لا بد أن تعرف
بعد صباح مرهق في العمل، دخلت «جيمي» المطعم لتتناول طعام الغداء وتبحث عن زميلاتها. على الجانب الآخر من الغرفة، بدأت امرأتان في الهمس. وعلى الرغم من أن جيمي لا تستطيع سماع ما تقولانه، فقد كان لديها شعور قوي بأن الأمر يتعلق بها.
تمت دعوة (ب) وشريكها (ل) للاحتفال بعيد ميلاد أحد الأصدقاء. وفي الحفلة، تشعر (ب) بعدم الارتياح لأن (ل) يتحدث مع أشخاص آخرين يجلسون بجانبهم. وبمجرد وصولهما إلى المنزل، تجلس (ب) في صمت وتبدو غاضبة، فيسأل (ل) عما يجري ويترتب على ذلك صراع لفظي بينهما.
في الحافلة، يسأل سام راكبًا آخر “هل تنظر إلي؟” لأن سام خائف ويعتقد أن ذاك الشخص يتجسس عليه.
في عملي بوصفي طبيبة نفسية ومحللة نفسية، سمعت الكثير من الناس يصفون أفكارًا ومشاعر ارتيابية تجاه الغرباء أو الزملاء أو الأصدقاء أو أفراد الأسرة. وهذه التجارب يمكن أن تكون منفرة للغاية؛ فالسيد (ج) الذي قادته الريبة وعدم الثقة إلى قطع علاقات مهمة كانت لديه، وهو ما جعله مؤخرًا يصف لي حاله بأنه يشعر “بالوحدة في مقابل العالم”.
هناك أوقات ومواقف معينة يمكن أن يكون فيها الحذر من نوايا الآخرين بمثابة استجابة تكيفية. وبطبيعة الحال، يمكن أن تكون لدى أي شخص أسباب مشروعة للشعور بالريبة والتعرض للتهديد. إذ يمكن أن يؤدي التعرض للتمييز أو مشاهدة العنف مثلًا إلى تشكيل معتقدات الشخص عن الآخرين وما إذا كان يمكنه الشعور بالأمان في العالم أم لا. ولكن عندما يشك المرء في وجود تهديد بناءً على أدلة ضعيفة أو معدومة، وعندما تصبح أنماط التفكير الارتيابي مستمرة ومزعجة، أو تؤثر في الأداء اليومي للشخص (كما فعلوا مع السيد “ج”)، فهذه علامات على الشعور بالبارانويا (جنون الارتياب).
عرّف عالم النفس دانيال فريمان وزملاؤه البارانويا (جنون الارتياب) بأنها خوف غير مبرر من نية الآخرين إيقاع الضرر بالشخص. وفي العادة يمكن للشخص أن يميز بين الشعور بالتهديد الذي ينتابه عند مواجهة خطر حقيقي وما يشعر به عند توقع خطر محتمل. ولكن عندما يعاني المرء من جنون الارتياب، يصبح هذا الفرق غير واضح ويعاني الشخص من حالة متكررة من الحذر.
وهناك طرائق عدة يمكن أن يظهر بها التفكير الارتيابي. ومن بين الصور الشائعة له ما يأتي:
- خوفك من أن تجري مراقبتك بشكل نقدي وأن يجري الحكم عليك؛
- التفكير في أن الناس يتحدثون عنك من وراء ظهرك؛ أو
- الشعور بخطر التعرض لهجوم من قبل الآخرين.
ثمة طيف من الأفكار الارتيابية، حيث قد تشمل أشدها خطورة أوهام الاضطهاد، كأن تعتقد أن الآخرين يتحكمون في أفكارك أو أنه يجري التجسس عليك بشكل روتيني. وهذه الأشكال المؤلمة للغاية من البارانويا تؤثر في نسبة صغيرة نسبيًا من الناس، منهم من يعانون من الذهان باعتباره أحد أعراض مرض الفصام مثلًا. لكن قد تختلف درجة اقتناع الناس بما يحملونه من أفكار ارتيابية والأثر العاطفي لهذه الأفكار على الشخص وعلى الآخرين من حوله.
ويحدث التفكير الارتيابي في صوره الأقل حدة بين شريحة أكبر بكثير من عامة السكان – بما في ذلك الأشخاص الذين لا يعانون من مرض عقلي معين. بل وتشير التقديرات إلى أن ما لا يقل عن 10 في المائة من الأشخاص يعانون بانتظام من أفكار ارتيابية من نوع ما. ومن الشائع وجود أفكار ارتيابية معتدلة، مثل التفكير في أن الناس يحاولون مضايقتي عن قصد، أو أنه لا ينبغي لك التعبير عن آرائك للآخرين خوفًا من أن يحكموا عليك. ويمكن أن يتضمن التفكير الارتيابي المعتدل القلق المتكرر بشأن ما إذا كان يمكنك الوثوق بالأصدقاء والزملاء، أو الظن في أن الآخرين إذا عرفوا مزيدًا من المعلومات عنك، فسيستخدمون تلك المعلومات ضدك.
هل تتساءل عما إذا كنت قد مررت بمثل هذه الأفكار من قبل، أو كيف تفرق بين التهديدات الحقيقية والقلق الارتيابي؟ أنا أسعى في هذا الدليل لمساعدتك على فهم ما إذا كانت بعض أفكارك تعتبر “ارتيابية” أم لا، وإرشادك إلى كيفية التعامل معها بشكل أفضل إذا كانت بالفعل ارتيابية. ولا يشمل نطاق هذا الدليل التركيز على التجارب الارتيابية الأكثر خطورة (ومنها على سبيل المثال، الظن أن الآخرين يخططون لإلحاق الأذى بك أو التحكم في أفكارك)؛ فعند التعامل مع مثل هذه التجارب، من الأفضل للفرد أو لذويه استشارة أخصائي رعاية صحية بشكل مباشر (انظر قسم «اعرف المزيد» أدناه). لذلك سوف ينصب تركيزنا هنا على الأنواع الأكثر شيوعًا من الأفكار الارتيابية.
هناك مجموعة متنوعة من الأسباب وعوامل الخطورة المرتبطة بالبارانويا
يبدو أن كلا من الطبيعة والتنشئة تؤثران في استعداد المرء للإصابة بالبارانويا؛ فالتنمر والصدمات والتجارب الحياتية السيئة مثل الإهمال وسوء المعاملة كلها عوامل مرتبطة بالبارانويا خلال فترة النمو. ووفقًا لنموذج الحساسية للتوتر، فإن أحداث الحياة مثل العنف أو التنمر التي يتعرض لها بعضهم قد تؤدي إلى توقعهم الخطر وتهديد المعتقدات الكامنة وراء البارانويا. قد يؤدي هذا إلى تنامي تصور داخلي سلبي للمرء عن ذاته، كأن يقول عن نفسه «أنا ضعيف والآخرون خطيرون»؛ مما ينتج عنه تكرار حالات الاستثارة الحادة والبحث عن معنى خفي وراء تصرفات الآخرين (كالنوايا العدائية مثلًا) وهي عوامل تميز الأفكار الارتيابية. وقد تؤدي العزلة الاجتماعية وقلة النوم وإدمان الكحول وتعاطي الحشيش أو التبغ أيضًا إلى زيادة احتمالية الأفكار الارتيابية.
ويرى بعض الباحثين أن البارانويا تعكس مخاوف الشخص العاطفية، خاصة القلق والمخاوف بشأن العلاقات، إذ يرتبط القلق الاجتماعي بالأفكار الارتيابية بشكل كبير، فكلما زاد القلق الذي يعاني منه المرء في وجود الآخرين، زادت احتمالية تجنبه لمواجهة تلك المواقف التي يشعر فيها بالتهديد. على سبيل المثال، نجد أن الخوف من الرفض أو الشعور بالضعف قد يدفع المرء إلى الاعتقاد بأن الآخرين يتحدثون عنه بشكل سلبي؛ فإذا كان يتجنب المواقف الاجتماعية كثيرًا، فإن هذا الاعتقاد بالتهديد يتزايد معه بل ومن المرجح أن يستمر.
وعبر سنوات من الممارسة السريرية، لاحظت أنه عندما يرتفع المستوى العام لشعور المرء بالقلق، ربما بسبب حدث ضاغط في الحياة مثل فقدان الوظيفة أو انهيار العلاقة مع الشريك، يزداد احتمال الأفكار الارتيابية. ويمكن أن تؤدي هذه البارانويا أيضًا إلى تفاقم الشعور بالاكتئاب؛ مما يؤدي إلى دخول المرء في دوامة سلبية، والعكس صحيح أيضًا.
إلى جانب مشاعر القلق والاكتئاب، يبدو أن بعض طرائق التفكير أو الآليات المعرفية ترتبط أيضًا بالبارانويا، حيث تشير الأبحاث إلى أن الأفراد الذين لديهم قابلية أكبر للإصابة بالبارانويا يفسرون المعلومات الغامضة بشكل سلبي أكثر من أولئك الذين لديهم قابلية أقل للإصابة، وهي ظاهرة تسمى تحيز التفسير. ويرتبط هذا بدوره بارتفاع مستوى الكرب، إذ نجد مثلًا أن تفسير “التحديق الغامض من شخص غريب” على أنه فعل خبيث سوف يعزز الاعتقادات الارتيابية لدى الشخص (مثل: معظم الناس لا يحبونني / لا يقبلونني) ويزيد القلق من التعرض لسوء المعاملة. ويميل العديد من الأفراد الذين يعانون من أنماط التفكير الارتيابي أيضًا إلى القفز إلى الاستنتاجات بناءً على معلومات محدودة. ويمكن لهذا التحيز في الاستدلال، علاوة على الميل إلى إلقاء اللوم على الآخرين بسبب الأحداث السلبية و / أو الافتقاد إلى مرونة التفكير، أن تمنع أي شخص من الوصول إلى تفسيرات بديلة لتجارب تبدو مهددة أو حتى النظر في تلك التفسيرات.
Bottom of Form
في الأقسام الآتية من هذا الدليل، سأقدم سلسلة من الخطوات لمساعدتك على التعرف على الأفكار الارتيابية عند ظهورها، والتعامل مع تلك الأفكار بطريقة يمكن أن تخفف الألم النفسي لها، وتقلل من احتمالية ظهور الأفكار الارتيابية مرة أخرى. وهذه الخطوات مستقاة من ممارستي السريرية والعمل العلاجي مع أشخاص عانوا من البارانويا، مع دمج نماذج نفسية مختلفة للفهم من بينها العلاج السلوكي المعرفي والعلاج بالقبول والالتزام وأساليب التحليل النفسي. ومن خلال التدريبات الآتية، أدعوك لمعرفة المزيد عن تفكيرك ومشاعرك بهدف تخفيف الكرب الذي قد تسببه لك أفكارك.
ما يجب القيام به
لاحظ العلامات المحتملة للتفكير الارتيابي
قد يبدو التعرف إلى الأفكار الارتيابية مهمة صعبة للبدء بها، خاصة إذا كنت تشعر أن هناك سببًا وجيهًا للشعور بالريبة والتهديد. ولكن هناك بعض الأدلة التي يمكنك استخدامها لمساعدتك في معرفة ما إذا كنت تعاني من التفكير الارتيابي. ويمكن أن تتضمن تلك الأدلة واحدًا أو أكثر مما يأتي:
- أن تكون لديك شكوك متكررة بشأن نوايا الآخرين تجاهك (على سبيل المثال، أنهم سوف يلحقون بك الأذى أو يستغلونك، أو أنهم قد فعلوا ذلك بالفعل) دون أن تملك أي دليل ملموس تؤكد شكوكك (مثل التعرض للمضايقة علانية).
- شعورك بالغضب وعدم الثقة معظم الوقت.
- الشعور بالحذر المفرط كثيرًا. وتشمل علامات الحذر المفرط المبالغة في ردة الفعل تجاه الضوضاء أو الأشخاص من حولك، والشعور المتكرر بالإرهاق أو القلق من حدوث شيء سيئ لك.
من الممكن أن تساعدك تنمية المزيد من الوعي بشأن طريقة تفكيرك في التعرف إلى أعراض التفكير الارتيابي لديك عند ظهوره والابتعاد عنه بشكل معقول. في المرة القادمة التي تفكر فيها أن شخصًا ما يهددك أو يسعى لإلحاق الأذى بك، حاول ببساطة ملاحظة ما تمر به، دون محاولة تغيير الفكرة أو التحكم فيها – ابدأ فقط بقبول أن هذا التفكير يراودك. يمكنك صياغة أفكارك بالكلمات على النحو الآتي: تراودني فكرة أن… وسوف تساعدك هذه الخطوة الأولية في معرفة أن أفكارك تختلف عن الأحكام والأفعال.
كما يعتبر الاستماع إلى الأحاسيس النابعة من جسدك خطوة أخرى مفيدة لتنمية المزيد من الوعي الذاتي بالمشكلة. اسأل نفسك: كيف يستجيب جسدك في هذه اللحظة عندما تنتابك واحدة من هذه الأفكار المؤلمة؟ هل هناك أي أعراض تبدأ في ملاحظتها؟ على سبيل المثال، تجد أن استجابة القتال أو الهروب – وهي رد فعل فسيولوجي يمكن أن تشمل تسارع ضربات القلب وزيادة معدل التنفس وتوتر في فكك أو كتفيك أو عضلاتك – يمكن أن تحدث تلقائيًا عندما تواجه أي تجربة ضاغطة أو مخيفة. ولكن هذه الاستجابة يمكن أن تحدث أيضًا بسبب التفكير الارتيابي. وهكذا قد يساعدك على ظهور علامات الاستجابة للقتال أو الهروب في التنبه إلى معاناتك من التفكير الارتيابي.
اكتب أفكارك والمحفزات المحتملة
ابدأ في تدوين سجل يومي تصف فيه الأفكار الارتيابية التي يحتمل أن تكون قد راودتك والمشاعر المرتبطة بها. ركز على الأفكار التي تنطوي على شعور بالتهديد من الآخرين أو نيتهم إلحاق الأذى بك والأفكار التي تسبب لك الضيق.
لكل فكرة تصفها في هذا السجل، يمكنك أيضًا أن تدون إجابات للأسئلة الآتية:
- متى ظهرت الفكرة؟
- إلى أي مدى صدقت هذه الفكرة؟
- إلى أي مدى وجدت هذه الفكرة مُقلقة؟
- ما هي الأسباب أو المحفزات المحتملة لهذه الفكرة؟
- هل هناك تفسيرات أو نتائج محتملة أخرى؟
عندما تفكر في المحفزات المحتملة، فإنها قد تتضمن أشياء تؤثر في صحتك أو حالتك الذهنية، مثل عدم الحصول على قسط كاف من النوم، أو المرور بأحداث مجهدة على مدار اليوم.
فيما يأتي بعض الأمثلة لما قد تبدو عليه تلك الأفكار:
- الفكرة: كنت أفكر أن الناس كانوا يحدقون في ملابسي ويقولون تعليقات مهينة عني لأنهم اعتقدوا أنني كنت أبدو أخرقًا.
- متى راودتني: عندما كنت في حفلة صديقي.
- إلى أي مدى صدقتها: لقد صدقتها بشدة.
- كيف شعرت: لقد جعلتني قلقًا للغاية. كان الأمر أشبه بكوني وحدي ضد كل الأشخاص المتواجدين في الغرفة. كما شعرت بالغضب، وشعرت بالحاجة إلى الاختباء حتى لا يلاحظوني. جعلتني هذه الفكرة لا أرغب في الذهاب إلى الحفلات بعد الآن.
- المحفزات المحتملة: لاحظت شخصًا ما ينظر إلي ويرسم ابتسامة على شفتيه، كما أنني لم أنم جيدًا.
- تفسيرات أخرى: قد يكون الشخص قد أحب ملابسي؛ وربما أراد التودد إليّ لإجراء محادثة.
اسأل نفسك عن أدلة
إن لم تكن متيقنًا مما إذا كانت الفكرة المزعجة التي سجلتها في مدونتك اليومية هي بالفعل فكرة ارتيابية أم لا، فقد يكون من المفيد أن تسأل نفسك المزيد من الأسئلة حول هذا الموضوع. ويمكنك أيضًا أن تبدأ هذه التأملات في اللحظة التي تخطر ببالك هذه الأفكار على الفور. قد تشمل الأسئلة الآتي:
- هل هناك أي دليل ملموس يدعم الفكرة؟
- هل هناك أي دليل مضاد لهذه الفكرة؟
- هل ما زالت لدي هذه الفكرة على الرغم من طمأنة الآخرين لي؟
- ماذا أقول لصديق مقرب كان في الموقف ذاته؟
على سبيل المثال، قد تشك في أن نظرة شخص غريب خلال أحد التجمعات الاجتماعية تشير إلى أن الأشخاص المتواجدين في الحفلة يصدرون أحكامًا سلبية ويتحدثون عنك بطريقة سيئة – ولكن عند إمعان التفكير في الأمر، تدرك أنه لا يوجد دليل واضح على أي موقف سلبي في هذا السلوك الغامض. وحقيقة أن معظم الأشخاص في هذا التجمع قد تعاملوا معك بطريقة ودية يمكن أن تكون دليلًا مضادًا لتفكيرك الارتيابي في أنهم يصدرون أحكامًا بشأنك. وربما تُخبرك صديقتك المقربة أيضًا أنها لم تر أية إشارات تدل على أن أي شخص يحكم عليك أو ينتقدك. إذا كانت صديقتك في موقف مشابه، ولديها فكرة مماثلة، فربما تكون قد فسرت لها الموقف بشكل أكثر إيجابية مما فعلت أنت، وطمأنت صديقتك أنه في المرة الأخيرة التي خرجت فيها، فإنها قد أبلت حسنًا لأنها قابلت أناسًا جددًا وقضت وقتًا ممتعًا. ووفقًا للأسباب الآنفة الذكر، يمكنك إعادة صياغة هذه الفكرة بحيث لا يبدو الموقف خطيرًا كما كنت تظنه في البداية.
عندما تتأمل في الأسئلة المطروحة أعلاه وإجاباتك لها، يمكنك أيضًا تدوينها. وربما ينبغي لك حمل الأسئلة والأجوبة معك حتى تتمكن من النظر إليها في المستقبل عندما تتبادر إلى ذهنك أفكار مماثلة.
أبطئ من تفكيرك
لقد وصفت أعلاه بعض عمليات التفكير المرتبطة بجنون الارتياب (البارانويا)، ومنها القفز إلى الاستنتاجات وتفسير المعلومات الغامضة بطريقة سلبية للغاية. وكانت السمة المشتركة لهذه العمليات هي التفكير السريع – أي التسلسل السريع للأفكار الذي قد يصعب الاحتفاظ بها في ذهنك وفحصها بعناية. وعادة ما تكون الأفكار المتسارعة التي تبدو خارجة عن إرادتك مزعجة، خاصة إذا كانت تتضمن مخاوف بشأن سلامتك الجسدية أو النفسية.
لقد اكتشف الباحثون أن إبطاء تفكير المرء من شأنه الحد من جنون الارتياب والمساعدة في تحسين نوعية الحياة لدى أولئك الذين يعانون من التفكير الارتيابي. عندما تلاحظ أن أفكارك أصبحت وتيرتها أسرع، مثل سيارات السباق على الطريق السريع، يمكنك تجربة تمرين التنفس اليقظ الآتي [مقتبس من الموقع الإلكتروني لهيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) الإلكتروني] للمساعدة في إبطاء تفكيرك:
1. اجلس أو استلق في راحة مع إرخاء رأسك ورقبتك.
2. ضع إحدى يديك على صدرك والأخرى على بطنك، أسفل القفص الصدري.
3. تنفس ببطء من خلال أنفك، مع العد لمدة أربع ثوان، والسماح للهواء بالدخول بعمق.
4. أخرج الزفير من خلال شفاه مدببة للأمام لمدة أربع ثوان، وكرر خطوات التنفس لبضع دقائق، أو إلى أن تبدأ في الشعور بالهدوء.
بعد أن تثبِّت وعيك من خلال طريقة تنفسك، توقف لحظة للتركيز على الوقت الحاضر، أي هنا والآن. ركز انتباهك على الكرسي الذي تجلس عليه، والغرفة التي توجد فيها، والوقت من اليوم. فإذا لاحظت أن انتباهك ينحرف بعيدًا عن اللحظة الحالية، ارجع مرة أخرى بهدوء للتركيز على ملاحظة تنفسك.
يقلل التنفس اليقظ من استجابة الجسم للتوتر ويعزز الشعور بالهدوء والاسترخاء؛ مما يساعد على تهدئة الأفكار المتسارعة أو إيقافها.
يمكن أن تصبح هذه التمارين أيضًا جزءًا من روتين الرعاية الذاتية اليومي، إذ يمكنك مثلًا ممارستها لمدة 10 دقائق في بداية اليوم و / أو في نهايته، أو عدة مرات على مدار اليوم. والمعروف أن معظم الناس يكون لديهم قدرًا أكبر من الأفكار والمخاوف المتسارعة عند الاستيقاظ من النوم أو الذهاب إلى الفراش، لذا يمكن أن يساعدك بدء اليوم بالتركيز في الوقت الحاضر على الشعور بمزيد من التركيز مع مرور اليوم.
راجع العادات والروتين اليومي مع مراعاة المحفزات المحتملة
نظرًا لأن قلة النوم وتعاطي الكحول أو المخدرات يمكن أن تؤدي إلى تفاقم جنون الارتياب، لا بد أن تعرف ما إذا كانت هذه العوامل قد تؤدي دورًا في طريقة تفكيرك. على سبيل المثال، بعد الملاحظة وتدوين المواقف الأخيرة التي كان لديك فيها ما يبدو فكرة ارتيابية (كما في مثال الحفلة المذكور أعلاه)، ربما تلاحظ نمطًا متكررًا في تفكيرك، كأن تتزايد عند شرب أو تعاطي المخدرات مثلًا احتمالات الأفكار المزعجة حول حكم الآخرين عليك أو تهديدهم لك؛ فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يمكنك التركيز على السيطرة على المحفز المحتمل عن طريق تقليل تعاطي المخدرات أو التوقف عن تعاطيها.
وبالمثل، إذا بدا لك أن التفكير الارتيابي يظهر عقب النوم السيئ في الليل، فإنه ينبغي عليك إيجاد طرائق للتعامل مع هذا المحفز من خلال تحسين عادات نومك، وقد يكون ذلك عبر وضع روتين نوم ثابت، حيث تستهدف النوم والاستيقاظ في الوقت نفسه تقريبًا كل يوم. كما يمكنك أيضًا تجنب استخدام الشاشة قبل النوم والاسترخاء عن طريق الاستحمام أو قراءة كتاب قبل النوم.
وبشكل عام يمكن أن يساعد الانخراط في نشاط بدني منتظم، وتناول الطعام والنوم جيدًا وفقًا لجدول مواعيد منتظم، والانغماس في الطبيعة من خلال المشي أو الأنشطة الخارجية الأخرى في تعزيز الصحة النفسية وتقليل التوتر بمرور الوقت؛ مما قد يقلل بدوره من خطر الأفكار الارتيابية.
ابق على اتصال مع الآخرين وفكر في مشاركة أفكارك معهم
تعد فكرة الشعور بالتهديد الوشيك، سواء كان جسديًا أم نفسيًا، الفكرة الرئيسة في جنون الارتياب. وإحدى الطرائق التي يحاول بها الناس أحيانًا الدفاع عن أنفسهم ضد التهديد المتخيل هي التراجع أو الحد من الاتصال بالآخرين أو تجنبه. إلا أن هذا يؤدي في نهاية المطاف إلى العزلة والشعور بالوحدة، وهما بدورهما عوامل خطر معروفة (وعوامل الحفاظ) للإصابة بجنون الارتياب.
إن الشعور بالثقة والأمان مع الآخرين هو عامل أساسي للتغلب على التفكير الارتيابي. وعلى الرغم من أنك قد تشعر بالخجل من أفكارك، أو تخشى رد فعل الآخرين إذا علم بشأنها، فإن مشاركة أفكارك مع شخص يمكنك الوثوق به – مثل أحد أفراد الأسرة أو صديق مقرب أو طبيب نفساني أو أخصائي رعاية صحية آخر – من شأنها أن تساعدك على زيادة إحساسك بأن الآخرين يسمعونك ويفهمونك. وربما يكون عليك في هذا الصدد أن تفكر فيما ترغب في مشاركته مع غيرك، وكذلك ما تراه بالنسبة إليك مساحة سرية وطريقة آمنة للتواصل مع شخص محل ثقة (سواء كان ذلك وجهاً لوجه أم في غرفة هادئة أم عبر الهاتف أم عن طريق الكتابة).
إذا قررت مشاركة أفكارك مع مستمع محل ثقة، حاول أن تكون صادقًا ومنفتحًا قدر الإمكان بشأن مشاعرك وأفكارك، علاوة على التعبير عن احتياجاتك والصعوبات التي تواجهك. يمكنك أيضًا مشاركة ما يمكنهم فعله لمساعدتك، بما في ذلك الأشياء العملية مثل التنزه معًا، أو مرافقتك في المناسبات الاجتماعية التي تجد صعوبة في الذهاب إليها بمفردك، أو تقديم تقارير منتظمة للسؤال عن شعورك. وإن مشاركة المواد التثقيفية حول الأفكار الارتيابية معهم، مثل هذا الدليل (أو تلك الموجودة في قسم الروابط والكتب أدناه)، يمكن أن تساعدهم على فهم ما كنت تعانيه فهمًا أفضل. ومن المهم أيضًا احترام حدود الشخص الآخر، وإدراك أنه قد يحتاج إلى بعض المساحة في بعض الأحيان، وأن هذا يختلف عن الرفض أو الحكم السلبي.
كما أن انضمامك لمجموعة من الأشخاص الذين تتصل بهم وتتواصل معهم بانتظام (سواء وجهًا لوجه أم عبر الإنترنت) يمكن أن يساعد في دعم إحساسك بالانتماء. ينبغي عليك أن تحاول الانضمام إلى مجموعة تجتمع لتقوم بنشاط معين تجده ممتعًا، مثل نادي الكتاب أو صف لممارسة التمارين الرياضية. يمكن أيضًا لمجموعات المساعدة الذاتية والدعم التي تنظمها المؤسسات الخيرية المحلية (راجع قسم الروابط والكتب أدناه) أن توفر لك بيئة تتلقى فيها التشجيع وتشعر بأن هناك من ينصت إليك، كما تنصت أنت أيضاً لتجارب الآخرين والتحديات التي يواجهونها، والتي قد تجدها مختلفة ومتشابهة في آن واحد مع تجربتك.
النقاط الرئيسة – كيفية التعامل مع الأفكار الارتيابية
- جنون الارتياب (البارانويا) هو خوف غير مبرر من نية الآخرين في إلحاق الأذى. وهي تشمل أفكارًا ومشاعر مؤلمة وارتيابية متفاوتة في شدتها.
- للبارانويا مجموعة متنوعة من الأسباب وعوامل الخطورة؛ فقد تزيد التجارب الحياتية السيئة من خطر الإصابة بالبارانويا، ويمكن أن يؤدي القلق وبعض الميول المعرفية (مثل التحيز للتفسيرات السلبية) دورًا أيضًا، إلى جانب عوامل أخرى.
- لاحظ العلامات المحتملة للتفكير الارتيابي. ومن بينها تكرار الشكوك دون دليل ملموس يدعمها والشعور بعدم الثقة أو اليقظة المفرطة في كثير من الأحيان.
- اكتب أفكارك والمحفزات المحتملة للتفكير الارتيابي. دون الوقت الذي تظهر فيه فكرة شكاكة، وكيفية استجابتك لها، وحدد الأمور التي قد تكون ساعدت على هذه الفكرة، وما إذا كانت هناك طرائق أخرى لتفسير الموقف.
- اسأل نفسك عن أدلة. إذا لم تكن متأكدًا مما إذا كانت الفكرة ارتيابية أم لا، ابحث عن أدلة واضحة تدعمها أو أدلة ضدها.
- إبطاء تفكيرك. يمكن للأفكار المتسارعة أن تغذي جنون العظمة، لكن التنفس اليقظ والتركيز المتعمد على الحاضر يمكن أن يساعد في تهدئتها.
- راجع عاداتك وروتينك مع مراعاة العوامل المحتملة لظهور التفكير الارتيابي. يمكن أن تتضمن إدارة البارانويا تحسين كفاءة نومك أو تقليل استخدام المواد المخدرة، أو غير ذلك من التغييرات السلوكية التي تعزز الراحة.
- ابق على اتصال مع الآخرين وشارك أفكارك معهم. قد يؤدي تجنب الآخرين إلى تعزيز البارانويا، بينما يمكن للتواجد والمشاركة مع أشخاص محل ثقة أن يساعد في التغلب عليها.
اعرف المزيد
إذا كانت الأفكار المتعلقة بالتعرض للتهديد أو الأذى تؤثر في حياتك بشكل كبير، كأن تشعر مثلًا بإحساس شديد بالاضطهاد أو تعاني من أفكار متكررة بأن الناس يحاولون التسبب في ضرر كبير لك أو السيطرة عليك، فقد يتسبب لك ذلك في الكرب والعزلة، ويكون من المهم هنا الحصول على الدعم المناسب. وربما يكون التحدث مع طبيب عام أو طبيب رعاية أولية هو الخطوة الأولى للوصول إلى المساعدة المناسبة، حيث يمكن لهذا الطبيب القيام باستشارات أولية وإحالتك إلى متخصص في الصحة العقلية، كالمعالج النفسي و / أو الطبيب النفسي. وربما يوصيك أيضًا باللجوء إلى خيارات الدعم النفسي القريبة منك والتي يمكنك الوصول إليها إذا لزم الأمر.
يمكن أن يكون العلاج مصدرًا قيمًا لاستكشاف تجارب البارانويا والتعامل معها. وهناك العديد من الأساليب العلاجية المتاحة؛ فقد أظهرت كل من العلاج السلوكي المعرفي (CBT) والتدريب ما وراء المعرفي والعلاج المعرفي المعزز (CRT) فاعليتها في مساعدة الأفراد الذين يعانون من التفكير الارتيابي، إذ صُممت هذه الأساليب للعمل على تحسين الاعتقادات المؤسسة للتفكير الارتيابي بحيث يمكن للمرء معالجة المعلومات بطريقة تعزز راحته الذهنية. ففي العلاج السلوكي المعرفي، على سبيل المثال، يعمل المعالج والمريض معًا لمحاولة فهم ومراجعة العمليات الداخلية التي تؤدي إلى الأفكار الارتيابية. وبالمثل، فإن التدريب ما وراء المعرفي هو علاج قصير المدى يركز على “التفكير في التفكير” ويهدف إلى رفع وعي المرء بالتحيزات المعرفية المتضمنة في تكوين البارانويا. أما العلاج المعرفي المعزز (CRT) فهو تدخل تدريبي سلوكي لتحسين الانتباه والذاكرة والمهام التنفيذية والإدراك الاجتماعي.
وتتفهم العلاجات الأسرية أو النظامية الصعوبات الفردية، بما في ذلك التفكير الارتيابي، باعتبارها جزءًا من نظام العلاقات الشخصية؛ لذا فهي تساعد في استكشاف نقاط القوة الفردية وكذلك الموارد الاجتماعية بغرض تشكيل وجهات نظر جديدة حول هذا التحدي لكل من الفرد وعائلته.
ويمكن أن تساعدك الأساليب العلاجية طويلة المدى مثل العلاجات التحليلية أو الديناميكية النفسية على النظر في أفكارك ومخاوفك بشكل أعمق. وفي هذا النوع من العلاج، تصبح اللحظة الحالية في العلاقة العلاجية (بين المريض والمعالج) وسيلة لزيادة الوعي بالنمط الشخصي ونمط التفاعل مع الآخرين اللذين يؤثران على حياة الفرد اليومية.
وعادةً ما ينطوي اختيار الخضوع للعلاج على استشارة المعالج والوصول إلى تقييم أولي، وهو ما يمكن أن يساعد في توجيه الحالة نحو نوع العلاج المناسب لها في تلك المرحلة بالذات؛ فإذا كنت تفضل أيًّا من الأساليب المذكورة أعلاه وترغب في التواصل مع معالج نفسي مباشرة لاستشارته، فقد ينبغي لك البحث في المواقع الإلكترونية للمعالجين المحليين أو ملفاتهم الشخصية عبر الإنترنت للتأكد مما إذا كانوا يقدمون هذه الأنواع من العلاج أم لا.
وإذا كنت مهتمًا بالتواصل مع معالج نفسي من القطاع الأهلي في المملكة المتحدة وإيرلندا، فسوف تجد قوائم بأسماء المعالجين المعتمدين في المواقع الإلكترونية لكل من الجمعية البريطانية للإرشاد والعلاج النفسي (BACP) والجمعية البريطانية للعلاجات النفسية السلوكية والمعرفية (BABCP) ومجلس التحليل النفسي البريطاني (BPC). وفي الولايات المتحدة الأمريكية، توفر الجمعية الأمريكية لعلم النفس خاصية «محدد مواقع الأخصائيين النفسيين» (Psychologist Locator) للمساعدة على الوصول إلى الأطباء المرخصين، كما يتضمن دليل «علم النفس اليوم» معلومات حول المعالجين النفسيين المحليين في هذه البلدان وعدد من البلدان الأخرى.
الروابط والكتب
في المملكة المتحدة، تقدم منظمة «العقل» Mind الخيرية المشورة والدعم عبر موقعها على الإنترنت لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من أي مشكلة تتعلق بالصحة العقلية. وقد استقينا بعض الاقتراحات الواردة في هذا الدليل من المصادر الموجودة على موقع Mind.
كما أن منظمة «إعادة التفكير في المرض العقلي» (Rethink Mental Illness) هي منظمة بريطانية أخرى تساعد الأفراد على تلبية احتياجات صحتهم العقلية. يوفر موقعهم على الإنترنت معلومات عن الحالات والعلاجات، علاوة على إرشادات حول الوصول إلى خدمات الصحة العقلية ومجموعات الدعم في إنجلترا.
منصة (Clic) هي منصة مجانية على الإنترنت تدعم البالغين في المملكة المتحدة بصحتهم العقلية.
في الولايات المتحدة، يقدم التحالف الوطني للأمراض العقلية (NAMI) مجموعات دعم مجانية «لأي شخص بالغ يعاني من أعراض حالة صحية عقلية»، وتنصح المنظمة بالاتصال بأقرب فرع تابع لـلتحالف، والذي يمكن العثور عليه من خلال موقعه على الإنترنت.
يقدم كتاب التغلب على «الأفكار الارتيابية والشكاكة» (في طبعته الثانية، 2016م) للباحثين في البارانويا دانييل فريمان وفيليبا غاريتي والكاتب والمحرر جيسون فريمان، دليلًا موسعًا للمساعدة الذاتية حول كيفية استخدام تقنيات العلاج السلوكي المعرفي للتعامل مع تجربة البارانويا.
يقدم موقع «الأفكار الارتيابية» (paranoidthoughts.com) التابع لقسم الطب النفسي بجامعة أكسفورد روايات شخصية للتفكير الارتيابي فضلًا عن نصائح ومواد مفيدة للتعامل مع تلك الأفكار.
لأخذ جولة افتراضية لتمرين التنفس اليقظ، شاهد هذا الفيديو المتحرك من حملة (Every Mind Matters)، وهي حملة تديرها هيئة الخدمات الصحية الوطنية في إنجلترا.
