القائمة الرئيسية

بعد إفساد حفلتيّ عيد ميلاد، تعلَّمت حدود علم النفس

بعد إفساد حفلتيّ عيد ميلاد، تعلَّمت حدود علم النفس
ملخص المقال

يتناول المقال بأسلوب ساخر تجربة آدم ماستروياني، الحاصل على دكتوراه في علم النفس، في تطبيق نتائج أبحاث علم النفس الاجتماعي على حياته الواقعية، وتحديدًا فكرة أن التحدث مع الغرباء قد يكون ممتعًا بشكل غير متوقع. بدافع الحماس لهذه النتائج، قرر تجربة غرف الهروب مع مجموعات من الغرباء، وانتهى به الأمر إلى إفساد حفلتين لعيد ميلاد دون قصد، ليكتشف أن الواقع أكثر تعقيدًا من نتائج الدراسات. يشدد المقال على أن علم النفس ليس دليلًا إرشاديًا جاهزًا للحياة، بل أداة لتحسين الحدس وفهم البشر، مع ضرورة مراعاة السياق، واستخدام ما يناسب من المعرفة وترك ما لا يناسب، تمامًا كما نفعل عند الاستماع للقصص.

بقلم: آدم ماستروياني

إحدى الطرق الجيدة لتعلّم علم النفس هي إفساد حفلات أعياد الميلاد. خذ بنصيحتي: لقد حصلت على درجة الدكتوراة في علم النفس التجريبي، لكنني لم أفهم حقًا مجال تخصصي حتى بدأت حضور حفلات أعياد ميلاد الغرباء، لأن العلم أخبرني بذلك.. والآن بعد أن أفسدت عدة لقاءات عن غير قصد، فهمت أخيرًا المعنى الحقيقي لعلم النفس. 

حدث ذلك في أتلانتا، عام 2018، مباشرة بعد اجتماع لجمعية الشخصية وعلم النفس الاجتماعي. كان المكان يعجّ بفكرةٍ جديدة: أظهرت الأبحاث أن التحدث إلى الغرباء يمكن أن يكون أمرًا ممتعًا بشكلٍ غير متوقع. قبل بضع سنوات، أقنع باحثان مجموعة من مسافريّ شيكاغو بالتحدث مع بعضهم البعض أثناء رحلتهم بالقطار مقابل موزة مجانية، وأفاد المشاركون أنهم قضوا وقتًا رائعًا. وقامت عدة فرق بحثية أخرى بذكر نتائج مماثلة. اكتشف عدد قليل من أصدقائي أنّ الغرباء يميلون إلى الإعجاب ببعضهم البعض كثيرًا عندما يلتقون لأول مرّة، لكنهم يقلّلون من تقدير مدى إعجاب الشخص الآخر بهم. كنت في المؤتمر أروّج لنتائجي: نادرًا ما تنتهي المحادثات في الوقت الذي يريدها الناس بأن تنتهي، لكنهم يقضون وقتًا ممتعًا على أيّ حال (قام مشاركان بتبادل الأرقام بشكلٍ غزليّ بعد أن التقيا ببعضهما البعض في مكتبي، لذا، إذا لم استخلص أيّ نتائج من البحث، فأنا بأقل تقدير أُدير خدمة مواعدة).

لذا عندما انتهى بي الأمر بيومٍ إضافي في أتلانتا، فكرت، لمَ لا أستمع إلى كل هذه الدراسات وأذهب لمقابلة بعض الغرباء؟ وكنت أعرف الطريقة المثالية لفعل ذلك.

أنا من عشاق لعبة غرفة الهروب، أيّ أحبّ أن أدفع للأشخاص حوالي 35 دولارًا ليحبسوني مع مجموعة من الأصدقاء في مساحةٍ مغلقة مليئة بالألغاز. لعبت هذه اللعبة أكثر من 140 مرّة، ما أدى إلى تحويل ما يمكن أن يكون هواية سخيفة إلى أحد الجوانب الأكثر إزعاجًا في شخصيتي. 

تكشف لك العديد من المواقع الإلكترونية لغرف الهروب عن عدد الأشخاص الذين قاموا بالتسجيل للعب في فترةٍ زمنية معينة، وتسمح لك أيضًا بالانضمام إلى مجموعات تلك الفترات دون موافقة الأعضاء، ودفعني الحماس للتسجيل في غرفتين ممتلئتين تقريبًا، وتهيّأت لقضاء لحظات ممتعة غير متوقعة.

بدأت أدرك الخطأ الذي ارتكبته عندما تأخرت في الالتحاق بالمجموعة الأولى، واتصلت بي المرأة التي تدير الغرفة، وسألت: “متى ستصل؟”. سمعت شيئًا ما في صوتها، يقول: “لماذا ستصل؟”. وتساءلت في هذه اللحظة: “هل كنت أفعل شيئًا غريبًا؟”، وعندما وصلت، وجدت الجواب على الفور، نعم. كان باقي أعضاء الفريق ينتظروني، ومن الواضح أنهم غير سعداء برؤيتي، لكنهم كانوا مهذبين على كل حال. كانوا ستة أشخاص تتراوح أعمارهم ما بين الـ 20 و30 عامًا، وكانوا طبيعيين للغاية -أيّ ليسوا من النوع الغريب المتعمق في دراسات علم النفس، الذي يقتحم غرف الهروب الخاصة بالآخرين- ولو التقينا في ظروفٍ مختلفة ربما أصبحنا أصدقاء. لكننا لم نكن أصدقاء حينئذٍ، هُم كانوا أصدقاء وأنا كنت غريبًا. وكان لدي انطباع بأنه يوم عيد ميلاد أحدهم، لكنني لم أكن متأكدًا من ذلك، فلن يخبرني بشكلٍ مباشر بأنه يوم ميلاده إلا إذا كنّا في مطعم وكان يريد الحصول على كعكة مجانية. بدا صبي عيد الميلاد المشتبه به أكثرهم استياءً لرؤيتي.

حيث قال: “لا بد أنك آدم”.

اعتقدت أنه يمكنني إصلاح الوضع إن لعبت بشكلٍ جيد. كل ما كان عليّ فعله هو حلّ أحد الألغاز الكبيرة، سنبتهج بعدها جميعًا، وسنتحدث عن أحلامنا في إنشاء غرفة هروبٍ خاصة بنا (سيكون الموضوع هو “الصداقة”)، وبعد ذلك ربما نذهب للعب لعبة الصحن الطائر ونتبادل الأرقام ونصبح أصدقاء مدى الحياة، تمامًا كما فعل الأشخاص في دراسات علم النفس.

أجبته وأنا أحمل كرة تنس في الغرفة: “ربما تدل هذه الكرة على شيء ما”.

“ماذا قد يكون ذلك؟” سأل أحدهم بفارغ الصبر.

قلت: “لا أعرف”.

لقد نسيت أنّ جزءًا أساسيًا من لعب غرف الهروب هو التواصل، والتحدث مع الناس أمر صعب عندما يعرفون بعضهم البعض وأنت لا تعرفهم، خاصة عندما يبدو أنك تقوم بتدمير حفلة عيد ميلادهم. في الواقع، لم يتحدث معي أحد حقًا حتى خروجنا من الغرفة، إلا عندما قلت أشياء مثل: “هناك شيء مريب حول هذه الساعة”، كان ردهم: “آه”. ولقد سمحوا لي بفتح أحد الأقفال المجمعة، على الرغم من أنني لم أكن الشخص الذي اكتشف الرمز، وكان ذلك كرمًا وسخاءً منهم.

بمجرد أن خرجنا، أردت الفرار، أردت أن أترك هؤلاء الغرباء المساكين في أسرع وقت ممكن. ولكن كان لدي أيضًا مجموعة أخرى يجب أن التحق بها– فقد دفعت ثمنها، وكما يعلم كل عالِم اجتماع، من المفترض أن تحترم التكاليف الغارقة.

كانت المجموعة الثانية تحتفل بعيد ميلاد دون أدنى شك، إذ كانت الغرفة مهيأة للحفلة. كانت مجموعة الأصدقاء أكبر سِنًا هذه المرّة، وجميعهم آباء جدد تركوا أطفالهم مع جليسة الأطفال ليحظوا بقليلٍ من المرح. لقد نسيت اسم فتاة عيد الميلاد، لكنني أتذكر أن اسم ابنتها كان يُنطق “سيرسي”، مثل الشخصية المرعبة من مسلسل Game of Thrones، التي أنجبت ثلاثة أطفال مع شقيقها التوأم، ثمّ سحقتها الصخور فيما بعد.

والأسوأ من ذلك كلّه هو أن الغرفة كانت ذات طابع تراثي، وكان جميع الضيوف يرتدون ملابس قديمة، حيث ارتدت السيدات فساتين أنيقة وفاتنة، فيما ارتدى الرجال حمالات البنطال وطماق الكاحل، وكنت أرتدي بنطالًا من الجينز وقميصًا منقوشًا، والذي أصبح الآن مشبعًا تمامًا بالعرق، الذي يُفرز عندما تدرك أنك ترتكب خطأً فادحًا.

ومرةً أخرى، أحرجت نفسي بعدم حلّ أيّ ألغاز تقريبًا. كنت أتجوّل دون مغزى، ألتقط الأشياء وأضعها جانبًا. “ربما تكون هناك غرفة ثانية، عادةً ما تكون هناك غرفة ثانية”، قلت تلك الجملة ولم أحظ بأيّ رد فعل على الإطلاق. لكن تمثّل فوزي الكبير في العثور على المفتاح، وكنت أقول كل خمس دقائق: “لديّ المفتاح، في حال احتاج أحدكم إليه”، وعندما احتاج شخص ما إلى المفتاح أخيرًا، قلت: “لديّ المفتاح!”، وفتحت لهم القفل.

عندما خرجنا، اجتمعت المجموعة لالتقاط صورة جماعية “دعونا نصوّر واحدة مع آدم وأخرى بدونه”، قال أحدهم بصوتٍ خفيف.

فقلت وأنا أفرّ سريعًا: “لا بأس، يجب أن أذهب!”.  

أين كانت متعتي غير المتوقعة؟ أين كان وقتي المبهج المدهش؟ أين كان تبادل الأرقام؟ لماذا كذب العلم؟

يتصرف علماء النفس أحيانًا وكأننا نقوم بتجميع كتابٍ إرشادي للحياة. وعامًا بعد عام، نحذف الحكايات القديمة، والنظريات الشعبية، والتحيزات المعرفية، ونستبدلها بتوجيهاتٍ قائمة على الأدلة لاتخاذ قرارات أفضل وأكثر سعادة.

نحن لا نقوم بتجميع كتاب إرشادي مدى الحياة. تفشل العديد من دراساتنا في تكرار هذه النتائج، ولكن حتى لو كانت كل ورقة بحثية صحيحة بنسبة 100%، فلن تتمكن من تجميعها معًا في دليلٍ للتعليمات، وذلك لسببين: 

1- يختلف الناس بطبيعتهم، فلن يكون أيّ شيء نكتشفه صحيحًا بالنسبة لكل إنسان. في بحثي الخاص، على سبيل المثال، أصبح بعض الغرباء أصدقاء بشكلٍ سريع، لكن آخرين قضوا دقيقتين مؤلمتين في طرح أسئلة مثل: “هل لديك أيّ أبناء عمومة؟”، ثمّ غادروا بأسرع ما يمكن. نحن ندرس أيضًا شريحة صغيرة فقط من سكان الأرض، وليس هناك ما يضمن أن ما نكتشفه عن الطلاب الجامعيين الذين يقومون بالدراسات للحصول على درجات إضافية، أو الأمريكيين الذين يقومون باستطلاعات الرأي عبر الإنترنت مقابل أجر زهيد، أو مسافريّ شيكاغو الذين يجرون محادثات للحصول على موزة مجانية، سوف يعمّم على باقي الناس.

2- تختلف المواقف الاجتماعية كثيرًا. لقد قضى الناس وقتًا ممتعًا بشكلٍ غير متوقع وهم يتحدثون في القطار في شيكاغو، ولكن قد لا ينطبق الأمر نفسه في محلّ بقالة في تالاهاسي، أو في مصعد في نيويورك. قد تعتمد النتيجة على من تتحدث معه، أو ما الذي تتحدث عنه، أو ما إذا كنت ستحصل في النهاية على موزةٍ مجانية.

يمكننا تشبيه دراسة كل هذه السياقات المختلفة كـ إفراغ المحيط بملعقةٍ صغيرة في كل مرّة. في أحسن الأحوال، سيقوم عدد قليل من الأشخاص بإجراء بعض الدراسات الإضافية لتوضيح هذه الظاهرة، وبعد ذلك سيمضي الجميع قُدمًا. لن يكون لدينا أبدًا وصف شامل حقًا لمتى ومع مَن مِن الغرباء يكون التحدث فكرة جيدة.

إذن، ما الفائدة من كل هذا البحث؟ هل يمكنك تطبيقه في حياتك اليومية، أم أنّ من الأفضل تجاهله، لكيلا تصبح متطفلاً في غرفة الهروب؟

نصيحتي هي ألاّ تفكر في علم النفس كمجموعة من التعليمات، بل كوسيلة لتحسين حدسك. إذا كنت تتوقع أن التحدث إلى الغرباء سيكون محنة مروعة، فعليك أن تتساءل: لماذا يجد المشاركون في الدراسة أن الأمر ممتعًا بشكلٍ غير متوقع؟ من الممكن أن تكون هذه الدراسات خاطئة، لكن إن لم تكن خاطئة، فما التأثير الذي تجلبه؟ قد تكون أنت مجرد أحد كارهيّ البشر. ربما لا يكون الغرباء الذين تقابلهم مثل الغرباء على خطّ الركاب بالقرب من شيكاغو. وقد يكون من الأفضل أن تعامل كل غريب مُبهج باعتباره استثناءً وتفترض أنّ الغريب التالي سيكون سيئًا.

يمثّل كل اكتشاف جديد في علم النفس فرصة لانتقاء الأجزاء الأكثر فائدة والتعلّم منها وتجاهل الباقي. لقد اعتدنا بالفعل على القيام بذلك في سياقاتٍ أخرى. عندما نسمع قصة ما، نفهم أن بعض التفاصيل مهمة (“خان بروتوس قيصر”)، دون أخرى (“ارتدى بروتوس سترة”)، نعلم أن القصة توضح لنا ما يمكن أن يحدث (“أحيانًا ينقلب عليك الأصدقاء”)، وليس ما يحدث دائمًا (“كل صديق سينقلب عليك”)، وندرك أنّ رسالة القصة يجب أن تؤخذ على محمل الجد (“تأكد من الحفاظ على ولاء أصدقائك”)، وليس حرفيًا (“تأكد من ارتداء سترةٍ مضادة للطعنات”)، لا ينبغي لأحدٍ أن يخبرنا بأن نفكر بهذه الطريقة.

إنّ تطبيق الحِسّ القصصي على علم النفس قد ينجح لأن علم النفس عبارة عن قصص. تظهر كل دراسة ما فعلته مجموعة معينة من الأشخاص في وقتٍ ومكانٍ معينين، أيّ أنها ترسم مشهدًا، وتملأه بالشخصيات، وتقوم بتحريكها. يمكن أن تكون القصص بسيطة (“الأشخاص الذين قالوا إنهم يشعرون بالاكتئاب قالوا أيضًا إنهم يعانون من مشاكل في النوم”)، أو يمكن أن تكون معقدة (“عرضنا على الناس موزة ليذهبوا للتحدث مع الغرباء في القطار، وأفادوا بأنهم قضوا وقتًا أفضل مما توقعوا”). نحن نستخدم الإحصائيات لإظهار مصداقية قصصنا، ولكن القليل من الرياضيات لا يغيّر ما وراء هذه القصص.

انتهى بي الأمر إلى إفساد حفلتيّ عيد ميلاد رائعتين، لأنني لم أستخدم الحِسّ القصصي. اقترح العلم في مؤتمر أتلانتا أن مقابلة الغرباء يمكن أن يكون رائعًا بشكلٍ غير متوقع، لكنني لم أضع السياق في الاعتبار: من الواضح أنّ إجراء محادثة مع زميل مسافر ليس مثل حبس نفسك في غرفةٍ مليئة بالأشخاص الذين يحاولون الاحتفال بعيد ميلاد صديقهم والاستمتاع بحلّ سلسلةٍ من الألغاز. لقد تصرفت وكأن الدراسات أظهرت أن المحادثات مع الغرباء تسير دائمًا بشكلٍ أفضل من المتوقع، بدلاً من إظهار أنها قد تكون كذلك في بعض الأحيان. وقد أخذت البحث بشكلٍ حرفيّ (اذهب للقاء أشخاص جدد الآن!)، وليس على محمل الجد (كُن أكثر انفتاحًا لفكرة مقابلة أشخاص جدد، ولكن، كما تعلم، لا تكن غبيًا بشأن ذلك!).

ومع ذلك، قد يكون الحِسّ القصصي مضّللاً في بعض الأحيان، كما أظهر علماء النفس بعدة طرق مختلفة. على سبيل المثال، يفترض الناس عادةً أن الأحداث التي يسهل تصوّرها (مثل الموت في هجوم إرهابي)، تكون أكثر شيوعًا من الأحداث التي يصعب تصوّرها (مثل الموت نتيجة السقوط من السرير). إنّ تعلّم كيفية تطبيق نتائج أبحاث علم النفس ليس مثل تعلّم القسمة المطولة أو برمجة الكمبيوتر، حيث لا توجد أدلة قاطعة أو براهين، ولا يمكن لأحدٍ أن يخبرك عندما ترتكب خطأً ما، بل تفهم الأمر شيئًا فشيئًا وبألمٍ من خلال التجربة وارتكاب الأخطاء عندما ترى الوجوه المستاءة للأشخاص الذين أفسدت أعياد ميلادهم. 

ولا يمكن لأيّ قدر من الخبرة أن يسرّع هذه العملية، لهذا السبب يدرس علماء النفس دراسات السعادة والزواج دون انقطاع، ومع ذلك لا يزال البعض منّا ينتهي إلى الاكتئاب والطلاق.

ولكن إليك نتيجة واحدة يجب أن تأخذها حرفيًّا: “لا تقم بالدخول لغرف الهروب مع الغرباء”. وإذا كنت أحد الأشخاص التعساء في غرف الهروب تلك التي قمتُ بإفساد كل شيء فيها: أنا آسف جدًا، وأرجو منك إبلاغ تحياتي لسيرسي.

المصدر

مقالات ذات صلة