القائمة الرئيسية

الفلسفة الصينية والصحة النفسية

الفلسفة الصينية والصحة النفسية
ملخص المقال

يتناول المقال منظورًا مختلفًا للمرض النفسي، حيث يسلط الضوء على تأثير العوامل الجماعية والثقافية في تكوين الاضطرابات النفسية وعلاجها، مقارنة بالتركيز الغربي التقليدي على الأسباب الفردية والوراثية. يشير الكاتب إلى أن الفلسفات الصينية القديمة، مثل فلسفة كونفوشيوس، أدركت منذ قرون أن المجتمع يلعب دورًا جوهريًا في تشكيل المشاعر والسلوكيات، ما يعني أن الاضطرابات النفسية قد تنبع من أنماط ثقافية ومعايير اجتماعية، وليس فقط من عوامل فردية. كما يوضح أن المجتمعات التي تعزز الأثرة والانغلاق على الذات قد تساهم في تفشي الأمراض النفسية، ما يستدعي النظر إلى الحلول الجماعية بجانب العلاجات الفردية.

بقلم: ألكسيوس مكليود

يعدّ المرض النفسي مسألة اضطراب فردية غالبًا، وينظر الطبُّ النفسي إلى خصائص تجارب الأفراد، وسلوكياتهم، وأفكارهم؛ كي يشخِّصَ الاضطرابات النفسية، مع التركيز على العلاجات الفردية للتشافي. 

سيُفسَّر اكتئابك على أنه استجابة للظروف، أو سيُسنَد إلى خصائصَ وراثية، أو أنماطٍ مضطربة من التفكير، أو مشاكل شخصية وحالات عاطفية، يتبنّى العلاج الغربيّ للاضطرابات النفسية هذا الاتجاه الفرد؛ إذ إنه يقدم إلى الفرد الدواء وجلسات العلاج، والتي هي – بلا شك – مفيدة. 

لكنَّ هذا التركيز على الفرد وحدَه قد يُفضي إلى إهمال السُّبُل العلاجية الجماعية.

يُغضُّ الطرف عادةً عن الطرق التي تساهم فيها المعايير المجتمعية، والمعتقدات الثقافية، والتوجّهات الجماعية في الاضطرابات النفسية وهذا ما توصّل إليه العلماء الصينيّون القدامى؛ ارتأى هؤلاء المفكرون بأن عددًا من الاضطرابات النفسية والسلوكية تعدّ أمراضًا، وقد صُنِّفتْ وتداولت في النص الطبي الأقدم بالصين؛ كتاب كلاسيكيات الطب للإمبراطور الأصفر (تعود أقدم أجزائه إلى القرن الرابع قبل الميلاد). 

يصِفُ هذا النص مجموعة من الأمراض النفسية، أبرزها مرض “ديان”، الذي تنطوي أعراضه على “التعاسة، والصداع، والاحمرار في العين، والذهن المضطرب”، ومرض “كوانغ”، ومن أعراضه “فقدان الذاكرة، وثورات الغضب، والنشاط المفرط” وأعراض أخرى، أدرك العلماء الصينيون القدماء بأن هذه الأمراض النفسية لها عدد من المسببات؛ منها المشاعر الفائضة، وعدم ضبط الأهواء، وحالة استنفاد لطاقة الأعضاء الأساسية، والمجتمع الذي ينتمي إليه الفرد. 

ارتَبطَ ذِكر المرض النفسي في العديد من النصوص الطبية والفلسفية القديمة بالمشاعر؛ ينصُّ كتاب جوانزي على أنَّ الأفعال الفعّالة والمنسجمة لا تتحقّق إلا في غياب أنواع البهجة الحادة، واللذة والسخط التي من شأنها أن تُحدث اضطرابًا في الذهن، “وتُفقده تكوينه (الأصلي)”، ربط كتاب جونغ يونغ الانسجام بتقييد المشاعر، وفي اقتباسٍ مأخوذ من كتاب كلاسيكيات الطب للإمبراطور الأصفر “إن ساد الغضب ولم يهدأ، يتضرر الذهن” 

 بحسب المفكرين الصينيين القدماء، يمكننا أن نعامل جسدنا معاملة ضارّة، ونلحق به الأذى والمرض (بما في ذلك الأمراض النفسية)، تمامًا كالمعدات والآلات، إنَّ هذه لحكمة نبيهة فيما يخصُّ طبيعة المرض، أدرك أنصار الفيلسوف كونفوشيوس أن شخصية الفرد ليست المحرّك الوحيد للسلوك الفردي؛ ندرك اليوم أهمية المجتمعات والظروف التي في بعض الحالات تكون ذات صلة بالمرض، ولكننا ما نزال نتردد في نسبتِها إلى المسببات الجماعية. 

أدركتِ الجمعيّةُ الأمريكية للأطباء النفسيين (في النسخة الأخيرة من الدليل، DSM-5)، على سبيل المثال، حقيقة الاضطرابات الظرفية، بالإضافة إلى الأمراض الناتجة جزئيًّا عن خصائصَ نمائيّةٍ واجتماعية. 

لا يخفى علينا أنَّ إجهاد النفس في العمل يفضي إلى الإنهاك – على سبيل المثال – وأنَّ الأحداث الصادمة تسبّب أمراضًا مثل اضطراب ما بعد الصدمة وحالات أخرى يصنفها دليل DSM على أنها “اضطرابات متعلقة بالصدمة ومُسببات القلق” ولكن، ألا يُعقل أن تشكِّلَ المجتمعات وخصائصها سببًا محوريًّا للأمراض النفسية؟ 

بحسب العلماء الصينيين القدماء؛ يمكننا أن نتجنّبَ الأمراض الناتجة عن المشاعر الفائضة (أو علاجها) عن طريق ضبط الذهن، “خلِّص ذهنك من السَّخَط”؛ حسب توجيه نص مأخوذ من كتاب كلاسيكيات الطب للإمبراطور الأصفر. 

إلا أنَّ اتّباع النَّهْج الفردي الذي يهدف إلى إعادة بناء الطريقة التي يُفكّر بها الأفراد حول تجاربهم، غير كافٍ لتحقيق هذا المطلب. 

إنَّ سِماتِ المجتمعات والثقافات التي ينتمي إليها الفرد لها تأثيرٌ عظيمٌ على تكوين مشاعرنا والتعبير عنها، سيكون من الخطأ – على سبيل المثال – أن نعدَّ السخط استجابة فِطريّة مشتركة بين الناس جميعهم لأحداث معينة، بمعزل عن الثقافة، فَمِنَ المُرجّح أن يُبديَ أعضاء مجتمع ما السخط في مواقفَ معينة، بينما في مجتمعات أخرى حيث تحكم مشاعرهم عادات ثقافية مختلفة، قد لا يُظهرون الاستجابة ذاتها. 

تتأثر الكيفية التي نقيّم بها مشاعرنا أو حتى خوْضها بعناصر الثقافة، قالت عالمة النفس الهولندية باتجا ميسكيتا في إحدى المقابلات عام 2018: 

“ترى العديد من المجتمعات بأن المشاعر مُشتركة بين الناس، وليستْ مُنفردة؛ إن المشاعر في هذه المجتمعات تمثّل

ما يفعله الناس معًا؛ لذا عندما أكون ساخطًا، فهي حالة أعيشها أنا وأنت. 

عادة ما تنتج الأمراض النفسية عن مزيج من الاستعداد الوراثي والسمات الظرفية، وإنَّ مُحفِّزات القلق، أو السخط، أو البهجة، أو أي شكل من الاستجابات تعتمد بنسبة كبيرة على التقاليد الجماعية، المتضمنة فيما هو مُتوقع من الأشخاص منذ سنٍّ مبكرة، وعلى الميول السلوكية، والمكتسبة من خلال التفاعل مع المجتمع. 

وللسبب ذاتِه، أي فعل يتّسِم بالعقوق تجاه الأبوَيْن أو من هم أكبر سنًّا يعدّ سلوكًا شائنًا في بعض المجتمعات الآسيوية الشرقية، ولكن الأمر مختلف في المجتمعات الغربية، وتكوّن الخصائص الثقافية المجموعات كذلك، فعلى سبيل المثال، الأمريكيّون الآسيويّون أقل احتمالًا لزيارة المراكز الصحية النفسية مقارنةً مع الجماعات العِرقيّة الأخرى في الولايات المتحدة. 

لقد توصّل أنصار الفيلسوف كونفوشيوس إلى هذه النقاط، وأدركوا حقيقة أنَّ شخصية الفرد وقرارته ليست المحرّك الوحيد لسلوكياته ومواقفه؛ ولهذا السبب تُعلّمنا فلسفة كونفوشيوس، أن الحذر في انتقاء من هم حولك شرطٌ للصلاح. 

ينصحنا ألّا نصادق من هم أقل منا خُلُقًا، ومن الضروري أن تكون جزءًا من مجتمع متناغم وأخلاقي لتطوير السلوكيات السليمة، والمواقف والمشاعر، فإنْ كنا نسكن في مجتمعات باطلة، وشريرة أو مضطربة، سيُربِكُ ذلك معتقداتنا، وتوقعاتنا، ومواقفنا (من بين أمور أخرى) بصورةٍ خطيرة، وهذه نقطة هامة فيما يخص الأمراض النفسية؛ لأنها قضية تتعلق بالعادات السلوكية والعاطفية التي تَسودُ المجتمع. 

لعلَّ أنصار فلسفة كونفوشيوس سيعتقدون أنَّ الاغتراب الذي يعمّ عالمنا المعاصر، والناتج عن الاستغراق في الذات لتلبية احتياجات الاقتصاد المعاصر وثقافة الاستهلاك، يؤدي دورًا هامًّا في تحريك المرض النفسي، كتب المفكر المعاصر والمتخصص في فلسفة كونفوشيوس تو وايمينغ؛ بحسب فلسفة كونفوشيوس، ” يقود الاستغراق في الذات إلى عالم مسدود… حالة من الشلل”.  

من المرجح أن تغرس المجتمعات التي تعزز الأَثَرَة والاهتمام الذاتي السماتِ السلوكية والمواقف التي تساهم في الأمراض النفسية، بدءًا من الاهتمام الذي يبدو مسالمًا “بمعرفة الذات”، عبر مختلف الاختيارات الفردية والاستهلاكية، إلى الافتقار المدمر للتعاطف أو رعاية الآخرين في المجتمع. 

قد نختلف مع علماء الصين القدامى في طبيعة العلاقة بين المرض النفسي والعواطف مثل السخط، أو البهجة، أو القلق، إلا أن الطب النفسي المعاصر ينصحنا بأخذ وجهة نظرهم مأخذ الجد، والتي مفادها أنّ سلوكيّاتِنا ومواقفَنا متأثرة بخصائص جماعية تساهم في ظهور الأمراض النفسية، ولا بد أن تؤدّيَ دورًا في العلاج. 

في الوقت الذي نسعى فيه إلى معالجة الأمراض النفسية الشائعة والمتفاقمة كما يبدو لنا في عالمنا المعاصر، تشير تقديرات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى أن أكثر من 50% من سكان الولايات المتحدة سوف تُشخَّص إصابتهم بمرض أو اضطراب عقلي في مرحلة من حياتهم، وأن 4% من السكان يعانون من مرض نفسي شديد؛ لذا وجب علينا وضع فلسفة كونفوشيوس في عين الاعتبار. 

تفيد الأدلة بأن المرض النفسي آخذ في الانتشار بين الفئات اليافعة في المجتمع، إضافة إلى تكاثر حالات الانتحار والسعي إلى الانتحار، وإن دلَّ هذا الانتشار على شيء؛ فإنما يدل على تأثير سمات الاغتراب والدمار في مجتمعنا، عوضًا عن السمات الفردية، وكما قال الفيلسوف كونفوشيوس: “تُنسَبُ عيوبُ الفرد إلى جماعته”. 

 مع أن التعامل مع الأمراض النفسية يقتضي بذل جهود عديدة، مثل تيسير تلقي العلاج النفسي، إلا أنه من الضروري أن نُعنى بالجوانب المشتركة في ثقافتنا، والتي تساهم في ظهور المرض النفسي، فكل مجتمع مزدهر هو مجتمع سليم. 

المصدر

مقالات ذات صلة