عندما انتقلت أوجيا كروز بانكس من نيوزيلندا إلى أوهايو قبل عدة سنوات، كانت منهمكة في التفكير في كيفية ترك حياتها السابقة وراءها، وشعرت أوجيا، جارتي وصديقتي فضلًا عن كونها أستاذة في جامعة دينيسون وأمًّا عازبة، بالارتياح الشديد عندما وجدت منزلًا بجوار مدرسة ابتدائية حكومية، إذ اعتقدت أنها ستكون قادرة على المشي لاصطحاب ابنتها للمدرسة، وهذا أمر ضروري لأنها لم تكن تمتلك سيارة بعد، ولكن لسوء الحظ، عندما ذهبت لتسجيل ابنتها في روضة الأطفال، كانت هناك مفاجأة غير سارة، إذ كان الخيار الوحيد المتاح هو برنامج مدته نصف يوم ينقل الطلبة إلى مركز للرعاية النهارية على مشارف المدينة لفترة ما بعد الظهر. لقد عرضت المنطقة عدداً محدوداً من برامج اليوم الكامل، ولكنها حُجزت جميعًا في وقت سابق من ذلك الربيع وكانت مكلفة للغاية، وقالت لي: “كانت ردة فعلي: ماذا تقصدون بتكلفة؟ المدرسة الحكومية تكلف مالًا هنا؟”.
قد يفترض العديد من الآباء في جميع أنحاء الولايات المتحدة، مثل كروز بانكس، أن رياض الأطفال المجانية ليوم كامل هي جزء أساسي من نظام التعليم العام في البلاد، ولقد كنت واحدة منهم، حتى اضطر أصغر أبنائي إلى الدخول في يانصيب الروضة الخاص بمنطقتنا منذ عدة أشهر، عندما جرى تعيينه في برنامج نصف يوم، كانت مشاعري بين الانزعاج والإحباط، وهذا الغضب مفهوم لأن “K-12” (مستوى رياض الأطفال للصف الثاني عشر) هو اختصار نموذجي للمدارس الحكومية، ولكن على الرغم من أن رياض الأطفال موجودة في المدارس الابتدائية الحكومية منذ عقود، إلا أن الالتحاق برياض الأطفال غير إلزامي في معظم الولايات، وتعتمد العديد من الولايات قوانين وصيغ تمويل مختلفة لهذه المرحلة الدراسية.
يذهب غالبية أطفال المدارس في الولايات المتحدة إلى رياض الأطفال، ويلتحق 79% من هؤلاء الأطفال ببرامج اليوم الكامل، لكن هذا التعليم المهم غير مضمون على المستوى الوطني. تختلف سياسات رياض الأطفال في البلاد من ولاية إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، وحتى داخل الأنظمة المدرسية نفسها. لا تفرض 29 ولاية على الأقل -من الولايات الحمراء (الجمهورية) والزرقاء (الديموقراطية)- أن توفر المقاطعات روضة أطفال ببرامج يوم كامل، وقد لا تتمكن بعض العائلات من تحمل تكلفة خيار اليوم الكامل، حتى عندما يُوفَّر وعلى الرغم من أن نظام الرسوم لم يكن نظامًا متعارفًا عليه، واعتبارًا من عام 2013م سمحت 12 ولاية على الأقل للمدارس بفرض رسوم دراسية على رياض الأطفال الحكومية، عادةً عدة آلاف من الدولارات سنويًّا، ولكن مدى شيوع هذا الأمر داخل تلك الولايات غير واضح، ويمكن للطلبة ذوي الدخل المنخفض التأهل للحصول على المساعدة المالية، لكن العديد من أسر الطبقة المتوسطة قد لا تزال تكافح من أجل سداد الرسوم؛ مما يحول الالتحاق برياض الأطفال فعليًّا إلى امتياز طبقي.
إجمالًا، هناك أقلية كبيرة من الأطفال -بما في ذلك واحد من كل خمسة أطفال مسجلين في رياض الأطفال لمدة نصف يوم، والطلاب الذين يدرسون ليوم كامل الذين يضطرون إلى دفع الرسوم الدراسية، وعدد صغير من الأطفال الذين لا يلتحقون برياض الأطفال على الإطلاق- لا يستطيعون الحصول بسهولة على التعليم الذي يستحقونه، في مثل هذه الحالات، يجب على الآباء الكفاح إما لدفع الرسوم الدراسية أو العثور على رعاية بديلة للأطفال (وسط النقص الوطني) لتغطية الساعات التي لا تغطيها برامج نصف اليوم. وكما يحدث في كثير من الأحيان لعائلات الأطفال الصغار في أمريكا، فإنهم يجدون أنفسهم بمفردهم، ويُتركون دون دعم مجتمعي عندما يكون أطفالهم في أكثر حالاتهم ضعفًا.
لقد حدث اندماج رياض الأطفال في المدارس الحكومية الأمريكية بشكل تدريجي، فقد ظهرت في القرن التاسع عشر كمشروع تعليمي ممول من القطاع الخاص، وبحلول بداية الحرب العالمية الأولى، أصبحت رياض الأطفال جزءًا من جميع مناطق المدارس الحكومية الكبرى في المدن، وبحلول عام 1965م، سُجِّل أكثر من مليوني طفل في 40 ولاية، وكانت معظم برامج رياض الأطفال لمدة نصف يوم فقط، ولكن في العقود الماضية، أصبحت برامج اليوم الكامل أكثر شيوعًا وقد حظيت هذه المرحلة الدراسية باهتمام أكبر في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مع إعلان قانون عدم ترك أي طفل خلف الركب وحركة الإصلاح القائمة على المعايير؛ إذ قامت الولايات بتدقيق معايير التعلم والمناهج الدراسية الخاصة بها. خلال هذا الوقت، سعى الخبراء من أجل تحسين الجانب التعليمي من فصول رياض الأطفال الدراسية فضلًا عن اللعب والتنشئة الاجتماعية، وَفقًا لرولف جرافوالنر مدير برنامج التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة في مجلس رؤساء المدارس الحكومية، وهي مؤسسة تعليم غير ربحية. وقام الأكاديميون بمراجعة هذه المرحلة الدراسية مرة أخرى خلال مبادرة معايير الدولة الأساسية المشتركة، ولكن على الرغم من تحسين المناهج الدراسية وارتفاع معدلات الالتحاق بالمدارس، ظلت مسائل الرسوم الدراسية وعدم كفاية برامج نصف اليوم – ربما تكون أحد أكثر مصادر الفشل في رياض الأطفال – دون حل.
واليوم، لا تزال هذه المرحلة الدراسية في منطقة رمادية بين مرحلة ما قبل المدرسة والمدرسة الابتدائية، وهي غير مضمونة أو إلزامية أو ممولة بالكامل في العديد من الولايات، لكنها مهمة بما يكفي لتؤثر على تطور الأطفال إذا لم تكن موجودة، وبالنسبة للعديد من الطلاب، فإن مرحلة رياض الأطفال هي مقدمة للتعليم الرسمي. قد تختلف المناهج الدراسية، ولكنها تغطي عادةً العناصر الأساسية للمواد الأساسية مثل القراءة والرياضيات، علاوةً على المهارات الاجتماعية والعاطفية والحركية الأساسية، ولا يمكن تجاهل أهمية هذه المرحلة التعليمية، إذ يمر الأطفال بمرحلة مهمة تتمثل في نمو الدماغ في سن الخامسة والسادسة، ويتفق المعلمون والدعاة والباحثون ومسؤولو الدولة إلى حد كبير على أن برامج اليوم الكامل مفيدة للأطفال، على المستوى الأكاديمي والاجتماعي، فقد أظهرت الدراسات أن الأطفال المسجلين في برامج اليوم الكامل يحققون تقدمًا أكبر في مهارات القراءة والكتابة مقارنة بأولئك المسجلين في برامج نصف اليوم، ويجري الحفاظ على هذه المهارات المكتسبة لسنوات عديدة.
ويمكن للآباء والأمهات الذين لم يحظ أطفالهم ببرامج يوم كامل سدَّ فجوة التعلم بمفردهم. حاولت آنا بيكر، وهي أم من مارشفيلد بولاية ماساتشوستس، معالجة هذه المشكلة من خلال ترتيب مواعيد لعب لابنتها وتسجيلها في دروس العزف على البيانو ودروس الإثراء الأكاديمي التي يدرسها مدرسون متقاعدون. قالت لي: “لقد كان الأمر تدريجيًّا ومكلفًا، وشعرت بالإحباط لأن أقرانها كانوا يحصلون على هذه التجربة الإضافية، والمزيد من التفاني، والمزيد من اللعب في صالات الرياضة، ووسائل التواصل الاجتماعي المناسبة لهذا العمر كلّها التي ينبغي أن يتمتع بها معظم الأطفال”، ومع ذلك شعرت بيكر بأنها محظوظة؛ إذ لم يكن بمقدور بعض أصدقاء ابنتها دفع ثمن خيار اليوم الكامل حتى لو انضموا إليه، ولم يتمكنوا من تحمل تكلفة استكمال البرنامج المجاني لمدة نصف يوم بأنشطة خارجية، كما فعلت بيكر.
بالنسبة لراتشيل أبيل، رئيسة لجنة المدرسة في بيفرلي، ماساتشوستس -حيث كانت تكلفة رياض الأطفال ليوم كامل حتى عام 2018م تبلغ 4000 دولار سنويًّا- كانت مشكلة الحصول على هذا التعليم بمثابة فشل أخلاقي من جانب منطقتها، فقد قالت لي: “إن الالتزام بالميزانية وثيقتنا الأخلاقية، هذا ما نؤمن به، هل نقول لأفراد مجتمعنا: إذا كنتم تستطيعون تحمل تكاليف التعليم الحكومي، فيمكنكم الحصول عليه، وإذا كنتم لا تستطيعون، فيمكنكم الحصول على نصف يوم؟” كانت تكره رؤية الآباء يأتون للسؤال عن الدعم المادي، أو الاضطرار إلى سحب أطفالهم لأنهم لم يعودوا قادرين على سداد الرسوم، لذلك قامت هي واللجنة بتخفيض الرسوم الدراسية تدريجيًّا، حتى ألغوها نهائيًّا في عام 2020م.
عندما لا تضمن الحكومات التعليم الكافي في مرحلة الطفولة المبكرة، يصبح العبء “مقصورًا على الأسرة”، كما قالت لي آنا توماس، محللة سياسات بارزة في مجموعة الدفاع عن الطفولة التي تحمل اسم Voices for Utah Children، “تتحمل العائلات وخاصة الأمهات كل الضغط والصعوبات والعواقب المترتبة لعدم نجاح الأمر” وهذا العبء لا يتحمله كثير من الناس، فنصف الأسر الأمريكية لديها والدان عاملان، و71% من أمهات الأطفال دون سن 18 عامًا يشاركن في القوى العاملة، وربما لهذا السبب تبدو السياسات التي من شأنها توسيع برامج اليوم الكامل شائعة بين الآباء، في ولاية يوتا على سبيل المثال، حيث يحصل حوالي ثلث الأطفال فقط على برنامج ليوم كامل، يدعم 68% من الناخبين توسيع رياض الأطفال ليوم كامل، ويقبل ما يصل إلى 69% زيادة ضريبية لتسهيل ذلك، وفقًا لاستطلاع مجموعة Voices for Utah Children.
تتضح أهمية ضمان رياض الأطفال الشاملة المجانية ليوم كامل اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ فقد كشفت الجائحة عن العواقب الوخيمة لعزل الأسر عن مجتمعات الرعاية: وتراجعت الصحة العقلية للآباء، وتخلف الأطفال عن الركب بشكل مثير للقلق، وتركت الأمهات القوى العاملة بأعداد مذهلة، وانخفضت معدلات الالتحاق برياض الأطفال إلى مستويات لم نشهدها منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وفقدت رياض الأطفال الحكومية 340 ألف طالب في الفترة من 2019م إلى 2020م، وهو رقم من المحتمل أن يكون انخفاض معدلات المواليد أسهم فيه، ولكن لا يفسر هذا الأمر كله، فوفقًا لتقرير اليونيسف لعام 2020م، تحتل أمريكا مرتبة قريبة من أسفل الدول المتقدمة من حيث صحة الطفل، والتي تشمل التنشئة الاجتماعية والإنجاز في الرياضيات والقراءة.
ومن الناحية الاقتصادية، مع ارتفاع تكاليف الغذاء ومستويات التضخم وأسعار البنزين، تحتاج الأسر الأمريكية إلى المساعدة، بما في ذلك عائلتي، وقد علمت مؤخرًا أن ابني سيكون قادرًا على حضور برنامج اليوم الكامل في مدرستنا لأن شخصًا آخر رفض الالتحاق، وشعرت إثر ذلك بالراحة والتوتر، لم أتمكن من رفض التعلم واللعب والتواصل الاجتماعي الذي يوفره خيار اليوم الكامل، لكنني كنت أعلم أن دفع ما يقرب من 4000 دولار سنويًّا (لا يشمل رسوم الرعاية اللاحقة) سيعني توفير مبلغ أقل لتغطية تكاليف المعيشة المتزايدة والتكاليف الطبية أو تكاليف حالات الطوارئ، ورغم أن إنشاء برنامج مجاني ليوم كامل على مستوى البلاد لا يشكل علاجًا سحريًّا لأزمة رعاية الأطفال أو الفاقد التعليمي، فمن شأنه أن يجلب الدعم الذي تشتد الحاجة إليه للأسر في أنحاء البلاد جميعها، لأن انتظاره قد طال.
