القائمة الرئيسية

طابعتي تَبتزّني 

طابعتي تَبتزّني 
ملخص المقال

يتناول المقال بأسلوب ساخر تجربة الكاتب تشارلي وارزيل مع طابعته المنزلية من نوع HP، التي تم تعطيلها عن بُعد من قبل الشركة بعد انتهاء صلاحية بطاقته الائتمانية المرتبطة بخدمة الاشتراك الشهري ""Instant Ink"". يسلط المقال الضوء على كيف تحوّلت المنتجات المادية مثل الطابعات إلى أدوات تتحكم بها الشركات من خلال الاشتراكات الرقمية، مما يقيّد ملكية المستخدم وقدرته على التصرف في جهازه حتى بعد دفع ثمنه. ويشير الكاتب، مستعينًا بآراء خبراء مثل كوري دوكتورو، إلى أن هذه السيطرة ليست مقتصرة على الطابعات بل تمتد إلى السيارات، والمحتوى الرقمي، وحتى الألعاب، حيث تتسلل قيود الشركات عبر التحديثات والاشتراكات إلى تفاصيل الحياة اليومية، فتُفقد المستهلكين جزءًا من استقلالهم باسم الراحة.

بقلم: تشارلي وارزيل

أوَّل قاعدة لاستخدام الطابعات المنزلية هي ألا تحتاج لطابعةٍ منزلية عادةً، حتى يأتي وقت حاجتك لاستخدامها فتكون بأمسِّ الحاجة لها. والقاعدة الثانية هي عند تشغيلك للطابعة إمّا أن تعمل بسلاسةٍ لعشر سنين، أو أن تتعطَّل مباشرة وبشكلٍ متكرِّر، وبطرقٍ جديدة وحتى مثيرة للإعجاب، لتصبح الطابعة شبحًا يطاردك في منزلك. إنّ تاريخ الخلَل الوظيفي للطابعات المنزلية غنيّ جدًا لدرجة أنّ فشلها أصبح أمرًا متوقعًا. 

بعد سنوات مِن رفضنا اقتناء طابعة، رَضَخَتْ عائلتي واقتنت طابعة (inkjet) في فترة جائحة كورونا (مثل العديد، كنَّا نتسوق كثيرًا عبر الإنترنت في 2020؛ ما يعني الحاجة لطباعة الكثير من ملصقات طلب الإرجاع). فقد شَمَّرْتُ عن ساعديّ لأواجه معاناة انحشار الورق، وأخطاء التخزين المؤقت الوهمي، والجملة المُخيفة: “لم يتم العثور على برنامج التشغيل”. لكن ما لم أتوقعه هو أن تستفزّني طابعتي مثل مُرَابي القروض. 

بدأت المشكلة مع عنوان لطلب اشتراك. لم تكن طابعتي تستجيب. ثمّ ظهرت لي رسالة خطأ على شاشة حاسوبي تشير إلى أنّ طابعتي (HP Officejet Pro) تمّ تعطيلها عن بُعد مِن قِبل الشركة. عندما سجّلت الدخول في موقع (HP)، علمت السبب: لقد انتهت صلاحية بطاقة الائتمان التي استخدمتها للتسجيل في برنامج إعادة تعبئة الحِبر (HP Instant Ink)، وقامت الشركة بتعطيل جهازي ردًا على ذلك. 

لأولئك الذين لم يوقّعوا عقد صفقة الشيطان هذه (Instant Ink) هو برنامج اشتراك شهريّ يَدّعي أنه يراقب الاستخدام المشترك للطابعة ولمستويات الحِبر، ليرسل خراطيش الحِبر الجديدة بشكلٍ تلقائيّ قبل نفاذ الحِبر بالكامل. وهذا الاسم يعتبر مضلِّلاً، لأن الرسوم الشهرية ليست للحِبر نفسه، بل لعدد الصفحات المطبوعة (خطة الاشتراك المُوصى بها للبيت الواحد تكلّف 5.99 دولارًا في الشهر لطباعة 100 صفحة). ومثل الآخرين، سجّلت في البرنامج على عجلٍ أثناء عملية إعداد الطابعة، حيث كنت بالكاد أدرك ما كنت أشتريه. لقد بدا الحصول على الحِبر عندما أحتاج إليه مريحًا بما فيه الكفاية بالنسبة لي، شعرت بأنني رجلٌ مُدلَّل تمامًا بسبب التجارة الإلكترونية ذات النقرة الواحدة، لدرجة أنّ الفصّ الأمامي من عقلي مُعطَّل بالكامل الآن على الأرجح. حيث يتم فرض الرسوم الشهرية سواءً قمتُ بالطباعة أم لا، وتشغل خراطيش الحِبر بعض مساحة المِلكية المحدودة التي تملكها، لكنك في الأساس تستأجرها وتستأجر جهازك أثناء فترة تسجيلك في البرنامج. 

لقد وجدت صعوبة في أن أُعبِّر بشكلٍ مناسب عن مستوى شدة الغضب الذي شعرت به عندما أدركت كل هذا في المحادثات اللاحقة مع أصدقائي وعائلتي. فقد دفعت مقابل هذا الجهاز أكثر من 200 دولارًا، وخراطيش الحِبر المملوءة، التي لم أستخدمها إلا لوقتٍ بسيط. تصطفّ على مكتبي في حالة ممتازة ودون فائدة بسبب شركة (Hewlett-Packard)، وهي شركة تقنية تبلغ قيمتها السُّوقية 28 مليار دولار، أثناء كتابة هذا المقال. ولأنني فشلت في سَداد دفعة شهرية مقابل إحدى الخدمات التي تهدف إلى تسليم خراطيش حِبر جديدة لم أكن بحاجةٍ إليها بعد. شعرت بالاستياء، وأصدرت أصواتًا غريبة تعبّر عن إحباطي، والتي أفهم الآن أنها استجابات وراثية (تشبه الأصوات التي يصدرها أبي عند استيائه) لمشاكل الطابعة، وأعلنت في تلك اللحظة أنني كنت أتعرَّض للابتزاز من قِبل طابعتي.

أشعر بالخجل لتعبيري عن هذه الشكاوى للآخرين، خشية أن يُنظر إليها على أنها إساءة استخدام لمنصتيّ الموقرة. أنا شخص بالغ يتمتع بعقلٍ سليم إلى حدّ ما ولديّ القدرة على قراءة العقود: لقد فعلت هذا لنفسي. لكن ابتزاز طابعتي هو مجرد مثال واحد على الكيفية التي تتغلغل عبرها الاشتراكات الرقمية في التكنولوجيا المادية بشكلٍ كامل لدرجة طمسها لخطوط تحديد المِلكية. حتى لو دفعت ثمنها، هل يمكنني حقًا أن أقول إنني أملك الطابعة الخاصة بي إذا كان بإمكان شركة (HP) نقر زرّ وتعطيلها؟ 

أخبرني الكاتب والناشط كوري دوكتورو مؤخرًا أنّ “ما تفعله شركة (HP) سيئ للغاية إذ يُعد أمرًا يجعل استخدام المنتج أصعب بكثير”. كتب كوري بشكلٍ مكثّف حول إدارة الحقوق الرقمية والعلامات التجارية للطابعات. بالنسبة له، تساعد مشكلات الطابعة الشائعة مثل مشكلتي الأشخاص على فهم الحقوق الرقمية والطرق التي تصنع بها الشركات أجهزة تقاوم تعديل المستخدم. ويقول: “إنّ المعركة من أجل الحرية الرقمية تجري داخل طابعتك”، حيث لا يتعلّق الأمر فقط بالمراقبة أو الأسعار الشنيعة للحِبر والجهود المبذولة لمنع أطراف ثالثة من بيع خراطيش الحِبر بأسعارٍ أقل، بل بالطريقة التي يفقد بها المستهلكون السيطرة على الأشياء التي يمتلكونها بالفعل.

أحد الأمثلة المفضَّلة لديه على ذلك هو عندما قامت شركة جوجل بتعطيل مجموعة من الخدمات بعد إغلاق المستخدم لأحد خدمات جوجل. ثمّ هناك شركة تيسلا (Tesla)، التي غالبًا ما تصدر تحديثات البرامج لسيارات المَالكين، ما يغيّر وظائف السيارة بشكلٍ كبير في بعض الأحيان. في عام 2017، عندما هدَّد إعصار إيرما (Irma) فلوريدا، قامت الشركة بتحديثٍ أدَّى إلى زيادة عُمر البطارية مؤقتًا لأصحاب المركبات الموجودة في متناول العاصفة. تمَّت الإشادة بشركة تيسلا في ذلك الوقت، لكن أشخاصًا مثل كوري رأوا هذا الحدث كمثال على القوة التي تتمتّع بها شركات التكنولوجيا على العُملاء – فقد رفعت شركة صناعة السيارات ببساطةٍ قيودًا برمجية تعسفيَّة كانت قد فُرضت على بطاريةٍ فعلية، واسْتُخْدِمَتْ تلك القيود لتحديد أسعار مختلفة للمُستهلكين. “إنّ متاجر التطبيقات التي تشغل أجهزتنا مريحة، ويمكن أن تعمل الاشتراكات بشكلٍ رائع عندما يكون لديك دكتاتور رؤوف، ولكن ماذا يحدث إذا قرّر تضييق الخِناق عليك أو زيادة الأسعار وتوقفت سيارتك عن العمل؟”، قال كوري: “لا يوجد علاج آنذاك”. 

أستطيع أن أذكر أن وسائل التواصل الاجتماعي تعجّ بالأفراد الذين يشعرون بالغضب الشديد تجاه برنامج (Instant Ink HP). لذا معًا، تشكِّل شكاوينا المتشابكة تناغمًا من الاستياء. هناك حكايات عن المعاناة عبر موقع دعم عملاء (HP)، وفي سلاسل مناقشات (Reddit)، وعلى موقع (Twitter). تزعم دعوى قضائية جماعية قيد النظر في كاليفورنيا أنّ برنامج (Instant Ink) يحتوي على “سلبيات ملحوظة”، ولا يتم تسليم خراطيش الحِبر الجديدة في الوقت المحدد، ولا يسمح للمشتركين باستخدام الخراطيش التي تمّ شراؤها خارج خدمة الاشتراك، ما يجعل المستهلك غير قادر في كثير من الأحيان على الطباعة. أخبرني باركر تروكس، المتحدث باسم شركة (HP): “ستستمرّ خراطيش الحِبر الفورية في العمل حتى نهاية دورة الفواتير الحالية التي يقوم فيها العميل بإلغاء الاشتراك”. لمواصلة الطباعة بعد إلغاء اشتراك (Instant Ink) وانتهاء دورة الفواتير، يمكنهم شراء واستخدام خراطيش (HP) الأصلية القياسية أو كبيرة الحجم.

يمكن أن تمتد المشاكل إلى ما هو أبعد من القيود المُصطنعة. حيث أخبرني سكيب وايزمان -الذي يمتلك شركة استشارية خاصة به في بوكيبسي، نيويورك- أنّ شركة (HP Instant Ink) لم تتوقف عن إرسال خراطيش الحِبر إليه. مسلَّحًا بإمداداتٍ تكفي لأكثر من عام، ألغى سكيب اشتراكه، وقال: “لم يخبرني أحد أنه إذا ألغيت الاشتراك، فإن كل هذه الخراطيش ستتوقف عن العمل، رغم أنّ اسمها يدل على أنّ الحِبر فوري”. لكنّهم توقفوا عن العمل بالفعل: “أشعر أنهم يتلاعبون بالعملاء. وأعتقد أنّ هذا هو مستقبلنا، أن يتجسَّس عليك حِبر طابعتك.. يَا لَهُ من مستقبلٍ حزين”. 

على الرغم من أنّ العملاء المحبطين يسمّونها بشكلٍ روتينيّ احتيالاً، إلا أن (Instant Ink) لا تحتال في حدّ ذاتها. إنها مجرد نموذج عمل عدواني يجعل استخدام المنتج أصعب بكثير. يقول كوري إن شركة (HP) تتبع خُطى الكازينوهات، وشركات تصنيع شفرات الحلاقة، التي تقدّم صفقات (غرف فندقية مجانية، وماكينات حلاقة رخيصة)؛ من أجل جذب المستهلك إلى معاملةٍ مالية أكثر ربحًا بعد دخوله في الصفقة. يعد حِبر الطابعة باهظ الثمن لأن الحِبر مُكلِف بشكلٍ طبيعي، ولكن أيضًا لأن الخراطيش باهظة الثمن تساعد الشركات على تعويض الأموال التي تخسرها من بيع الأجهزة الرخيصة. قال أحد خبراء صناعة الطابعات لمنظمة تقارير المستهلك عام 2018: “فكّر في السِّعر الأصلي للطابعة وكأنه دفعة مُقدَّمة”. لسنوات، باعت الشركات الآلات بسعرٍ مخفض، لكن البرامج مثل (Instant Ink)، التي تستخدم التكنولوجيا لمراقبة استعمال الخراطيش – وتعطيل الآلات – تبدو على أنها نَهب للمستهلك.

حتى لو لم تكن محاصرًا في جحيم الحِبر هذا، فإن قالب هذه القصة قد يبدو مألوفًا بشكلٍ مُقلق. يواجه معظم الأشخاص القيود التي تفرضها ممارسات إدارة الحقوق الرقمية. إذا واجهت صعوبة في الوصول إلى فيلمٍ ما أو كتابٍ ما أو أغنية ما اشتريتها مِن (Apple) أو (Amazon) مِن قبل، فأنت تعرف هذا الشعور. أو ربما كنت لاعبًا يشعر بالإحباط منذ فترة طويلة بسبب ألعاب اللعب الفردي التي تتطلب الإنترنت للعب. لا تكمن المشكلة في أن الناس يشعرون بالحنين إلى أيام الأقراص المضغوطة (CD)، وأقراص الفيديو الرقمية (DVD)، والتحديثات الثابتة فحسب – بل تكمن المشكلة في أن الكثير من الراحة التي وعدتنا بها أدواتنا المُتصلة بالإنترنت لها تأثير ثانوي يتمثّل في تجريد أجزاء صغيرة من وكالتنا وتركنا مدينين أكثر للشركات التي تسعى إلى تحقيق هوامش ربح أكبر.

يستشهد جوش كروجر -وهو كاتب من فيلادلفيا متورط أيضًا في علاقة مضطربة مع (Instant Ink)- بالبرنامج كدليل على أنَّنا “نعيش في عَصر إنترنت الهراء”، حيث وَقَعنا في فخّ الاشتراكات. مِثلي، يشعر جوش بالخجل من غضبه، لكنه يشعر بأنه قد تمّ خداعه مِن قِبَلِ طابعةٍ يستأجرها فقط. قال لي جوش: “لقد دفعتُ ثمن هذه الآلة، ومن المثير للغيظ أن تستمر الشركة في إخباري بما يمكنني فعله بها. باعتباري أمريكيًا غبيًّا يمتلك الجهاز، يجب أن أكون قادرًا على استخدام عصير التوت للطباعة بهذا الشيء إن أردت ذلك”. 

غضبي حول الطابعة -وهي آلة غير جذابة يستخدمها الكثيرون لإكمال مهام الحياة الدنيوية مثل طباعة نموذج جواز السفر أو مُلصق عنوان الشحن- هو خيانة إضافية. ولكن هذا هو بالضبط نوع المشكلات الثانوية التي يتجاهلها الناس. وهُم، مثلي، لا يولون إلا القليل من الاهتمام أثناء عملية التسجيل، ومثلهم كمثل سكيب وجوش، يستمرّون في الدفع رغم الشعور بالاستغلال؛ لأن القيام بذلك أسهل من أيّ بديلٍ آخر.

 يؤدي الشعور بالاستغلال بشكلٍ واضح للغضب، ولكنّه أيضًا سبب للتهاون. على الرغم من أن التنفيذ حديث، إلا أنَّنا لطالما شعرنا بالعجز على أَيدي شركة ضخمة لدرجة أنّ الكثير منَّا يتقبّل ذلك بلا نزاع. قال جوش: “طوال حياتي، كانت طابعاتي تتعطَّل دائمًا، لذا فمن المناسب أن أوَّل طابعة امتلكتها، والتي لم تتعطَّل بعد، قرَّرَت أن تحتجزني كرهينة”.

المصدر

مقالات ذات صلة