هل تتذكر آخر مرة درست فيها دورة لتعلم لغة؟ سواء كانت عبر الإنترنت أو في الفصل الدراسي، تركز على الانغماس أو الترجمة، أراهن أن مهاراتك اللغوية عند نهاية الدورة كانت مختلفة عن مهارات أقرانك. ربما تكون مثل زوجي، أفضل في القراءة والكتابة من التحدث بلغة ثانية. أو ربما تكون مثلي، متفوقًا في الفصل الدراسي لكنك خجول في الحياة الواقعية. ربما قد أتقنت الأساسيات فقط، ولكن ليس أكثر من ذلك.
هذه الأنواع من الاختلافات الفردية توجد في كل مجال، من الرياضيات والموسيقى إلى الفن والرياضة (فكر في الفرق بين بطلة الأولمبياد سيمون بايلز وبقية الفريق الأمريكي للجمباز النسائي). لكن في مجالي، وهو علم نفس اكتساب اللغة الثانية، ظل سبب هذا الاختلاف غير واضح: لماذا يكون تعلم لغة جديدة أسهل للبعض مقارنة بالآخرين؟
بدأت اهتم بتفاوتات الأفراد في اكتساب اللغة الثانية منذ أن كنت في المدرسة الإعدادية، رغم أنني لم أكن لأعبر عن ذلك بهذه الطريقة آنذاك. بل كنت أتساءل لماذا استمتعت بتعلم الإسبانية (ثم الإيطالية لاحقًا) بينما كان الطلاب الآخرون يكافحون. هذا السؤال ظل يراودني، ومنذ ذلك الحين كنت أعمل على فهم لماذا وكيف يتعلم الأشخاص اللغات بطرق مختلفة.
مؤخرًا، كنت متحمسًا لاكتشاف أن عالمة الأعصاب شياوتشيان تشاي وزملاءها في جامعة ماكغيل في مونتريال كانوا يستخدمون تقنية fMRI لحالة الراحة (وهي تقنية تقيس نشاط الدماغ من خلال تتبع تدفق الأوكسجين بينما يكون الشخص مستيقظًا لكنه لا يقوم بأي مهمة) للتحقيق في هذا السؤال بالذات. من خلال دراسة الطلاب في دورة انغماسية مكثفة للغة الفرنسية لمدة 12 أسبوعًا، اكتشفوا وجود تفاوتات كبيرة بين الأفراد في تحسن مهارات اللغة.
لتنفيذ الدراسة، التي نُشرت هذا العام في مجلة ""The Journal of Neuroscience""، قام الباحثون بمسح أدمغة الناطقين باللغة الإنجليزية قبل بدء دورة الانغماس، التي شملت ممارسة اللغة الفرنسية لمدة ست ساعات يوميًا، خمسة أيام في الأسبوع، أثناء العيش في بيئة ثنائية اللغة في مونتريال في كيبيك. إذا كنت ترغب في تعلم لغة بسرعة، فهذه هي الطريقة المثلى لذلك.
بدلاً من الاعتماد على درجات الدورات أو التقارير الذاتية، جمع فريق جامعة ماكغيل بيانات عن الكلام العفوي (عن طريق طلب من المشاركين مثلًا أن يخبروهم عن يومهم على الشاطئ) وعينات قراءة باللغتين الفرنسية والإنجليزية قبل وبعد الدورة. أظهرت تحليلات مسح الدماغ أن الاختلافات في تحسن كل سلوك كانت مرتبطة بالفروق الموجودة مسبقًا في اتصالات الدماغ. باختصار، كان تدفق الأوكسجين في أدمغة المشاركين أثناء الراحة يتنبأ بمدى تحسن جوانب معينة من المهارات اللغوية أو الكلام.
لتنفيذ هذا التحليل، بدأ الباحثون بتوقعات حول العلاقة بين النشاط الدماغي الوظيفي والمهارات اللغوية. استنادًا إلى أبحاث سابقة، كانوا يعلمون أن القراءة تحفز تدفق الأوكسجين إلى منطقة تشكيل الكلمات البصرية في الدماغ، وأن التحدث يتطلب استخدام التلم الجبهي السفلي الأوسط. باستخدام كل من هاتين المنطقتين الدماغيتين كأساس، قام علماء ماكغيل بعد ذلك بحساب الروابط إلى بقية الدماغ. ثم استخدموا تحليل الانحدار (وهو طريقة إحصائية لتقدير العلاقات بين المتغيرات) لفحص خريطة الاتصال لكل شخص في سياق التحسن في درجات القراءة والتحدث.
ليس من المستغرب أن كل مهارة – القراءة والتحدث على التوالي – تعتمد على اتصالات وظيفية مختلفة في الدماغ. كانت القراءة، وليس التحدث، تعتمد على الروابط بين التلم الصدغي المتوسط العلوي ومنطقة تشكيل الكلمات البصرية. بالمقابل، كان التحدث، وليس القراءة، يعتمد على الروابط بين القشرة الحزامية الأمامية والتلم الصدغي العلوي الخلفي مع التلم الجبهي السفلي الأوسط. بالنسبة لكلتا المهارتين، كانت الروابط الأكبر قبل التدريب مرتبطة بزيادة أكبر في الأداء اللغوي بعد فترة الانغماس.
تثير هذه النتائج المزيد من الأسئلة: إذا كانت الروابط تتنبأ بالتعلم، فكيف نتنبأ بتلك الروابط؟ ماذا يمكننا أن نفعل كعلماء ومعلمين لتسهيل هذه الروابط؟
إحدى الطرق لفهم ذلك قد تكون الغوص أعمق في مهارات المتعلمين في لغتهم الأولى – في هذه الحالة، اللغة الإنجليزية. على الرغم من أن تشاي وزملاءها لم يقدموا تقارير عن الفروق الفردية في مهارات المتعلمين في اللغة الإنجليزية قبل التدريب، إلا أنني لا أستطيع إلا أن أربط ذلك بالأبحاث حول المتعلمين ثنائيي اللغة في الولايات المتحدة. تؤكد تلك الأبحاث على أن اللغة الأولى القوية هي المفتاح لاكتساب لغة ثانية قوية، خاصةً بالنسبة للأطفال. وبالتالي، من المحتمل أن بعض الاختلافات في الروابط قد تكون ناتجة عن مهارات اللغة الموجودة مسبقًا لدى المشاركين: مثل مدى قراءتهم أو مدى اجتماعيَّتهم في لغتهم الأولى.
سؤال حاسم آخر هو: ماذا حدث بعد الدورة؟ هل أظهر المتعلمون الأقل كفاءة زيادات أكبر في الروابط العصبية (لأن لديهم مجالًا أكبر للنمو، إذا صح التعبير) أم أقل (لأن هناك علاقة أكثر مباشرة بين الروابط والأداء)؟
قليل من الدراسات تمكنت من متابعة المتعلمين على فترات طويلة بسبب التكاليف المرتفعة ومعدلات الانسحاب العالية، لذا لا نزال لا نعرف إجابات هذه الأسئلة. لدي تجربة مباشرة حول مدى صعوبة الدراسات طويلة المدى: بمساعدة مستشاري وزملائي في جامعة ولاية بنسلفانيا، تابعت مجموعة صغيرة من متعلمي اللغة الإسبانية على مدار عام من التعليم. وجدنا أن مناطق مختلفة من الدماغ – ومهارات معرفية مختلفة – برزت مع تعلم المزيد من اللغة الثانية.
كلما فهمنا أكثر عن كيفية تعلم اللغة، سنتمكن من تحويل تلك المعرفة إلى تقنيات تلعب على نقاط القوة الفردية لكل شخص. الجيل القادم من طلاب المدارس المتوسطة يدخلون إلى عالم أصبح أكثر عالمية من أي وقت مضى، وهم سيحتاجون إلى مساعدتنا.
المصدر: مجلة إيون
