القائمة الرئيسية

أطول علاقة في حياتنا

أطول علاقة في حياتنا
ملخص المقال

يتناول المقال علاقة الأخوة وكيفية تطورها عبر مراحل الحياة، بدءًا من الطفولة حيث تكون رابطة الأخوة جزءًا من النظام الأسري، وصولًا إلى مرحلة البلوغ حيث تبدأ هذه العلاقة في التغيير بناءً على الإرادة الشخصية والتجارب الحياتية. تبرز أهمية الأخوة في توفير الدعم النفسي وفهم التجارب المشتركة، كما يؤثر تأثير التفضيل العائلي والخلافات بين الأشقاء على ديناميكيات هذه العلاقة. من خلال قصص مثل قصة كارليتا غاي، التي اكتشفت أهمية ارتباطها بأشقائها في فهم هويتها والتعامل مع تحديات الحياة، يبرز مفهوم ""إعادة تمركز ديناميكيات العلاقة""، حيث يعيد الأشقاء تقييم روابطهم في مراحل متقدمة من العمر. يُختتم المقال بالإشارة إلى أن روابط الأخوة هي من أطول وأعمق العلاقات التي يعيشها الإنسان، مما يمنحها القدرة على التكيف والنمو عبر الزمن.

بقلم أنجيلا تشين

نشأت كارليتا غاي كواحدة من بين ستة أشقاء – الثالثة من الأشقاء والثانية من بين ثلاث فتيات – وقد أحبت كارليتا كونها جزءًا من أسرة كبيرة تسمح للجميع بالتعامل مع العديد من الشخصيات، على الرغم من أنها لم تر عائلتها بعد أن ابتعدت عن مسقط رأسها، إلا أن الذهاب إلى جلسات العلاج النفسي كشخص بالغ ساعد كارليتا، البالغة من العمر الآن 33 عامًا والتي تعمل مساعدة تنفيذية في نيويورك، على فهم “أهمية الملاذ الذي يمكن أن يوفره الإخوة” بسبب السياق والتاريخ المشترك العميق. وعلى وجه الخصوص، كانوا من بين الأشخاص القلائل الذين استطاعوا فهم تجربتها في نشأتها شخصًا ثنائي العرق في جزء “أغلبه من البيض” في ولاية مينيسوتا. قالت لي كارليتا: “كنت أنظر من عدسة الوحدة” في محاولتها لفهم كيفية تطور هُويتها العرقية، لكنها أدركت مع مرور الوقت أن إخوتها يمكن أن يفهموا تجربتها، إذ مروا بها معها داخل أسرتهم، وقالت: “إذا كان بإمكان أي شخص أن يفهم تجربتي، سيكون أحد أشقائي”.

لا يمتلك الكثير من الأشخاص خمسة أشقاء مثل كارليتا، لكن لدى 82% من الأطفال الأمريكيين شقيق واحد على الأقل، تتكون علاقة الأخوة النموذجية من مرحلتين: أولًا، تكون علاقة الأطفال جزءًا لا يتجزأ من نظام الأسرة ويشكلها آباؤهم، ثم يبدؤون في الاستقلال، ويتركون المنزل في نهاية المطاف ويبنون حياتهم الخاصة. في هذه السنوات اللاحقة، تكون رابطة الأخوة مزيجًا مثيرًا للاهتمام من الرابطة اللاإرادية (لا أحد يختار إخوته) والإرادية (يُعتبر الابتعاد عن الأخ عمومًا أقل إثارة للقلق من الطلاق أو قطع علاقتهم مع أحد الوالدين).

بمعنى آخر، يُجبر الأشقاء على العيش معًا، ثم فجأة يتوقف الإجبار. إن الاستقلال في مرحلة البلوغ – عندما لا يعود القرب مطلوبًا وتقل الالتزامات – يخلق فرصًا للأشقاء لبناء أو إصلاح أو التخلص من العلاقات: للبقاء عالقين في الأدوار التي أدوها عندما كانوا أطفالًا أو التحرر منها.

إذا كان هناك شيء واحد يعتقد معظم الناس أنهم يعرفونه عن علاقات الأخوة، فهو تأثير ترتيب الولادة. أراد الخبراء الذين تحدثت معهم في هذا المقال تصحيح هذا المفهوم الخاطئ: تأثير الترتيب أسطورة، بغض النظر عن عدد الأطفال الذين ينشرون على تطبيق “TikTok” وهم يندبون “متلازمة الطفل الأوسط”، فإن ترتيب الولادة ليس له تأثير كبير على الشخصية.

ولكن، حتى لو لم يكن الترتيب الدقيق للأطفال مهمًا، فإن الأشقاء يشكلون حياة بعضهم بعضًا بتأثير عميق، خلال سنوات المراهقة، يكون الإخوة والأخوات مؤثرين بقدر تأثير الأقران، وأكثر بكثير من الآباء، في توجيه القرارات المتعلقة بشرب الخمر وتعاطي المخدرات، وفقًا لشون وايتمان، الخبير في تنمية المراهقين والأستاذ بجامعة ولاية يوتا. في إحدى الدراسات، كان الأشخاص الذين لديهم خلاف أو تباعد في علاقاتهم مع الأشقاء قبل سن العشرين أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب في سن الخمسين، ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الكثير من الأبحاث حول الأشقاء أُجريت على الأسر المكونة من شقيقين فقط، لا يفصل بينهما أكثر من خمس سنوات، مع عدم الاهتمام بالفجوات العمرية الأوسع والأسر الأكبر حجمًا.

وأشار الخبراء أيضًا إلى عامل مؤثر آخر على علاقات الأخوة من الممكن أن يعمل على تسميم العلاقة: التفضيل. قامت كاثرين جوزبيري كونجر، أستاذة الدراسات العائلية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، بإجراء مقابلات مع مجموعات من شقيقين – معاً وبشكل منفصل – منذ أن كانوا في الصف التاسع، إلى مرحلة الرشد. من خلال هذه المقابلات، وجدت كاثرين أن الأشقاء يتذكرون من يشارك المزيد من الاهتمامات مع الأم ومن يفضل لعب الكرة مع الأب، إن معاملتهم بشكل مختلف بناءً على هوايات معينة أو احتياجات محسوسة، مثل إذا ما كان أحد الأخوة يحتاج إلى مساعدة إضافية في واجباته المنزلية، لم يشكل مشكلة، ولكن “إذا شعروا بأن الأم أو الأب أو كليهما يفضلان أحد الأشقاء، فهنا ينشأ الاختلاف أو التوتر في العلاقة.”

تميل مشاعر الاستياء القائمة على التفضيل إلى بلوغ ذروتها قبل سنوات المراهقة، عندما يدخل الأطفال المدرسة الثانوية، يصبحون أكثر استقلالية، ويقضون وقتًا أطول مع أصدقائهم ووقتًا أقل تحت إشراف الوالدين، في هذه المرحلة، تبدأ الطبيعة الإرادية لعلاقات الأخوة في الظهور و”عليك في الواقع بذل الجهد لتستمر العلاقة”، كما أخبرتني نيكول كامبيون- بار، عالمة النفس في جامعة ميسوري، ما يحدث في هذه الفترة يمكن أن يمهد الطريق لكيفية تواصل الأشقاء في مرحلة البلوغ.

وبالنسبة لميمي غونزاليس، البالغة من العمر 27 عامًا ومقدمة “بودكاست” حول الحزن والوفاة، أدى حدث صادم خلال فترة المراهقة إلى تغيير علاقتها مع أختها الكبرى إيماهني، مثل كارليتا غاي، تنحدر ميمي من عائلة كبيرة – مكونة من خمس فتيات، تتراوح أعمارهن بين إيماهني البالغة من العمر 28 عامًا إلى فتاة تبلغ من العمر 4 سنوات، عندما كانت ميمي في السادسة من عمرها، دخلت أختها غير الشقيقة إيماهني حياتها، كلاهما كانتا ذاتا شعر مجعد بوجنات مليئة بالنمش، وكثيرًا ما كان يُعتقد أنهما توأمان وعلى الرغم من أنهما كانتا تتشاجران باستمرار، إلا أنهما كانتا قريبتين من بعضهما بعضًا، وتقضيان معظم الوقت مع صديقتهما المفضلة، ميجان.

انتحرت ميغان عندما كانت الفتيات في الخامسة عشرة من العمر، وتسبب حزن خسارتها في ابتعاد ميمي وإماهني عن بعضهما بعضًا. وأخبرتني ميمي أن إيماهني بدأت في التراجع و”أبعدت نفسها كثيرًا” مقارنة بما كانت عليه من قبل.

وفي هذا العام حملت إيماهني، قالت ميمي: “لقد فتح حملها الباب نوعاً ما”، أصبح الحديث عن الطفل القادم وسيلة لبدء محادثات أخرى، ثم الحديث ببطء عن ميجان والخسائر الأخرى، وكيف ستتواصلان مع تقدم العمر. قالت ميمي: “كوّنا معظم ذكرياتنا الأساسية معًا عندما كنا صغارًا، نلعب في الخارج، ونذهب إلى الشاطئ، ونذهب للتخييم، عندما لم نتحمل مسؤوليات الكبار هذه، وأدركنا معًا أنه لا يزال بإمكاننا إنشاء ذكريات أساسية رغم غياب الأحبة، على الأقل لدينا بعضنا بعضًا، وهي على وشك أن تجلب روحاً جديدة إلى هذا العالم، نحاول حقًا العمل على تحسين علاقتنا، لكي نصبح أقرب.”

تطلق كاثرين على ما حدث بين ميمي وإيماهني اسم “إعادة تمركز ديناميكيات العلاقة”: عملية تجمع الأشقاء معًا في وقت لاحق من الحياة لإعادة تقييم روابطهم وإعادة كتابتها، فخلال مرحلة الطفولة، يرى الأطفال أن والديهم هما محور الأسرة؛ لذا فإن إعادة التمركز تشير إلى التركيز على رابطة الأخوة بدلًا من ذلك، وتغيير طريقة الارتباط.

تؤثر العديد من العوامل على الشخص الذي من المرجح أن يبني أو يعيد بناء العلاقة، ومع ذلك، فإن أحد أهم العوامل التنبؤية وفقاً لكل من المقابلات وبيانات الاستطلاع، هو الدفء والمحبة، قد يحزن الآباء من مدى تشاجر أطفالهم، لكن الخلاف على الأقل يظهر أن الأشقاء يتفاعلون مع بعضهم بعضًا. إن نسبة الخلاف العالية لا تُمثل بالضرورة مشكلة إذا كان هناك أيضًا نسبة دفء ومحبة عالية – الأمر الأكثر إثارة للقلق هي العلاقات المليئة بالازدراء والخالية من التفاعل الإيجابي.

ومع ذلك، تعتقد كاثرين أن غالبية الأشقاء من المرجح أن يمروا بنوع من إعادة تمركز ديناميكيات العلاقة، قالت لي ميشيل فان فولكوم، عالمة النفس في جامعة مونماوث: “لن أجزم بعدم وجود شخصين في الأربعينات من العمر دون خلافات حتى الآن”، لكنها تعتقد أن الوقت والنضج أمران مهمان لتحطيم الحواجز القديمة.

يمكن لأحداث الحياة والمراحل الانتقالية الكبرى، مثل الزواج والحمل والولادة والوفاة، أن تزعزع أمن الأسرة، وعلى الرغم من أن معظم الأبحاث حول إعادة تمركز ديناميكيات العلاقة ركزت على الإمكانيات الأكثر إيجابية، إلا أن هذه الأحداث الكبيرة والضغوط المرتبطة بها يمكن أن تؤدي إلى تباعد الناس أيضًا. على سبيل المثال، يمكن أن تعود حالات الاستياء القائمة على التفضيل التي ذكرها الخبراء إلى الظهور عندما يحتاج الأشقاء إلى الاجتماع معًا لتقديم الرعاية لآبائهم، وَفقًا لميجان جيليجان، أستاذة التنمية البشرية في جامعة ولاية أيوا.

بالنسبة لميمي وإيماهني، أدى موت ميجان إلى ابتعادهما في البداية، لكن الحمل بدأ عملية إعادة تقييم علاقتهما، تعتقد كاثرين أن المحفز المشترك لهذا النوع من الاهتمام المتجدد هو التجربة المشتركة الجديدة – على سبيل المثال، قد يتواصل شخص لديه طفله الأول مع شقيق لديه أطفال بالفعل للحصول على المعلومات والنصائح.

وقالت كارليتا غاي إن الظروف المحيطة بمرض والدها عمقت العلاقة بينها وبين شقيقها رايان، المعالج النفسي في ولاية مينيسوتا البالغ من العمر 36 عامًا كان الأطفال الستة متوافقين عند الصغر، ولكنهم لم يكونوا قريبين بشكل خاص، أوضحت كارليتا: “جميع إخوتي حساسون للغاية – بما في ذلك والديّ – وأعتقد أن هذه الحساسية جعلتنا في بعض الأحيان حذرين مع بعضنا بعضًا وأقل انفتاحًا لمشاركة مشاعرنا”.

قبل خمس سنوات من وفاته، انتقل والدهم للعيش مع ريان، أكبر الإخوة، لقد كان من الصعب دائمًا على كارليتا الاتصال بوالديها، ولكن مع وجود ريان للرد على مكالماتها، تمكنت من التحدث أكثر مع والديها، وقالت: “لم يتردد ريان بإخباري عما كان يحدث مع والديّ، وأسعدني ذلك إذ لم أتمكن من الزيارة لمدة عامين بسبب جائحة كورونا. من المهم بحق أن يمنحك شخص ما إمكانية الوصول إلى الأشخاص المهمين في حياتك، ولكوني خارج المدينة، كانت هذه الصلة تعني الكثير بالنسبة إليّ.”

يتذكر ريان إعطاء كارليتا تحديثات عن حال والدهما، وقال إن ذلك أصبح وسيلة للتحدث عن الحياة والعلاقات والآمال، ويتحدثان الآن عبر الهاتف في نهاية كل أسبوع ويتراسلان بشكل متكرر، لم يعد ريان مجرد جسر لصلة الوالدين، بل لأجزاء مختلفة من حياتها أيضًا. قبل عامين، زار كارليتا في نيويورك، والآن هو الشخص الوحيد من عائلته الذي التقى بقططها ورأى شقتها في ذلك الوقت، قالت: “لم تعد تلك القطط تعيش معي إذ انتقلت مع زوجي السابق، وقد رآها ريان وهي في عمر سبعة أسابيع؛ مما جعلني أدرك شيئاً، فقلت لريان: “أنا سعيدة جدًّا لأنك أتيت وقابلتهم”، عندما يرحل شخص ما (أو حيوان) من حياتنا، من الرائع حقًّا أن يكون هنالك أشخاص من حولك استطاعوا مقابلته”.

أدركت كارليتا شيئًا أكد عليه العديد من الباحثين في الأشقاء: بالنسبة لكثير من الناس، تعتبر روابط الأخوة هي أطول العلاقات في حياتنا، نعرف الأشقاء قبل أن نلتقي بشركائنا (وقبل أن يكون لدينا أطفالنا)، وسنعرفهم بعد وفاة والدينا. قالت ميشيل، عالمة النفس في مونماوث: “أخبر طلابي بهذا طوال الوقت، هناك شخص واحد فقط كان هناك منذ البداية، ليس أصدقائي، ولا زوجي، ولا أي شخص سوى شقيقي”. الأشقاء هم جزء حيّ من تاريخ الأشخاص وشكل من أشكال الذاكرة التي تعيش خارج أنفسنا، ولأن كل علاقة دائمة يمكن أن تكون محبطة، ومصحوبة بعقود من سوء الفهم والمشاكل العاطفية، فإن روابط الأخوة لها تعقيداتها الخاصة، لكن طول عمر العلاقة وطبيعتها المتغيرة تتيح للأشقاء خيارًا: السماح لهذا التاريخ بتحديد العلاقة أو استخدام الماضي أساسًا يمكن أن تنمو منه طريقة جديدة للتواصل.

المصدر

مقالات ذات صلة