“يمكن وصف جيل الألفية (Millennials) بالعديد من الأوصاف، ولكن قبل كل شيء، هم قتلة”، أشارت منصة ماشابل (Mashable) في عام 2017م، مقدمةً قائمة تضم 70 شيئًا ومؤسسة يُزعم أن جيل الألفية “قتلوها”، بما في ذلك المناديل وحبوب الإفطار والمتاجر الكبرى والمحلات التجارية ويوم العمل الذي يمتد من الساعة التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً والزواج. كانت القائمة ساخرة – حيث لا يزال ممر حبوب الإفطار موجودًا في البقالة – لكنها صورت شيئًا أساسيًّا حول جيل أعاد تشكيل العادات القديمة للحياة الأمريكية.
وبجانب مذبحة التقاليد هذه، يُعرف جيل الألفية بخاصية أخرى: مدى إفلاسهم، يُقال في كثير من الأحيان أن جيل الألفية هو الجيل الأمريكي الأول الذي ستكون حالته المالية أسوأ من حالة آبائه.
اقرأْ كتابًا عن جيل الألفية، أو أدخل في مناقشة حولهم عبر الإنترنت، وسيظهر هذا الموضوع مرارًا وتَكرارًا: الأطفال الذين كانوا متفائلين في الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي، أصبحوا الآن يتذمرون تحت وطأة ديون الجامعة، فقراء جدًّا بحيث لا يستطيعون شراء منزل أو تكوين أسرة، وهم مبتلون بالاقتصاد العدائي الذي لا يشبه الاقتصاد الذي عاش فيه آباؤهم عندما كانوا شبابًا.
وكتبت جِل فيليبوفيتش في كتابها بعنوان “OK Boomer, Let’s Talk: How My Generation Got Left Behind” (2020): “بدأنا توًّا فهم الورطة التي وقعنا فيها، ونستجيب لها باليأس وأحيانًا الغضب.” كما كتبت أن التوبيخ الشهير الذي اتخذته جِل عنوانًا للكتاب ليس مجرد سخرية، بل هو “إشعار أخير من أشخاصٍ عانوا سنوات من الإهمال السياسي والاقتصادي”. في استطلاع للرأي أجرته شركة Morning Consult العام الماضي، اتفق 45% من جيل الألفية، مقارنة بـ 35% من جميع البالغين، مع عبارة “بسبب وضعي المالي، لن أحصل أبدًا على الأشياء التي أريدها في الحياة”، كما أفاد 52% من جيل الألفية بشعورهم بالقلق من أن “الأموال التي أملكها أو سأذخرها لن تدوم”.
بحلول عام 2019، كانت الأسر التي يرأسها شخص من جيل الألفية تجني أموالًا أكثر بكثير من تلك التي يرأسها شخص من جيل طفرة المواليد (Boomers) والجيل إكس (X) في نفس العمر.
تبدأ أسطورة الجيل بجوائز المشاركة والتوقعات اللامحدودة التي مُنحت لأفراده في مرحلة الطفولة من قبل الآباء والمعلمين الذين يتوقون إلى بناء ثقة الجيل بذاته (كتبتُ عن العواقب المترتبة على هذا النهج في كتابي الصادر عام 2006م بعنوان “Generation Me”)، ولكن الحبكة تتعقد بعواقب الركود الكبير لعام 2008م، عندما اصطدمت تلك التوقعات الشبابية بعنف بأسوأ أزمة مالية منذ ما يقرب من قرنٍ من الزمان. إن شعور الجيل بالخيانة المعبّر عنه في كتاب “OK Boomer” وغيره من المنشورات واضح ومفهوم، ويزداد حدة مع مرور الوقت.
تميل انطباعات الأجيال إلى التكون مبكرًا، وغالبًا ما تُنقشُ على الصخر، وأنا، بوصفي باحثةً في الأجيال، أدرك ذلك جيدًا إلا أنني فوجئت عندما عدت إلى دراستي حول جيل الألفية لأنظر إلى الجيل وهو يدخل منتصف العمر.
وكانت المفاجأة هي أن جيل الألفية، بشكل عام، ليسوا مفلسين، بل إنهم في الواقع مزدهرون اقتصاديًّا ولم يكن ذلك صحيحًا قبل عقدٍ من الزمن، كما أن الرخاء بين أفراد جيل اليوم غير موزع بالتساوي، ولكن منذ منتصف عام 2010م، انتعش جيل الألفية اقتصاديًّا بشكل عام.
ويجب أن يمثل هذا خبرًا سارًّا! إلا أنه ليس كذلك، لأن الاعتقاد بأن جيل الألفية قد استُبعد من الوعود الضمنية التي قطعتها أمريكا لشعبها – منزل لأغلب الناس، وأمن الطبقة المتوسطة، وحياة أفضل من تلك التي عاشها والداك – يظل سائدًا في المجتمع، وَفقًا للاستطلاعات والمحتوى المنشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قبل جيل الألفية.
وهذا يثير سؤالًا يحمل في طياته عواقبَ على المستقبل الثقافي والسياسي للولايات المتحدة، الدولة التي تقوم إلى حدٍ كبير على فكرة التقدم المادي: ماذا لو كان الحلم الأميركي لا يزال حيًّا، ولكن لا أحد يؤمن به؟
أعلى دخل على الإطلاق
كان الركود الكبير في عام 2008م قاسيًا على الدخل الأميركي، وخاصة الشباب من جيل الألفية (المولودين بين عامي 1980م و1994م تقريبًا)، الذين دخلوا سوق العمل حديثًا وبحلول عام 2012م، انخفض متوسط دخل الأسرة لمن تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عامًا بنسبة 13% عن الذروة التي بلغها في عام 2000م. ولكن منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين شهد بدايات التحول الذي استمر منذ ذلك الحين، وبحلول عام 2019م، كانت الأسر التي يرأسها شخص من جيل الألفية تجني أموالًا أكثر بكثير من تلك التي يرأسها شخص من الجيل الصامت (Silent Generation)، وجيل طفرة المواليد (Baby Boomers)، والجيل X في العمر نفسه، مع أخذ التضخم بالحسبان. وفي ذلك العام، وَفقًا للمسح السكاني الحالي من قبل مكتب الإحصاء الأمريكي، كان دخل الأسرة المتوسطة من جيل الألفية أعلى بحوالي 9000 دولارٍٍ من دخل الأسرة العادية من الجيل X في العمر نفسه، وحوالي 10000 دولارٍٍ أكثر من الأسرة العادية من جيل طفرة المواليد، مع مراعاة التضخم، ولم تغير جائحة فيروس كورونا هذه الأرقام بشكلٍ كبير: فقد وصل دخل الأسر الذين تتراوح أعمارهم بين 25 إلى 44 عامًا إلى أعلى مستوياته التاريخية في عام 2021م، وهو آخر عام تتوفر عنه البيانات الإحصائية، وقد ارتفع متوسط الدخل لهذه الأسر بشكل عام منذ عام 1967م، وإن كانت هناك بعض الانخفاضات والارتفاعات الكبيرة، ومثل كل جيل سابق، استفاد جيل الألفية من هذا المنحنى التصاعدي.
لا يمثل دخل الأسرة سوى عدسة واحدة للنظر في الموضوع، ويظهر الدخل الفردي الشيء نفسه إلى حدٍ كبير. تؤدي فترات الازدهار والركود إلى ارتفاع الدخل وانخفاضه، ولكن على الرغم من أن العديد من القصص الإعلامية تميل إلى ربط جيل الألفية بشكل شبه حصري بالأخير؛ فقد شهد الجيل كلا السياقين، وبطريقة كبيرة، إذ كانت الزيادات في الدخل منذ عام 2014م حادة.
وبهذا، يتبع جيل الألفية نمطًا مشابهًا للجيل X. دخل أوائل من ينتمون للجيل X أيضًا سوق العمل خلال فترة ركود، وكان هذا الجيل عرضة لتنبؤات رهيبة حول مستقبله الاقتصادي (في كتاب صدر عام 1995م بعنوان “Welcome to the Jungle” بقلم جيفري ت. هولتز، وُصِف الجيل X بأنه “الجيل الفقير”)؛ إلا أن هذه التوقعات لم تصمد بعد انتعاش الاقتصاد في وقت لاحق من التسعينيات. لا شك أن الركود الكبير لعام 2008م كان تجربة مروعة للشباب أكثر من الركود الذي واجهه الجيل X، لكن انخفاض الدخل الذي أعقب ذلك لم يستمر سوى بضع سنوات، وعلى مدى نصف القرن الماضي، امتدت أطول فترة من انخفاض الأجور أو ركودها من السبعينيات إلى منتصف التسعينيات، عندما كان جيل طفرة المواليد من العمال الشباب، ولا أقصد بهذا أن جيل الألفية يجب أن يعتبر نفسه محظوظًا – لا أعتقد ذلك – بل أشير إلى أن الآفاق الاقتصادية يمكن أن تتغير بشكل كبير مع تقدم الجيل في السن، وخاصة مع وصوله إلى ذروة سنوات كسبه للمال.
لقد كان انتعاش دخل الألفية واسع النطاق وحادًّا أيضّا فقد ارتفع دخل الشباب عبر المجموعات العرقية منذ عام 2014م. ومن خلال تحليلي، كان الأمريكيون السود واللاتينيون الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 عامًا في عام 2021م يكسبون أموالًا أكثر من السود واللاتينيين من جيل الصامتين وجيل طفرة المواليد وجيل X في العمر نفسه. لا تخلو الولايات المتحدة من عدم المساواة الاقتصادية، وكثيرٌ منها مبني على العنصرية، ولكن جيل الألفية من السود واللاتينيين لا يتخلفون عن الأجيال السابقة عندما يتعلق الأمر بدخلهم، وبدلًا من ذلك، فإن معظمهم في تقدمٍ وازدهار مقارنةً بالأجيال السابقة.
هناك مجموعتان لم تتفوقا على الأجيال السابقة: الرجال والأشخاص ذوي التعليم الأقل؛ في المتوسط، لم يشهد رجال جيل الألفية الزيادات في الدخل كما شهدتها نساء جيل الألفية (سنتعمق في هذا الموضوع لاحقًا) – وهو تباين يُفسر جزئيًّا على الأقل بالفجوة المتزايدة في التحصيل العلمي بين الرجال والنساء، وبشكل عام، ارتفع متوسط دخل الأميركيين الحاصلين على شهادة جامعية بدرجة البكالوريوس بشكل مطرد، في حين انخفض دخل أولئك الذين يحملون شهادة الثانوية العامة فقط، وهذا الاتجاه ليس جديدًا، رغم أنه مثيرٌ للقلق.
ولكن، هناك عددٌ أقل بكثير من خريجي المدارس الثانوية (دون تعليم عالٍ) بين جيل الألفية مقارنةً بالأجيال السابقة، فالعديد منهم يحملون شهادات جامعية؛ إذ يمثل جيل الألفية أول جيل أمريكي حصل فيه أكثر من واحد لكل ثلاثة أفراد على شهادة جامعية في أواخر العشرينات من عمرهم، مقارنة بواحد لكل أربعة عندما كان الجيل X في نفس الفئة العمرية، والتحق اثنان لكل ثلاثة من جيل الألفية بالجامعة لمدة عام على الأقل.
وقد مكّن ذلك المزيد من الأشخاص من الانتقال إلى فئات الدخل الأعلى، وهو أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل جيل الألفية في حالة جيدة نسبيًّا من الناحية الاقتصادية. وحتى حالة الفقر في هذا الجيل معقدة، ولا يمكن أن توصف بمصطلحات تشارلز ديكنز؛ إذ يبدو أن أفراد جيل الألفية الأقل حظًّا يتمتعون بحماية اقتصادية أفضل من الأجيال السابقة: كان عدد أقل من جيل الألفية يعانون من الفقر في عام 2019م مقارنةً بجيل طفرة المواليد والجيل X في نفس العمر (في عامي 1987م و2004م، السنوات التي كان فيها الاقتصاد قويًّا ومنتعشًا بالمثل)، ورغم ضجة شبكة الأمان الاجتماعي الممزقة في أمريكا، فقد عُززت هذه الشبكة في بعض النواحي منذ أن أصبح أفراد جيل الألفية بالغين، ووسع قانون الرعاية الصحية الأمريكي تغطية الرعاية الصحية، وقد تسبب دعم الحكومة الفيدرالي أثناء الوباء في انخفاض الفقر في عامي 2020م و2021م. وسواء كان ذلك بسبب السياسة الاجتماعية الفيدرالية، أم زيادات الحد الأدنى للأجور في بعض الولايات، أو عوامل أخرى، فإن الفقر لم يعد أكثر شيوعًا بين جيل الألفية اليوم مما كان عليه بين الأجيال السابقة.
جيل من أصحاب المنازل
قد يمثل امتلاك منزل التجسيد الأكثر وضوحًا للحلم الأمريكي. لقد ظهرت مشاكل السكن التي يعاني منها جيل الألفية بشكل بارز في محتوى وسائل الإعلام الذي يتحدث عن المشاكل الاقتصادية (والحياتية) التي يواجهها هذا الجيل، “يجب أن تكون هناك نسخة ألفية من لعبة مونوبولي (Monopoly) حيث تتجول وتدفع الإيجار، ولا تتمكن أبدًا من شراء أي شيء”، هذا ما قاله أحد الكوميديين باسم “Mutable Joe” عبر تطبيق تويتر في عام 2016م، ونشر موقع BuzzFeed مقالًا في العام الماضي عن 24 “طريقة أصبح بها جيل الألفية من أصحاب منازل،” مليئًا بحكايات فريدة من نوعها، تروي أحدها قصة شخص صدمته شاحنة وكسب دعوى قضائية استخدمها لدفع مقدم شراء منزل، إذ أشار المقال إلى أنه باستثناء التعرض لارتجاج في المخ بسبب شاحنة، فإن فرصة جيل الألفية في أن يصبحوا أصحاب منازل ضئيلة.
ولكن على عكس هذا الاعتقاد الشائع، كانت معدلات امتلاك جيل الألفية للمنازل في عام 2020م أقل قليلًا من مواليد جيل طفرة المواليد والجيل X في العمر نفسه: 50% من جيل طفرة المواليد امتلكوا منازلهم الخاصة في سن 25-39 عامًا، مقارنةً بنسبة 48% من جيل الألفية، وهو اختلاف بسيط لا يبرهن اكتساح العناوين الرئيسة في الصحف أو انتشار الميمز (memes) عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
لم يكن جيل الألفية سيئ الحظ اقتصاديًّا عندما يتعلق الأمر بملكية المنازل، بل على خلاف ذلك!
أصبحت أسعار المنازل ومعدلات الرهن العقاري أعلى الآن مما كانت عليه في عام 2020م، ويُعد هذا خبرًا سيئًا لأفراد جيل الألفية الذين لم يشتروا منزلًا بعد، ولكنهم يخططون للقيام بذلك قريبًا. ومع ذلك، حصل العديد من أصحاب المنازل الأكبر سنًّا من جيل الألفية على صفقات رائعة على أهم مشترياتهم، بعد أن تجاوزوا الثلاثينيات من عمرهم خلال أوائل عام 2010م، وهو أحد أكثر الأوقات حظًّا لشراء منزل في الذاكرة الحديثة. لقد كان أفراد الجيل X، بشكل عام، في ذروة سنوات شراء المنازل مع تضخم فقاعة الإسكان العظيمة في العقد الأول من القرن العشرين، والذين غرقوا عندما انفجرت تلك الفقاعة؛ إذ شهد الأشخاص الذين اشتروا منزلاً في عام 2005م انخفاض قيمة منازلهم بنسبة 21% على مدى ست سنوات في المتوسط، ولم يستعيدوا سعر الشراء حتى عام 2014م. وعلى عكس ذلك، اشترى جيل الألفية الأكبر سنًّا منازلهم في سوقٍ كاسدة انتعشت لاحقًا، إذ ارتفعت قيمة المنازل التي جرى شراؤها في عام 2011م بنسبة 40% على مدى ست سنوات، تقريبًا كل من اشترى منزلاً في الولايات المتحدة قبل عام 2019م شهد ارتفاعًا كبيرًا في قيمة منزله خلال سنوات الوباء. وحتى العام الماضي، كان جميع مشتري المنازل من جيل الألفية قادرين على تثبيت أسعار الفائدة على الرهن العقاري التي كانت عند أدنى مستوياتها التاريخية.
وتُعد هذه نِسَبًا وطنية، وستختلف الصورة من مكان إلى آخر (لم يكن شراء السكن صفقة رابحة في مدينة نيويورك، على سبيل المثال، حيث يعيش عدد كبير جدًّا من الصحفيين من جيل الألفية)، ولكن على العموم، لم يكن جيل الألفية سيئ الحظ اقتصاديًّا عندما يتعلق الأمر بملكية المنازل.
سد فجوة الثروة
بين الأثر الذي ألحقه الركود الكبير بالمسيرة المهنية المبكرة لجيل الألفية وديون القروض الجامعية التي يتكبدها كثيرون منهم، قد يتوقع المرء أن يعيش هذا الجيل في ظروف أكثر شدة من الأجيال السابقة، مع القليل من الدعم المالي.
ولا يُعد هذا التوقع خاطئًا بشكل كامل. تصدَّر بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس عناوين الأخبار في عام 2018م عندما أعلن أنه من بين الأسر التي يرأسها أشخاص ولدوا في الثمانينيات (جيل الألفية الأكبر سناً)، كان متوسط الثروة أقل بنسبة 34% من المتوقع على أساس ثروة الأجيال السابقة في نفس العمر. وافترض التقرير، الذي حلل البيانات حتى عام 2016، أن جيل الألفية قد يكون “جيلاً لا أمل له” عندما يتعلق الأمر بالثروة.
ولكن عندما قام بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس بتحديث تحليله لثروة جيل الألفية بعد بضع سنوات، باستخدام بيانات عام 2019، وجد تقدماً ملحوظاً. فبحلول ذلك الوقت، كان جيل الألفية الأكبر سنًّا يتخلف بنسبة 11% فقط عن الأجيال السابقة في العمر نفسه. وكان هذا التقدم متفاوتًا إذ كانت الفجوة أكبر بالنسبة لجيل الألفية الذين لا يحملون شهادة جامعية (19%) وبالنسبة لجيل الألفية السود (50%). كما واجه أفراد جيل الألفية الأصغر سنًّا (من مواليد التسعينيات والذين كانوا لا يزالون في منتصف العشرينات من العمر حينئذ) فجوة أكبر. ومع ذلك، منذ عام 2019م، ارتفعت قيمة المنازل وازدهرت سوق الأوراق المالية، رغم الضعف المواجه في العام الماضي، وأظهر التحليل الأخير الذي أجراه بنك الاحتياطي الفيدرالي، الذي شمل البيانات حتى منتصف عام 2022م، أن متوسط ثروة جيل الألفية يقارب ثروة الجيل X في العمر نفسه.
فهل يغير تكبد الديون هذه الصورة؟ لا شك أن جيل الألفية مثقل بعبء القروض الجامعية أكثر من الأجيال السابقة، ومن المرجح بشكل خاص أن يتكبد جيل الألفية السود عبء القروض الطلابية بشكل أكبر، ولكن عند النظر مرة أخرى، نجد أن تحليل بنك الاحتياطي الفيدرالي يأخذ ذلك في الحسبان بالفعل: أرقام الثروة صافية من القروض الجامعية والديون الأخرى.
وحتى فجوة الثروة الموجودة اليوم قد تعني أقل مما تبدو للوهلة الأولى؛ نظرًا لأن المزيد من جيل الألفية التحق بالكليات وحصل على شهادات عليا، فقد بدأوا حياتهم المهنية في وقت متأخر، في المتوسط، مقارنةً بجيل طفرة المواليد والجيل X. وعلى هذا الأساس وحده، يتوقع المرء تأخرًا في بناء الثروة. كما أن التعليم العالي يعني عادةً مكاسب أعلى مدى الحياة – وبالمحصلة إمكانية ادخار أقوى مع مرور السنين. يدخل العديد من جيل الألفية للتو سنوات ذروة كسبهم ويتمتعون تدريجيًّا بقدرة أكبر على الكسب من الأجيال التي سبقتهم.
وفي الوقت نفسه، يزداد متوسط العمر الأمريكي تصاعديًّا بشكل عام؛ فوظائف التصنيع ذات الأجور المرتفعة التي اعتمد عليها أفراد جيل طفرة المواليد مباشرة بعد التخرج من المدرسة الثانوية تميل إلى التأثير سلبًا على الجسم بمرور الوقت، بينما يمكّن التحول نحو قطاع الخدمات والعمل المكتبي حياةً مهنية أطول، فكما يقول المثل، عمر الـ 60 هو الـ 50 الجديد، وهذا سوف يفيد جيل الألفية بطرائق لا تعد ولا تحصى.
اقتصاديات الأسرة الجديدة
“أرى عبارة ‘جيل الألفية لا ينجبون أطفالًا’ تتردد مرة أخرى،” غرّد “pokey pup”، أحد أفراد جيل الألفية، في نوفمبر 2021م، “لا نتقاضى أجورًا مرضية، وأيام إجازة الأمومة غير كافية، ولا يستطيع أحد تحمل فواتير المستشفى، ومعظمنا لا يستطيع شراء منزل – فماذا كنتم تتوقعون؟” وحصلت التغريدة على أكثر من 120 ألف إعجاب وأكثر من 25 ألف إعادة تغريد.
على الرغم من أن التوقعات الاقتصادية لجيل الألفية ليست بسوء ما توحي إليه العديد من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، فمن الواضح أن هناك شيئًا ما يمنع جيل الألفية من إنجاب الأطفال – وتعتبر الموارد المالية، بشكل غير مباشر، أحد الأسباب المعقولة.
باعتبارهم طلابًا متوقعًا تخرجهم في المدرسة الثانوية، قال 95% من جيل الألفية إنهم يريدون طفلًا واحدًا على الأقل، وقال أربعة من كل عشرة إنهم يريدون ثلاثة أو أكثر، ولم يكن أولئك الطلاب يكذبون. في المسح الاجتماعي العام للبالغين لعام 2018م، كان متوسط العدد المثالي للأطفال بالنسبة لجيل الألفية هو 2.6. ومع ذلك، بلغ إجمالي الخصوبة – العدد المقدر للأطفال الذين تنجبهم المرأة في حياتها بناءً على الولادات في العام – 1.66 فقط في عام 2021م.
ولا يبدو أن دخل الأسرة في حد ذاته هو المسؤول، ففي نهاية المطاف، دخل جيل الألفية أعلى من دخل الأجيال السابقة، ولكن نمط الدخل – وخاصةً الانقسام بين الرجال والنساء – قد يؤدي دورًا.
إن دخل نساء جيل الألفية أعلى بكثير من دخل نساء الأجيال السابقة، نتيجة للأجور الأعلى وساعات العمل الإضافية. في عام 2021م، حققت نساء جيل الألفية الذين تتراوح أعمارهم بين 35 إلى 44 عامًا ما يقرب من ضعف ما حققته نساء جيل طفرة المواليد في عام 1980م، وحققت بالنسبة إلى نساء الجيل X أكثر مما يتجاوز 20% في عام 2005م، وحققت النساء من سن 25 إلى 34 مكسبًا مماثلًا.
بينما انخفض دخل الرجال منذ عام 1970م (وإن لم يكن بنفس القدر الذي ارتفع به دخل النساء). الإحصائيات ليست موحدة: إذ خالف الرجال في أعلى درجات السلم الاقتصادي هذا الاتجاه في أغلب الأحيان، وانتعشت دخول رجال جيل الألفية من أدنى مستوياتها في فترة الركود الكبير، ولكن هذا قد يكون بمثابة عزاء بارد للرجال الذين يتقاضون رواتب أقل مما كان يحصل عليه آباؤهم، وخاصة أولئك الذين لا يعيشون (ويتقاسمون النفقات) مع النساء – على الرغم من أن الرجال لا يزالون يكسبون أكثر من النساء في المتوسط.
تؤثر ديناميكيات الدخل المتغيرة بسرعة أيضًا على عائلات جيل الألفية، وبالنسبة إلى الأزواج من جنسين مختلفين، إذا تركت المرأة وظيفتها بعد الولادة، فسوف تفقد الأسرة دخلًا أكبر بكثير مما خسرته الأسر التي لديها عائلان في الأجيال السابقة. إذا استقال الرجل، ستخسر الأسرة النموذجية أكثر من نصف دخلها، وإذا احتفظ كلا الوالدين بوظيفتيهما؛ يتعين الحصول على خدمات رعاية للأطفال – والتي تتزايد أسعارها مع سعي المزيد والمزيد من الآباء للحصول عليها-، في معظم الولايات، تكلف رعاية الطفل أكثر من عام دراسي في إحدى الجامعات الحكومية، وأحيانًا أكثر من إيجار السكن.
وقد تكون عملية الموازنة الصعبة بين الرواتب وخدمات رعاية الأطفال أحد الأسباب وراء إنجاب جيل الألفية لعدد أقل من الأطفال، وقد تفسر شعور بعض أفراد جيل الألفية بأنهم أقل مستوى من والديهم، وفي استطلاع للرأي أجرته صحيفة نيويورك تايمز خلال عام 2018م، قال 64% من الشباب الذين يتوقعون إنجاب عدد أقل من الأطفال مما يرغبون في عالمٍ مثالي إن السبب هو “ارتفاع تكلفة خدمات رعاية الأطفال”.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تُستخدم هذه الحجة بشكل مبالغ. إذا كان جيل الألفية بحاجة إلى إنفاق المزيد من الدخل على رعاية الأطفال مقارنةً بالأجيال السابقة، فهم بحاجة إلى إنفاق أقل على أشياء أخرى، وبعد احتساب الفرق الناجم عن التضخم، انخفضت أسعار السيارات والملابس والأثاث وألعاب الأطفال والإلكترونيات في العقود الأخيرة، وهذه ليست، في معظمها، أساسيات في ميزانية الأسرة – أو على الأقل لم تكن موجودة في الثمانينيات، على سبيل المثال.
كما أن العلاقة بين الشؤون المالية للأسرة وإنجاب الأطفال أضعف مما قد تعتقد. في المتوسط، الأسر ذات الدخل الأعلى لديها في الواقع عدد أقل من الأطفال، وأولئك الذين لديهم دخل أقل لديهم المزيد من الأطفال. وأظهرت دراسة حديثة أجراها الاقتصاديون ميليسا س. كيرني وفيليب ب. ليفين ولوك باردو أن الولايات التي شهدت زيادات أكبر في تكاليف خدمات رعاية الأطفال لم تشهد انخفاضات أكثر حدة في معدلات المواليد – ووجدت، على نطاق أوسع، أن العوامل الاقتصادية لم تكن المحرك الرئيس لانخفاض معدلات المواليد، وبدلًا من ذلك، خلصوا، ولو بشكل تأملي، إلى أن “تغير الأولويات بين مجموعات من الشباب” – أي الاختلافات بين الأجيال في الآراء والمعتقدات – هو التفسير الأساسي. ومن الناحية النظرية، قد يرغب جيل الألفية في إنجاب المزيد من الأطفال، ولكن عندما ينظرون منطقيًّا في إنجاب الأطفال مقابل الدخل، والنجاح المهني، وتحقيق الأهداف الأخرى، يقع الأطفال أسفل قائمة الأولويات مقارنةً بالأجيال السابقة.
لماذا لا يزال جيل الألفية يشعر بالفقر؟
يواجه كل جيل تحديات مالية، بما في ذلك بعض التحديات التي لم يواجها جيل آبائه. في كل جيل، توجد صعوبات، ولا يستثنى من ذلك جيل الألفية، ولكن في المجمل، هذا جيل على أعتاب منتصف العمر، ويبدو أنه سيكون ناجحًا، لا ضائعًا فلماذا تستمر فكرة أن جيل الألفية يعيشون في ظل اقتصادٍ فاشل؟ لماذا لا يزال الحديث حول جيل الألفية سلبيًّا جدًّا وغاضبًا في بعض الأحيان؟
الدخل والثروة ليست مجرد أرقام موضوعية – فهناك عنصر كبير يتمثل في المنظور، وفيما إذا كان الشخص يعتقد بأنه في حالة جيدة.
إن البشر مجبرون على الاهتمام بشدة بالمكانة، والتي نقوم بتقييمها بطريقتين مختلفتين. في أي لحظة، ننظر حولنا لنرى حالنا بالمقارنة مع أقراننا، كما نفكر في ماضينا وحالتنا المستقبلية أيضًا: هل حياتنا تتحسن؟ هل نحن أفضل حالًا من آبائنا، وهل سيكون أطفالنا أفضل حالًا؟ يؤثر هذا على رفاهيتنا، وقد يكون هناك عدد من العوامل المتأصلة في المجتمع الحديث التي تدفع العديد من أفراد جيل الألفية نحو النظر من خلال عدسة مشوهة.
قبل وسائل التواصل الاجتماعي، وقبل انتشار أسلوب الحياة المثالي وبرامج تلفزيون الواقع، كانت مجتمعات الأغنياء منعزلة نوعًا ما. والآن، يملأ الأغنياء (أو على الأقل أولئك الذين يبدو أنهم أغنياء) صفحاتنا الإخبارية وشاشاتنا؛ مما يقدم رؤية مشوهة لكيفية عيش الأميركيين الآخرين. في الواقع، لا يمكن “مواكبة عائلة كارداشيان”. على الإنترنت، تبدو حياة الآخرين أكثر بريقًا من حياتنا، ولا شك أن الشعور الناتج عن “الحرمان النسبي”، كما هو معروف بين علماء النفس، يصيب الأمريكيين من جميع الأعمار، لكن جيل الألفية قضى فترة البلوغ بأكملها في هذه البيئة، ويُعد أكثر استخدامًا للإنترنت من الأجيال الأكبر سنًّا.
ومن ناحية أخرى، أدت السلبية في الأخبار – والتي تشير الدراسات إلى أنها أصبحت أكثر بروزًا في السنوات الأخيرة – إلى التأثير على تصورات التقدم بين الأجيال. لقد كررت مجموعة لا نهاية لها من المقالات والمقاطع الإخبارية فكرة أن جيل الألفية قد مرّ بظروفٍ غير عادلة اقتصاديًّا، وهي فكرة تركز عليها وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أكبر (عندما يشعر خبراء الاقتصاد الحكوميون بالقلق من أن جيل الألفية قد يكون “جيلًا لا أمل له” فيما يتعلق بالثروة، فإن ذلك يولد الأخبار، وعندما يصرحون في وقت لاحق أن جيل الألفية نجح في تضييق فجوة الثروة إلى حدٍ كبير، لا تُظهر التغطية الإعلامية نفس القدر من الاهتمام).
هذا الصدى المستمر من خيبة الأمل يقع يوميًّا على عاتق جيلٍ حمل توقعات عالية بشكل غير عادي إلى مرحلة البلوغ – على سبيل المثال، توقع أكثر من نصف جيل الألفية أن يحصل على درجة علمية عليا. في استطلاع للرأي أجري عام 2011م، اعتقد المراهقون من جيل الألفية أنهم سيحصلون، في المتوسط، على 150 ألف دولارٍ بمجرد الاستقرار في حياتهم المهنية، أي أكثر من أربعة أضعاف متوسط الدخل في ذلك العام. “هناك فجوة عميقة بين التوقعات التي نشأنا على التمسك بها والواقع الذي نعيشه الآن”، كتبت جِل في كتابها بعنوان “OK Boomer”. وبالنظر إلى هذه التوقعات، فإن خيبة أمل بعض جيل الألفية بشأن مكانتهم ونجاحهم المادي قد تكون جزءًا من المشكلة.
لكن التوقعات تتغير بمرور الوقت، وتتكيف التصورات. أظهر مسح بنك الاحتياطي الفيدرالي لعام 2021م للاقتصاد المنزلي وآلية صنع القرارات أن أكثر من نصف جيل الألفية (53%) يعتقدون أن أداءهم أفضل من آبائهم في العمر نفسه ولا يبدو أن هذا يُترجم إلى أحاديث عامة أكثر إيجابية، ولا إلى وجهات نظر مشرقة حول الرأسمالية الأمريكية بين الشباب، وفي عام 2021م، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة غالوب (Gallup) أن ما يقرب من نصف الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 34 عامًا لديهم وجهة نظر إيجابية عن الاشتراكية، مقارنة بحوالي ثلث من تزيد أعمارهم عن 55 عامًا وتُعد كل هذه الأرقام مشجعة بشكل عام.
وأيًّا كانت وجهة نظر المرء بشأن الاشتراكية، تنصب الأهمية فيما إذا كان أداء جيل الألفية أفضل أو أسوأ من الأجيال السابقة – والأهم من ذلك، ما إذا كانوا يعتقدون ذلك. لقد أدى تآكل الثقة في التقدم المادي إلى إعادة تشكيل القيم السياسية وتغيير طابع الثقافة الأمريكية، ومع استمرار تآكل الثقة؛ سيزداد تعقيد النتائج المترتبة. إن الرخاء المتزايد والتفاؤل الذي يتبعه يحمل في طياته فوائد تمتد إلى ما هو أبعد من الراحة المادية، فهي تقلل الهوس بالمقارنات الاجتماعية، وكما لاحظ المؤرخ الاقتصادي بنجامين م. فريدمان في كتابه الصادر عام 2006م بعنوان “The Moral Consequences of Economic Growth”، فإنها تخلق بيئة حيث تهدأ مشاعر الكراهية، ويصبح التعاون أسهل، وتتقدم حقوق الإنسان بسهولة أكبر.
وإذا استمر جيل الألفية في الازدهار اقتصاديًّا فإن التفاؤل الذي ميّز طفولتهم وفترة مراهقتهم قد ينتعش في نهاية المطاف، فيمكن أن تستغرق ندوب البداية المؤلمة وقتًا لتتلاشى، لكنها قد تتلاشى في النهاية. وإذا انخفضت توقعات جيل الألفية الآن؛ فقد يتفاجؤون بسرور بنجاحهم المالي؛ مما يؤدي إلى مزيدٍ من الرضا في منتصف العمر.
وربما في وقت ليس ببعيد من الآن، سيجري الحديث عن التشاؤم المالي باعتباره أحدث عنصر في قائمة الأشياء التي قتلها جيل الألفية. ستكون جريمة القتل هذه بالذات موضع ترحيب.
هذا المقال مقتبس من كتاب جان م. توينج بعنوان “Generations: The Real Differences Between Gen Z, Millennials, Gen X, Boomers, and Silents—And What They Mean for America’s Future.”
