القائمة الرئيسية

القوى الستة التي تنمي الصداقات

القوى الستة التي تنمي الصداقات
ملخص المقال

تناولت جولي بيك في مقالها وداع سلسلة ""The Friendship Files"" التي استمرت لأكثر من ثلاث سنوات وشملت مئة مقابلة مع أصدقاء حول تجاربهم، وكانت انطلاقتها من فضول شخصي حول تطبيقات تكوين الصداقات. من خلال هذه اللقاءات، توصلت الكاتبة إلى ست قوى أساسية تسهم في بناء الصداقات والحفاظ عليها، وهي: اللحظات المشتركة، والاهتمام، والسعي، والعادات، والخيال، والتسامح. تستعرض بيك عبر أمثلة واقعية كيف تتشكل الصداقات أحيانًا بسرعة أو ببطء، في أماكن غير متوقعة، وتزدهر عبر الجهد والالتزام وحتى العادات الصغيرة. كما تؤكد أن الصداقة لا تحتاج للكمال أو التواصل الدائم، بل يكفي الحب الحقيقي والتسامح الذي يتيح لها البقاء والتجدد رغم الفترات الطويلة من الغياب.

بقلم جولي بيك

بدأت سلسلة “The Friendship Files”، وهي سلسلة المقابلات التي أجريتها مع الأصدقاء حول صداقاتهم، بفكرة عابرة، بعد أن كتبت الكثير عن تطبيقات الصداقة ، كان ينتابني الفضول حول تطبيق Bumble BFF، هل نجح بالفعل في تكوين الصداقات؟ هل تشبه آلية عمله المواعدة؟ وما الذي قد تقوم به في موعد مع صديق على أي حال؟ وبعد كل هذه التساؤلات أجريت مقابلة مع شابتين أصبحتا صديقتين مقربتين بعد استخدام التطبيق، كانت الخطة الأولية أن أكتب مقالًا واحدًا، لكن المحادثة كانت ممتعة جدًّا وحقيقية وفي بعض الأحيان مؤثرة للغاية لدرجة أنني أردت إجراء المزيد من المقابلات.

عندما دُشّن هذا المشروع، كتبت هذه العبارة: “يتحلى الناس بالأنفس الرحبة، ينبضون بالمرح والحب أثناء محادثاتهم مع أصدقائهم وعنهم”. وسرعان ما عززت المقابلات التي تلت ذلك اعتقادي هذا. أستطيع أن أتحدث عن أهمية الصداقة طوال حياتي، لذلك بدلًا من أن أسهب الحديث عن الطرائق التي لا تعد ولا تحصى حول كيفية تشكيل الصداقة لحياتنا، بذلت قصارى جهدي لاستخلاص الموضوعات المتكررة التي لاحظتها من المقابلات. على الرغم من أن كل علاقة تتطور بشكل مختلف، إلا أنني توصلت إلى الاعتقاد بأن هناك ست قوى تساعد في تكوين الصداقات والحفاظ عليها على مر السنين: اللحظات المشتركة، والاهتمام، والسعي، والعادات، والخيال، والتسامح.

اللحظات المشتركة

إن أبسط وأوضح القوى التي تشكل الصداقات وتحافظ عليها تتجلى في الوقت الذي نقضيه معًا. تبين إحدى الدراسات أن الأمر يستغرق ما بين 40 إلى 60 ساعة من قضاء الوقت معًا خلال الأسابيع الستة الأولى من التعرف إلى الشخص لتتحول العلاقة إلى صداقة، وحوالي 80 إلى 100 ساعة لتصبح الصداقة أقوى؛ لذلك من غير المستغرب أن تتشكل أكثر الصداقات في الأماكن التي يقضي فيها الناس الكثير من وقتهم كالعمل والمدرسة والكنيسة، وكذلك الأنشطة اللاصفية.

في بعض الأحيان، تنشأ علاقات الصداقة بعد فترة طويلة، كما حدث مع جارتين عاشتا في نفس المكان لمدة 20 عامًا، حيث اقتصرت علاقتهما في البداية على اطمئنان إحداهما على الأخرى في حالات المرض، وعلى تقاسم ثمن اشتراك مجلة People، وتضاعفت هذه اللحظات المشتركة؛ مما أدى إلى صداقة حقيقية خلال الأيام الأولى للوباء وقت الإغلاق، فقد كانتا تفتحان أبوابهما للتحدث عبر الردهة مما خفف من مشاعر الوحدة.

وفي ظروف أخرى، قد تنشأ علاقة الصداقة بسرعة كبيرة، على سبيل المثال، في مارس 2020م، حوصرت مجموعة من المراهقين من هولندا على متن سفينة، حيث التحقوا ببرنامج دراسي بحري، وكان من المفترض أن يعودوا إلى وطنهم من كوبا، ولكن عندما بدأ فيروس كوفيد-19 في الاجتياح، لم يتمكنوا من الحصول على رحلة طيران، واضطروا إلى الإبحار إلى ديارهم عبر المحيط الأطلسي بدلًا من ذلك، وتحدثت مع أربعة مراهقين كونوا علاقة صداقة في رحلة الإبحار تلك والتي بدت مختلفة عن علاقاتهم مع أي من أصدقائهم الآخرين، قال أحد الأصدقاء: “عندما تجلس مع شخص ما طوال اليوم، تخبره بكل شيء يخص حياتك، ولا يحدث ذلك عادةً عندما نكون في ديارنا”.

الاهتمام

قد يكون تكوين صداقات أمرًا صعبًا، ولكن قد تكون هناك فرص لذلك أكثر مما نعتقد. لقد علمني إجراء هذه المقابلات أن علاقات الصداقة يمكن أن تنشأ في أي مكان وفي أي وقت، إذا كان كلا الطرفين مهتمين بتكوين الصداقة. “عليكِ أن تبحثي عن الصداقة في أماكن لا تتوقعينها أبدًا”. فقد تجد صديقًا جديدًا في قسم التعليقات لمقالة تقرأها، أو على الجانب الآخر من مستند جوجل، أو في المصعد، يمكن أن يصبح الشخص الذي تتجادل معه على فيسبوك صديقًا، وكذلك شريك زوجتك السابقة، أو حتى زوجتك السابقة نفسها.

يقطع الاهتمام شوطًا طويلًا عند تكوين هذه الصداقات غير المتوقعة، مثل ملاحظة توافقك مع شخص ما، والانفتاح عند لقاءات الصدفة. يساعد ذلك على التحرر من عاداتنا وعيش اللحظة، فحتى لو شعرنا أن علاقاتنا الاجتماعية قد وصلت إلى نقطة واضحة وثابتة، لا زالت هناك فرصة لمقابلة شخص قد يكون الأهم لبقية حياتنا. لقد تحدثت مع أشخاص كثيرين كانوا متفاجئين وممتنين في الوقت ذاته لأنهم كونوا صداقات في منتصف العمر، وهي الفترة التي تصل فيها مسؤوليات العمل والعائلة إلى ذروتها، ويصعب فيها التواصل مع الأصدقاء. قال لي أحد الرجال، الذي كوّن علاقات صداقة قوية في معسكر البيسبول: “لم يخطر على عقلي قط أنني سأتمكن في أواخر الأربعينيات من عمري من تكوين صداقات ستظل لبقية حياتي، كان هذا من أجمل الأشياء التي حدثت لي في هذا العمر”.

التخطيط والسعي

لن يساعدك الاهتمام دون السعي. عندما تسنح الفرصة، قم بالمجازفة، وهذا يتطلب الشجاعة وتقبل النتائج والاستعداد لترك الأمور تأخذ مجراها حتى وإن وصلت إلى نقطة حرجة.

إحدى القصص المفضلة لدي من سلسلة “The Friendship Files” كانت قصة أبهيناف وفرناندو؛ كان أبهيناف يتعلم التنس، وكان يريد شريكًا مبتدئًا مثله، وفي الملعب رأى فرناندو، فقال في المقابلة “وجدت شريكًا فاشلًا مثلي في رياضة التنس”. وبعد بضعة أسابيع، توجه نحو فرناندو في إحدى الحفلات ودعاه للعب التنس، وقال فرناندو: “ما أعجبني في تلك اللحظة هو أنها كانت بمثابة دعوة لموعد غرامي، حيث كنت تبحث عني بنوع من السعي والإصرار، فقد مضت أسابيع عدة بعدما رأيتني ألعب التنس بشكل سيئ، وأصررت على دعوتي للعب معك.”

تتطلب معظم الصداقات القليل من التقرب لتبدأ، وحتى عندما يبدو أن الفرصة خلقت نفسها -على سبيل المثال، كنت عالقًا على متن سفينة في المحيط الأطلسي وليس لديك ما تفعله سوى الاختلاط مع زملائك- فلن تتطور هذه الصداقات بدون سعي منك. قد يكون هذا الجزء الأصعب في عملية تكوين الصداقات، حيث يتطلب الأمر الطاقة والتخطيط، وغالبًا ما تكون مواردنا العقلية والجسدية ضعيفة. وبعبارة أخرى، تتطلب الصداقات عملًا شاقًا لكن لا يعجبني أبدًا وضع إطار العمل على مفهوم الصداقة، فعلى الرغم من أن حضور تجمعات أصدقائنا يتطلب جهدًا كبيرًا، لا ينبغي أن يكون ذلك شاقًا بالنسبة إلينا، بل ينبغي أن يكون باعثًا على الفرح والسرور.

العادات

الشيء الوحيد الذي قد يجعل التواصل مع الأصدقاء أسهل هو العادات. أرى شخصيًّا أن الجهد المبذول في تنسيق تجمعات الأصدقاء (أو حتى المكالمات الهاتفية) هو أكبر عائق أمام رؤية أصدقائي. يكون الأمر أسهل عندما يكون هناك موعد ثابت في جدول أعمالي، وكل ما عليّ فعله هو الحضور. على سبيل المثال، أثناء العمل من المنزل أثناء الوباء، كنت أتناول الغداء كل يوم جمعة مع صديقتي الذي تعيش بالقرب مني (عندما لا يهدد ذلك السلامة والصحة العامة).

للعديد ممن أجريت معهم مقابلات مثل هذه العادات، إذ يقوم بعضهم بتنظيم نوادي الكتب أو الرحلات الشهرية أو حفلات العشاء بشكل منتظم، بينما التزم آخرون بالدردشة الجماعية التي تستمر طوال اليوم كل يوم أو الالتزام بلعبة سجون وتنانين (Dungeons & Dragons) لمدة 30 عامًا. يمكن لهذه العادات أن تقرب الأشخاص من بعضهم، علاوةً على أنها تغذي الصداقة وتخلق ثقافات مشتركة؛ فقد كان لمجموعة أصدقاء لعبة سجون وتنانين رموزٌ تشير إلى ذكريات حدثت قبل سنوات عدة.

وكانت قوة هذه العادات واضحة بشكل خاص في قصة الصديقين غابي وآندي، حيث التزما لأكثر من ست سنوات بالمشي لمدة 30 دقيقة ليصافحا بعضهما مصافحة “هاي فايف” في نقطة الوسط. ولكن بعد ذلك مرض غابي وفقد ذاكرته، ولم يتذكر المصافحات، على الرغم من أنه كان يتذكر آندي. في المستشفى، طلب آندي من غابي أن يصافحه أثناء خروجه من دورة المياه، وقبل ذلك كانت لديهم طريقة معينة للقيام بالمصافحة: التصفيق، ثم قرع الأصابع، ثم مصافحة الهاي فايف.

قال لي آندي: “بدأت بالسير نحوه، وقبل أن يقوم بمصافحتي، صفق وقرع أصابعه، فلم أتمالك نفسي وبدأت بالبكاء”.

قال غابي: “هذا أحد الأشياء التي أحبها في عادات الأصدقاء، ليس فقط تأثيرها الإيجابي، ولكنها تصبح محفورة في ذاكرتي الجسدية مما أدى إلى ردة الفعل اللاشعورية تلك”.

الخيال والتصور

يعطي المجتمع مكانة هامشية للصداقات. من المفترض أن تؤدي الصداقة دورًا داعمًا بعد العمل والأسرة والحياة الرومانسية. يتطلب الأمر تخيلًا وتصورًا واضحًا حتى لا يُهمل دور الصداقات إلى هذا الحد، وحتى تستطيع أن تنسج حياتك بحيث يكون للصداقة الدور الذي تتطلع إليه.

لقد ألهمني العديد من الأشخاص الذين تحدثت معهم والذين تصوروا شيئًا مختلفًا لأنفسهم: الأصدقاء الذين اشتروا منزلًا معًا، والذين ذهبوا لمواعيد العلاج النفسي معًا، والذين قاموا بتربية أطفالهم معًا، والذين التزموا بـ “صداقة مدبرة”، وأولئك الذين عززت الصداقة نضالهم من أجل العدالة، وهناك أيضًا الرجل الذي تبرع لصديقه بكليته والمرأة التي أنجبت أربعة توائم لصديقتها المقربة، كل هذا جعلني أتيقن أن هناك أصدقاء يهمهم أن تتضمن علاقة صداقتهم حبًّا حقيقيًّا غير مهمش.

ومن الممكن أن تكون الطرائق الأكثر هدوءًا لإظهار حبك لأصدقائك ذات قيمة عظيمة، فجمال الصداقات يكمن في تنوعها، يمكن للصداقة أن تكون ما تريد، وكل صداقة عبارة عن لوحة فنية فريدة لا حدود لطريقة رسمها إلا خيالنا.

التسامح

جميع القوى التي ذكرتها حتى الآن -اللحظات المشتركة، والاهتمام، والتخطيط والسعي، والعادات، والخيال والتصور- مثالية ومن المستحيل أن ترقى إلى مستوى الكمال، ففي بعض الأحيان كما يقول المثل: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.

كمراسلة كتبت عن الصداقة لسنوات عديدة، أعاني أحيانًا من متلازمة المحتال في صداقاتي الخاصة. من أنا لأقدم النصيحة عندما لا أستطيع حتى أن أرد على رسائل أصدقائي على الفور؟ غالبًا ما يفترض الناس أنني صديقة عظيمة، نظرًا للوقت الذي أمضيته في التفكير في الصداقة، ولكنني لست كذلك، أحاول أن أكون صديقة جيدة، ولكنني غالبًا ما أميل للانطواء والتفكير في علاقاتي الرومانسية دون إعطاء الأولوية لأصدقائي بقدر ما أود ذلك.

لقد كتبت من قبل عن مدى مرونة الصداقة، وقابليتها للتشكل لتناسب حياتنا. وخلال الوباء، رأيت مدى المرونة التي يمكن أن تكون عليها، وكيف يمكن أن تتمدد للسماح بالصمت الطويل، وكيف يمكن أن تعود المياه إلى مجراها في الوقت الذي لم تتوقع فيه حدوث ذلك أبدًا. ألهمتني أحد مقابلات “Friendship Files”، فقضيت العديد من أيام السبت أثناء الوباء في إقامة “حفلات بوربوينت” حيث كنا نناقش مواضيع على برنامج زووم مع الأصدقاء الذين يعيشون في جميع أنحاء البلاد، رأيتهم خلال تلك الأشهر أكثر مما رأيتهم خلال السنوات السابقة، وكان ذلك أمرًا عظيمًا لم أتوقعه أبدًا. ولم يكن من الممكن أن يحدث ذلك لو كنا غاضبين أو مستائين من بعضنا بعضًا بسبب تواصلنا المحدود لسنوات عدة.

أخبرني العديد من الأشخاص الذين تحدثت معهم -والذين غالبًا ما يحبون بعضهم كثيرًا لدرجة أنهم ودوا إجراء مقابلة حول صداقتهم- أنهم لا يرون بعضهم بعضًا كثيرًا، أو أنهم لا يتحدثون مع بعضهم بقدر ما يريدون، ومن هذا المنطلق توصلت إلى الاعتقاد بأن الصداقة لا يجب أن تتعلق دائمًا بالتواصل المستمر، بل أن تتعلق بالحب الذي لا يغيره الغياب.

لكن الغياب لا يجب أن يستمر إلى الأبد. تتضمن سلسلة “Friendship Files” العديد من قصص إعطاء الفرص الثانية وإعادة إحياء الصداقة، ومثال على هذا أصدقاء المدرسة الابتدائية الذين بدأوا بالخروج مع زملائهم السابقين مرة أخرى بعد 50 عامًا، وقدامى المحاربين في فيتنام الذين انقطع تواصلهم بعد الحرب حتى كتب أحدهم رسالة وجمعهم مرة أخرى، وحتى الصديقان اللذان كانا مقربين في المدرسة الثانوية واللذان قاما بالتواصل مرة أخرى بعد أن قرر أحدهما إعادة قميص استعاره من الآخر قبل 20 عامًا. بعد نشر تلك المقابلة الأخيرة، أخبروني أن الكثير من أصدقائهم الآخرين في المدرسة الثانوية تواصلوا معهم، وقد اجتمعوا جميعًا معًا مرة أخرى من أجل لم الشمل.

لست متدينة، لكني أحب مفهوم التسامح، الهدية القيمة التي لا يمكن اكتسابها أو استحقاقها أبدًا. ولذا عندما ذكرت التسامح هنا باعتباره القوة الأخيرة والأكثر أهمية في الصداقات، فإنني أعني ذلك بطريقتين: الأولى هي التسامح الذي نقدمه لبعضنا بعضًا عندما نقصر في التواصل، والثانية هي المساحة التي تخلق التواصل -وإعادة التواصل- التي قد تعد معجزة بحد ذاتها.

المصدر

مقالات ذات صلة