القائمة الرئيسية

الحياد وهم – لكنه وهمٌ لا غنى عنه

الحياد وهم – لكنه وهمٌ لا غنى عنه
ملخص المقال

يتناول المقال مفهوم الحياد في المجال العام، ويناقش التحديات والانتقادات التي تواجهه في ظل الانقسامات السياسية والأيديولوجية الحالية. يشير الكاتب إلى أن الفكر التقدمي يعتبر الحياد مجرد وهم أو أداة لإخفاء التحيز، بينما يؤكد آخرون على أهميته في الحفاظ على العدالة والنزاهة في المؤسسات مثل القضاء (كما في مثال قضاة المحكمة العليا) والإعلام (كمحاولات الصحفيين للحياد). كما يستعرض النقاش الفلسفي حول إمكانية تحقيق الحياد، مستشهدًا بآراء متناقضة، منها هجوم الفيلسوف كارل شميت (المنتمي لليمين المتطرف) على الحياد الليبرالي ودفاعه عن ""الوضوح الأخلاقي""، مقابل دفاع الكاتب عن نموذج ""الحياد كاحترام متساوٍ"" في الدولة التعددية. يخلص المقال إلى أن الحياد، رغم صعوبته، يظل ضروريًا كـ""وهم مفيد"" لضمان التعامل العادل في المجتمعات المتنوعة، مع التمييز بين التزامات الأدوار العامة (كالحياد المهني) والحريات الخاصة في التعبير عن القناعات الشخصية.من «ذا أتلانتيك» |

بقلم: كوامي أنتوني أبيا

قليل من الناس محايدون بشأن الحياد هذه الأيام، ومن المؤكد أن الفكر المتطور انقلب ضده. يُقال لنا إن الفكرة نفسها قد أُسيء فهمها، وفي أفضل الأحوال هي مجرد خدعة لتجميل التحيز، في أعقاب الأحداث المؤسفة الأخيرة في كلية ستانفورد للحقوق – حيث تحدثت إحدى الإداريات بطريقة تبين التحيز لجانب المتظاهرين، أثناء محاولتها لتهدئتهم عندما كانوا يضايقون قاضيًا ينتمي لحزب المحافظين – استشهدت عميدة كلية الحقوق بتقرير كالفن لعام 1967م، من جامعة شيكاغو، مؤكدةً أهمية الحياد المؤسسي، بمجرد أن استشهدت بهذا التقرير (الذي يرجع تاريخه إلى نصف قرنٍ من الزمان)، تلقت الازدراء من المتظاهرين، وأعلن أحد الباحثين أنه “من الصعب للغاية” انتقاد ازدواجية القاضي “بينما تدعي القيام بذلك من موقف الحياد السياسي”، وأيًّا كانت الأدوار التي نؤديها في الحياة العامة، فإننا في نهاية المطاف لا نستطيع التحرر من الميول السياسية والأيديولوجية، وإذا كانت قيمنا الشخصية مهمة حقًّا بالنسبة إلين، ألا ينبغي أن يكون لها تأثير على ما نقوم به؟ لماذا لا نكون صريحين بشأن ما في نفوسنا؟

جميع أنواع الأشخاص – القضاة والصحفيين والأطباء ومديري المؤسسات العامة وغيرهم – يحافظون، قدر الإمكان، على نوع من الحياد، ومن المعروف أن رئيس المحكمة العليا في الولايات المتحدة، جون روبرتس، شبّه دور القاضي بدور حكم المباراة (“وظيفتي هي أن أحدد إن كان هدفًا أم مخالفة، لا أن أرمي الكرة أو أضربها”). كان لين داوني جونيور، الذي أدار صحيفة واشنطن بوست من عام 1991م إلى عام 2008م، مصممًا على تجنب الظهور بمظهر التحيز لدرجة أنه لم يشارك في التصويت (“حتى لا أقرر أبدًا أي حزب أو مرشح أو أيديولوجية يجب أن تكون في السلطة”)، لكن المنتقدين مقتنعون الآن بأن هذا الموقف يعادل خداع الذات أو التلاعب.

في كتابه بعنوان “كيف يفكر القضاة” (How Judges Think)، لم يكن ريتشارد أ. بوسنر، الباحث القانوني البارز الذي كان لسنوات عديدة قاضيًا في محكمة الاستئناف، راضيًا عن سراب “القانونية”، وهو النموذج الذي بموجبه يقوم القضاة فقط بتطبيق القوانين على وقائع القضية، وكتب: “من غير المرجح أن يستغل القضاة سلطتهم إذا أدركوا أنهم يمارسون السلطة التقديرية، مقارنةً بما إذا كانوا يعتقدون أنهم مجرد أصوات ناقلة للقرارات المتخذة في مكان آخر، وبالمحصلة لا يتحملون مسؤولية أي عواقب لتلك القرارات”، في رأيه، المحكمة العليا هي المحكمة الأكثر سياسية على الإطلاق، وقد اتفق معه الكثير من الناس؛ إذ حذرت مجموعة سياسية تهدف إلى توسيع نطاق الوصول إلى الإجهاض من “عبارة “حكم المباراة” التي لا معنى لها” التي يستخدمها المرشحون المحافظون أمام اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ الأمريكي: “عندما يصلون إلى المحكمة، فإنهم يروجون لأيديولوجيتهم المحافظة ويقلبون الأحكام السابقة”. 

فهل يمكن تحقيق الحياد؟ ذكر ويسلي لوري، مراسل سابق لصحيفة واشنطن بوست، في مقال رأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز في عام 2020م ونوقش على نطاق واسع: “لا توجد تغطية صحفية موضوعية، ولا يوجد صحفي موضوعي؛ إذ لا يوجد إنسان موضوعي أساسًا”. ونظرًا “لفشل الصحافة الموضوعية المحايدة”، حثّ على نموذج آخر: “الوضوح الأخلاقي”.

يرفض بعض النقاد الحياد لأنهم لا يعتقدون أننا يمكن أن نكون موضوعيين، ويرفض آخرون الحياد لأنهم يعتقدون أننا يمكن أن نكون موضوعيين، “هل يمكن لإدارة جامعة متخصصة في البحث عن الحقيقة أن تكون محايدة تجاه الأمور التي يمكن تحليلها بسهولة باستخدام الأساليب الموضوعية؟” تساءل هولدن ثورب، العالِم ورئيس الجامعة السابق، في مقال رأي لصحيفة التعليم العالي (The Chronicle of Higher Education). الحياد، في رأيه، هو خدعة مبتذلة: “أعضاء هيئة التدريس والموظفون والطلاب يعرفون أن الرؤساء هم بشر لديهم وجهات نظر حول هذه القضايا، ويعرف الكثير منهم أولئك الرؤساء قبل توليهم لمناصبهم، إذن، من يخدعون بقولهم إنهم محايدون؟ لا أحد.” مضيفًا بدهشة أن مديري الجامعات “يوقعون أنفسهم في مشاكل بسبب توخيهم للحذر الشديد، في محاولاتهم للبقاء محايدين بطريقة أو بأخرى بشأن القضايا التي تقع بوضوح في نطاق البحث والتدريس في مؤسساتهم”.

ويحوم فوق هذه الحجج سؤال أكبر يتعلق بالأخلاق السياسية: هل يمكن للدولة نفسها أن تكون محايدة، وهل ينبغي لها أن تكون كذلك؟ الليبرالية – التي تُؤخذ على نطاق واسع نهجًا للحوكمة، تؤكد على حقوق الحرية للأفراد ومساواتهم أمام القانون – كانت تقليديًّا تُعرف بتشجيعها للحيادية، وكان الخبير القانوني وواضع النظريات السياسية الألماني كارل شميت أحد أقوى معارضي الحياد الليبرالي في القرن الماضي، ففي مقالته بعنوان “عصر الحياد وعدم التسييس” (The Age of Neutralizations and Depoliticizations) التي كتبها عام 1929م، اتهم الليبرالية بتظاهرها بأن جميع الأشخاص ووجهات النظر لهم الحق في الحصول على مكانة متساوية وأن تضارب الرؤى يمكن ويجب حله من خلال النقاش السلمي الذي تحكمه قواعد ومداولات الهيئات التشريعية والمحاكم، واشتكى بشكل خاص من الطريقة التي نشرت بها وسائل الإعلام هذه الرؤية؛ مما أدى إلى “عدم تسييس السياسة” بشكل فعال، وقال كذلك إنه لا يمكن أبدًا استبدال السياسة بالإجراءات الليبرالية، فالسياسة الحقيقية تدور في جوهرها حول سحق الأعداء.

وفي بعض النواحي، يبدو تفكير كارل متزامنًا مع الفكر المتطور في عصرنا؛ إذ كان يحتقر عبادة شركات التكنولوجيا الكبرى، أو ما أطلق عليه بـ “دين التكنولوجيا الفاسد”، ومن وجهة نظره، فإن التكنولوجيا لا بد أن تؤدي إلى تكثيف الصراع، وليس تخفيفه، وكانت تكنولوجيات الاتصال الجماهيري أدوات “للسيطرة على الجماهير على نطاق واسع”، وفي حين تصور الناس أن المحاكم والمسؤولين قد يطبقون القواعد بشكل غير شخصي على القضايا، أصر كارل على أن ما أسماه “القرارية” – الأحكام الصادرة عن الإرادة الشخصية التعسفية – سوف (ويجب أن) تؤدي دورًا حاسمًا إلى جانب تلك المعايير. كان الدافع الأقوى في تنظيم المجتمع – والذي يجب مقاومته بشدة – هو “السعي إلى مجال محايد”.

وكان يعتقد أن ما نحتاج إليه بدلًا من ذلك هو شيء أشبه بالوضوح الأخلاقي: احتضان مجموعة شاملة من الأفكار والقيم التي تحدد ما هو خير وما هو شر. ومن المعروف أن كارل تبنى حلًّا واحدًا للممارسات المتساهلة لجمهورية فايمار، وعندما وصل هتلر إلى السلطة، انضم إلى الحزب النازي – ولم يكن هناك أي موقف حيادي هناك! – وعمل لفترة من الوقت باعتباره واحدًا من أبرز واضعي النظريات القانونية للحزب النازي، وفي كتابه الصادر عام 1938م عن النظرية السياسية، ألقى باللوم على المفكرين اليهود، بما في ذلك باروخ سبينوزا وموسى مندلسون؛ لدعوتهم إلى أشكال الحكم التي من شأنها أن تستوعب التعددية، وتدمج الأقليات، وتفسح المجال لـ “حرية الفكر الفردية”، وأعرب عن أسفه لأن نموذجهم المثالي “للدولة المحايدة” اكتسب بعض الاهتمام، الأمر الذي أثقل كاهل الحكومة بمسؤوليات إدارية وإجرائية للتعامل مع الناس بشكل عادل.

كان كارل ذا بصيرة عندما هاجم الحياد حتى قبل أن يدرك معظم واضعي النظريات الليبراليين أهمية هذا المفهوم، وفي العقود الأخيرة، حاول العديد من واضعي النظريات توضيح الفكرة الأساسية للحياد الليبرالي. في كتابي بعنوان “أخلاقيات الهوية” (The Ethics of Identity)، اقترحت بأن المثل الأعلى الذي يجب اتباعه هو أن تعامل الدولة الأشخاص من الهويات الاجتماعية المتنوعة باحترام متساوٍ: قد يؤدي القانون العام إلى الإضرار بأشخاص ذوي هوية معينة، ولكن لا ينبغي له أبدًا أن يلحق الضرر بهم؛ إذ يُنظر إليهم على أنهم أشخاص ذوو هوية معينة (على سبيل المثال، قد يؤدي وضع مقابض الأبواب في المباني العامة إلى الإضرار بالأشخاص الذين يستخدمون اليد اليسرى، ولكن ليس بقصد الإضرار بالناس في “تلك الفئة”)، وتتطلب التعددية هذا الشكل من الحياد، وهو ما أسميته “الحياد كاحترام متساو.” الدولة لا تنتمي إلى مجموعة واحدة من المواطنين.

ولكن، حتى لو كنا نفضل التعددية التي كان كارل يمقتها، فكيف ينبغي لنا أن نتعامل مع الفجوة بين تحيزاتنا البشرية والعقلية العادلة التي نتبعها في أدوارنا العامة؟ لقد ميز عالم الاجتماع الكبير إرفنج جوفمان بين سلوكنا في “الواجهة الأمامية” وسلوكنا “خلف الكواليس” (لقد كان مهتمًّا بشكل خاص بالتناقض بين الطريقة التي يتصرف بها النادلون أمام العملاء والطريقة التي يتصرفون بها في المطبخ)، فهل الأمر كله إذن مسألة تمثيل درامي – مع أجندات سرية كامنة خلف رداء القاضي، وملاحظات الصحفي، وتحفظ عميد الكلية؟

زميلي مايكل ستريفينز فيلسوف في العلوم، وفي كتابه بعنوان “آلة المعرفة” (The Knowledge Machine)، ألقى نظرة فاحصة على مشكلة صعبة: العلماء أنفسهم ليسوا محايدين ولا موضوعيين إذ يتأثرون بمواقفهم ومزاجهم، وهم عرضة لسياسات السلطة والغرور والحقد، وعندما يستقرون على برنامج بحثي، يصعب عليهم التخلي عنه، إنهم، كما يقول مايكل، “بشر في نهاية المطاف”. 

ما الذي يفسر إذن انتصار العلم الحديث؟ في أدوارهم المهنية، يجب على هؤلاء الأشخاص غير المنظمين الذين يرتدون المعاطف البيضاء أن يؤدوا دور العلماء، لقد اتفقوا جميعهم على آداب الجدال المشتركة، ليقوموا بحل خلافاتهم من خلال تنفيذ تجارب مصممة لدعم أو استبعاد رأي أو آخر، عندما يكتبون أوراقهم البحثية، فإنهم يهدفون إلى استبعاد العداء والعاطفة وغيرها من أشكال الآراء الذاتية، في عملية يطلق عليها “التعقيم”. في العلم، يؤكد مايكل، أن الاستدلال (الطريقة التي توصلت بها بالفعل إلى الاستنتاجات التي قمت بها) هو أمر خاص، بينما الحجة (الطريقة التي تدافع بها عن نتائجك أمام زملائك) هي عامة.

يصر المشككون على أن الموقف العام للموضوعية هو خدعة تخفي الآراء الشخصية للعلماء الفعليين، ما لا يدركونه هو أن البروتوكول العام، أداء “الواجهة الأمامية”، يتمتع بالقوة، إنه وهم مفيد ولا غنى عنه: وهم يخلق واقعه الخاص، ويقدم سلسلة من الحقائق الموضوعية التي تغير العالم، باختصار، إن الأدوار الاجتماعية التي نختارها – بما في ذلك تلك التي تبعدنا عن التحيز العلني – مهمة.

يختلف القضاء بشكل كبير عن العلوم، ولكن في الفترة من 2008م إلى 2021م، كانت نسبة الأصوات للعديد من الأحكام الصادرة من المحكمة العليا هي 9-0 (تباينت وتيرة القرارات بالإجماع حسب السنوات؛ إذ تراوحت من 66% من الأحكام إلى 29% فقط). ونظرًا لأن الأحكام في القضايا العلنية تثير الانقسام، فنحن أكثر وعيًا بها، ولكن ما أسماه ريتشارد بالشرعوية – التفسير القانوني، غير المتشابك في القضايا الثقافية – لا يزال هو العرف السائد، وعلى الرغم من أن ريتشارد، الذي يقدّر الواقعية القانونية التي ظهرت قبل قرن من الزمان، من أنصار “البراغماتية”، وهو نهج يضع في اعتباره النتائج ويتحرر من استخدام ما يصفه بـ “الغشاء” لبعض النماذج الكبرى لتفسير القانون؛ فهو يعترف بأن القاضي البراغماتي هو “براغماتي مقيد”، مما يعني أن القضاة، بحق، “مقيدون… بمعايير تتطلب الحياد، والوعي بأهمية إمكانية التنبؤ بالقانون بدرجة كافية لتوجيه سلوك الأشخاص الخاضعين له (بما في ذلك القضاة!)، والمراعاة الواجبة لنزاهة الكلمة المكتوبة في العقود والقوانين.”

إن بروتوكولات الحياد تحدث فرقًا، لا يعني ذلك أن القضاة ليسوا سياسيين، وخاصة في الحالات التي لا ترتبط بشكل وثيق بالسوابق القضائية أو الدستور، فنحن نعلم أنهم كذلك (ونحن نعلم أيضًا أن السياسة، عندما تكون سياستنا، يجب احترامها بعدّها أساسًا للمبادئ). لكن معايير الحجج القانونية تحد بالتأكيد من سلطة المحكمة التقديرية، وإذا جرى تشجيعنا على انتهاك هذه المعايير، فإن قراراتنا سوف تصبح أكثر سياسية (أو قائمة على المبادئ، بالنسبة إلى أولئك الذين يتفقون مع قراراتنا). الغشاء هذا يقدم لنا معروفًا، فمن فضلكم، احتفظوا به.

تعتبر الصحافة أكثر تعقيدًا لأن بعض الصحفيين المتميزين يتحالفون بشكل علني مع قضية ما ويعملون لصالح وسائل إعلام سياسية بشكل علني. في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كانت الصحف تميل إلى أن تكون أجهزة تابعة للحزب، ولكن دعونا نركز على المعايير المهنية التي أصبحت راسخة في وسائل الإعلام السائدة خلال القرن الماضي، ولا أقصد بذلك فكرة الامتناع عن التصويت: فحتى توماس هوبز ميّز بين المعتقدات والتصرفات، ما في قلبك وما تتلفظ به، ولا ينبغي لنا أن نتعهد بدعم الجانبين، الدقة، وليس التوازن، هي الهدف الصحيح.

ولكن الوضوح الأخلاقي يفترض إجماعًا لا نتمتع به، ومثله كمثل التقدميين اليوم، كان رجل الدين المحافظ ريتشارد جون نيوهاوس أيضًا متحمسًا “للوضوح الأخلاقي”، وحذر من “خداع الذات بشأن حياد القيم”، وكان يعتقد أن النظام السياسي يتطلب إحساسًا مشترَكًا بالغرض الأخلاقي، أوجه التشابه تنتهي عند هذا الحد. “إن الطريقة لإيقاف التمييز على أساس العرق هي التوقف عن التمييز على أساس العرق” – هذه هي فكرة القاضي جون روبرتس عن الوضوح الأخلاقي فيما يتعلق بالإجراءات الإيجابية، ولا تتفق مع فكرة القاضي كيتانجي براون جاكسون. البروتوكولات المهنية القياسية – التحدث إلى جميع الأطراف المعنية، وإبراز الحقائق بدلًا من المشاعر، والتحقق حتى مما قد تميل إلى تصديقه، والشفافية بشأن المصادر، والحفاظ على الاستقلالية عن الأشخاص أو المنظمات – يمكن أن تجعل الصحفيين أفضل، أحيانًا عن طريق تخفيف تأثير مشاعرهم الإنسانية. إن ممارسة مهنتنا على أساس العدالة يمكن أن يجعلنا أكثر عدالة.

الأدوار الاجتماعية التي كنت أتحدث عنها هي الأدوار التي نجد أنفسنا فيها نقوم بأعمال عامة، ولا ينطبق ذلك على المسؤولين الحكوميين فحسب، بل على الأشخاص الذين يديرون المنظمات أيضًا، بما في ذلك الشركات والمؤسسات غير الربحية. وهناك بعض الاعتبارات البراغماتية هنا. إذا كنت مسؤولًا في إحدى الكليات الحكومية وتعتمد على الاعتمادات المالية من المجلس التشريعي للولاية، فإن رفاهية مؤسستك قد تمنعك من تقديم آرائك حول السيطرة على الأسلحة. قال رئيس إحدى الكليات الحكومية في جورجيا لصحيفة التعليم العالي (The Chronicle of Higher Education): “مهمتي هي كسب الأصدقاء والتأثير على الناس”، قد يسعى المسؤولون جاهدين للحفاظ على العلاقات مع دوائر متعددة: الأمناء، والخريجين، وأعضاء هيئة التدريس، والطلاب؛ لذا فهم حذرون بشأن المواقف التي يتخذونها والآراء التي يصرحون بها، مدركين أن الفشل في اتخاذ موقف قد يؤدي أحيانًا إلى الخلاف أيضًا. وقد قيل الكثير عن المآزق ذات الصلة التي حاول قادة الأعمال التفاوض بشأنها.

ولكن هناك هدفًا آخر هنا: طمأنة أعضاء المجتمع المتنوع بأنه سيجري التعامل مع الجميع باحترام، إذا كنت تدير شركة، فإن الموظفين يريدون أن يطمئنوا بأنك ستعاملهم بشكل عادل. إذا كنت رئيس جامعة، فلا ينبغي أن تشعر مجموعات معينة من الطلاب أنك تحمل ضغينة تجاههم. الحياد هنا هو الحياد باعتباره احترامًا متساويًا: الوعد بأن الناس لن يتعرضوا للحرمان بسبب هويتهم، بما في ذلك الهويات المتحيزة، ولا يتضمن ذلك التظاهر بأنك شخصيًّا ليس لديك أي آراء، ولكنه يتضمن الامتناع عن التعبير عن بعض آرائك، يجب التمييز بين المعتقدات والتصرفات.

وينطبق ذلك على الفصول الدراسية، حتى لو كان الأستاذ ديموقراطيًّا، فيجب على الطلاب الجمهوريين أن يكونوا واثقين من أنهم لن يُعاملوا بشكل أسوأ من أقرانهم لمجرد كونهم جمهوريين، لا ينبغي لأحد أن يرغب في أن يكون المعلم غير مبالٍ بالحجج العلمية، ولكن لا ينبغي للطلاب أن يشعروا بالرفض بسبب هويتهم، حتى الطالبة التي تكتب أطروحة حول العقيدة السياسية لكارل شميت تحت مراجعة أستاذها الليبرالي.

ربما من البديهي أن ما يعتبر فضيلة في المجال العام قد لا يكون كذلك في المجال الخاص. يريد لاعبو الكرة أن يكون الحكم محايدًا، ولا يريدون أن يكون أزواجهم محايدين، في العلاقات الشخصية خلف الكواليس، يمكننا أن نغضب، ونبجل، وندين، ونعبر عن اهتماماتنا وعمن ندعمهم، كل منا لديه مفاهيم محددة للغاية حول أنواع الحياة التي تستحق الاحترام، باعتبارنا مواطنين، يحق لنا الترويج لرؤانا. وعلى وجه التحديد، لأنه يحق لنا وضع مفاهيمنا الشاملة حول الجيد (والسيء)؛ فإن تأمين تسوية مؤقتة (modus vivendi) – أيْ طريقة للعيش بسلام معًا وسط الخلافات حول القيم – هو الهدف النهائي للحياد الليبرالي. 

إن أدوارنا العامة ليست خدعة عندما يكون التزامنا بهذه الأدوار حقيقيًّا. إن النظرية النقدية، مهما كان نوعها، والتي كانت لفترة طويلة الدعامة الأساسية للتعليم الإنساني، تعلمنا – بطرائق لا تقدر بثمن في كثير من الأحيان – أن نرى ما يقع خلف موقف عدم الاهتمام، وخطاب النزاهة، وموقف الحياد. تكمن المشكلة عندما تمنعنا رؤيتنا عبر الأشياء من النظر إلى الشيء بحد ذاته، ومن الوهم الساذج أن نعتقد أن ما يحدث خلف الكواليس هو الحقيقة، وما يحدث على المسرح هو الكذبة. باعتبارنا أفرادًا، يحق لنا أن نكافح من أجل ما نؤمن به، ولكن في مجتمعٍ تعددي، يساعد مبدأ الحياد في الحفاظ على عدالة الكفاح.

كوامي أنتوني أبيا أستاذ في الفلسفة والقانون في جامعة نيويورك ومؤلف الكتاب بعنوان “The Lies that Bind: Rethinking Identity”. 

المصدر

 

مقالات ذات صلة