القائمة الرئيسية

هل تدور في حلقة أفكار مُقلقة؟ إليك كيف تخرج منها

هل تدور في حلقة أفكار مُقلقة؟ إليك كيف تخرج منها
ملخص المقال

يتناول المقال ظاهرة اجترار الأفكار، وهي ميل الإنسان إلى تكرار التفكير في الأحداث والمشاعر السلبية بطريقة مرهقة ومستمرة، مما يفاقم الضغوط النفسية ويزيد من احتمالية الإصابة بالاكتئاب، والقلق، والاضطرابات الأخرى. يوضح المقال أن هذا النوع من التفكير قد يبدو في البداية محاولة لفهم الذات أو لحل المشكلات، لكنه غالبًا ما يتحول إلى حلقة مفرغة من المشاعر السلبية. وتُقدَّم مجموعة من الأدوات لمساعدتنا على الخروج من هذا النمط، مثل استخدام المشتتات، وممارسة التركيز الذهني، وإعادة تفسير الأفكار، إضافة إلى عدد من العلاجات النفسية المتخصصة التي تستهدف نمط التفكير بدلًا من محتواه. يشدد المقال في نهايته على أهمية إدراك خطورة الاجترار والعمل بوعي على تغييره حفاظًا على الصحة النفسية.

بقلم: ميغان روجرز 

ربما تشعر بأن التفكير في مصاعبك يساعد على حلها، لكن قد يعد ذلك الفعل خطيرًا. 

سنذكر في هذه المقالة بعض الأدوات لترك تلك العادة.   

هل علقت سابقًا في فكرة معينة، أو سلسلة من الأفكار، أو موضوع ضللت تذهب وتعود له مرارًا وتكرارًا في عقلك؟ وقد لا تزال ذهنيًّا تعيد شريط ذكرياتك لذلك التاريخ الغريب الذي وقع في حياتك مع شخص عزيز عليك منذ مدة طويلة، وتفكر كيف يمكن للأمور أن تصبح لو حدثت بصورة مختلفة. أو عندما تتخوف من مشروعٍ قادم، وتتدرب على جميع السيناريوهات التي قد تأخذ مسارًا خاطئًا. فالمراجعة الذهنية أمر طبيعي وشائع بين البشر، مع ذلك، إذا وجدت نفسك قاصدًا الإفراط في تجارب معينة-خصوصًا السلبية- ففي تلك الحالة ربما تكون في خضم اجترار الأفكار.

ما اجترار الأفكار؟ يعرف بالميل نحو التركيز المتكرر حول المسببات، والمعنى، والعواقب لضائقة الفرد، ويتسم بأسلوب التفكير (التكرار والهوس) أكثر من اتسامه بمحتوى أفكار محددة، ولكن في أغلب الأحيان يتضمن الانهماك في المحتوى السلبي، فضلًا عن بعض الأدلة المشيرة بأن الاجترار قد يعكس صعوبات في الانفصال من المعلومات السلبية، على العكس من سهولة الولوج لها.

إذا كنت اعتدت على اجترار الأفكار، فربما تتساءل حول الأضرار المترتبة عليه. غالبًا ما يبدأ الاجترار كمحاولة للفهم والانتقال من الإحباط والكآبة، أو من تجربة مثيرة للقلق، وفي أوقات أخرى، ينشأ الاجترار لحل المشكلات، أو لمنعها من الوقوع مستقبلًا، وفي هذه الحالات، ربما يمنحك الاجترار شعورًا بأن الأمور تحت سيطرتك، وأنك قادر على التعامل مع المشاكل أو المخاطر. لكن اجترار الأفكار الدائم يسبب ضغوطًا مزمنة، ويفاقم صعوبات في الصحة النفسية.

قسم الباحثون اجترار الأفكار إلى نوعين فرعيين: إطالة التفكير والتأمل. فإطالة التفكير يتضمن الإسهاب في التفكير السلبي في ضائقة المرء من دون محاولة فعالة لحل المشكلة، ودائمًا ما يرتبط بمجموعة من النتائج السلبية على الصحة النفسية. إذا وجدت نفسك تتساءل دائمًا حول الفعل الذي قادك لمأزقك الحالي، أو تركز حول مدى سوء المحادثة الأخيرة، فربما هنا تكون انخرطت في اجترار إطالة التفكير. التأمل من ناحية أخرى يعد أكثر تحليلًا، ويتضمن محاولات لفهم أسباب معضلة المرء، وقد يبدو ذلك بمثابة تحليل متكرر للأحداث التي وقعت مؤخرًا لتحسين فهمك لمشاعرك. بصرف النظر عن المنافع المحتملة من حل المشكلات وفهم أفكار الفرد وتصرفاته، فالاجترار التأملي أيضًا مرتبط بمشاكل الصحة النفسية. 

نتائج الصحة النفسية المرتبطة بالاجترار واسعة النطاق، ربط الباحثون اجترار التفكير بالإصابة المستمرة والمتكررة للاضطرابات السيكولوجية المتعددة، متضمنة نوبات الاكتئاب الرئيسة، واضطرابات القلق، واضطراب ما بعد الصدمة، واضطرابات استعمال الكحول وتعاطي المخدرات، والاضطرابات الغذائية. وجد التحليل التجميعي الذي أجريته بأن الاجترار متعلق بالأفكار والنيات الانتحارية بصورة متزامنة وبأثر رجعي مع مرور الوقت. تسلط هذه النتائج الضوء على أن أسلوب التفكير المذكور ليس عرضًا لاضطرابٍ واحد، فمن المحتمل أن يقود لسمات العديد من الاضطرابات. 

الخطورة الواضحة من اجترار الأفكار تثير تساؤلات حول نسبة علاقتها مع مشاكل الصحة النفسية. ما سمات اجترار الأفكار التي تبدو أشد ضررًا؟ وهل هنالك عوامل أخرى تندمج مع الاجترار لتزيد من أخطار صحة الفرد النفسية؟

بعض من أبحاثي فحصت عدة سمات للاجترار- تواتر الأفكار السلبية وزمنها؛ ومدى سهولة أو صعوبة التحكم بها- لرؤية أي منها أشد قوة وذي صلة فريدة بأعراض الاكتئاب، والقلق، والفكر الانتحاري. جمعت أنا وزملائي بيانات استطلاع على الإنترنت في الاجترار وأعراض الصحة النفسية من مئات البالغين، والنتيجة الواضحة كانت: افتقار المرء السيطرة على أفكاره تعد سمة لهذه الأفكار التي تتنبأ بخطورة أعراض الصحة النفسية، وهذا يشير لاحتمالية تحسين المفاهيم للسيطرة على أفكار المرء وقد يكون طريقًا مهمًا لاستهداف اجترار الأفكار والتقليل من أعراض الصحة النفسية.

هنالك عدة عوامل محتملة تشرح لماذا الاجترار (خاصةً عندما يخرج عن السيطرة) قد يسهم في النتائج السلبية للصحة النفسية. وجدت الأبحاث في عينات الطلبة -أفراد المجتمع والمرضى- أن مختلف أشكال الاجترار مرتبطة بالانفعال، ومشاكل النوم، وضعف العلاقات، والاضطرابات العقلية، وفي حل المشكلات، وفقدان الأمل، والمشاعر السلبية، والتصرفات المتهورة وغير المنتظمة. يشرح أحد النماذج العلمية الدور الخطير للاجترار- نموذج ‘المشاعر المتتالية’ المطور من قبل إدوارد سيلبي- ويقترح بأن اجترار الأفكار تدهور المشاعر السلبية، ووجود المشاعر السلبية يقود للاجترار، فهي كالحلقة المفرغة. على سبيل المثال: الإصرار على المشاعر السلبية بعد الانفصال عنها (مثلًا: ماذا فعلت لأستحق هذا الألم) قد يزيد من شدة هذه المشاعر، وفي المقابل ربما يزيد ذلك من تكرار وحدة اجترار الأفكار. في نهاية المطاف، لكسر هذه الحلقة، قد يتحول بعضنا لفعل غير صحي- كالأكل العاطفي، والشرب بإفراط، أو مكالمة الشريك السابق بكثرة- محاولةً منه لتقليل التوتر الناجم عن تلك الحلقة.

قد يسهم تزامن المشاعر السلبية مع الاجترار في احتمالية الانتحار، ففي دراسة أجريت مؤخرًا لتقييم من يملك فكرًا انتحاريًا حادًا -من البالغين-عدة مرات يوميًا لمدة أسبوعين، وجدنا أن الخوض في الاجترار يزيد من قوة العلاقة بين التأثير السلبي الحالي (الاكتئاب، القلق، فقدان الأمل، الإثارة، التهيج) والأفكار الانتحارية في الوقت نفسه. بمعنى آخر، المشاعر السلبية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالفكر الانتحاري بين الأشخاص الذين يجترّون الأفكار في ذلك الوقت.

بأخذ جميع البحوث بالحسبان، من الجلي بأن الاجترار قد يكون حافزًا في العلاقة بين المشاعر والتجارب السلبية ونتائج الصحة النفسية المختلفة. 

وبالتأكيد، فإن الاجترار لا يقود دومًا لعواقب سلبية، وهنالك العديد من النظريات المتميزة اقترحت سبب لجوء الناس للاجترار في المقام الأول. أشارت سوزان نولين هوكسيما بأن الاجترار قد يقع كمحاولة من الأفراد لفهم ذاتهم ومشكلاتهم. واقترح أدريان ويلز وجيرالد ماثيوز بأن الاجترار يتطور بعد الانغماس في الصراع بين هدف المرء، ومحيطه الحقيقي، وأفكاره. البحث في مختلف أدوار الاجترار لا يزال قائمًا، لكن الفكرة السائدة تفيد أن الاجترار قد يكون طريقًا لتنظيم المشاعر السلبية، ومحققًا للأهداف عن طريق حل المشكلات، وقد يكون مشكلة بحد ذاتها عند ارتباطه بالظروف والحالة المزاجية السلبية.

لحسن الحظ، توجد خطوات يمكنك اتباعها لتقليل الاجترار إذا أصبح مشكلة لك، فهذه الخطوات قد تساعد جزئيًا بتحسين نظرتك وسيطرتك الفعلية على أفكارك. ما يأتي بعض الاستراتيجيات المحتملة التي يمكنك اتباعها إذا علقت في سلسلة من الأفكار، وبدأت بملاحظة ذلك: 

  • المشتتات: عندما تلاحظ بأنك بدأت باجترار أفكارك، من المفيد إيجاد مشتت قصير الأمد ليفصل تسلسل أفكارك. من أكثر الاستراتيجيات المفيدة: 
  • (أ) الجهد الذهني أو البدني، مثل إكمال أحجية، أو الجري.
  • (ب) الأعمال المفعمة بالأحاسيس، مثل الالتفاف ببطانية ناعمة، أو حمل مكعب من الثلج، أو إشعال شمعة.
  • (ت) إدخال شخص آخر، مثل الاتصال بفرد من عائلتك، أو اللعب مع أحد أصدقائك.

على الرغم مما ذُكر، من المهم الانتباه إلى أن الأبحاث أشارت بأن محاولة قمع أفكارك (مثلًا: دفع أفكارك بعيدًا، بدلًا من جذب انتباهك لشيء آخر) قد يعود بنتائج سلبية، ويزيد من المعاناة. 

  • ممارسة التركيز الذهني: يقوم التركيز الذهني على الارتباط بالواقع بينما تشرك تجاربك الداخلية والخارجية تمامًا وبدون إصدار أي أحكام عليها. إضافةً لجلوسك في مكان هادئ وصب جل تركيزك على مستوى تنفسك لعدة دقائق، قد يأخذ التركيز الذهني صور أخرى، مثلًا في القيادة (ركز على حجم المركبة، أو على انسيابية الطريق، أو على صوت عجلات السيارة، أو على الازدحام المحيط بك، أو على وضعية جلوسك وعلى عجلة القيادة) مثال آخر: الأكل الواعي (تناول طعامك ببطء وضع تركيزك على الرائحة، والملمس، والنكهة) أو ركز بقصد على نشاط آخر في الوقت نفسه (خلافًا لتعدد المهام). التركيز على التنفس أو على التجارب المحسوسة من قبل حواسك الخمس أظهرت فاعليتها في تهدئة الجسد والعقل، وتؤدي لتقليل الاجترار. 
  • أعد تفسير أفكارك: غالبًا ما يلجأ الناس للاجترار عند حدوث أمر سيئ لهم، أو عندما يعتقدون أنهم أقدموا على فعل خاطئ. قد تميل لتعظيم وتكبير تجاربك، لذلك تراجع للوراء ‘تحقق من الوقائع’ وتخيل تأقلمك مع أسوأ سيناريو ربما يحدث لك، هذا قد يساعدك عندما تجد نفسك في اجترار الأفكار. اسأل نفسك: ما الدلائل على تلك الأفكار؟ وما الدليل المضاد لها؟ وكيف يمكنني التأقلم عند وقوع ذلك الأمر السيء لي؟

وبالنسبة إلى الاجترار الشديد، خصوصًا لمن يرى نفسه عاجزًا عن التحكم بأفكاره، هنالك علاجات نفسية مدعومة بالتجارب صممت لاستهداف التفكير الاجتراري:

  • الاجترار المرتكز على العلاج المعرفي السلوكي (RF-CBT) يتضمن تحديد المسببات الاجترار، ويهدف لتعزيز الواقعية والطرائق المركزة حول تفكير معين، كمضاد لاجترار الأفكار، والتي غالبًا ما تكون مجردة، واستحواذيه، وتركز على عدة نتائج محتملة. فعلى عكس العلاج المعرفي السلوكي التقليدي (CBT) -والذي يركز على تعديل محتوى عمليات الأفكار- يقوم الاجترار المرتكز على العلاج المعرفي السلوكي RF-CBT على تعديل طرائق التفكير. ولهذا يعد نافعًا لمن يعتبر أن أفكاره مستمرة وخارجة عن سيطرته، وأيضًا مناسبًا لمن يريد تغير طريقة تفكيره ناهيك عمّا يفكر فيه. 
  • يدمج تقليل التوتر القائم على التركيز الذهني (MBSR) التأمل الذهني، والوعي الجسدي، واليوجا، واستكشاف نمط الفرد في تفكيره، ومشاعره، وتصرفاته لجذب الانتباه، وتنظيم مشاعره مع الحد من الاجترار والقلق. قد ينتفع من أسلوب تقليل التوتر القائم على اليقظة (MBSR) من لديه صعوبات في الانخراط بالحاضر (بسبب التعلق بالماضي أو بالمستقبل المحتمل)، ومن لا يتفق مع أحاسيسه الجسدية.
  • العلاج بالقبول والالتزام (ACT) يهدف لتطوير وتوسيع المرونة النفسية، وتحسين قدرة الفرد ليتأقلم مع أفكاره وتصرفاته، وتحسين مواءمته مع قيمه وأفكاره. محتملًا أن يعود العلاج بالقبول والالتزام (ACT) بالنفع على من يعاني الجمود في العمليات الفكرية، ومن لديه صعوبات في تخيل خيارات بديلة، ومن يناضل في تقبل أفكاره.

على نطاق كل من هذه العلاجات النفسية، سيقوم الأطباء بصورة اعتيادية بتقييم أنماط اجترار الأفكار عن طريق الاستبيانات، وإيجاد آليات معينة لشرح سبب وجود الاجترار، ثم القيام بتطوير استراتيجيات لتخفيف الآثار والتكرار الناجم من أنماط هذه الأفكار.

ربما يعد الاجترار فخًا يسهل الوقوع فيه، على الرغم أنه يبدو أداة نافعة لحل المشكلات، ومعالجة المشاعر، لكن قد تنقلب تلك الأداة بسرعة ويصبح التحكم بها صعبًا، ومن ثَمّ تتفاقم تأثيرات المشاعر السلبية. وحتى إن أصبح الفرار من الأفكار مستحيلًا، لا يزال هنالك طرائق تساعد على التخلص منها، وتعين على حماية الصحة النفسية خلال هذه العملية.

المصدر

 

مقالات ذات صلة