عندما أعلنت شبكة “HBO” مؤخرًا أنها ستحول سلسلة كتب هاري بوتر إلى برنامج تلفزيوني، مع تخصيص موسم واحد على الأقل لكل كتاب، شكك بعض النقاد في المغزى من ذلك. حققت سلسة أفلام بوتر الأصلية أكثر من ملياريّ دولار، فما الذي لم تقدمه الأفلام الشهيرة للجماهير بعد؟
ولكن كان لدي رد فعل مختلف: أخيرًا!
تُعد أفلام هاري بوتر خدمةً للمعجبين؛ إذ اختصرت سلسة الكتب الشهيرة لِتُعرض على شاشة السينما، وقد حققت نجاحًا لا يمكن إنكاره، لكن بوصفها عملًا فنيًّا، لم تكن جيدة بما فيه الكفاية، ليس بسبب الافتقار إلى الجهد الإبداعي؛ بل إن صيغة الفيلم لم تكن مناسبة تمامًا لقصة الصبي الساحر المحبوب التي استمرت على مر سبع سنوات. كُتبت سلسة هاري بوتر لتصبح مسلسلًا تلفزيونيًّا، وهي تقدم دراسة حالة مثالية عن السبب الذي يجعل العديد من الكتب اليوم تناسب العرض على أنها مسلسلات تلفزيونية أكثر من أفلام.
وقبل كل شيء، لم يكن حجم روايات هاري بوتر يتناسب أبدًا مع وقت عرض الأفلام الروائية؛ إذ يبلغ إجمالي ملحمة جي كي رولينغ أكثر من 3000 صفحة، مع زيادة طول الأجزاء اللاحقة بشكل ملحوظ، وفي محاولتهم لتضمين هذه الحجم من المحتوى، غالبًا ما تبدو الأفلام وكأنها مقاطع دعائية، حيث تتنقل عبر الحبكة دون أن تشرحها بشكل كامل وتومئ للحظات ذات المعنى للشخصيات دون إعطاء المساحة الملائمة لتلك اللحظات ومنحها الاهتمام المناسب، بعض المقاطع المفضلة لدى المعجبين من الكتب، مثل مقاطع الشبح الشرير بييفس، لا تظهر أبدًا على الشاشة، وتُركت بعض المشاهد السينمائية من الكتب على أرضية غرفة التحرير. لنأخذ مثالاً واحداً: في “هاري بوتر وكأس النار” (Harry Potter and the Goblet of Fire)، يجب تصوير مشاهد مباراة الكويدتش على أنها المكافئ الخيالي للسوبر بول، ولكن نظراً لأن الحركات الجوية الغريبة في البطولة لم تكن ضرورية تمامًا لفهم نهاية الكتاب، فقد حُذفت المباراة من الفيلم. لن تضطر النسخة التلفزيونية من هاري بوتر إلى تقديم مثل هذه التضحية.
وعلاوة على عدد الصفحات، فإن محتواها بحد ذاته يتناسب مع صيغة المسلسلات بدلًا من الأفلام. إحدى نقاط قوة رولينغ باعتبارها كاتبة، في سلسلة كتب هاري بوتر ومسلسلها البوليسي الشهير “Cormoran Strike”، هي قدرتها على حياكة حكاياتها بطريقة تربط بين جميع الأحداث في النهاية ببراعة، سواء أكان الأمر يتعلق بأصل غرفة الأسرار أم الطبيعة الحقيقية لسيفيروس سنايب، يُفهم القصد من كل حدثٍ صغير في النهاية، وهذه الجودة هي بالضبط الوصفة اللازمة لدراما تلفزيونية مُرضية.
وعلى النقيض من ذلك، فإن العديد من البرامج التلفزيونية اليوم تختلق أجزاءً من الحبكة مع تقدمها، وتطرح أسئلة روائية دون معرفة الإجابات، وهذا يؤدي غالبًا إلى خيبة أمل الجمهور، ولعل المثال الأكثر شهرة على ذلك هو مسلسل “Lost” لجي جي أبراهمس، الذي دار موسمه الأول حول باب معدني غامض عُثِر عليه في الأرض، في نهاية الموسم، يُفتح الباب المغلق أخيرًا ليكشف عن… فجوة في الأرض، وهو تجسيد مناسب لفجوة الحبكة التي خطط مؤلفو العرض لملئها خلال العطلة الصيفية. ومما لا يثير الدهشة، تجنب خاتمة “Lost” بالمثل مسؤولية حل معظم الألغاز المقدمة سابقًا.
وهذا النهج العشوائي شائع بشكل مؤلم، ففي عام 2021م، سُئل كاتب السيناريو أكيفا جولدسمان الحائز على جائزة الأوسكار عمّا تعلمه من إنتاج الموسم الأول من “ستار تريك: بيكارد” (Star Trek: Picard)، الذي كلف ما يقارب 100 مليون دولار وتلقى آراءً متباينةً من الجماهير، قال لمجلة “The Hollywood Reporter”: “اكتشف النهاية مبكرًا، إذا كنت ستنتج مسلسلًا، فيجب أن تكون لديك القصة بأكملها قبل البدء في التصوير.”
ولا يرتبط هذا الارتباك الإبداعي بموهبة الكتاب بقدر ارتباطه بآليات الصناعة. تجري كتابة الكثير من البرامج التلفزيونية على أساس حلقة تلو الأخرى، وعلى عكس الروائيين، فإن منتجيها لا يتمتعون برفاهية العودة إلى الوراء ومراجعة الفصول السابقة في ضوء التطورات اللاحقة، تختار وتنتج الشبكات التلفزيونية عادةً حلقات تجريبية، لا قصصًا تمتد لسنوات، هذا هو السبب وراء انهيار العديد من المسلسلات ذات الموسم الأول الجذاب بعد انتهائه، حيث يفشل مديرو المسلسل في متابعة فكرتهم الأولية بتألقٍ مماثل، أو يبدؤون في إنتاج المواسم اللاحقة دون بذل الكثير من الجهد بمجرد اكتسابهم لمتابعين مخلصين، علاوة على ذلك، مع معدل دوران الكتّاب المستمر في غرف كتاب المسلسلات التلفزيونية، فإن الحفاظ على رؤية سردية متماسكة مع مرور الوقت يمكن أن يكون صعبًا للغاية. عندما قرر كاتب السيناريو جي مايكل ستراكزينسكي الالتزام بقصة مدتها خمس سنوات لبرنامج الخيال العلمي الخاص به “بابل 5” (Babylon 5)، كان عليه أن يكتب 92 حلقة من حلقاته البالغ عددها 110 حلقات بنفسه.
يُعد تكييف العمل الأدبي أحد أفضل الطرائق لتجنب هذا الفخ؛ إذ قد اهتم الروائي بالفعل بالمنحنى السردي، والتنذير بالأحداث المستقبلية، وعناصر السرد القصصي الأخرى التي تربك كتاب المسلسلات التلفزيونية، ومن خلال استناد المسلسل التلفزيوني إلى كتب مثل كتب رولينج، يتجنب مديرو المسلسل “لحظات الباب المعدني” حيث يدرك المشاهدون أن الكتّاب ليس لديهم أي فكرة عن وجهة المسلسل، وستكون بذلك النتيجة دراما لا تخيب جمهورها، وبمعنى آخر، المسلسل التلفزيوني لا يحل مشكلة هاري بوتر فحسب – هاري بوتر يحل مشكلة المسلسلات التلفزيونية.
يوضح تكييف “HBO” لمسلسل “Game of Thrones” هذه النقطة، فاستنادًا إلى روايات جورج آر. آر. مارتن الأكثر مبيعًا، نال المسلسل ثناءً لسنوات عديدة – حتى نفذت الكتب من كتّاب المسلسل واضطروا إلى إنهاء القصة بأنفسهم، وبعدما تجردوا من تخطيط مارتن الدقيق ورؤيته الأوسع، ارتبكوا، وتوصلوا إلى خاتمة جرى انتقادها على أنها كُتبت بسرعة ودون اتساق مع ما سبقها.
أو لنأخذ سلسلة أخرى من كتب الأطفال البريطانية المحبوبة والتي تحظى حتى باهتمام البالغين، والتي تقدم مثالًا أكثر تشجيعًا. في عام 2003م، عندما قامت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي “BBC” باستطلاع رأي الجمهور في المملكة المتحدة حول أعمالهم الأدبية المفضلة، حاز “هاري بوتر وكأس النار” (Harry Potter and the Goblet of Fire) على المركز الخامس، بفارق مركزين عن ثلاثية فيليب بولمان بعنوان “مواده المظلمة” (His Dark Materials). وفي عام 2007م، جرى تحويل الكتاب الأول من تلك السلسلة إلى فيلم سينمائي، كان لدى “البوصلة الذهبية” (The Golden Compass) الكثير من المزايا: مخرج ماهر، كريس ويتز، وشركة الإنتاج التي عملت على سلسلة أفلام “The Lord of the Rings”، وأدوار قيادية لعبها دانييل كريج ونيكول كيدمان، ومع ذلك، فشل الفيلم بشكل سيئ لدرجة أن الاستوديو لم ينتج الكتابين التاليين في الثلاثية. وفي عام 2019م، حصلت سلسلة كتب “مواده المظلمة” على فرصة ثانية كمسلسل تلفزيوني ببطولة جيمس ماكافوي ولين مانويل ميراندا، وبدعم من أكبر ميزانية في تاريخ بي بي سي، وجرى التمكن أخيرًا من سرد القصة الشهيرة على الشاشة، هذه المرة، ترتب على الموسم الأول ثلاثة مواسم كاملة، أنهى بها المسلسل عرضه الذي نال إشادةً من النقاد والجمهور في ديسمبر.
وتستطيع سلسلة كتب هاري بوتر التمتع بنفس المصير. في الماضي، كانت استوديوهات الأفلام فقط هي التي تمتلك الميزانية والموهبة اللازمة لإنصاف الأعمال الأدبية الشعبية؛ إذ رفض العديد من الممثلين أدوارًا في المسلسلات التليفزيونية لِيؤدوا أدوارًا “رفيعة المستوى” في الأفلام، لكن اليوم، أدى ظهور المسلسلات التلفزيونية المرموقة والتقدم الدراماتيكي في المؤثرات البصرية ذات الأسعار المعقولة إلى تمكين الدمج بين قيم إنتاج الشاشة الكبيرة ومساحة سرد القصص الواسعة على شاشة التلفزيون الصغيرة – ومن شأن هذا الدمج أن يوفر بدوره الوصفة السحرية لمسلسل تلفزيوني قائم على سلسلة كتب هاري بوتر.
