤال واحد: كيف نجد المعنى في الحياة؟ إنَّ الطقوس هي إحدى الطرق التي يقوم بها المؤلفون بذلك. وتدور المسرحية التي اعتدت تدريسها بعنوان مدينتنا (Our Town) لثورنتون وايلدر حول فكرة الطقوس اليومية التي تتحول إلى أنماط الحياة الشاملة.

ريزغا: هل يمكن أنْ تعطيني مثالًا عن كيفية دمج الأداء في فصل الأدب لمساعدة الطلاب على تعلم مهارات مهمة؟

هاربر: هذا السؤال يجعلني أفكر في إحدى طالباتي، دولتشي: طالبة ذكية وفنانة وذات تفكير عميق، ولكنها كانت خجولة جدًّا. دائمًا ما يكون لدي طلاب واثقون من أنَّ الناس يريدون سماع ما سيقولونه، أما مع طلاب مثل دولتشي، فلا بد لي من جعلهم يتحدثون.

نبدأ عامنا بأنشطة منخفضة المخاطر، ونرفع هذه المخاطر تدريجيًّا. أول أداء نقوم به هو مشاهد شكسبير، وقد لعبت دولتشي دور هوراشيو في مشهد من هاملت. في أثناء التدريبات، غالبًا ما كانت دولتشي تضع يديها على بطنها، متمسكة به بقوة، وقد استطاعت التخلي عن هذه العادة بالتدريج. تحدثنا عن الكيفية التي يتعين علينا بها عمومًا أنْ نتصرف بشكل أكثر مبالغة على المسرح مقارنة بالحياة الواقعية، وجزء من ذلك يعني أنْ نكون على استعداد لأن نتقبل الانتقاد. يتعلق الأمر أيضًا بوضعية الوقوف، فعندما تقف براحة، يمكن أنْ يتدفق الهواء على طول الحجاب الحاجز، مما يخلق مساحة أكبر لخروج صوتك. وهذه بعض الأساليب لخلق الثقة.

لكن الجزء الأكثر أهمية في بناء تلك الثقة هو هذا الشعور الداخلي بالإنجاز: “لقد صعدت على المسرح مع شريكي، وقمنا بعمل رائع. قمنا بأداء المشهد وصفّق الناس لنا”، إذ يكتسب المرء الثقة في نفسه وفي قدرته على أنْ يكون ذلك الشخص الذي يقف أمام الآخرين ويتحدث. كانت دولتشي فخورة بأدائها، وقلت لنفسي، إنها تتمتع بصوت قوي، ولم تعد خائفة من استخدامه بعد الآن. لست أنا من ساعدها، بل هي التي اتخذت قرارًا بتحمل المخاطر التي قد تؤدي إلى ذلك المكان.

قد لا يطمح معظم طلابي لأن يكونوا ممثلين أو كتَّابًا مبدعين، لكنهم جميعًا سيحتاجون إلى الثقة للوقوف أمام الآخرين، والتعبير عما يفكرون فيه ويؤمنون به، وإقناع الآخرين أنَّ أفكارهم لها قيمة ومعنى. من الصعب قياس هذا النوع من التعلم من خلال اختبار أو نموذج تقييم، لكن عادةً ما يخبرني طلابي السابقون أنَّ مثل هذه اللحظات هي التي ساعدتهم على النمو بطرق كانت مفيدة حقًّا في حياتهم.

ريزغا: ما هي بعض الأمور المهمة المتعلقة بالتدريس والتي تعلمتيها بالخبرة، ولكنك تتمنين لو كنتِ تعرفينها عندما بدأتِ التدريس؟

هاربر: من المهم جدًّا أنْ تستطيع الاعتذار للطلاب بكل راحة. على سبيل المثال، في الآونة الأخيرة، كنا نتدرب في منزل شخص آخر، أحضرت إحدى طالباتي علبة كولا ثم سَكَبَتْها عن طريق الخطأ على السجادة. فصرخت عليها: “لا أستطيع أنْ أصدق أنك أحضرتِ هذه إلى هنا!” وفي اليوم التالي، اعتذرت لها على انفراد. قلت لها: “أريدك أنْ تعلمي أنني أشعر أنني بالغت في انفعالي بعض الشيء”. ثم اعتذرت عن الأمر أمام الفصل أيضًا. فقلت: “أريدكم أنْ تعلموا أنني تحدثت معها على انفراد واعتذرت عن الصراخ في وجهها. لم أكن سعيدة لانسكاب المشروب، لكن كان بإمكاني التعامل مع الأمر بطريقة مختلفة تمامًا”. أريد أنْ يعرف الطلاب أنَّ الاعتذار يمكن أنْ يكون أمرًا مؤثرًا جدًّا.

ما أعرفه الآن هو أنَّ الأوقات التي من المرجح أنْ أتصرف فيها بطريقة سأندم عليها لاحقًا هي عندما أشعر بالقلق بشأن الدرس ولا أشعر أنَّ الأمر يسير على ما يرام. ومع مرور السنين، أصبح من العادي بالنسبة لي أنْ أقول: “ربما لم أفكر في الأمر جيدًا كما ينبغي. دعونا ننتقل إلى نشاط آخر”.

ريزغا: ما هي نصيحتك للمعلمين المبتدئين؟

هاربر: أول الأمور وأهمها يجب على المعلمين القيام به هو تعلم مهارة التدريس. بعد تخرجنا من الكلية، أصبحت لدينا المعرفة بالمحتوى، ولكن ليست لدينا المعرفة المتعلقة بكيفية التدريس. فقد تعلمنا الأساسيات فقط، مثل كيف أُنشئ درسًا؟ ما الذي أريد أنْ يعرفه الطلاب في نهاية الدرس؟ كيف أقوم بذلك بكفاءة وتفاعل، وكيف يمكنني تقييم ما يعرفه الطلاب؟

يوجد شيء واحد يمكنك القيام به في السنة الأولى، وهو مشاهدة الخبراء من المعلمين القدامى الناجحين الذين يعملون مع الطلاب وسؤالهم باستمرار: “كيف فعلت ذلك؟ كيف نجحت بهذا العمل؟ لكن لا تفترض أنَّ كل نظام وطريقة يستخدمونها سوف تناسبك. من الجيد أنْ تقول: “هذا لا يتناسب حقًّا معي كشخص وكمعلم”. واستمر في التفكير بكيفية التدريس، والتفكير في طريقتك الخاصة، والبحث عن طرق مختلفة. عندما تفكر في طرق مختلفة، من المهم العثور على الأشياء التي تتوافق مع نقاط قوتك. فمن إحدى أكبر المشكلات التي أراها مع المعلمين المبتدئين -والسبب الذي يجعل العديد منهم يغادرون المدرسة- هو الشعور اليومي بالفشل. أعتقد أنه عندما نستغل نقاط قوتنا، فمن المرجح أنْ نشعر بالنجاح في نهاية اليوم.

إنَّ العلاقات الجماعية أساسية أيضًا. لدي شخصية معينة رافقتها فترة طويلة، إذ يمكنني التحدث معها بحرية حول ما لا ينجح في طريقة تدريسي، ولا أشعر أنني أتعرض للانتقاد. عليك أنْ تجد تلك المجموعة، دائرتك الداخلية، وألا يكونوا أشخاصًا سيخبرونك فقط: “لا بأس. أنت تقوم بعمل رائع”، بل أنْ يكونوا الأشخاص الذين سيساعدونك على التفكير في طريقة تدريسك: “ما الذي نجح؟ وما الذي لم ينجح؟ هل فكرت في القيام بالأمر بهذه الطريقة؟”

ويوجد أمر رئيسي آخر: لا بأس في الشكوى من يوم سيئ، ولكن عندما تجد نفسك جالسًا مع أشخاص مقربين، أو مع مجموعة من الزملاء يشكون من الطلاب، تجنب ذلك كتجنب الطاعون. الآن، أنا لا أقول إنني أنا المشكلة دائمًا- ولكنني أقول إنني الشخص الذي يستطيع حلها. أنا من يملك القوة في الفصل الدراسي، ووظيفتي هي الاهتمام بالجو الدراسي، والثقافة، والتعلم في المكان.

ريزغا: ما هي الطرق التي تعتقدين أنه يمكن للمجتمعات من خلالها تحسين مدارسها؟

هاربر: لقد ابتعدت السياسة كثيرًا عن الفصول الدراسية منذ إعلان الهدف المستدام المتمثل في عدم ترك أي طفل خلف الركب. وتتغير تفويضات الإصلاح كل ثلاث سنوات، قبل أنْ تتاح لها أي فرصة لترسيخ جذورها، فما عليك فعله كله هو أنْ تقول إنَّ شيئًا ما “يعتمد على الأبحاث” وتبديل كل شيء مرة أخرى. وفي الوقت نفسه، توقفنا عن النظر إلى الأساسيات، مثل الفصول الدراسية صغيرة الحجم، والوقت الكافي لتخطيط الدروس، وتقديم الملاحظات حول عمل الطلاب، والعمل مع المعلمين الآخرين لتحسين الممارسة، وتنمية ما ينجح في مكان العمل، وتعديل ما لا ينجح. كما علينا أنْ ننظر إلى تحسين المدارس بعدِّها عملية محلية خاصة تشتمل على العديد من المكونات الأساسية التي يعزز بعضها بعضًا، بدلًا من هذا التغيير العالمي الكبير الذي يحدث كل ثلاث سنوات.

ريزغا: ما الذي دفعكِ إلى التدريس والحفاظ على هذا الشعور العميق بالبهجة فترة طويلة؟

هاربر: المراهقون هم مجموعتي المفضلة، أما الأطفال، فيجعلونني أفكر. إذا كنتُ معهم -إذا كنت أنظر إليهم وأستمع إليهم ولا أفكر في جدول أعمالي فحسب، بل في جدول أعمالنا أيضًا- فإنهم يعلمونني أمورًا طوال الوقت. فأنت تتعامل مع هؤلاء الشباب الصغار الذين يعيشون مرحلة المغامرة واكتشاف العالم، يقرأون أشياء لم يقرؤوها من قبل، ويضيفون لها شيئًا جديدًا كل يوم. لا يمكن تكرار هذه العلاقة -الطرق التي يمكنك من خلالها التعرف على عقول الشباب وقلوبهم في الفصل الدراسي- في أي مكان آخر.

المصدر

مقالات ذات صلة