القائمة الرئيسية

عندما توقفت عن محاولة تحسين نفسي، أصبحت أفضل

عندما توقفت عن محاولة تحسين نفسي، أصبحت أفضل
ملخص المقال

يتحدث المقال عن تجربة فرانسيس سانزارو في تسلق جرف صخري وكيف أدى إفراطه في الرغبة بالنجاح إلى فشله، بينما تحسن أداؤه عندما تخلص من ضغوط النجاح وتركيزه على اللحظة الحالية فقط. يستكشف المقال فكرة ""قوة الطرح"" – أي تحسين الأداء من خلال إزالة الأفكار الزائدة مثل القلق والتوقعات بدلًا من إضافة المزيد من الضغوط النفسية. يربط الكاتب هذه الفكرة بحكمة الكاتب أنطوان دو سانت-إكزوبيري التي تؤكد أن الكمال يتحقق عندما لا يتبقى شيء لإزالته، وليس بإضافة المزيد. ينطبق هذا المبدأ ليس فقط على الرياضة، بل أيضًا على الفن، العلاقات، والحياة اليومية، حيث يؤدي التخلص من التشويش الذهني إلى وضوح أكبر وأداء أكثر انسيابية. المقال يشجع على تبني بساطة التركيز على الفعل ذاته دون ارتباطه بالنتيجة، مما يحرر الإنسان ليعيش بحماس ومرونة أكبر.

فرانسيس سانزارو

قبل بضع سنوات، وقفت تحت جرف أحمر بارز بالقرب من مسقط رأسي، كارباندايل، كولورادو. كان اليوم رائعًا، وكانت الأيائل تأكل الأعشاب البنية بجوار النهر في الأسفل، والصقر يركب الرياح، وكان سكان المدينة والمارة بعضهم يرتدي الملابس وبعضهم لا، يتسكعون في ينابيع ساخنة قريبة، فقد كنت مستعدًّا جاهزًا للتسلق، وكنت أحاول القيام بمسار في المحاولة الأولى، “فورًا”، كما نسميه، ما يعني أنني لم أكن أعرف ما الذي سأصعد إليه، إذ سيكون تسلقًا صعبًا بالنسبة إلي، فللتسلق الصعب فورًا، تحتاج إلى وضوح لا تداخل.

تمامًا عندما كنت على وشك التسلق، قالت الأعصاب في جسدي -التي لم أشعر بها بعد- مرحبًا، هذا ليس جيدًا لأي رياضي.

يائسًا، قمت برسم طبقة من الثقة على جدران داخلي المُمتلئة بالشك.

تصورت نفسي في القمة، أحتفل.

قلت لنفسي بحزم: “يمكنك فعل ذلك، إذا كنت تؤمن، فالنجاح مؤكد”.

لم ينجح الأمر؛ فقد سقطت بالقرب من القمة مهزومًا وانخفضت إلى الأرض، فأدركت -بقوة، ومع الوضوح الذي كنت أبحث عنه قبل دقائق- أن الرغبة في تسلق المسار قد منعتني من القيام بذلك. كانت قيمتي الذاتية مرتبطة في تلك اللحظة بنجاحي أو فشلي، ما أدى إلى سلسلة من ردود الفعل: رغبة غير طبيعية، وضغط، وقلق الأداء، وتوقع، وعقل مأسور بالقمة لكن الجسد يكافح في الأسفل، واتخاذ قرارات سيئة، وحركة غير منتظمة، وتشتيت، وإحباط، ذلك كلّه بالترتيب.

بدافع من اللحظة، قلت لنفسي إنه في محاولتي الآتية، كان النجاح أو الفشل غير ذي صلة. “قم بحركة واحدة في كل مرة، هذا كل شيء”. منحت نفسي تصريحًا من أي شيء سيحدث، القضية مغلقة.

نجح الأمر، فارتفعت إلى القمة برشاقة، ووضوح، ودهشة.

أدت تلك اللحظة إلى تفكيري، ثم بحثي، وفي مرحلة ما، صغت هذه التجربة لنفسي بحسابات بسيطة: فعندما أضفت (الإصرار، والعزيمة، والثقة بالنفس، والرغبة) فشلت، وعندما أزلت (رغبة النجاح)، تحرك جسدي بسلاسة وطبيعية أكبر؛ فقد تحسنت واستمتعت بذلك أكثر أيضًا، وهو ما لم أعتقد أنه ممكن بصفتي رياضيًّا مدة 30 عامًا.

اكتشفت قوة الطرح.

تتعارض استراتيجية الطرح مع ما يُسمّى بثورة العقلية، إذ إنّ الجميع يضيفون هذه أو تلك الجودة إلى نهجهم العقلي: عقلية النمو، عقلية الوفرة، عقلية الامتنان، لكن في هذا النوع من تحسين الذات -إذا جاز تسميته بذلك- نحن نضيف مزيدًا ومزيدًا من شريط اللصق إلى شيء ليس مكسورًا -عقلنا- حتى يصبح مُغطًّى لدرجة أننا نفقد رؤية الآلة المصممة على نحوٍ جميل تحت ذلك كلّه، وبذلك تصبح -في الواقع- مكسورة.

هذه الفكرة -أداء الأفعال مع أقل تداخل ممكن -ليست قابلة للتطبيق في الرياضة فقط. نعم، إذ يمكن أن تساعدنا على إصابة الهدف، لكنها يمكن أن تساعدنا أيضًا على العزف بأناقة على سوناتا بيانو أو أن نكون أكثر حضورًا مع أطفالنا، كما قال عالم النفس الرياضي كين رافيستا: “قم بأداء لحظة واحدة في كل مرة”. لقد علمتني تجربتي في السنوات منذ ذلك التسلق -بلا شك- أن الجسم ليس لديه حس بمفاهيم مثل النجاح أو الفشل، إذ إنّ المفاهيم تنشأ في العقل، وهذا هو الحال في الحياة كما هو الحال في الرياضة.

أدَّت قراءتي بشأن ما يُعدّه الرياضيون الأوائل الحالة المثالية للعقل إلى بعض الاستنتاجات المفاجئة. أولًا، كانت قوة الطرح موجودة طوال الوقت على الرغم من أنك يمكنك العثور عليها في المقابلات والكتابات من الأولمبيين، والمدربين البارزين، وعلماء النفس الرياضيين ومحاربي الساموراي، لكنها نادرًا ما تم التعبير عنها على نَحوٍ صريح. ثانيًا، من الصعب جدًّا ممارستها أكثر مما أدركت. ثالثًا، تفوز أكثر عندما تجسدها. وللتسجيل، لا يوجد خطأ في الفوز.

لكن لفك ارتباط أنفسنا من تلك الروابط المتعلقة بالقيمة الذاتية، نحتاج إلى تنمية صفات أكثر دقة مثل: الذكاء العاطفي، والتروِّي، والقدرة على التعرف إلى مشاعرنا والاعتراف بها، إن المفتاح هو إزالة الحواجز أمام الوضوح، وليس إضافتها على أمل تحقيق أهدافنا.

في أوائل إلى منتصف عشرينيات القرن الماضي، كان المؤلف الفرنسي أنطوان دو سانت-إكزوبيري يقود الطائرات تجاريًّا مدّة، وأيضًا للجيش الفرنسي، وكان مغامرًا وشاعرًا للحياة، كما كتب واحدًا من كتبي المفضلة: “الريح، والرمال، والنجوم” وفي هذا الكتاب وجدت واحدة من أذكى العبارات التي كُتبت عن الحالة الإنسانية، على الرغم من أنه في ذلك الوقت كان يتحدث عن الطائرات: “الكمال يتحقق ليس عندما لا يوجد شيء آخر لإضافته، لكن عندما لا يتبقى شيء لإزالته، عندما يتم تجريد الجسم إلى عريّه”.

في ذلك اليوم، في أسفل التسلق، فهمت أخيرًا ما كان يتحدث عنه سانت-إكزوبيري، فالإضافة تأتي على نحوٍ طبيعي في الحياة، ومن الفعل البسيط للعيش تتشكل العادات، وتصبح الأنماط العقلية ثابتة، وتنمو الغيرة وعدم الأمان والرهاب بسهولة مزعجة، قد نحاول إصلاح أنفسنا، لكن غالبًا من خلال لصق مزيد من شرائط اللصق.

لكن، بخلاف ما يبدو حسًّا سليمًا، يتطلب الأمر جهدًا يوميًّا للعودة إلى العريّ.

إن الأداء العظيم ليس أكثر من لحظة جميلة، واللحظات الجميلة في كل مكان، وللوصول إلى هناك، تحتاج إلى تقليم ما يسبب التوقع والإحباط، عدم الصبر مع من تحب، الغيرة تجاه صديق أو الغضب على أطفالك. كما ينصح سانت-إكزوبيري: يجب علينا أن نزيل حتى لا يتبقى شيء لنزعه، فماذا يتبقى عندما تفعل ذلك؟ فعل فقط، وعندئذٍ في الرياضة أو في الحب، مع وضوح، وشغف، وثبات؛ ستتكيف بسرعة وبمهارة، فلم تعد مقيدًا بالإضافة، أنت حر في العمل.

هذا هو الفوز، هذا هو الكمال.

المصدر 

مقالات ذات صلة