أتذكّر ليلة وقعت في الحبّ
كانت السنة 1977، وكنت في الـ 12 من العُمر. حين اشترى والدا أحد أطفال الجيران آلة إسبريسو، وهي أداة غريبة في تلك الأيام، حتى في مدينة سياتل. إذ لم يكن هناك سوى مقهى ستاربكس واحد في العالم في ذلك الوقت، ولحسن الحظ، فقد كنّا نعيش على مقربةٍ منه. اشترينا أنا وطفل الجيران كيلو من القهوة وشرب كلٌ منا حوالي ثمانية أكواب من الإسبريسو. حينها شعرتُ بعظمة الحياة والإلهام فقمت بالصعود إلى سطح منزله. وخلال قيامي بذلك، أُصبت بجرحٍ في بطني بسبب أنابيب المجاري الخاصة بهم، وأُصبت بالذهول من مدى سطوع النجوم بينما كنت أنزف بغزارة.
وبعد مرور خمسة وأربعين عاماً، لم يمر يوم دون أن أجدد وعودي مع حبَّة البُنّ. وأدركت أيضاً كيف ولماذا تأسرني القهوة.
تطور الكافيين في بعض النباتات، بما في ذلك شجيرات القهوة وأشجار الشاي وحبوب الكاكاو وثمار الكولا، كمبيد حشري يحدث بشكلٍ طبيعي لردع الحشرات عن تناولها. إن الحشرات غبية بالفعل. ولكن كل هذا لا يفسّر سبب استهلاك حوالي 85% من الأمريكيين له بشكل ما كل يوم. (إذ لا أستطيع سوى أن أفترض أن الـ 15٪ الأخرى ليس لديهم أي نوع من جودة الحياة على الإطلاق). والسبب هو عندما يتم استهلاك الكافيين، فإنه يدخل الدماغ بشكل سريع، حيث يتنافس مع مركب كيميائي يسمى الأدينوزين. وإحدى المهام الأكثر أهمية للأدينوزين هي أنها تجعلك تشعر بالتعب. فعلى مدار اليوم، تقوم بإنتاج كمية كبيرة من الأدينوزين لتساعدك في الاسترخاء بشكل تدريجي ومن ثم تقوم الخلايا العصبية بإطلاقها ويقوم مُستقبِل مُصمَم بشكل مثالي لجزيئة الأدينوزين بالارتباط بها، حيث يتلقى رسالة مفادها أن الوقت المناسب للنوم يقترب.
وهنا يأتي دور الكافيين، إذ يتشكّل بشكلٍ مشابه جداً لجزيء الأدينوزين، لذا فهو يتناسب مع المُستقبِلات. ولا يستطيع الأدينوزين الوقوف في المكان الذي من المفترض أن يقف فيه، بسبب وجود الكافيين في أماكن الوقوف. (يبدو “شعور الرشفة الأولى” الذي تعلن عنه شركة ستاربكس على جانب أكوابها أكثر جاذبية من “حجب الأدينوزين الصباحي”، ولكن هذا ما يحدث بالفعل). ففي الحقيقة الكافيين لا ينشطك، بل يمنعك ببساطة من الشعور بالخمول. استهلك ما يكفي من الكافيين، ولن يكون لديك تقريباً أيّ أدينوزين مُتصل بمُستقبلاتك على الإطلاق، لذلك تشعر بالتوتر والقلق.
وللوصول إلى ما يهم حقاً وهو أن القهوة تجعلك سعيداً. فقد لاحظ الباحث ديفيد إم واربورتون في أثناء كتابته في مجلة علم الأدوية النفسية ما كان من الممكن أن أخبره به دون كتابة دراسة: يمكن أن تؤدي جرعة منخفضة من الكافيين إلى “زيادة كبيرة في السعادة والهدوء وانخفاض التوتر”. وأشار أيضاً إلى أن هذه التأثيرات، بين المشاركين في الدراسة، لم تأتِ من تخفيف الرغبة الشديدة الناتجة عن إدمان الكافيين؛ حيث كان التأثير حقيقياً ونقياً ورائعاً. إنها حقاً أعجوبة.
الكافيين هو هِبة بطرق أخرى بالإضافة إلى السعادة. وإلى جانب ممارسة التمارين الرياضية، فإن الكافيين يمكن أن يعزز الأداء المعرفي (وهذا يعني أنه يجعلك أكثر ذكاءً، في حال لم تشرب قهوتك بعد)، وإذا كنت تنام على نحو غير مثالي، فإنه يمكن أن يعزز وقت استجابتك وقدرات التفكير المنطقي. وتذكر ذلك عندما تتجه إلى الطرقات المزدحمة: فإن الحياة التي تنقذها قهوتك قد تكون حياتك.
وليس من المبالغة القول إن الكافيين يُعتبر نعمة للإنسانية. وكما يزعم مايكل بولان في كتابه الصوتي: “الكافيين: كيف خلقت القهوة والشاي العالم الحديث (Caffeine: How Coffee and Tea Created the Modern World)”، فإن وصول الكافيين إلى النظام الغذائي الأوروبي في القرن السابع عشر قد حوّل الاقتصاد من خلال تعزيز الإنتاجية والابتكار والسلامة. فلولا القهوة، ربما قضيت أيامك ترتعش في كهف مظلم وتموت بعد أن تُصاب بشظية. لذا لا تكن بائساً وناكراً للجميل: فإذا كنت تحبّ الكهرباء والمياه الجارية والأدوية المنقذة للحياة، فاشكر أعجوبة الكافيين.
بالطبع، لا يوجد شيء مجاني في الحياة. ففي مواجهة قوة البُنّ، تتصارع قوى الشر للأدينوزين وتحاول مقاومتها. فكلما استهلكت المزيد من الكافيين مع مرور الوقت، فإن مُستقبلات الأدينوزين تزيد تنظيماً، حيث يزداد عددها لتتسع لجزيئات الكافيين وتستقبلها أيضاً. وهذا يؤدي إلى حالة من التحمّل، حيث يكون للكافيين تأثير أقل بعد الاستخدام المزمن. ومع ذلك، فإن هذه “المشكلة” هي في الواقع مجرد فرصة للاستمتاع بالمزيد من القهوة.
إذ يعتقد بعض الناس أن الحلّ للتحمّل هو الضغط على زرّ إعادة الضبط. فإن زوجتي واحدة منهم: ففي الآونة الأخيرة، لاحظت الزيادات في استهلاكي على مر السنين، فاقترحت عليّ ببراءة أن “آخذ استراحة قصيرة” من القهوة. الاقتراح نفسه أشعرني بالغضب. حيث أجبت وقد ارتفع معدل نبضات قلبي: “لماذا لا نعيش منفصلين لمدة عام حتى يبدو الأمر كما حدث عندما تزوجنا لأول مرة؟”، هل ردة فعلي مبالغ فيها؟ لا أعتقد ذلك.
فأنا في سلام مع التأثيرات طويلة المدى لولائي للقهوة. وبالتأكيد، فإن عاداتي لشرب القهوة تُضعف غدة الإفراز البُنَيْ وغدد الكظر، مما يجبرني على أخذ كميات أكبر من الكافيين بمرور السنوات. ولكنها تستحق ذلك تماماً، إذ تشير الأبحاث اليابانية إلى أن شرب القهوة بصورة معتادة يقلل من معدل الوفيات لأسباب مختلفة. وتشير الدراسات على الفئران إلى أن ذلك يحدث من خلال تشجيع عملية الالتهام الذاتي، وهي العملية الحيوية التي تقوم بتنظيف الفضلات الخلوية والتي تبطئ التقدم في السِّن بشكل طبيعي. وتم أيضاً اكتشاف أن القهوة تقلّل من مستويات الأحماض الدهنية في بلازما الفئران المتقدمة في العُمر، التي ترتبط بمرض السكري والسرطان في البشر. (يقول الناس إن إجراء الاختبارات على الحيوانات قاسٍ، ولكن إذا كان ذلك يعني تجربة منح الفئران أكوابًا صغيرة من القهوة، فأنا أشجع ذلك بشكلٍ كامل).
نظراً للافتراض بأن القهوة تبقيني على قيد الحياة لبضعة أيام إضافية أو عقود إضافية، فأنا أعرف كيف سأقضيها عن طريق شرب المزيد من القهوة، من حبوبٍ محمّصة بدرجات أغمق وأغمق، فإن رائحتها القوية تساعد في مقاومة فقدان الذوق والشم المرتبط بالتقدم في العُمر. وإذا قامت ستاربكس بإطلاق خطٍّ من البُنّ يحمل اسم “رماد إندونيسي”، فسأكون أوّل المصطفين لشرائه.
بغض النظر عن كل الأبحاث، فلدي بياناتي الخاصة حول الشيخوخة واستهلاك القهوة. فقد توفيت حماتي الإسبانية التي أحببتها مثل والدتي، في الصيف الماضي عن عُمرٍ يناهز الـ 93 عاماً. كانت حادة ومبتهجة دائماً، حتى في نهاية حياتها. كما كانت تشرب عدة أكواب من القهوة بشكلٍ يومي حتى اللحظة الأخيرة. فقد جمعنا حبنا المشترك لحبَّة البُنّ حتى قبل أن نتحدث نفس اللغة، وحافظت حبَّة البُنّ على علاقتنا لأكثر من ثلاثة عقود.
وفي الأسابيع الأخيرة من حياتها، كنت ألقي المحاضرات في برشلونة وأقضي وقت فراغي معها حيث نقوم بشرب العديد من أكواب القهوة ونتبادل الحديث عن سِر السعادة. وكانت قاعدتها في الحياة هي: “الحبّ والإيمان والقهوة” (el amor, la fe, y el café). وفي رأيي غير المتحيز، فإن هذا يبدو صحيحاً تماماً.
