القائمة الرئيسية

سيناريو تفوُّق العرق الأبيض

سيناريو تفوُّق العرق الأبيض
ملخص المقال

المقال يناقش قضية وحشية الشرطة والعنصرية بشكل معقد وعميق، حيث يربط بين تجارب جنوب أفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية. يسلط الضوء على الفكرة أن وحشية الشرطة لا تنشأ دائمًا من العنصرية العرقية فقط، بل يمكن أن تكون موروثة من تقاليد ثقافية ومؤسسية. باستخدام مثال كجادي، الشاب الذي نشأ في ظل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، يوضح الكاتب كيف أن بعض الأشخاص الذين نشأوا في هذا النظام قد يجدون أنفسهم في النهاية يتصرفون بنفس الطريقة التي كان يعاملهم بها الآخرون، حتى إذا كانوا من العرق نفسه.

بقلم إيف فيربانكس

أشارت العديد من الأخبار إلى أن أول خمسة ضباط متهمين في مقتل تاير نيكولز هم من السود، كما لو أن هذه الحقيقة غريبة – كما لو أنها تضعف فكرة أن العنصرية ضرورية لفهم وحشية الشرطة، ويعتقد بعض المعلقين الأمريكيين أن قضايا العرق والعنصرية تكون غائبة عندما لا يتعلق الموضوع بالأشخاص البيض.

هذه الحجج جعلتني أفكر في كجادي، وهو واحد من مئات الأشخاص الذين تحدثت إليهم على مدى 10 سنوات عندما كنت أكتب كتابي بعنوان “The Inheritors”، الذي يتحدث عن ذكريات جنوب إفريقيا عن الفصل العنصري وكيف تُشكل هذه الذكريات الحاضر. نشأ كجادي في ظل نظام الفصل العنصري في حي للسود فقط، حيث تراقبهم “قوة دفاع” وحشية سيئة السمعة يقودها البيض، فقد اغتال ضباط الشرطة الناشطين، واقتحموا المنازل لتنفيذ عمليات تفتيش دون أوامر قضائية، وأطلقوا الغاز المسيل للدموع على جنازات بعض المدنيين السود الذين قُتلوا، وفي أواخر الثمانينيات، قتلت الشرطة العسكرية شقيق كجادي الأصغر.

يخدم كجادي الآن في جيش جنوب إفريقيا ما بعد الفصل العنصري، وطلب مني أن أنشر اسمه الأول فقط، مثل العديد من الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات، كانت بعض جوانب حياته حساسة لدرجة أنه لم يتمكن من التحدث عنها بشكل كامل حتى لا تُكشف هُويته وكان سبب التحاقه بصفوف الجنود أحد هذه الجوانب، وأخبرني بصراحة أن أحد الأسباب التي دفعته للتدرب في الجيش هي أنه “أراد أن يكون مثلهم” – مثل رجال الشرطة البيض في نظام الفصل العنصري.

عندما كان في سن المراهقة، كان كجادي يكره هؤلاء الشرطة، لكنه شعر أيضاً بالعجز (والخجل) لأنه لم يتمكن من منع وفاة أخيه، ومن الغريب أنه كلما يرى رجال الشرطة أعداءً له، نظر إليهم أيضًا على أنهم قدوة، وللحفاظ على احترامه لذاته، كان عليه أن يعتقد أن استعراضاتهم للقوة كانت فعالة حتى لو كانت ظالمة، فإن لم يعتقد أن رجال الشرطة أقوياء، فقد يوحي ذلك بضعفه الخاص، لأنه لم ينجح في مقاومتهم، ولا يزال يتذكر بوضوح قَتَلة أخيه، الشباب البيض الذين كانت أسلحتهم معلقة حول أعناقهم، لقد أصبح يعتقد أن الشيء الوحيد الذي يفصله عنهم – الشيء الوحيد الذي يمنعه من أن يكون مدافِعًا قويًّا بنفس القدر عن أحبائه – هو تدريبهم وأسلحتهم، فبدأ يرغب بارتداء ملابسهم، وحمل أسلحتهم، وتقمص شخصياتهم.

في غضون بضعة عقود، انتقلت جنوب إفريقيا من الفصل العنصري الصارم إلى مكان صار فيه أغلب أعضاء مجلس الوزارة من ذوي البشرة الملونة، إذ صاروا يهيمنون على البرلمان، ويضعون المناهج الدراسية، ويديرون الجامعات، ويكتبون الأخبار، ويتعين على مواطني جنوب إفريقيا أن يفكروا دائمًا في كيفية انتفاع الأشخاص ذوي البشرة الملونة من المؤسسات ووسائل السلطة القديمة – مثل الشرطة، ووسائل السياسة الاقتصادية، والتقدير القضائي، وحتى صفحات المقالات الافتتاحية في الصحف – التي كانت تُستخدم سابقًا ضدهم، ولسوء الحظ، لن يتفاجأ مواطنو جنوب إفريقيا على الإطلاق عندما يقوم رجال الشرطة السود بضرب رجل أسود آخر بوحشية؛ إذ تقع حوادث وحشية الشرطة هنا بانتظام مأساوي، على الرغم من أن السود يكونون حوالي 80% من قوة الشرطة في جنوب إفريقيا الآن. في عام 2020م، في كيب تاون، توفي بيتروس ميجيلز بعد أن اعتدت عليه الشرطة لمحاولته شراء البيرة في الوقت الخطأ. قبل عام، بالقرب من المكان الذي توفي فيه ميجلز، أصيب دوميساني جوكسو، أحد المارة بجوار شجار، برصاصة في الفم.

قال رئيس حركة تحرير السود في جنوب إفريقيا في الثمانينيات في وصفه لشرطة نظام الفصل العنصري: “إنهم يطلقون النار على الأطفال، هذه هي أخلاقهم”. ولكن وَفقًا لأحد المصادر، فإن ضباط شرطة جنوب إفريقيا ما بعد الفصل العنصري يقتلون عددًا أكبر من المدنيين مقارنةً بعدد السكان الذين تقتلهم الشرطة الأمريكية، فقبل عامين ونصف في جوهانسبرج، أطلق ثلاثة ضباط النار على ناتينيل جوليس، وهو مراهق مصاب بمتلازمة داون، بعد أن قال العديد من الشهود إنه لم يستطع الرد على استجواب الشرطة بالسرعة الكافية.

وفي العديد من هذه الحوادث، تتصرف الشرطة بطرائق تذكرنا بشكل ما بأسلافها في عصر الفصل العنصري، فقد شجع رئيس شرطة جنوب إفريقيا ضباطه على اعتبار المشتبه بهم “حيوانات” وقتل أي شخص مسلح، قائلًا إنه عندما يجري نقل الأشخاص المعتقلين إلى المستشفى، فإنهم يستخدمون “ما نملكه من كهرباء، وغذاء، وأدوية”. وفي عام 2012م، أطلقت وحدة شرطة عسكرية ذات أغلبية ساحقة من السود النار على 34 من عمال المناجم المضربين، وبعض هذه الطلقات كانت مصوبة نحو ظهورهم أثناء فرارهم؛ مما أدى إلى قتلهم. بعد ذلك، اتهمت الحكومة التي يقودها السود الناجون بالتسبب في قتل رفاقهم، وهو نفس الأسلوب الذي استخدمه نظام الفصل العنصري للإيقاع بنشطاء تحرير السود.

وقد يجد معظم مواطني جنوب إفريقيا، حتى الكثير من المنتمين إلى اليمين الأبيض، هذا السيناريو مثيرًا للضحك: إذا لم يكن أي فرد أبيض حاضرًا جسديًّا في حادثة وحشية من قبل الشرطة، فإن قضايا العرق والعنصرية تكون غائبة، ويتشابه تاريخ جنوب إفريقيا في العلاقات العرقية مع التاريخ الأمريكي، فالعديد من قوانين الفصل العنصري، على سبيل المثال، كانت مستوحاة بشكل واضح من جيم كرو، وكانت جنوب إفريقيا، مثل أمريكا، مسيطرة لفترة طويلة على فكرة أن الأشخاص البيض يحق لهم الحصول على الخدمات الحكومية بينما يحتاج السود الخضوع إلى سيطرة الحكومة، افترض الوعي الأسود – الحركة الفلسفية العالمية التي تطورت في نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا – أنه من أجل تحقيق الحرية، كان على السود الاعتراف بالعنصرية الداخلية بوصفها أداةً أساسية لدولة الفصل العنصري، لكن تداعيات الفصل العنصري هي التي أجبرت مواطني جنوب إفريقيا على مواجهة مدى استمرار العنصرية الداخلية والديناميكيات الاجتماعية والنفسية القديمة.

شعر العديد من السود في جنوب إفريقيا الذين وصلوا إلى مناصب السلطة بعد عام 1994م بضغوط لم يتوقعوا أن يشعروا بها قط، ومن ضمنها الضغط لأداء المهمة بطريقة يوافق عليها أسلافهم، والضغط للارتقاء إلى التعريف التقليدي للشخص القوي، ومن أجل الحفاظ على حكم الأقلية البيضاء، بذلت دولة الفصل العنصري جهدًا لا يصدق لإقناع الأغلبية السوداء بأنهم غير صالحين للحفاظ على القانون والنظام أو إدارة الاقتصاد، وكما تحكي القصة دائماً “يعتني البيض بالأمور الجدية”، وفي ظل نظام الفصل العنصري، جرى تدريس الطلاب السود منهجًا دراسيًّا مختلفًا، وجرى تخصيص ربعه لمجالي الطهي والبستنة وما شابه ذلك، فكان على الأطفال السود أن يكونوا على استعداد “لكسب لقمة العيش في خدمة الأوروبيين”.

قام بعض مسؤولي الفصل العنصري بتوجيه الأسلحة إلى أحياء السود ليتفاقم ما وصفوه بالعنف بين السود والسود، فقد كانوا عاقدين العزم على الحفاظ على صورتهم بوصفهم حكامًا شرعيين حتى مع اقتراب نهاية عصر الفصل العنصري، وبعد ذلك أرسلت الحكومة عددًا أكبر من الجنود إلى أحياء السود للقيام بـ “حفظ السلام”. أخبرني والي مبهيلي، مراسل في إحدى الصحف التي غطت أعمال العنف التي وقعت في أوائل التسعينيات، أن هذه الخطوة جاءت كمحاولة “لإثبات أن هؤلاء الأشخاص فقط” – الأشخاص البيض – “قادرون على إنقاذنا من الفوضى التي نعيشها يوميًّا لأننا سود”.

التقيت بالجندي كجادي من خلال صديقته ديبو، الناشطة السابقة في مناهضة الفصل العنصري، في عهد أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا، نيلسون مانديلا، توقعت ديبو تغييرًا كبيرًا فقد أكد قادة تحرير السود دائمًا على إعادة توزيع الثروة – ليس فقط لأن اقتصاد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا كان غير أخلاقي، ولكن لأنه كان يعاني من مشاكل عملية ضخمة، إذ جرى تصميمه ليناسب ويدعم شريحة صغيرة من سكان البلاد، وبدلاً من ذلك، أكد مانديلا فجأة التزامه بالحفاظ على الوضع الراهن، حتى أنه أرسل كبار ضباطه لإجراء “دورات تدريبية” في بنك جولدمان ساكس، وأعلن أن وزيره المالي – وهو رجل أبيض – ناشده “للتأكد من عدم الإدلاء بتصريحات من شأنها تخويف المستثمرين” – أي التعليقات الغاضبة، و”الإفريقية”. وتابع مانديلا: “إنني أقبل مناشدته دون تردد”، وكانت هذه صدمة كبيرة بالنسبة لديبو، فهي لم تتوقع رؤية مانديلا يتصرف كما لو أن السود سيمثلون مشكلة جنوب إفريقيا في المستقبل.

وفي محادثة أخرى، أرجع فيشنو باداياتشي، الخبير الاقتصادي الذي عمل مع مانديلا في خططه الاقتصادية، سلوك مانديلا إلى “رعبنا” من الفشل، لقد حُرّر السود في جنوب إفريقيا، لكنهم أصبحوا على الفور متهمين عالميين فيما يمكن أن يبدو وكأنه محاكمة تدوم عامًا تلو الآخر للفصل حول إذا ما كانوا طموحين وقادرين. وبحلول التسعينيات، لم يعتبر الغرب أي دولة في جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا قصة نجاح واضحة، وبدا أن العديد منها، مثل ساحل العاج، خرجت من الاستعمار بقوة ثم انهارت اقتصاداتها، شعر باداياتشي أن العالم ينفد صبره لكي تصبح جنوب إفريقيا “معجزة” – وأن مؤيدي الحركة التقدمية خصوصًا أرادوا من مواطني جنوب إفريقيا أن يقدموا لهم الدليل على أن إيمانهم بإفريقيا لم يكن في غير محله.

وتذكر باداياتشي شعوره بأنه محاصر بشكل كبير “بسبب انعدام الأمن”، لقد قيل له ولزملائه على مدى أجيال أنهم غير مؤهلين للحكم، فاهتزت ثقتهم، وقد أراد بعضٌ في فريق باداياتشي الاقتصادي إجراء إصلاحات بعيدة المدى، ولكن، أشار آخرون إلى أن السود يتحملون مسؤولية النظام الذي صممه البيض، وسيبعث فشلهم في تحمل مسؤولية النظام الرضا في نفوس البيض، ولذلك، زعموا أن الحكومة التي يقودها السود يجب أن تفعل كل ما ينصح به الاقتصاديون ورجال الأعمال البيض.

ولم يأت هذا الضغط من البيض فقط، فقد أصبحت وجهات النظر التمييزية تجاه مختلف الأعراق متأصلة بعمق، وفي أواخر عام 1991م، أنجبت ديبو طفلتها الأولى، ماليكا، وهذا ما جعل ماليكا، التي يسميها سكان جنوب إفريقيا بالـ “مولودة الحرة”، أحد أفراد الجيل الأول الذي نشأ دون ذكريات الفصل العنصري.

وكان الأمل هو أن يعيش هؤلاء الأطفال حياة غير ملوثة بالعنصرية، كان الواقع مختلفًا بالنسبة لماليكا، وكان محيرًا وغير مفهوم لماذا لم يرغب الأطفال البيض في مدرستها الابتدائية المدمجة حديثًا – حيث كانت واحدة من عدد قليل من الطلاب السود – في أن يكونوا أصدقاءها؟ لماذا قامت معلمة الرياضيات باستجوابها بعد أن أدت أداءً جيداً في الاختبار؟ مرت المعلمة على كل سؤال وسألت: “كيف حصلت على هذه الإجابة؟” استغرق الأمر بضع دقائق حتى أدركت ماليكا: “إن المعلمة في حيرة من أمرها لأن طفلة سوداء حصلت على درجة 99%”.

ولكن كان سلوك بعض كبار السن مزعجًا بنفس القدر، “حتى مع زيادة عدد السود” في حي مدرستها الفاخر، الذي كان سابقًا حيًّا للبيض، لاحظت ماليكا أنهم “أصبحوا أكثر عزلة بشكل غريب”؛ فقد بالغ بعضهم ببناء جدران أمنية متفاخرة وكانوا يرفضون الرد عندما يقرع العمال السود جرس بابهم، كانت إحدى النساء في الحي مدربة حياة، وكتبت مدونة نصائح للنساء السود الأخريات اللاتي يطمحن إلى الارتقاء، وشرحت في إحدى المشاركات كيفية التعامل مع الخادمات، ونصحت بإعطائهن نصف رغيف خبز فقط على الغداء، فرغيف كامل يدل على علاقة ودية مبالغة، كما حثت المشاركات بأن يبينوا للخادمات بأن بإمكانهن أخذ بقايا الطعام إلى منازلهن مما يدل على تفهمهن بأن لديهن عائلات، وقالت إن النساء اللاتي يطمحن لأن ينتقلن إلى الطبقة العليا عليهن أن يتصرفن مثل السيدات البيض حتى تحترمهُن خادماتهن، وفي الواقع، قد يضطررن إلى التصرف بشكل أكثر غطرسة للإشارة إلى سلطتهن.

بدأ يدرك العديد من السود في جنوب إفريقيا، للأسف، أنهم في بعض الأحيان عوملوا من السلطات السوداء بشكل أسوأ مما كانوا يعاملون من البيض، فقد ذكر أحد الأصدقاء السود الانتظار في الطابور في مركز الشرطة لتوثيق مستند معين، صرخ رئيس الشرطة الذي كان من السود في وجه المتقدمين السود بقسوة أكبر من صياحه في وجه المتقدمين البيض، كما لو أن الرجل شعر بأن عليه إثبات كونه شرطيًّا “مناسبًا” وَفقًا للمعايير التاريخية لجنوب إفريقيا.

وعندما يشتكي السود في جنوب إفريقيا من هذا النوع من السلوك، يشعر السود ذوو السلطة بالغضب ويتخذون موقفًا دفاعيًّا فقد كان كسب الاحترام من وجهة نظرهم أمرًا صعبًا، حتى من السود الآخرين. وقد وصف صحفي أسود إحدى المحادثات مع سائق أوبر: “الركاب السود [الأثرياء] هم الأسوأ”، قال له سائقه بمرارة، “يتوقعون منا أن نفتح الباب لهم أو أن نساعدهم في وضع مشترياتهم [في صندوق السيارة]”.

وزعم الصحفي أن الشكوى تنم عن المعايير المزدوجة، وبدا له أن السود يرفضون أحيانًا الاعتقاد بأن الآخرين يمكنهم الحصول على أي سلطة بشكل مشروع؛ فقد رأوهم كما يراهم البيض، فاسدين، إما خائنين أو مزيفين، أجاب بغضب: “أراهن أنك تفتح [الصندوق] للنساء البيض، لماذا لا يُظهر مقدمو الخدمات السود الحب لنا؟”

كان هناك دائمًا توتر لم يجرِ حله في معركة حركة تحرير السود ضد العالم الذي أنشأه البيض في جنوب إفريقيا، هل كان هدف النضال من أجل التحرير هو تفكيك هذا العالم جذريًّا، أم مجرد التحرك بحرية أكبر داخله؟

شغل كوسيني دلاميني منصب الرئيس التنفيذي الأسود الثاني لشركة Anglo American South Africa، وهي مجموعة شركات التعدين التي لا يزال مديروها التنفيذيون يتربعون على قمة اقتصاد البلاد غير المتكافئ، لقد أوضح لي رغبته في الانضمام إلى المراتب العليا في مؤسسةٍ كان محرومًا من الالتحاق بها لفترة طويلة، حتى لو اعتبر في شبابه تلك المؤسسة فاسدة حتى النخاع.

وعند عودته إلى جنوب إفريقيا في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين من أكسفورد، كان أمامه خياران: العودة إلى المنطقة التي يهيمن عليها السود حيث ولد والتدريس في الكلية، أو قبول وظيفة في شركة Anglo American، وكان الاختيار واضحًا، وقال إن خيار العودة إلى موطنه كان سيكون “خيارًا طبيعيًّا” بشكل مخيب للآمال، في حين أنه “في جنوب إفريقيا، تحمل شركة Anglo American أهمية كبيرة تاريخيًّا”، بالنسبة إليه، شخصيًّا، بدا أن إدارة منجم كانت بمثابة التحول النهائي، “لتجاوز الفترة المظلمة في الثمانينيات” – إن لم يكن كذلك بالنسبة إلى معظم الموظفين السود في المنجم تحت ظروف غير عادلة.

عندما تولى القادة السود أدوار البيض سابقًا، بدا أن بعضهم طوّر نفس النوع من الكراهية تجاه السود الأكثر فقرًا وفي بعض الأحيان، كان زملاؤهم البيض يطلبون منهم التصرف كذلك بشكل غير صريح، وفي أحيان أخرى، تصرفوا بعنصرية نتيجة خوف أعمق، مثل التشكيك في شرعية منصبهم، أو أنهم وصلوا إليه عن طريق الحظ، أو أنهم اختاروا طريقًا غير أخلاقي.

أخبرني أحد المزارعين السود الذين أعرفهم أنه يعتقد أن المزارع الصغيرة المملوكة للسود مُحرِجة، عندما ناضل المزارعون مع محاور الري الخاصة بهم، بدا أنهم يثبتون ما شعر أنه عازم على دحضه، وهو أن السود لا يستطيعون التنافس مع البيض، وبعد خمسة عشر عامًا من انتهاء الفصل العنصري، قال إنه أصبح يفضل البيض: “لقد كان الرجال البيض أصحاب الملايين قادتي، من حيث الإرشاد”. كنا نتحدث في مزرعته، وأشار إلى قطيع من الأغنام، “في الواقع، قررت الآن أن أشكر الفصل العنصري، فالفصل العنصري هو الذي أوصلني إلى ما أنا عليه اليوم”، بالنسبة إليه، أصبح النظر إلى السود الآخرين وسيلةً لتمييز نفسه بالناجح – وطريقة، بشكل غريب، لإظهار أنه لم ينكسر على يد معذبيه، وأنهم لم ينجحوا في استفزازه إلى نزعة عنصرية، بالنسبة إليه، يمكن أن تبدو الموافقة على حكم البيض على السود وكأنها وسيلة لانتزاع السلطة منهم، بعد أن فعلوا الكثير لإثارة كراهيته.

لا تنشأ وحشية الشرطة دائمًا، أو حتى في أغلب الأحيان، من العنصرية، فلدى البلدان المختلفة ثقافات متنوعة حول وحشية الشرطة التي قد تتضمن جوانب معقدة أخرى غير العرق، ولكن في جنوب إفريقيا، كما في أميركا، هناك ارتباط وثيق بين وحشية الشرطة والعنصرية.

أجرت أستاذة القانون إيسي إنديا ثوسي مؤخرًا مقابلات مع ضباط شرطة من السود في جنوب إفريقيا، وكتبت بعد ذلك: “لقد فوجئت عندما علمت أن العديد منهم يشتاقون إلى زمن الفصل العنصري، باعتباره الوقت الذي كانت فيه الشرطة تتمتع بسلطة مطلقة أكبر لاستخدام القوة ولأن تكون ’شرطية‘ بحق”، وتبين أن مجتمع جنوب إفريقيا كان لديه مجموعة كاملة من المفاهيم حول ماهية “الشرطة” – ومن بينها الخشونة، وعندما يُظهر الناس عدم محبتهم لك، فهذا خطأ، وعليك أن تريهم من هو الرئيس، وأن الضباط الأقوياء لا يخافون من إطلاق النار.

جرى تقديم هذه السيناريوهات إلى مجتمع جنوب إفريقيا لدعم تفوق العرق الأبيض، لكن أولئك الذين يستمرون في أداء ما تتضمنه هذه السيناريوهات لا يُشترط أن يكونوا من البيض، فكر في هذه السيناريوهات باعتبارها دليل تشغيل، لا تحتاج إلى أن تصمم الآلة لتستطيع تشغيلها والنظر للدليل واتباع التعليمات؛ فالهدف الأساسي من هذه السيناريوهات – هذه الأعراف الاجتماعية، وهذه التقاليد المؤسسية – هو منع كل جيل جديد من الاضطرار إلى بناء الثقافات من الصفر.

يمكن للأفكار المعقدة والموروثة حول السلطة والعنصرية الداخلية أن تقود رجال الشرطة السود بسهولة إلى قتل رجل أسود آخر، إذا كنت تعتقد أن التقاليد يمكن أن توفر أساسًا قويًّا لتعيش عليه أجيال عديدة، فيجب أن تؤمن أن لديها القدرة على الاستمرار خارج نطاق مجموعة معينة، ويجب عليك أيضًا أن تدرك أن التقاليد التي حاولنا التخلص منها بعد اكتشاف مدى ظلمها، من المحتمل أيضًا أن تكون موروثة ومستمرة.

المصدر

مقالات ذات صلة