يتطلب التكيف مع الاضطرابات جهداً جماعياً وتعاونياً عبر الحكومات والشركات والمجتمع المدني، وليس جهداً معزولاً.
تُعد قصة دولة الإمارات العربية المتحدة على مدار نصف القرن الماضي دراسة حالة مقنعة في تحويل التقلبات إلى فرص.
وقد يحمل النموذج التنموي التعاوني ومتعدد أصحاب المصلحة لدولة الإمارات دروساً مهمة في كيفية مواجهة تحديات عصرنا.
يمر عالمنا اليوم بفترة من التحول العميق، حيث يُعيد التغيير السريع والتعقيد المتزايد تشكيل كل جانب من جوانب الحياة البشرية. ويُسلط تقرير المخاطر العالمية 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي الضوء على واقع صارخ: تسارع وتيرة تغير المناخ يهدد بتجاوز نقاط التحول، بينما يؤدي التفاوت الاقتصادي إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية ويضغط على التعاون الدولي.
وفي الوقت ذاته، تُحدث التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي، والحوسبة الكمومية، والبيولوجيا التركيبية اضطرابات في الصناعات بوتيرة ونطاق غير مسبوقين، مما يعيد تشكيل الاقتصاديات والمجتمعات والجغرافيا السياسية. ويُضاف إلى ذلك المخاطر المتوقعة من الركود التضخمي، والثغرات الإلكترونية الواسعة النطاق، والنقص العالمي في الموارد – بما في ذلك الطاقة والمياه – فنجد أنفسنا أمام لحظة حرجة وتحولية في التاريخ.
لكن وسط هذا الغموض تكمن فرص هائلة. فإذا كان هناك شيء علمتنا إياه العقود الماضية، فهو أن الابتكار يزدهر في أوقات الشدائد. إلا أن التحدي واضح: التكيف مع هذه الاضطرابات لا يتطلب جهداً معزولاً، بل عملاً جماعياً وتعاونياً عبر الحكومات والشركات والمجتمع المدني. وبالفعل، ونحن على أعتاب عصر جديد، فإن السؤال ليس ما إذا كنا قادرين على التكيف، بل ما إذا كنا سنختار القيام بذلك معاً، مستندين إلى قيم مشتركة ورؤية طويلة الأمد لتحويل مخاطر اليوم إلى فرص الغد.
يتطلب هذا التقارب بين الأزمات نماذج جديدة من الحوكمة والشراكة – تتجاوز الأنظمة التقليدية وتعتمد على الإمكانات الكاملة للأنظمة المترابطة. وفي هذا السياق، قد تقدم أمثلة مثل النموذج التنموي التعاوني ومتعدد أصحاب المصلحة لدولة الإمارات دروساً قيّمة لمواجهة تحديات عصرنا.
دراسة حالة في تحويل التقلب إلى فرصة
قصة الإمارات على مدار نصف القرن الماضي تُعد مثالاً قوياً في تحويل التقلب إلى فرصة. فهي ليست مجرد قصة موارد طبيعية أو موقع جغرافي، رغم أن كليهما لعب دوراً محورياً على طول الطريق. بل هي رواية عن القيم القوية، والرؤية العميقة، والالتزام الراسخ بالتعاون – وهي صفات حوّلت دولة فتية إلى رائدة عالمية في مجالات التنمية والابتكار والاستدامة.
عندما تأسست دولة الإمارات قبل 54 عاماً، كانت التحديات جسيمة. إذ لم يكن هناك سوى بنية تحتية محدودة، وموارد طبيعية قليلة بخلاف النفط، ومشهد جيوسياسي متقلب، ما جعل النجاح غير مضمون. ومع ذلك، وضع الوالد المؤسس، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الأساس لرؤية لا تزال تقود البلاد حتى اليوم: الازدهار المبني على الفهم المتبادل، والتعاون الشامل بين مختلف أصحاب المصلحة، والتفكير طويل الأمد، والشجاعة في اتخاذ القرار.
وقد تجلت هذه الرؤية مبكراً في السياسات الإماراتية التي ركزت على التنويع والتعاون. واليوم، تنعكس هذه الروح في مكانة الإمارات كمركز عالمي للتجارة، ورائدة في الطاقة منخفضة الكربون والمتجددة، ومبتكرة في تسخير التكنولوجيا من أجل الخير المجتمعي. وتشكل القطاعات غير النفطية الآن أكثر من 74٪ من الناتج المحلي الإجمالي، مدفوعة بقطاعات مثل المالية والتكنولوجيا واللوجستيات والسياحة. فعلى سبيل المثال، تمثل السياحة ما يقارب 12٪ من الناتج المحلي الإجمالي – أكثر من إيطاليا وفرنسا والمملكة المتحدة – وتوفر وظيفة من كل تسع وظائف. وصنّف استطلاع عالمي حديث أجرته US News & World Report دولة الإمارات كثالث أكثر الدول تأثيراً اقتصادياً، بعد الصين والولايات المتحدة الأمريكية. لم تكن هذه الإنجازات صدفة، بل كانت نتيجة جهود مدروسة ومتسقة لبناء جسور بين القطاعات والمناطق الجغرافية، وجمع الحكومة والقطاع الخاص كشركاء لا كخصوم.
تكمن في صميم نجاح الإمارات قناعة جوهرية: يتحرك المجتمع بأسرع وتيرة عندما يتحرك معاً. وقد تجسد هذا المبدأ في نهج الإمارات لاستضافة مؤتمر COP28، أكبر وأشمل قمة مناخية في التاريخ. من خلال جمع الحكومات والشركات والمؤسسات الخيرية والمجتمع المدني والشعوب الأصلية، أثبتت الإمارات أن مواجهة التحديات العالمية تتطلب نهجاً متعدد أصحاب المصلحة. وكانت النتيجة تقدماً غير مسبوق، بما في ذلك الالتزام بمضاعفة قدرات الطاقة المتجددة ثلاث مرات، والاتفاق على مضاعفة كفاءة الطاقة، وتفعيل صندوق ""الخسائر والأضرار"" للدول الضعيفة. والأهم، أن منتدى الأعمال والعمل الخيري الأول من نوعه في COP28 تمكن من تعبئة 7 مليارات دولار من الالتزامات الجديدة، مما أثبت أن الشمولية تعزز التأثير.
نموذج التنمية قيد التنفيذ
هذا ليس مجرد نهج لاستضافة القمم العالمية؛ بل هو نموذج التنمية الإماراتي قيد التنفيذ. سواء من خلال تأسيس ""مصدر""، أكبر مستثمر فردي في الطاقة المتجددة في العالم، أو بروز ""مبادلة"" كأكثر صناديق الثروة السيادية نشاطاً على مستوى العالم، أثبتت الإمارات باستمرار قوة التعاون في تحقيق نتائج استثنائية. وتُعد أفريقيا مثالاً مقنعاً، حيث تحتل الشركات الإماراتية المراتب الأولى بين المستثمرين في المشاريع الجديدة بالقارة، ما يعكس التزام الدولة بتعزيز النمو الاقتصادي الشامل والابتكار من خلال الشراكات الاستراتيجية.
وفي عالم تحدياته مترابطة، فإن العمل الخيري والأعمال التجارية يتمتعان بموقع فريد يكمل جهود الحكومات. وقد تبنت الإمارات هذه الفلسفة بشكل كامل، وبرزت بسرعة كمركز عالمي للعمل الخيري الاستراتيجي، مستغلة رأس المال الخيري ليس فقط لسد الفجوات، بل كأداة تحويلية لخلق قيمة عامة دائمة. ويعكس دوري كمبعوث خاص للأعمال والعمل الخيري هذا الالتزام الثابت بتعزيز الشراكات التي تجمع بين نقاط القوة في جميع القطاعات.
تُظهر رحلة الإمارات أن الرؤية، والشمولية، والمرونة عناصر أساسية لتحويل التعقيد إلى فرصة، وتُبرز كيف يمكن للتفكير بعيد المدى، والتعاون المتنوع، والقدرة على التكيف أن تقود إلى الصمود والتأثير العالمي.
لا تستطيع أي دولة أو منظمة أو قطاع بمفرده التصدي لأكثر التحديات العالمية إلحاحاً. ولكن معاً، نمتلك الحكمة والموارد الجماعية لصياغة مستقبل يتسم بالاستدامة والشمولية والازدهار الدائم – إنها فرصة لتحويل الممكن من خلال الوحدة والابتكار.
