قضى صديق عزيز لي فقدته مؤخرًا معظم حياته بالقرب من نهر سيفرن في ولاية ماريلاند، ويعتبر نهر سيفرن “مصَبّ مَدّ وجزر”، مدخلًا لكل من المياه المالحة والعذبة في خليج تشيسابيك، حيث يمزج الماء المالح بالماء العذب. قال لي صديقي ذات مرة “إنه أكثر الأنهار إنسانية، لديه نسبة الملوحة الموجودة في دموع الإنسان”.
سواء كان السيفرن نهرًا من الدموع أم لا، فإنه يبدو وكأنه مشهد من التراجيديا اليونانية، ولكن بالنسبة لصديقي، كان النهر يمثل تضاربًا صوفيًّا جميلًا – أن يصاحب طابع الحزن روعة الطبيعة. البكاء أيضًا تناقض، يمكن أن يصاحب أعمق الأحزان أو أعمق الأفراح، يمكن أن يكون ردًّا على الغضب والإحباط أو على الشِعر الجميل على مسمع الإنسان.
لذلك، يُعتبر البكاء في كثير من الأحيان تعبيرًا عن المشاعر الفائضة، ولكن هذا تناقض آخر: في الواقع، يمكن أن يكون البكاء أداة قوية لترويض مشاعرنا، للحفاظ على رباطة جأش عميقة في حياتنا العاطفية، يمكن أن يجلب البكاء التوازن والسلام – وربما، حتى لمسة روحية.
البكاء شائع جدًّا وجوهري للإنسان، وعلى الرغم من أن العديد من الكائنات الحية تنادي رافعةً صوتها للإشارة إلى الحاجة إلى المساعدة، إلا أن البشر فقط دون غيرهم من الكائنات تنهمر الدموع من أعينهم لأسباب عاطفية – لا بسبب تهيج أو احتقان العين، وكما ذكر العالم النفسي الهولندي آد فينغرهوتس في بحوثه، فإن هناك حدثين سلبيين يؤديان إلى البكاء بشكل متسق جدًّا في جميع الثقافات والشعوب: العجز والفقد.
وفي بعض الأحيان، نبكي من الفرح. يجد العلماء ذلك محيرًا، لأنه يبدو ضد المنطق أن نستجيب للعواطف الإيجابية بتعبيرٍ سلبي. أظهرت أبحاث جديدة أجريت في عدة بلدان أن البكاء السعيد يحدث في أربع مناسبات: أوقات المودّة غير العادية، مثل حفلات الزفاف (55% من البكاء الإيجابي، في المتوسط)؛ في لحظات الإنجازات غير المعتادة، مثل الفوز بجائزة (29%)؛ في حالات الدهشة أمام الجمال، مثل الاستماع للموسيقى الرائعة (8%)؛ وفي حالات الضحك الشديد (3%)، ومع ذلك، لا يجعل تصنيفها الأمر يبدو أكثر منطقية.
قد يكون هناك، في الواقع، ارتباط أعمق بين البكاء السعيد والبكاء الحزين: فكلاهما استجابة للتطرف العاطفي؛ مما يشير إلى أن الدموع تساعدنا في العودة إلى التوازن، العاطفة السلبية الساحقة مهمة –وحتى قد تنقذ الحياة– في الأزمات مثل الانفصال عن الأحباء أو التعرض للتهديد؛ فهي تولد رغبة في التصرف بقوة أو بشكل فوري، ولكن البقاء في هذه الحالة ليس مفيدًا بعد الأزمة مباشرة (كما أنه ليس ممتعًا)، لذلك نسعى للتخلص من التوتر وتحسين مزاجنا – وهو ما يمكن أن يفعله البكاء بشكل فعال، يُقدم بعض الباحثين أيضًا حجة بأننا بحاجة أيضًا إلى إعادة ضبط العواطف عندما تكون الأمور رائعة جدًّا. الفرح الغامر شعور رائع، ولكنه يشتت انتباهنا عن أعمال الحياة، والانشغال المستمر بالشعور بالسعادة سيكون مرهقًا.
لم تُُحدد الآلية الدقيقة لكيفية سيطرة البكاء على المشاعر المتطرفة بشكل قاطع، اقترح بعض الباحثين أن هناك حقيقة حرفية في المثل اليهودي القائل “كما الصابون للجسد، فإن الدموع للروح”. وفي كتابه بعنوان البكاء: سر الدموع (Crying: The Mystery of Tears)، افترض الكيميائي الحيوي ويليام فراي أننا نقضي على هرمونات الإجهاد مثل الكورتيزول من خلال الدموع، نظرية أخرى، غير مقبولة بشكل واسع، هي أن الدموع تقوم بتنقية الدم من بعض السموم أو المواد الكيميائية غير المرغوب فيها.
التوازن العاطفي مفيد للرفاهية: على الرغم من أن المشاعر القوية لا يمكن تجنبها، إلا أن وجود تقلبات عاطفية مفرطة ومستمرة لا يرتبط بصحة عقلية جيدة. يقال في بعض الأحيان إن الأشخاص الذين يعانون من مشاعر غير منظمة –الإيجابية منها والسلبية– يعانون من “اضطراب المزاج الدوري”، وهو اضطراب مزاجي يقلل من جودة الحياة.
ولا يُعد البكاء حلًا لجميع المشكلات بلاشكّ. البكاء اللاإرادي، على سبيل المثال، في مكان العمل، يمكن أن يؤدي إلى الإحراج، ومن غير المرجح أن يجعلك ذلك أكثر سعادة، وهذا ينطبق بشكل خاص على الرجال (ربما بسبب وصمة العار) وعلى الأشخاص الذين يتمتعون بالضمير الحي (الذين يكرهون إثقال كاهل الآخرين).
وفي مثل هذا الوضع، قد تحاول تجنب مشاعر الخزي من خلال منع البكاء، وتشمل العلاجات الشعبية دفع اللسان إلى سقف الفم، ومحاولة إرخاء عضلات الوجه، وقرص نفسك، والأفضل من ذلك، هناك طريقة تتجنب من خلالها ألم القرص وتحصل على التحرر العاطفي المتمثل في البكاء من خلال إحاطة نفسك بأشخاص لن يقللوا من تقديرهم لك بسبب ذرفك لبعض الدموع. أو، إذا كان ممكنًا، يمكنك أن تفكر في العثور على وظيفة لا تدفعك إلى البكاء.
يلقي علم الأحياء التطوري الضوء على الغموض العلمي للدموع البشرية، ولكن لا يزال هناك لغز أعمق في البكاء؛ وإلا فإن ملاحظة صديقي عن نهر سيفيرن ستحمل مثل قيمة قوله بأنه كان نهرًا من العطس.
يعد البكاء أمرًا أساسيًّا في الأيقونات الدينية والأساطير والتجارب المتسامية العميقة، على سبيل المثال، أقصر آية في معظم الترجمات الإنجليزية للإنجيل هي «بكى يسوع»، والتي تصف رده عندما مات صديقه المقرب لعازر، ولا يبدو هنا أن يسوع كان يحاول استعادة توازنه العاطفي.
عادةً، يُنظر إلى الآية المسيحية على أنها علامة على تضامن يسوع مع البشرية، مثل العمل الفني لمايكل أنجلو على سقف كنيسة سيستين، الذي تلامس فيه أطراف أصابع الإنسان الإله: ففي المسيحية، كما صُنعنا على صورة يسوع، يبكي مثلنا، ويعيش معنا أفراحنا وأحزاننا، قد تكون تجربة البكاء التي لا تفارق الإنسان أعظم تجربة روحية لنا أيضًا.
