نفكر اليوم في التعاطف على أنه وسيلة لفهم معاناة الشخص الآخر. ولكن عندما ظهرت الكلمة الإنجليزية “التعاطف” لأول مرة في عام (١٩٠٨م) كترجمة للكلمة الألمانية “Einfühlung”، كانت تدل على القدرة الجمالية على تقدير الأشياء والطبيعة. ما هي بالضبط هذه النسخة السابقة المدهشة من التعاطف، وهل يمكننا تخيل التعاطف بوصفه ممارسة جمالية اليوم؟
في نهاية القرن التاسع عشر، عرف علماء النفس الألمان كلمة “Einfühlung” أي “التعاطف” بأنه نقل جمالي لتجاربنا الشخصية إلى أشياء ملموسة في العالم. التعاطف يعني تحويل مشاعرنا وحركاتنا إلى أشكال فنية وأشكال من الطبيعة. لذلك، على سبيل المثال، نقلنا لمشاعرنا عند وصولنا ارتفاع الجبل المهيب، وشعورنا بامتدادنا في أغصان الشجرة، وامتداد إحساسنا بالاحتواء في قبو الكاتدرائية {وهي كنيسة مسيحية}. صرح ثيودور ليبس، وهو أحد العلماء النظريين الرئيسين للتعاطف في هذه الفترة، حيث قال إن التعاطف يعني دمج حركاتنا ومشاعرنا المتخيلة مع الأشكال من حولنا، ومن ثَمّ كان مفتاحًا لتقديرنا للجمال.
كان التعاطف الجمالي ممكنًا لأنه يعتمد على قدرتنا على توليد صور حسية حركية، أو صور ذهنية للحركة والشعور. في سبعينيات القرن التاسع عشر، طور علماء النفس الطريقة الجديدة للاستبطان المنهجي، وهو انعكاس علمي دقيق في العقل الذي يرسم خريطة لعناصر التفكير والتصور. عندما أجرى علماء النفس عمليات الاستبطان بأنفسهم، اكتشفوا الصورة الحسية الحركية، التي أضافوها إلى الصور العقلية البصرية والسمعية الشائعة. أكد إدوارد تيتشنر، وهو شخصية رئيسة في إنشاء الانضباط الأكاديمي لعلم النفس التجريبي في الولايات المتحدة ومدير مختبر كورنيل، وجود صور حسية حركية في عملية الاستبطان الذي أجراه بنفسه. وشرح في محاضرة أجريت عام 1909م، يقول فيها أنه عند النطق بكلمة “مهيبة”، على سبيل المثال، يرى في خياله امرأة ممسكة تنورة رمادية فولاذية. جمعت هذه الصورة الحسية الحركية بين العناصر البصرية والشعورية والحركية، وصارت قاعدة للتعاطف.
كان التعاطف استجابة حسية حركية وتقديرًا جماليًا رئيسًا للرقص الحديث أيضًا. نظرًا لأن الرقص الحديث استغنى عن قصص الباليه الكلاسيكية وقدم حركات جديدة ومتجردة على المسرح، فقد أعتمد على استجابة الجماهير المباشرة للحركات التي كانوا يشهدونها. نجح الرقص الحديث بحلول عام 1928م: حيث أنشأت مارثا غراهام مدرستها وشركتها في مدينة نيويورك؛ وأنشأت دوريس همفري شركة مع تشارلز ويدمان؛ وبدأت هيلين تاميريس العمل على موسيقى الزنج الروحية {وهو نوع من الموسيقى المسيحية المرتبطة بالأمريكيين الأفارقة}. بدأ النقاد في تحليل الشكل الفني الواعد للمشاهدين من الجيل الجديد، بسبب زيادة الاهتمام بالرقص الجماعي وتصميم الرقصات المعقدة للغاية للرقص الحديث.
يجادل جون مارتن، وهو ناقد للرقص الحديث وكاتب لصحيفة “نيويورك تايمز”، بأنه في أثناء مشاهدة الرقص الحديث، تخيل الجماهير أنهم يرقصون مع الراقصين وفي الحقيقة أنهم لا زالوا جالسين في مقاعدهم. واعتبروا هذا الانتقال الخيالي المفاجئ شكلًا من أشكال التعاطف الحسي الحركي. ينشط التعاطف الحسي الحركي مستقبلات الإحساس بالحركة للمتفرج؛ مما أدى إلى ارتباطات عاطفية وصور تؤدي إلى فهم النية الأساسية للحركة. عَلَّم مارتن المشاهدين طريقة ضبط مشاركتهم الحركية، أو التعاطف الحسي الحركي، من أجل تعزيز استجابتهم الجمالية الفردية.
صرح مارتن في عام (١٩٣٣م) قائلًا: “سنتوقف عن كوننا مجرد متفرجين وسنشارك في الحركة المقدمة لنا، وعلى الرغم من أننا سنجلس بهدوء على كراسينا في جميع المظاهر الخارجية، إلا أننا سنرقص بعضلاتنا الاصطناعية {وهي أجهزة تحاكي العضلات الطبيعية ويمكنها تغيير صلابتها أو تقلصها أو توسعها بسبب حافز خارجي}”. كانت المشاركة التعاطفية للمتفرج أساسية في تقدير الرقص الحديث والاحترام الجمالي لهذا الشكل الفني الجديد. أوضح أحد الفلاسفة في تلك الفترة أن الرقص هو استرسال مباشر للتعاطف (تلك الحركات التي نسعى من خلالها إلى أن نتحد مع الشيء الذي نفكر فيه).
إذا كانت المشاركة الجمالية المشمولة تتألف من تعريف رئيس للتعاطف في العقود الأولى من القرن العشرين، فبحلول وقت الحرب العالمية الثانية، تلاشى هذا المعنى. شاع معنى التعاطف بين الأشخاص، وصار معنى التعاطف على وجه الحصر تقريبًا مسألة فهم معاناة الشخص الآخر. ومع ذلك، فإن فعل ذلك بدقة في الحاضر يتطلب منّا تنحية لمشاعرنا جانبًا وتصغير نفسنا لأجل فهم معاناة الشخص الآخر بوضوح، والتي يمكن أن تكون مختلفة تمامًا عن معاناتنا الشخصية. في الخمسينيات، عرفت سلسلة من التجارب النفسية التعاطف بوضوح على أنه القدرة على تنبؤ استجابة الشخص الآخر بدقة. وكان التعاطف عكس التقدير في الحاضر، والذي كان مجرد نسب فكرة إلى فكرة أخرى من أفكار المرء.
كان نموذج التعاطف بين الأشخاص متجذرًا في تقاليد العلاج النفسي الذي ميز مشاعر العميل على مشاعر المعالج. طور هذا النهج لأول مرة في ثلاثينيات القرن العشرين من قبل المحلل النفسي غير التقليدي أوتو رانك بالتعاون مع جيسي تافت، الفيلسوفة ورائدة العمل الاجتماعي. في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، كيَّف عالم النفس السريري كارل روجرز هذا النهج ليركز مباشرة على التعاطف في العلاج النفسي. انتشر هذا النمط التعاطفي على نطاق واسع في العقود اللاحقة في المشورة الرعوية، ومجموعة متنوعة من العلاجات النفسية، وحتى في تقنيات التدريب المعاصرة.
يفضل في التعاطف النفسي العلاجي التواصل بدلًا من التحكم. أوضح روجرز أنه مع التعاطف، يستمع المعالج بعمق إلى العميل دون حكم أو تقييم أو حتى عرض المشورة. للاستماع بشكل فعال، يضع المعالج مشاعره جانبًا ثم يغمر نفسه في معاناة الآخرين “كأنها” معاناته الشخصية. أيَّد روجرز ” الطريقة التعاطفية للإحساس بالشخص الآخر” {وتعني هذه الطريقة أن تتخيل نفسك مكان الشخص وتشعر بشعوره} والتي يمكن ممارستها في العديد من أنواع العلاقات المختلفة.
الطريقة التعاطفية للإحساس بالشخص الآخر هي في جوهرها نوع من التقدير الجمالي. وضح روجر في محاضرة أجراها عام 1964م في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، قال إن الاستجابة التعاطفية ليست المحاولة في التحكم في حالة الشخص الآخر أو تغييره. عوضًا عن ذلك، نسمح للشخص الآخر أن يكون تمامًا على ما هو عليه، تمامًا كما نعجب بغروب الشمس. نحن لا نحاول تغيير غروب الشمس عن طريق قول: “يجب التقليل من اللون البرتقالي الذي على الزاوية اليمنى، وإضافة المزيد من اللون الأرجواني في القاعدة، واستخدم المزيد من اللون الوردي على السحابة.” بدلًا من ذلك، كما قال روجرز، “لا أحاول التحكم بغروب الشمس، بل أتفرج بمهابة في أثناء غروبها”.
إذا كانت مشاهدة غروب الشمس بهيبة يشكل استجابة جمالية، فقد ينظر إليه أيضًا على أنه عمل تعاطفي للغاية. التعاطف مع شخص آخر بهذه الطريقة دون انتقادهم أو الحكم عليهم، بل تقبل مجمل معاناتهم. نحن لا نحاول تغيير معاناتهم، أو حتى اقتراح طرائق لتحسينها أو تغييرها عما هي عليه. صحيح أن معاناة الشخص الآخر قد لا تظهر جمال غروب الشمس، ولكن تقدير حالة الشخص الآخر في جميع حالاته (يشمل ذلك ألمه وفرحه) يرقيه إلى مشاهد متواضع. زعم روجرز أن الشخص الذي تقدر معاناته بصدق، سيشفى أسرع.
التعاطف الجمالي كمشاهد مشابهة للتأمل المحايد، وهي سمة أساسية من السمات الجمالية التي تعود إلى إيمانويل كانط. ليست كوسيلة لتحقيق غاية، بل تقدير لحظي لمصلحته. ومع ذلك، يختلف التعاطف الجمالي من هذا النوع عن التعاطف الجمالي الحسي الحركي من قبل مئات السنين، والذي يفهم على أنه تحويل مشاعر المرء وحركاته الذاتية إلى شيء. ومع ذلك، يعتمد كلا النوعين من التعاطف الجمالي على قوة قدرتنا الخيالية على الاستمتاع والاستجابة بتوقير للآخرين والعالم من حولنا.
إن تقدير معاناة الشخص الآخر بطريقة حيادية لا يعني فشلنا في التصرف في ضوء المعاناة واليأس الإنساني. ومع ذلك، بدون تأمل واسع في اتساع معاناة الآخرين، قد لا نكتشف تدخلات فعالة. ومن ثَمّ فإن التعاطف يمثل التوقف المؤقت، أو لحظة الانغماس التي تساعدنا على الرؤية بوضوح والشعور بموقف الشخص الآخر بشكل كامل دون إطلاق الأحكام. يمكن بعد ذلك استخدام الأفكار المكتسبة من خلال التعاطف بالتوافق مع قدرتنا على النقد لتشكيل تغييرات مفيدة.
يتحدى التعاطف بعدّه ممارسة جمالية ميلنا إلى التحكم والتغيير، وبدلًا من ذلك يجب علينا التقدير، وهي مساحة يمكن أن تساعد على التحول الجذري.
