القائمة الرئيسية

هل ترى وجوهًا في السماء؟ قد تكون علامة على الإبداع 

هل ترى وجوهًا في السماء؟ قد تكون علامة على الإبداع 
ملخص المقال

يتناول المقال ظاهرة ""الباريدوليا"" (رؤية أشكال مألوفة في أنماط عشوائية مثل السحب أو بقع الحبر)، ويستكشف ارتباطها بالإبداع. بدءًا من أصل المصطلح في القرن التاسع عشر مع الطبيب النفسي الألماني كالباوم الذي ربطها بالأوهام، مرورًا باستخدامها في اختبارات نفسية مثل اختبار رورشاخ، ووصولًا إلى نظرة ليوناردو دافنشي الإبداعية لها كأداة فنية. يوضح المقال كيف تحولت النظرة للباريدوليا من عرض مرضي إلى مؤشر إبداعي، مدعومًا بدراسة حديثة تظهر ارتباطًا بين القدرة على توليد صور باريدولية ودرجات أعلى في اختبارات الإبداع التقليدية. كما يسلط الضوء على الأساس العصبي لهذه الظاهرة، حيث تُنشط مناطق الدماغ نفسها المسؤولة عن التعرف الحقيقي على الوجوه والأشياء. يختتم المقال بدعوة القارئ لتجربة هذه الظاهرة بنفسه والتساؤل عما يمكن أن يرى في الأشكال العشوائية، مؤكدًا أن الباريدوليا تمثل نافذة على العمليات الإبداعية في العقل البشري.

هاملت: هل ترى تلك الغيوم المتشكلة على هيئة جمل؟ 

بلونيوس: من خلال كتلتها، فإنها تبدو بالفعل كجمل. 

هاملت: تخيل لي كابن عرس. 

بلونيوس: تبدو كابن عرس.

هاملت: أو قد تبدو كالحوت. 

بلونيوس: إنها شبيهٌ به!

-مسرحية هاملت (١٦٠٣م) ويليام شكسبير

الفصل الثالث، المشهد الثاني. 

هل سبق لك من قبل أن نظرت للسماء واكتشفت هيئات مختلفة في السحب كهيئة الخاروف، أو كلاب البودل، أو الوجوه، مثلما حدث لهاملت وبلونيوس؟ لا تقلق، فإنك لستَ الوحيد الذي ترى الأنماط العشوائية كحال الكثير من الناس -وفي الحقيقة، هذه القدرة لا تقتصر على فئة محددة فحسب، بل حتى القردة وبرمجة الشبكات العصبية لديها قدرة التخيل- وقد تتساءل إذا كانت تلك القدرة علامة على إبداعك، ففي نهاية المطاف، خُيل لعقلك صور من أنماط عشوائية. 

نؤمن -باعتبارنا فريقًا من علماء الأعصاب- بأن هنالك احتمالية وجود ارتباط بين الإبداع ورؤية هيئات في الغيوم. مؤخرًا، بدأنا بدراسة هذه الاحتمالية علميًا، ولكننا لسنا أول من أظهر اهتمامه بهذه الظاهرة. 

يعرف المصطلح العلمي لإدراك الأشياء المألوفة والمجردة في صور وأنماط عشوائية بـ’الباريدوليا’، ويرجع هذا المصطلح للغة اليونانية، فالجزء الأول من الكلمة بارا’para’ (παρá، وتعني: بجانب، جنبًا إلى جنب، عوضًا عن ذلك) والجزء الثاني ديوليا ‘eidōlon'(εἴδωλοv: صورة، نموذج، شكل). ولا تقتصر الباريدوليا في المجال المرئي فحسب، بل أيضًا قد أفاد وجودها في الأصوات؛ مما يشير إلى أنها ظاهرة إدراكية حسية على وجه العموم. 

أول من استعمل مصطلح الباريدوليا هو طبيب النفس الألماني كارل لودفيج كالباوم في ورقته العلمية ‘على أوهام الحواس’١٨٦٦م (On Delusions of the Senses)، والتي استُعرضت لاحقًا في المجلة العلمية ‘الطب النفسي’ والتي يطلق عليها الآن (المجلة العلمية البريطانية للطب النفسي). قدم كالبوم الباريدوليا كمصطلح ‘ أوهام الحكم ‘ الناجمة عن ‘ الإدراكات الناقصة’. وبفضل تأثيره، بدأ العلماء في الفترة التالية برؤية الباريدوليا بصورة سلبية، بدلًا من كونها علامة على الإبداع، وقد اعتبرَ أنها عرض لحدوث الأوهام وعلامة على الخرف. 

حملت الباريدوليا دلالات نفسية عندما ارتبط مفهوما أولًا مع الإبداع، واقترح الطبيب النفسي الفرنسي ألفريد بينت -الذي يعرف بريادته لاختبارات الذكاء- عام ١٨٩٥م أن اختبار بقعة الحبر (inkblots) قد يستعمل في الأبحاث الطبية النفسية بوصفه طريقة لدراسة الاختلافات في ‘الخيال اللاإرادي’. 

سارع الطبيب النفسي البولندي سايمون هنز بكتابة نظرية تحت هذا العنوان المترجم ‘اختبار للخيال باستعمال اختبار بقعة الحبر في الأطفال، والبالغين الأصحاء، والمرضى النفسيين’ عام ١٩١٧م. وكان الطبيب النفسي السويسري هيرمان رورشاخ يعمل في العيادة الطبية نفسها، ومن الظاهر أنه قرأ منشور هنز، وقام بتطويره. نُشر اختبار رورشاخ الشهير الذي سمي باسمه بعد بضع سنوات، واستعمل اختبار بقعة الحبر في الباريدوليا لاكتشاف شخصيات الأفراد، وتقدير حالتهم النفسية، وعلى الرغم من التشكيك القائم حول موثوقيته وصلاحيته، لا يزال الاختبار مطلوبًا حتى وقتنا الحاضر.

وبلا شكّ، قد يُرى الخيال بمنظور إيجابي أكثر من الناحية الإبداعية. أول من ناقش منظور الباريدوليا من هذا الجانب كان ليوناردو دا فينشي. كتب في مذكراته:   

إذا كنت تنظر لأي جدار ملطخ ببقع مختلفة، أو ممزوج بمختلف أنواع الحجارة، وإذا كنت على وشك ابتكار مشاهد قد تراها في مناظر طبيعية مختلفة، مزينة بجبال شاهقة، وأنهار متلألئة، وصخور كبيرة، وأشجار عالية، وسهول واسعة، ووديان خصبة، وتلال متنوعة. وإذا كنت ترى أيضًا معارك غواصين وأشكال مختلفة تتحرك سريعًا، وتعابير وجوه غريبة، وأزياء غير مألوفة، فإنه أيضًا ستتوارى لك أعداد لا منتهية من الأشياء التي يمكنك تخيلها جيدًا. بوجود مثل هذه الحوائط وامتزاجها بمختلف الحجارة، ستأتي الخيالات كما هو الحال مع صوت الأجراس، والتي تحمل رنينًا قد تكتشف من خلالها كل اسم وكلمة يمكنك تخيلها. 

برز الجانب الإبداعي من الباريدوليا في القرن ١٩ بجانب الممارسة الشائعة لما يعرف بالكلكسجراف ‘klecksograph’ [وهو فن الرسم بالحبر]. حينذاك، كان الفرد يكتب باستعمال الحبر، ومن غير قصد، يسيل حبره على ورقته. رأت الشخصيات الأدبية آنذاك -مثل الكاتبين الفرنسيين جورج ساند وفيكتور هوغو- رموزًا وصورًا في بقع الحبر التي كانت تسيل على أوراقهما، وتزينت في ناظريهما. خاض هوغو التجربة الإبداعية مع الأوراق المطوية ‘ pliage’ والبقع، وكان مع البقع يحمل ريشته رأسًا على عقب ليستعمل نهايتها كفرشاة. 

إحدى الممارسات البارزة للكلكسجراف ‘klecksograph’ ظهرت من قبل الشاعر، أندرياس كريستيان كيرنر -وهو كاتب، وطبيب نفسي ألماني-. نشرت بعد وفاته أعماله في الكلكسجرافين ‘Kleksographien ‘ عام ١٨٩٠م، وهي مجموعة من فن بقع الحبر مصاحبة لقصائد قصيرة عن الأشياء التي يمكن ملاحظتها في البقع. 

في مطلع القرن الواحد والعشرين، أشعل الطبيب النفسي البريطاني ريتشارد جريجوري الرابط بين البارديوليا والإبداع. على الرغم من عدم استعماله لمصطلح الباريدوليا، اقترح بأن النسخة المعكوسة لاختبار رورشاخ الكلاسيكي قد يظهر مفاهيم للإبداع. كتب في عام ٢٠٠٠م:

عكس الاختبار-من أنواع الناس لأنواع الأنماط- قد يظهر ما يحفز الإبداع. هذا سؤال تجريبي واضح: ما أنواع الأنماط التي تثير تنوعًا غنيًا بالتصورات والأفكار؟ ما الأنماط أو الصور المثيرة التي يجب أن تخبرنا ما مفاتيحنا لخلق تصورات وأفكار جديدة؟ فتلك الأنماط يتعين عليها إظهار طبيعة العقل الإبداعية في توليد مفاهيم وتصورات للفن وربما للعلوم، فبقع الحبر قد تثير الإبداع بأساليب مسيطر عليها؛ مما يتيح لنا فهم وربما كبح الخطر الكامن خلف خيالتنا، ومن الظاهر للغاية أن التصورات هي هلوسات لا يمكن التحكم بها بحرية تامة.

 تبنينا فكرة جريجوري بأن نمط الباريدوليا قد يجدي نفعًا في اختبار الإبداع، وعلى الرغم من وجود مجموعة اختبارات جيدة لقياس الإبداع، في طيها خطأ صغير، لكنه مهم، وهي تُعنى بمعاناة كبار السن ومرضى الأعصاب مع هذه الاختبارات. من وجهة نظرنا، المسبب لهذه المعاناة في هذه الفئة ليس الافتقار للإبداع، بل على سبيل المثال عدم احتفاظ ذاكرتهم العملية لتعقيدات المهام لمدة طويلة. ونؤمن بأن الباريدوليا مفهومة لكل العالم، فهي وسيلة ممتازة للتعرف إلى أنواع معينة من الإبداع. 

مؤخرًا اختبرنا ٥٠ مشاركًا يتمتعون بصحة جيدة لرؤية الأمر بصورة أكبر، كان لا بد من أن يخلقوا مجسمات خيالية (البارديوليا) من رؤيتهم صورًا على جهاز لوحي لمناظر طبيعية خلابة، كالسحب، والأحجار، ودمجها مع أي صورة يرونها. ولتقديم مقارنة قياسية لإبداعهم، اختبرنا متطوعينا بمجموعة من الاختبارات الإبداعية التقليدية، والتي تطلب منهم تقديم اقتراحات بديلة لاستخدام العناصر اليومية (مثل: الطوبة، أو مشبك الورق) وذِكر أكبر عدد من المفردات التي تتبادر لذهنهم فيما يتعلق بمعنى المفردة المستهدفة.  

توقعنا بأن كلما ازدادت إجابات المشتركين بخلق صور خيالية، ارتفعت طلاقة إبداعهم وازدادت أصالة إنتاجهم. فمجموع رسومات الباريدوليا لمتطوعينا كانت ١،٦٤١. وكان ترتيبهم كالآتي: ٣٦.١٪؜ حيوانات، ١٨.٢٪؜ أشياء من صنع البشر (مثل: المطارق)، ١٥.٣٪؜ مجسمات بشرية ووجوه، ١٤.٦٪؜ أجسام طبيعية، ٦.٦٪؜ رسومات خيالية، ٤.٨٪؜ طعام، و٤.٤٪ أشياء مجردة. 

وجدنا ازدياد الطلاقة والأصالة في الأداء الذي يكمن في اختبارات الإبداع المعيارية مرتبطًا بطلاقة الباريدوليا وأصالتها. ضف إلى ذلك، أنتج من لديه اهتمام كبير بالفن والموسيقى من المشتركين رسوم خيالية أكثر بصورة عامة. وما يثير الدهشة، أن هذه النتائج تشير إلى أن العمليات الإبداعية ينطوي عليها إنتاجية الباريدوليا، وأن الباريدوليا بدورها قد تنتج طرائق حديثةً لدراسة الإدراك الإبداعي. 

تثير الباريدوليا تساؤلات عميقة، فهل كل الاعتقادات وهمية؟ ومتى تكون الحروف كلمات ذات معنى؟ ومتى تشكل النقاط والشرطات وجوهًا؟ وما الحقيقي والمختَرع؟ وما الاكتفاء من هذه الغاية؟ وكيف نفرق بين الوهم الكامل، والتوهم من التفسير الإبداعي المفيد؟ ينبغي على العالم الخارجي استيعاب وتفسير ذلك بطريقة منطقية للعالم الداخلي.

تأتي الأدلة من أبحاث تصوير الدماغ، فعندما نرى وجوهًا في أنماط عشوائية، تتحفز ‘باحة الوجه المغزلي’ والتي تستجيب لعلامة الوجوه الحقيقية في الإطار الزمني نفسه (ما يقارب ١٧٠ ميلي بالثانية). ويشير ذلك بسرعة بأن الباريدوليا ليس إعادة تفسير لما جرى تلقيه، ولكنها مماثلة لتجربة حقيقية.

في المرة المقبلة التي تنظر بها للسماء، تذكر فكرة ليوناردو، فهذه فرصتك لتحفز خيالك.

واسأل نفسك: ماذا ترى؟

المصدر

الترجمات ذات الصلة

هل ترى وجوهًا في السماء؟ قد تكون علامة على الإبداع  هاملت: هل ترى تلك الغيوم المتشكلة على هيئة جمل؟ التعاطف ينبع من القلب وهو تقدير جمالي للشخص الآخر نفكر اليوم في التعاطف على أنه وسيلة لفهم معاناة الشخص الآخر. لا تتعجل الأشجار للشفاء من الصدمة ولا يجب علينا التعجل بالشفاء أيضًا أحب أن ألاحظ بنية جذوع الأشجار في نزهاتي الشتوية

مقالات ذات صلة