تُعرَف المريضة جين عند كل معالج نفسي لكثرة مراجعاتها؛ إذ إنها تفتقد لغة التعبير عن مشاعرها وصراعاتها الداخلية. وحينما يطلب منها وصف مشاعرها الداخلية، وأفكارها، ومشاعرها، وقيمها، وآمالها، تتهرب وتدّعي أنَّ سبب تلك الصراعات هو خوفها من السمنة، أو شكل أنفها، أو تضع اللوم في عدم قدرتها على التحكم في نفسها حينما تشرب الكحول. ولكن سرعان ما اكتشف الأخصائي النفسي أنَّ جين لا تحاول أنْ تخفي شيئًا ولكنها تواجه صعوبة في التعبير عن مشاعرها ووصفها.
تعاني جين والأشخاص الذين يواجهون صعوبة في تحديد مشاعرهم ووصفها بما يعرف بالألكسيثيميا أو اللامفرداتية؛ إذ صاغه المحللان النفسيان الأمريكيان نيميا وسيفنيوس في السبعينيات من القرن الماضي. تتكون كلمة الألكسيثيميا من عدة أجزاء؛ إذ يدل الجزء الأول على معنى “دون”، ويدل الجزء الثاني على معنى “كلمات”، ويشير الجزء الأخير من الكلمة إلى معنى “العواطف”. تشير اللامفرداتية إلى عدة خصائص بما في ذلك صعوبة تحديد المشاعر ووصفها، وعمليات تخيلية ضيقة؛ أي يميلون إلى الواقعية أكثر من غيرهم، والتركيز على المحفزات الخارجية بدلًا من مشاعرهم الداخلية.
ومن الجدير بالذكر أنَّ المحللين النفسيين استطاعوا تحليل أعراض المراجعين الذين يعانون من اللامفرداتية قبل أنْ يُصاغ مصطلح لذلك التشخيص. فقد عانى العديد من الأشخاص في مرحلة العلاج؛ إذ إنهم يبذلون جهدهم دون جدوى في كل مرة بسبب تفكيرهم الملموس، ووعيهم العاطفي المحدود، ورفضهم الاعتراف بمشاعرهم الداخلية. كما يعد هؤلاء الأشخاص أكثر عرضة للشعور بالأعراض الجسدية، مثل الألم أو التعب وممارسة سلوكيات قهرية لتنظيم مشاعرهم، مثل الشراهة بالأكل وتعاطي الكحول.
لاحظ الأطباء منذ ذلك الحين أنَّ الأشخاص المصابين باللامفرداتية يعانون من عدة مشكلات نفسية، بما في ذلك اضطرابات ما بعد الصدمة، وإدمان المخدرات، واضطرابات الأكل، والهلع. كما ترتبط مجموعة كبيرة من المشكلات الناتجة عن اللامفرداتية مع فكرة أنه عندما لا يتمكن الشخص من التعبير عن مشاعره العاطفية وتمثيلها بشكل رمزي مثل الكلمات أو الصور، فإن هذا يؤدي إلى أنْ يكون للعواطف تأثير ضار على الفسيولوجيا والتي تظهر بعد ذلك كأعراض جسدية.
ما تفتقده اللامفرداتية هو القدرة التي أطلق عليها نيميا (Nemiah) عام 1977م اسم “الوصف النفسي” للعاطفة. جميعنا نشعر بعجز اللامفرداتية ولكن بدرجات متفاوتة، فقد يكافح أحدهم من أجل التعبير عن مشاعره بالكلمات في المجالات جميعها، في حين أنَّ الشخص الآخر يعبر بتطور وتعقيد عن حياته العاطفية فيما يتعلق بمساعيه الفنية دون الإفصاح عن علاقاته الشخصية. فتعد مهمة تحسين قدرتنا على وصف عاطفتنا مهمة يجب علينا جميعًا أنْ نتكاتف وننخرط فيها مدى الحياة؛ إذ إنها ركيزة من ركائز معرفة الذات ويعد الفشل فيها أحد العوامل الأكثر شيوعًا التي تقوض نجاح العلاج النفسي.
لنشرح معنى الوصف النفسي للعاطفة، يجب علينا أولًا توضيح معنى مصطلح التأثير والعاطفة والشعور. عام 1917م، وصف سيجموند فرويد (Sigmund Freud)، ببصيرته المعتادة، التأثيرات أنها تجارب مركبة تتضمن “أعصابًا أو شحنات حركية” و”مشاعر محددة”. كما عرّف علماء النفس العاطفة منذ ذلك الحين أنها العنصر الفيسيولوجي العصبي والتعبيري الحركي للعاطفة، أي ما يحدث في الجسم والمشاعر على أنها العنصر الذاتي والمعرفي التجريبي مثل ما تشعر به عندما تشعر بالعواطف. كما شمل مصطلح التأثير كلًّا من المحاور العاطفية والشعورية.
يدل التأثير على عدة معانٍ في أربعة سياقات مختلفة وفق النموذج المقترح لأول مرة من قِبَلِ المحللَيْن النفسيَّيْن الفرنسيَّيْن الكنديَّيْن سيرج ليكورس (Serge Lecours) ومارك أندريه بوشارد (Marc-André Bouchard) في التسعينيات. ومن هذه السياقات المقترحة: الجسدية، والحركية، والتخيلية، واللفظية. يُعبر عن التأثير في السياق الجسدي من خلال الأحاسيس الفسيولوجية الداخلية، والاضطرابات، والإصابات الجسدية. فيشعر الأشخاص بالعاطفة لأول مرة في مرحلة الطفولة من خلال الأحاسيس المختلفة، مثل الألم، أو التوتر، أو الدفء، أو الغثيان، وفي الأعضاء الداخلية، كالرأس والعضلات والجلد. ويعد الجسد خلفية العاطفة الأساسية طوال الحياة؛ إذ إنه المكان الذي تبقى فيه آثار بصمات التجارب التي لا ندركها.
يواجه الرضع صعوبة في السياق الحركي والذي يتضمن سلوكًا وحركة الجسم العضلي الإيجابية والسلبية، فعلى سبيل المثال، الارتعاشات، والسرعة، والصمت، والسكون؛ إذ يتلوى الرضيع ويهتز ويبكي ويبتسم دلالة على أحاسيسه العاطفية الجسدية. كما يعبر البالغون عن مشاعرهم من خلال لغة الجسد، كالشجار في ساحة المدرسة، وصفع الأبواب، والعناق الدافئ.
تربط الخطوة التخيلية بين الجسد والعقل وتتضمن استخدام الصور والمشاهد الذهنية لتمثيل الحالات الجسدية الأساسية. ويمكن أنْ يتخذ محتواه شكل صور كما يُعبر عنها في الأحلام والتخيلات والاستعارات. وتعد خطوة محورية لأنها أول سياق تُستخدم به الرموز لتمثيل التأثير، وتنتج عنها معانٍ معقدة. ومن الجدير بالذكر أنه ليست التعبيرات التخيلية كلها للعاطفة تتمتع بهذه الخاصية التمثيلية بالدرجة نفسها: كالهلوسة الاضطهادية، والتي غالبًا ما تُصَوَّر على أنها أشياء في ذاتها دون صفات رمزية.
يتطلب السياق اللفظي إظهار التأثر في اللغة، في الكلمات، والقصص، والتفسيرات، والرؤى؛ إذ إنها تشكل ذروة بنيتنا العاطفية، وتربطنا بين لحظات الماضي والحاضر لتحليلها من أوجه مختلفة، كما تسمح لنا أنْ نكون دون مشاعرنا فترة مؤقتة، وأنْ نتخطى الفجوات ونصبح أقرب.
لنفترض أنَّ جين تعاني من الشراهة بالأكل؛ إذ إنها تأكل كميات هائلة من الطعام مما يشعرها بالتعب. اكتشفنا من خلال خطوات بحث مبدئية عملنا عليها عدة أسابيع، أنَّ جين قبل أنْ تبدأ تأكل بشراهة كانت مدركة أنَّ غضبها من زملائها في العمل هو الذي أوصلها إلى ذلك الحال؛ إذ إنهم يعدون رغبتها في قبول التحدي أمرًا مفروغًا منه. وأقترح هذا الاحتمال بعد أنْ قالت مرتجلة أنها تأخرت في العمل لتذهب لمطعم وجبات سريعة، فنحن نشعر بالفضول بشأن تجربتها مع الغضب؛ إذ إنها قالت إنها تتخيل نفسها وهي تسكب قهوتها على مكتب رئيسها مما يؤدي إلى إتلاف أوراقه من شدة غضبها.
ينطبق تفسيري لشراهة جين بالأكل على العديد من المرضى، فهي تحاول التنفيس عن مشاعر الغضب بالكلمات والصور، إذ تعبر عنها وتصف حالتها كمحاولة أخيرة يائسة بسبب عجزها عن التعبير، وللسيطرة على مشاعرها الخطيرة. إذ إنَّ الشراهة بالطعام تعد طريقة حركيةً لتفريغ مشاعرها مما يشعرها بالراحة فترة مؤقتة. ونسعى أنا وجين في عملنا إلى توضيح التأثير في حياتها، وربط التمثيلات الناتجة معًا في أنظمة تزداد تعقيدًا، كما نناقش بإسهاب ماضي جين مع الغضب، بما في ذلك تعامل عائلتها مع هذا الشعور. وبمرور الوقت يمنحها هذا الشعور فاصلًا عقليًّا شديدًا من المواد الرمزية -“الجهاز المناعي” للنفسية، كما يسميه ليكور وبوشارد- يحميها من الصراع الداخلي والخارجي، ويعزز التفكير بدلًا من الأفعال التي تؤدي إلى نتائج عكسية.
وكما آمل أنْ يكون هذا المثال المختصر قد أوضح، فإن المشكلة التي تعاني منها جين -اللامفرداتية- تشير إلى مهمة يجب علينا جميعًا الانخراط فيها: التفكير المستمر بتأثرنا والتعبير بالكلمات والصور. وعلى الرغم من أنَّ معظمنا لا يعاني من اللامفرداتية بالمعنى السريري، فإننا جميعًا لدينا “جيوب”، بعضها أكبر والبعض الآخر أصغر، في حياتنا الداخلية التي لم نعبر عنها. وقد تكون لدينا فكرة رائعة ومهمة للغاية، إلا أنَّ تلك الأفكار نادرًا ما تؤدي إلى تطوير الشخصية وتنميتها والتخفيف من المعاناة العاطفية. بل على العكس من ذلك، فإن تنمية قدرتنا على التطوير النفسي للعاطفة تعد أساس النمو العقلي المستمر في الحياة.
أثبت لي فقدان الذاكرة المفاجئ أنَّ الذات مجرد خيال ووهم
فقدان الذاكرة المفاجئ أكد اعتقادات البوذيين والفلاسفة حول وجود الذات
شعرت في أحد الأيام وكأننا نحلق في السماء بسبب قيادة زوجتي المتهورة على طريق مشترك، سألتها قائلًا: “عزيزتي، ما الخطب؟ لماذا تقودين بتلك السرعة؟ ما الذي نحاول اللحاق به؟”
نظرت إليّ بذعر وقالت: “أنت لست على ما يرام سنأخذك إلى المستشفى”.
“حسنًا… لماذا نذهب إلى المستشفى؟”
“أنت لست بخير، ضع تلك الكمامة”.
“لماذا أحتاج إلى الكمامة؟”
“جائحة كورونا-19”.
“إلى أين نحن ذاهبون؟”
فضغطت على الوقود بقوة في تلك اللحظة.
في إحدى الليالي الهادئة التي كنت أتناقش بها أنا وفانيسا حول العديد من الموضوعات بعد أنْ عدنا من العمل، سألتها أسئلة بشأن العشاء فنظرت إليّ بدهشة، لأننا ناقشنا هذا الأمر قبل دقائق قليلة ولكنني لم أتذكر ذلك. قلت لها: “لا أشعر أنني بخير“. وبدأت تطرح عليّ أسئلة -متى ذكرى زواجنا، ومتى عيد ميلاد ابنتي، وما هو الشهر الحالي، ومتى العطلة القادمة- ولكن بتلك اللحظة كنت أجهل أجوبة تلك الأسئلة جميعها، لدرجة أنني لم أتذكر كيف قدت سيارتي ووصلت للمنزل، أو أنني استلمت البريد، أو أنني قدمت محاضرات في الجامعة، كما لو أنَّ يوم الخميس تلاشى من ذاكرتي. وحينما لم أستطع الإجابة عن تلك الأسئلة، قالت: “يجب أنْ نأخذك إلى المستشفى“. لقد كنت متحيرًا ولكنني وافقتها الرأي.
خضعت لاختبار الكفاءة عند دخولي إلى المستشفى، ولكنني فشلت فيه فشلًا ذريعًا “هل تعرف ما هو الشهر الحالي؟” “كلا!” وفي غضون 10 دقائق من وصولنا، دخلت في جهاز الأشعة المقطعية للتحقق ما إذا كنت قد أصبت بسكتة دماغية، ولكن النتيجة كانت سلبية. وأجرى طبيب أعصاب استشارة عبر الفيديو حينما وصلت لغرفتي، ولكن أجابت فانيسا عن معظم الأسئلة. فسماع ماضي المريض من شخص يعاني من فقدان الذاكرة يعد أمرًا لا طائل منه. وقلت فجأة “عقلي لا يمكن أنْ ينكسر، إنه أعز ما لدي“. ذكرت فانيسا أنني اشتكيت من صداع شديد استمر طوال اليوم، لكنني لم أتذكر لحظة شعوري بالصداع، ولا حتى ما أقوله هنا، وسيتضح ما أعنيه لاحقًا. أعطاني الأطباء حقنة وريدية للصداع النصفي أفقدتني الوعي ومسكنات لا تستلزم وصفة طبية، كالمغنيسيوم والبينادريل.
كما خضعت في صباح اليوم التالي لإجراء فحص الرنين المغناطيسي لرأسي، ولكن كانت نتيجته سلبية. فلم تظهر نتائج الرنين المغناطيسي إصابتي بسكتة دماغية، أو أورام، ولا ماضٍ للصرع، أو اضطرابات النوبات الأخرى، كما أنها لم تظهر تعاطي المخدرات ولا الكحول. ما أدركه حق المعرفة أنني عرضة للإصابة بالصداع، ولكنني لم أعانِ من الصداع النصفي من قبل. التشخيص: فقدان الذاكرة الشامل العابر.
يجهل الأطباء سبب فقدان الذاكرة الشامل العابر، ولكن توجد بعض المؤشرات الغامضة، مثل الجنس، والتغيرات المفاجئة والشديدة في درجات الحرارة، والاضطراب العاطفي الحاد. كما يشكل فقدان الذاكرة الشامل عامل خطر للأشخاص البالغين أكبر من 50 عامًا ويتمثل في الصداع النصفي. يجهل الجميع ما يحدث، فلا توجد حتى نظرية سببية لفقدان الذاكرة، ولكن تعد ندرة المرض وتكرار الأمر هو الجانب الإيجابي.
يعد فقدان الذكريات أمرًا غريبًا، مثل انقطاع رواية الذات. تساءل جون لوك (John Locke) في مقالة عن فهم الإنسان (1689) عن سبب رؤيته فيضان نهر التايمز الشتاء الماضي وكأنه شخص آخر، ولكن أجاب عن التساؤل نفسه أنه يشعر بوعي الرجل نفسه الذي رآه يفيض. كما جادل لوك أنه الشخص نفسه الذي جلس على مكتبه؛ لأنه كان مدركًا ويتذكر القيام بذلك، فيعد تذكره دليلًا على أنه ما زال يتمتع بصحة عقلية جيدة مما أسهم باعتقاده أنه هو الشخص نفسه الذي رأى نهر التايمز يفيض، إذ إنه يتذكر رؤيته للفيضان في وقت سابق ومن مكان ومنظور محدد. يرتبط لوك في وقته الحالي بالرجل الذي رأى النهر يفيض من خلال وعيه المستمر، وهذا ما يكوّن منهما أجزاء مؤقتة لشخص واحد دائم.
ينسى جميعنا بعض الأشياء وتنجرف تفاصيل حياتنا في نهر الزمن، فلا نتذكر من كان أستاذ مادة الدراسات الاجتماعية حينما كنا في الصف السادس، أو ما تناولناه على الغداء قبل شهر. وتعد دراسة الذاكرة كما فعل بعض منتقدي لوك القدماء، طريقة محدودة للتفكير بسبب ارتباطنا نفسيًّا بالنسخ السابقة من ذواتنا. وتوجد العديد من الخيوط المتداخلة من الارتباط النفسي، مثل الشخصية، والأذواق، والمعتقدات، والذكريات، والاهتمامات، والتفضيلات، والرغبات، والطموحات. فتُنسج معًا مثل الخيوط في الحبل ولا يستمر أي خيط من أحد طرفي الحبل إلى الطرف الآخر وهذا أمر متوقع. في حين أنَّ الألياف التي يتكون منها الحبل قصيرة، إلا أنها تتداخل وتتشابك وتلتوي معًا إذ يكون الحبل قويًّا وكاملًا. وينطبق الشيء نفسه على ماضي الإنسان النفسي، فيشكل ماضينا حبلًا ممتدًّا عبر الزمن يربط بين الأوقات ويجعلنا كاملين.
يمزق فقدان الذاكرة حبل ذكرياتنا، فحينما أتذكر تجربتي المؤقتة بفقدان الذاكرة أشعر وكأنه يوجد كسر في عقلي، إذ يحاول ولكنه يفشل في تجميع ذكرياتي، كعدسة كاميرا مشوشة ولكن تحتد تدريجيًّا من شدة الوضوح. وأتذكر وجودي في المستشفى وقيامي بمهامي الروتينية، ولكن تلك الذكريات كلها تبدو وكأنها بعيدة وباهتة وبلا حياة. قارنت الباحثة في مجال الذاكرة لوفتوس (Elizabeth Loftus)، ذكرياتنا بموقع ويكيبيديا؛ إذ يمكننا الدخول إليه في أي وقت وتعديل الكلام المنشور، فيمكن للأشخاص أنْ يؤثروا على عملية تذكرنا مثلما ندخل على الويكيبيديا. فمحاولاتي بالتذكر لم تكن سوى تعديلات من الآخرين؛ إذ أخبرتني فانيسا بما قلته أو فعلته في أثناء نوبة فقدان الذاكرة الشامل، وكان دوري هو تخيل تلك المشاهد والتفاصيل لأنني لم أدركها بنفسي. ولكنني أنا لوك حتى دون أنْ تربطني صلة واعية حقيقية بفيضان نهر التايمز يوم الخميس.
يؤدي فقدان الذاكرة الشديد إلى تمزق حبل الماضي والحاضر تمزقًا شديدًا كسؤال مفتوح عما إذا كان يوجد أي ثبات حقيقي عبر الزمن. عانى الموسيقي كلايف ويرنج (Clive Wearing) من تلف في الدماغ عام 1985م نتيجة التهاب الدماغ الفيروسي الناجم عن فيروس الهربس البسيط، ويعاني الآن من فقدان ذاكرة شديد ولا علاج له؛ إذ دمر المرض حصين الفص الصدغي وجزءًا من الفص الأمامي الأيسر، فلا يستطيع تخزين ذكريات جديدة طويلة المدى، ويعاني من ذاكرته قصيرة المدى. وحينما تغيب زوجته ديبورا (Deborah) فترة وجيزة من الوقت، يرحب ويرنج بعودتها بحب واهتمام وكأنه لم يَرَها منذ 20 عامًا.
يشعر ويرنج أنه في المنطقة الحالمة بين النوم والوعي، وكأن ماضيه يختفي في كل لحظة يستيقظ فيها ويتلاشى للعدم. وحينما كان ويرنج في مقابلة ما، أصر قائلًا إنه يشعر بوعيه التام للمرة الأولى، وكأنه كان نائمًا، أو أعمى، أو أصم، أو أبكم، وليست لديه حاسة التذوق أو اللمس أو الشم، ولم يزره أحد من قبل. ففي اللحظة التي شعر بوعيه التام، شعر وكأن أحاسيسه شُغلت للتو. ولكن حينما رأى نفسه يقود فرقة لاسوس لندن على شاشة التلفزيون، نفى أنه الشخص نفسه، إذ قال إنه يجهل من يكون هذا الشخص وليست له علاقة به على الإطلاق. وعندما قرأ مذكراته التي كتبها بخط يده قبل دقائق، شطبها بغضب وأصر قائلًا إنَّ هذه المذكرات كتبها أشخاص آخرون. يؤكد ويرنج بإصرار أنه مات، ولكن في هذه اللحظة أنقِذ من هاوية العدم.
يؤدي فقدان الذاكرة المفاجئ إلى تسليط الضوء على المثابرة والاستمرارية، ومن المثير الاعتقاد أنَّ هذه الأحداث الغريبة النفسية هي التي تسبب نزاعات بالهوية. لكن التفكك الأخير لحبل أنفسنا هو مصير كل منا، حتى لو كان ذلك التفكك بطيئًا. ولا تختلف تغيرات ويرنج السريعة والدائمة عن التغييرات التدريجية التي يمر بها الجميع.
اعتقد بوذا أنه لا توجد ذات حقيقية، وأنَّ الذات مجرد خيال واسم لوصف مجموعة من المكونات المتغيرة باستمرار. وقدم في أحد النصوص تشبيهًا للعربة- فالعربة مصنوعة من أجزاء حقيقية وملموسة على عكس مسمى العربة التقليدية الذي يدل على أجزائها. كما وصف فيلسوف القرن الثامن عشر ديفيد هيوم (David Hume) نفسه أنه ليس أكثر من “حزمة أو مجموعة من التصورات المتتابعة بسرعة في حالة تغير مستمر وحركة دائمة“. وشبّه العقل بالمسرح، المكان الذي تتمثل فيه هذه التصورات والأفكار المتغيرة باستمرار، وتمر بصورة متكررة وتذهب بعيدًا وتختلط. كما اعتقد بمرور الوقت أنَّ الهوية الحقيقية خيالية ووهمية، فيظن أننا نحدد الأشخاص بمرور الوقت خارج نطاق العادة دون سبب فلسفي رئيسي أو مبرر.
وإذا كان ديفيد هيوم وبوذا على حق، فإن فقدان الذاكرة المفاجئ يعد صدمة من أحد المذاهب البوذية التي تفشي حقيقة الأناتا (anattā). ويشير مصطلح الأناتا في البوذية إلى فهم اللاذات وإدراكها. ومن الجدير بالذكر أنَّ أفكارنا وتصوراتنا تكوننا مثلما تتكون وتترابط الفرق الموسيقية، والنوادي، والجيوش، والفرق. ويُنظر إلى الروابط النفسية والسببية القديمة عادةً على أنها شخصيتك في فترة من حياتك وسيكون لها تأثير في بناء شخصيتك المستقبلية. ولكن لا تستمر ذواتنا عبر الزمن، فحتى فرقة الروك استبدلت أعضاءها جميعهم تدريجيًّا باستثناء ميك جونز (Mick Jones) العازف والموسيقي الوحيد المتبقي من الفرقة الأصلية. هل الفرقة الحالية ما زالت أجنبية؟ هل يمكن أنْ ينضم عازف أجنبي بعد 20 عامًا من الآن، إذ تعزف الإناث موسيقى الرقص الإلكترونية؟ يمكننا أنْ نعرف الحقائق كلها المتعلقة بأعضاء الفرقة وموسيقى الروك أند رول، ولكن ما زلنا نعجز عن إيجاد أجوبة موضوعية وقاطعة عن هذه الأسئلة. وكما قال هيوم: فهو مجرد خلاف لفظي أو جدال حول الكلمات. وقد يكون إحساسنا بذواتنا مجرد خيال ووهم وقصة ترويها أدمغتنا لردم فجوة الخسارة والتغيير والتعديل.
أتمتع بذاكرة جيدة، ليس فقط فيما يخص فلاسفة القرن الثامن عشر، بل أيضًا فيما يتعلق بالحقائق والتواريخ، وأعتمد على نفسي في الأمور التافهة. وتعد فكرة أنَّ الأساتذة غافلون وتائهون في عوالمهم الخاصة فكرة مبتذلة، فالحقيقة هي أننا نميل إلى الرؤية النفقية الضيقة عندما نركز على شيء ما، فنصب تركيزنا على الرؤية المركزية ونفقد الرؤية المحيطية لما حولنا. ولكن انعدمت رؤيتي النفقية حينما كنت في منتصف فقدان الذاكرة وكأن ليس لدي أي رابط ملموس يربطني بماضي حياتي ومستقبلها. ولم أفكر في هويتي أو استمراري بشخصيتي الماضية نفسها، وذلك لأنه لم يكن يوجد ماضٍ ذو معنى. بدا الأمر وكأنني أعيش حياتي للتو لحظة بلحظة، ولم تؤثر الأفكار المفاهيمية المعتادة التي ظن الفلاسفة أنَّ تأثيرها حتمي. هذا وقد استمرت تجربتي مع فقدان الذاكرة الشامل العابر حوالي ست ساعات وكان شفائي تدريجيًّا، وكما قال الروائي الفرنسي مارسيل بروست (Marcel Proust) عادت ذاكرتي مثل “حبل نزل من السماء لينقذني من هاوية العدم”. وبعد مرور الوقت بدأت أفهم كيف بدا الأمر، وأشعر بتجولي خلف الكواليس في المسرح للتأكد من سير الأمور كما يجب، فأجد نفسي في مقدمة المسرح أشاهد العرض.
يدعم هواة اليقظة الذهنية عيش اللحظة دون الندم على الماضي أو القلق بشأن المستقبل. ولكنني أوصي بفقدان الذاكرة الشامل العامل كطريقة جيدة للعيش دون إدراك الوقت؛ إذ إنه حالة مؤقتة تفصلك عن الواقع مثل قصة ذواتنا الزمنية التي يسعدني أنْ أرويها.
