القائمة الرئيسية

تحفة عن تحفة، للأعمار جميعها

تحفة عن تحفة، للأعمار جميعها
ملخص المقال

يستعرض المقال رواية Glowrushes للكاتب الإيطالي روبرتو بيميني، بوصفها عملاً أدبيًا نادرًا يجمع بين سحر الطفولة وعمق التجربة الإنسانية، حيث تروي قصة الرسام ساكومات الذي يُكلف بتزيين غرفة طفل مريض يُدعى مادورير، محروم من العالم الطبيعي بسبب حالته الصحية. تتحول العلاقة بين الرسام والصبي إلى شراكة فنية وروحية، يصنعان من خلالها عالماً خيالياً بديلاً يعوّض مادورير عن الحياة التي لا يستطيع عيشها. وبأسلوب شاعري مفعم بالحنان، يبرز المقال كيف تتداخل الحكاية الخرافية مع واقع الفقد والحرمان، لتصبح اللوحات نافذة على العالم وشكلًا من أشكال الحب العميق، حيث يُقدّم ساكومات في النهاية لمادورير هدية الطبيعة التي حُرم منها: ضوء اليراعات المتوهجة التي ابتكرها خيال الصبي نفسه.

بقلم: جوزيف لوزي

من حين إلى آخر، يظهر كتاب يجذب الأطفال والأشخاص الذين يسمونهم بالكبار على حد سواء؛ كتاب مرح وسهل الفهم بما يكفي لجذب انتباه الشاب، لكنه في الوقت نفسه مثير للدهشة ومعقد بما يكفي لإبقاء القارئ المخضرم يقلب صفحاته، حتى في بعض الأحيان وهو يحاول جاهدًا أن يحبس دموعه، ونحن نصنف هذه الأعمال على أنها كلاسيكيات الأطفال، لكنها في الحقيقة بمثابة دعوة أدبية للاستيقاظ، إذ تكشف كتب “مغامرات الدمية بينوكيو” لكارلو كولودي و”شبكة شارلوت” لإي بي وايت عن تألقهم في كل مرحلة من رحلة القراءة.

وقد كتب المؤلف الإيطالي الأسطوري لقصص الأطفال روبرتو بيميني مثل هذا الكتاب عام 1987م، إذ تعد روايته (GLOWRUSHES (NYRB Kids, 128 pp., paperback, $13.99, ages 9 to 12 بمثابة تحفته الفنية، وقد صدرت الآن بترجمة إنجليزية أنيقة بقلم ليا جانيتشكو التي تجسد روعة وأناقة النص الأصلي.

تتحدث رواية Glowrushes عن قصة رسام يُدعى ساكومات، يسافر من مدينة ملطية التركية القديمة إلى أرض بعيدة يحكمها اللورد غانوان، الذي كلّفه برسم غرف ابنه مادورير الخالية من النوافذ، وهو طفل مريض يمنعه مرضه الغريب وغير القابل للشفاء من أي اتصال بالعالم الطبيعي؛ إذ يضر به كل أثر لأشعة الشمس والغبار، وتتمثل مهمة ساكومات بشكل ظاهري في تزيين العالم الداخلي الذي لا يستطيع مادورير مغادرته أبدًا، وفي الحقيقة، يجب أن توفر ألوانه وخطوطه نوافذه للعالم الخارجي الذي يحرمه منه مصير مادورير الطبي بقسوة.

إن ساكومات مزيج بين الحاج الدانتي في منتصف رحلة حياته (إذ وُصف بأنه ليس شابًّا أو حتى كبيرًا في العمر) وحكيم شبيه ببوذا غير مبالٍ بالغرائز الدنيوية (حينما يرفض غانوان وعوده بالثروة، ملاحظًا أن الرسام لديه فم واحد فقط ليتذوق نكهات الطعام وبطن واحد فقط ليؤنسه). وإن مادورير أيضًا مزيج، جزء منه شاب مبكر النضج يتفوق في الشطرنج، وجزء جرو مرح يصرخ فرحًا في ألعاب الغميضة ويستمتع بضرب ساكومات بالوسائد الحريرية. وفورًا، تبدأ علاقة قوية بينهما وسرعان ما يتخلى ساكومات عن غرفته الرائعة؛ حتى يتمكن من النوم على سجادة بجانب سرير مادورير، لكي يستمع إلى أحلام الصبي وهي حاضرة في ذهنه.

يمتد موضوع الإبداع الفني من بداية الكتاب إلى نهايته، إذ إن ساكومات لا يطارد الإلهام أو ينتظره بإصرار وفرشاة الرسم في يده، وبدلًا من ذلك، فهو يستمتع بما يمكن أن نسميه المساحة السلبية لحرفة الفنان؛ فهو يستمع إلى كلمات مادورير ويلحظ عالمه اليومي، وقبل كل شيء يقيس رغباته قبل البدء بالرسم، ويمر ما يقرب من نصف الكتاب قبل أول ضربة فرشاة له، وعند هذه النقطة، أصبحت نية ساكومات واضحة، إذ لن تكون جداريات غرف مادورير مخصصة له فحسب، بل في جوهرها أيضًا من صنعه، وستتحرك فرشاة الرسام جنبًا إلى جنب مع خيال الصبي، والأفضل من ذلك، مع روحه.

يقدم تعاون ساكومات ومادورير أكثر من مجرد حكاية رمزية عن صناعة الفن، فهو يكشف أيضًا عن كيفية سكن الأشكال التي نصنعها، وتؤدي مناقشات الثنائي حول سفينة القراصنة التي تظهر في إحدى الجداريات إلى تعديلات لا نهاية لها، بدءًا من عدد الرجال الذين كانوا على متنها وحتى تأثير الريح على تحركات السفينة، حتى إن ساكومات يضبط حجمها ويرسمها بشكل أكبر لمحاكاة اقترابها وتسليط الضوء على تفاصيلها أمام عينَي مادورير، ويتحول الفن ببطء إلى سرد عندما يعلق الاثنان على الصور، ويبلغ ذروته في رسم ساكومات لصبي المقصورة الذي يُدعى مادورير وهو يجلس فوق قوس السفينة. قد تكون الطبيعة قد حرمت مادورير من فرصة الإبحار في البحار الفعلية، لكن من خلال شراكته الفنية مع ساكومات، أصبحت أنواع أخرى من الطيران ممكنة.

وقد تكون الحكايات الخرافية في أفضل حالاتها عندما تدخل إلى الواقع وتخرج منه بسلاسة، وعندما تسلط اختراعاتها الخيالية الضوء على مشكلات الحياة الواقعية التي نواجهها وتسقط أقنعة شخصياتها الخيالية لتكشف عن العناصر البشرية الكامنة وراءها، ولقد تنعمت الثقافة الإيطالية بمثل هذه الإبداعات؛ من حكايات إيتالو كالفينو وسينما فيديريكو فيليني إلى دمية كولودي التي تحولت إلى صبي، وهو بينوكيو. وفي روايةGlowrushes  لبيميني، لا يمكن للخيال أن يأخذ سوى واحدة فقط حتى الآن، ولا يمكن لأي انبثاق مبهر من فرشاة ساكومات السحرية أن ينقذ مادورير من مصيره المأساوي، وعلى الرغم من كونها مؤلمة، فإنّ هذا التحول في الحبكة هو جزء مما يجعل الكتاب ناجحًا من الناحية الجمالية. وبحلول النهاية، أصبحنا نحب هذا الصبي ونستمتع بصداقته مع ساكومات، وهو اتصال يطمس الخط الفاصل بين الحكاية الخيالية والتجربة الحية.

إن نباتات اليراع التي تحمل عنوان هذا الكتاب من ابتكار مادورير، الذي وصفها بأنها “نباتات اليراع” النادرة التي تضيء الحقول الليلية، وفي إحدى الليالي بعد مدّة وجيزة، أيقظه ساكومات وأخبره بأن ينظر إلى الجدران المطلية؛ إذ جلس الصبي على سريره وهو في حيرة من أمره، وفي كل مكان حوله في الظلام، توهجت مئات الأشرطة النحيفة بضوء ذهبي، وانحنت في هذا الاتجاه وذاك، وأشرقت في أنحاء المرج المظلم جميعها وبدا أنها تتمايل في الريح.

وباسم حبه لطفل هش، يُحقّق ساكومات أعظم إنجازاته الفنية، إذ يمنح صديقه الشاب الهدية الوحيدة التي حرم منها إلى الأبد؛ ألا وهي الطبيعة نفسها.

GLOWRUSHES | By Roberto Piumini | Translated by Leah Janeczko | NYRB Kids | 128 pp. | Paperback, $13.99 | Ages 9 to 12

المصدر 

الترجمات ذات الصلة

تحفة عن تحفة، للأعمار جميعها من حين إلى آخر، يظهر كتاب يجذب الأطفال والأشخاص الذين يسمونهم بالكبار على حد سواء هل ترى وجوهًا في السماء؟ قد تكون علامة على الإبداع  هاملت: هل ترى تلك الغيوم المتشكلة على هيئة جمل؟ التعاطف ينبع من القلب وهو تقدير جمالي للشخص الآخر نفكر اليوم في التعاطف على أنه وسيلة لفهم معاناة الشخص الآخر.

مقالات ذات صلة