القائمة الرئيسية

كل ما يطلبه منك عقلك هو أنْ تهدأ

كل ما يطلبه منك عقلك هو أنْ تهدأ
ملخص المقال

يتناول المقال،

بقلم تيودورا ستويكا، كيف أن عالمنا الحديث، المهووس بالإنتاجية والتكنولوجيا، أدى إلى حالة من التشتت الذهني المستمر وانفصال الإنسان عن حواسه والطبيعة من حوله. يستعرض المقال تأثير التشتت على الدماغ، موضحًا كيف أن شبكتي التركيز وأحلام اليقظة تحتاجان إلى توازن لتحقيق الإبداع والرفاهية النفسية. كما يناقش الكاتبة كيف تؤثر بيئة العمل القاسية والتقنيات الجذابة على انتباهنا وإدراكنا، مما يجعلنا أكثر عرضة للتلاعب والخوف، ويقوض قدرتنا على التركيز والتعاطف. ويقترح المقال أن الحل يكمن في التباطؤ، وإعادة الاتصال بالطبيعة، والانتباه للحظة الحاضرة، وهو ما يمكن أن يعيد لنا التوازن الذهني والروحي، ويجعلنا أكثر وعيًا ومسؤولية تجاه أنفسنا والعالم من حولنا.

بقلم: تيودورا ستويكا

لم ألاحظ المطر حتى انتقلت إلى الصحراء. لطخت السحب الممتلئة بالظلام حدة التناقضات التي رسمتها شمس الصيف الحارقة. تتغير السماء من العنبر الأخضر إلى البنفسجي. رائحة ترابية حلوة تنبعث خلال الهواء. أغاني الطيور وزقزقة الصرار صامتة. حلت محلها السحب الرعدية والرياح العاصفة. سكون، وبعد ذلك في عرض عظيم ومخيف، غمرت ستائر المطر المعتمة الأرض الجافة والتي يبلغ عرضها ميلًا. 

في الصحراء، يُهدئ موسم الرياح وتيرة الحياة ويجدد المناظر الطبيعية القاحلة. في هذا المجتمع العجول، المهووس بالمواعيد النهائية، غير المبالي، فإن موسم الرياح هو ما تتعطش إليه أدمغتنا.

يشكل الانتباه كامل تجربتنا في العالم. كما عرفه الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت عام ١٩٤٠م، الانتباه هو الوظيفة المُكلفة بإعطاء العقل هيكله وتماسكه. مع ذلك فإن انتباهنا ليس ملكنا. يسجل ثلث الأمريكيين ٤٥ ساعة أو أكثر في العمل في الأسبوع؛ إذ بلغ ٨ ملايين عن أكثر من ٦٠ ساعة. وقت راحتنا ليس ملكنا أيضًا. بالمقارنة مع عام ١٩٤٠م، يستهلك الأفراد اليوم من معلومات الشاشة كمية تقارب أكثر مما يستهلكه الأفراد في عام 1940 بتسعين مرة! . ما يقارب ٨٢ ساعة في الأسبوع- أو ٦٩ في المئة من ساعات اليقظة لدينا. هذا كثير.

على الرغم من أنَّ الدماغ أعجوبة من الهندسة العصبية الحيوية، فإنه لا يمكنه استقبال هذا النوع من تقدم البيانات. تركيزنا ينخفض ما بين ٩٠-١٢٠ دقيقة، مع تعدد المهام يخلق تأثير “اختناق”، مما يؤدي إلى انسداد المعلومات من جزء من الدماغ إلى آخر. لا عجب أننا ننخرط في أحلام اليقظة بنسبة ٤٧ % من الوقت؛ ببساطة لا يمكننا مواكبة متطلبات التركيز اليوم.  

ينشأ التركيز وأحلام اليقظة من النشاط بين شبكتين دماغيتين. بالطريقة نفسها التي يوحد بها قائد الأوركسترا صوت فناني الأداء، ويتحكم في وتيرة الموسيقى، تدمج شبكة التحكم التنفيذية ببراعة نشاط مناطق الدماغ المختلفة وتوجهها لإكمال مهمة محددة. في أثناء الاستراحة، يغادر الموصل المسرح، وترفع شبكة الوضع الافتراضي أضواء المنزل من أجل استراحة ذهنية. تكمن شبكة الوضع الافتراضي في هروب ممتع إلى ماضي المرء أو مستقبله، والرحلات الخيالية الواسعة في مؤامرات الكتب أو الأفلام، وحتى التلاعب بالألعاب الأخلاقية. بشكل مثالي، تتذبذب الشبكتان بطريقة معاكسة؛ لا تقاطع الاستراحة الأداء، ولا يبدأ الأداء بشكل غير متوقع في أثناء الاستراحة. يخلق منظرًا لعمل هذا حالات عقلية متناغمة مرتبطة بزيادة الإبداع واليقظة والرفاهية النفسية.

حالة الإلهاء الدائمة ليست ضارة شخصيًّا فحسب، بل مدمرة مجتمعيًّا.

 ومع ذلك، بالنسبة للبعض، لا يوجد انسجام. جدول عمل لا يرحم، حياة عائلية شديدة التطلب، أخبار سيئة متواصلة، وإدمان وسائل التواصل الاجتماعي يضعف الانتباه، ويخل بالتوازن الدقيق بين شبكة التحكم التنفيذية وشبكة الوضع الافتراضي. يبقينا في حالة دائمة من الإلهاء. في خطاب ألقاه أمام الجمهور من طلاب الجامعات عام ٢٠٠٩م، يحذر الكاتب الأمريكي ويليام ديريسيفيتش أنَّ من خلال قضاء الكثير من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي، والتعلق بنشرة الأخبار، تغمس نفسك في الحكمة التقليدية، في واقع الآخرين، للآخرين، وليس لنفسك. أنت تخلق حاجزًا يستحيل فيه سماع صوتك…

مع عدم إمكانية الوصول إلى موسيقانا الشخصية التي تعتمد على إثارة شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ، تصبح الألحان التي تجريها شبكة التحكم التنفيذية غير منتظمة متناقضة، وتتعرض الصحة العقلية للخطر الشديد.

هذا الهوس الدائم بالسرعة، كما أشار ميلان كونديرا في رواية «البطء» (١٩٩٥م) “هو شكل النشوة التي منحتها الثورة التقنية للإنسان”. تومض كل قطعة من التكنولوجيا بشكل مغرٍ، صفيرًا ورنات، طلبًا في لفت انتباهنا. في أطروحة الماجستير الخاصة بها في أثناء وجودها في جامعة ستانفورد، فهرست 

ديفانجي فيفريكار عدة أشكال من التصميم المقنع الذي تستخدمه مواقع، مثل فيسبوك ولينكد إن. فيما يلي بعض الأشياء التي قد تكون على دراية بها ولماذا هي فعالة: 

– الإشعارات المتقطعة: جدول إيصال إشعارات متنوع مشوق.

– اللون الأحمر لإشارة الإشعار: يشير إلى الإلحاح، ويثير الفضول.

– عدد الإشعارات على الشارات: تريد الحصول على رقم ٠، تثير الرغبة الأساسية في التنظيم من الفوضى. بالطريقة نفسها التي يكافأ بها الكلب بالحلوى، عندما نستسلم للإشعار، تتدفق موجات الدوبامين عبر أدمغتنا، مما يمنحنا شعورًا بالمتعة. بمرور الوقت، يؤدي هذا النمط الإدماني إلى تآكل الامتداد المعرفي الطبيعي، مما يجعلنا عبيدًا لأجهزتنا.

حالة الإلهاء الدائمة ليست ضارة شخصيًّا فحسب، بل مدمرة مجتمعيًّا. من خلال ظاهرة تسمى التحيز الانتباهي، يمكن أنْ يتأثر الإدراك بعوامل بيئية مختارة. على سبيل المثال، يمكن استخدام التحيز الانتباهي عن طريق مهاجمة شخص ما بمحفزات تهديدية، مثل الدعاية المخيفة. الخوف بدوره يمكن أنْ يؤثر على تحيزاتنا اللاواعية، ويؤدي إلى النفور من مجموعات من الناس التي اعتقدنا أنها غير مؤذية ذات يوم. إذا كان الاهتمام يخلق حقًّا واقعنا، فإن ما نهتم به يحدد أفعالنا ضمن هذا الواقع.

في ١١ مارس ٢٠٢٠م، توقف الإيقاع المحموم في العالم. سرعان ما قيد وباء كوفيد-١٩ حركة العالم، وبالنسبة للبعض، منح هدوءًا عقليًّا تشتد الحاجة إليه. فيما أطلق عليه الاستقالة العظمى في الولايات المتحدة، ترك الملايين وظائفهم. أدرك الكثيرون أنَّ “الإنتاجية” فخ. “أنْ تصبح أكثر كفاءة يجعلك أكثر اندفاعًا، ومحاولة إنهاء الأعمال ببساطة يجعلها تمتلئ مرة أخرى أسرع”. كما كتب أوليفر 

بوركمان في كتابه «أربعة آلاف أسبوع: إدارة الوقت للبشر» (٢٠٢١م). سمح التباطؤ خلال الوباء لشبكة الوضع الافتراضي بإلقاء الضوء على الواقع القاسي لحياتنا اليومية غير المتوازنة.

حتمًا، سيعود العالم إلى إيقاعه المحموم. لكننا لسنا مضطرين إلى ذلك. في كتابه «الكسل غير متواجد» (٢٠٢١م) يكتب عالم النفس الاجتماعي ديفون برايس شخصيًّا عن الإرهاق، ويوضح أنَّ الكسل ليس عجزًا أو شيئًا نحتاج إلى إصلاحه، أو التغلب عليه بالكافيين، أو ساعات عمل أطول، ولكنه في الواقع علامة على أنك تحتاج إلى الراحة. في حين أنَّ بلدانًا مثل الإمارات العربية المتحدة وآيسلندا تعتمد أسابيع عمل أقصر، يجادل البعض أنَّ توسيع عطلة نهاية الأسبوع مفيد مثل إبطاء وتيرة يوم العمل، يمكن العثور على توازن مناسب بين شبكة الوضع الافتراضي وشبكة التحكم التنفيذية. 

واحدة من الطرق لتحقيق إيقاع جديد هي إعادة الاتصال بحواسنا. انفصالنا عميق لدرجة أننا نادرًا ما نلاحظ العالم الطبيعي من حولنا. في كتابها «علم الإنسان الفيروزي» (٢٠٠٢م) تنصح إيلين ميلوي: 

يمتلك كل واحد فينا خمس خرائط أساسية ساحرة للعالم الطبيعي: البصر، واللمس، والذوق، والسمع، والشم. بينما نكتشف الخيوط التي تربطنا بالطبيعة كمقيمين للبيانات والحيل، وسط الحشود والفوضى، نصبح شحيحين مع هذه الإرشادات المخلصة والرائعة، ونفقد ذكاءنا الحسي. هذا الفشل في الانتباه سيجعل منَّا أيتامًا. 

ببساطة تبين أنَّ المشي في الطبيعة -أو كما يسميها اليابانيون، تيشرين-يوكو- يقلل من ضغط الدم ويزيد من الاسترخاء. ارتبط التناغم مع إيقاع الطبيعة أيضًا بانخفاض النشاط العصبي في مناطق الدماغ المرتبطة بمخاطر الإصابة بالأمراض العقلية وألهمت نظرية إعادة الانتباه، التي تنص على أنَّ الطبيعة تجدد قدرتنا على التركيز والانتباه. يؤدي الانتباه للَّحظة في أثناء المشي إلى تحويل التركيز بعيدًا عن السيناريوهات المولدة داخليًّا والمثيرة للقلق، مما يخلق مساحة تشتد الحاجة إليها.  

العقلية الموجهة نحو الحاضر هي واحدة من السمات المميزة للمرونة، والقدرة على الاستفادة من إعادة تشكيل مشهدنا العاطفي في أثناء حدث مرهق وبعده (مثل وباء عالمي). أظهرت أبحاث العلوم العصبية أنَّ الذهن لدى الأفراد ذوي المرونة العالية يعمل مثل الموصل الذي يقود لحنًا مهدئًا بينما تحافظ شبكة الوضع الافتراضي على الأضواء خافتة منخفضة. في سياق مماثل، تبين أنَّ الاستماع العميق -ممارسة الاهتمام بما ينظر إليه صوتيًّا ونفسيًّا- لا يعزز المرونة الشخصية فحسب، بل يسد الفجوات بين أولئك الذين من حضارات مختلفة بالطريقة نفسها التي يمكن أنْ يخلق بها التحيز الانتباهي السلبي 

تصورات قائمة على الخوف، يمكن أنْ يؤدي التحيز الانتباهي الإيجابي إلى زيادة المشاركة الاجتماعية وتقليل السلوك المنسحب عاطفيًّا. إذا استطعنا التحكم فيما ننتبه إليه، فلماذا لا نعيد تركيز عدستنا نحو الجوانب الإيجابية للحظة الحالية؟ 

في كتابها «كيف تفعل لا شيئًا: مقاومة اقتصاد الاهتمام» (٢٠١٩م) تصف الفنانة جيني أوديل كيف فُكِّكَ واقعها المتصور مسبقًا، من خلال الفعل البسيط المتمثل في تعلم تحديد الأنواع النباتية والحيوانية المحلية: 

{الاهتمام} يمكن أنْ يعني هذا أيضًا اكتشاف عوالم جديدة وطرق جديدة للتحرك من خلالها… يمكن أنْ يفتح الأبواب إذ لم نرَ أيًّا منها، صانعةً مناظر طبيعية بأبعاد جديدة يمكننا أنْ نعيشها في نهاية المطاف مع الآخرين. من خلال القيام بذلك نحن لا نعيد تشكيل العالم فحسب، بل نعيد تشكيل أنفسنا. 

عن طريق الاهتمام بمحيطنا الطبيعي المحلي، نولي اهتمامنا بمحيطنا العالمي والدور الذي نلعبه في تشكيلها، كما قالت أوديل، “الوعي البسيط هو بذرة المسؤولية”. 

ليست بمهمة صغيرة أنْ تعيش حياة من الانتباه المستمر. لم ألاحظ ما يحدث بعد المطر حتى انتقلت إلى الصحراء. تنخفض درجة الحرارة، وينتعش الهواء برائحة الميرمية الصحراوية اللزجة، وتظهر مجموعة متنوعة من الحيوانات من منازلهم تحت الأرض، بالإضافة إلى جوقة الزقزقة والصرير، أنا أيضًا، تجددت روحي.

المصدر

مقالات ذات صلة