القائمة الرئيسية

لماذا يجعلك التحدث إلى نفسك بصيغة الغائب أكثر حكمة؟

لماذا يجعلك التحدث إلى نفسك بصيغة الغائب أكثر حكمة؟
ملخص المقال

يتناول المقال بحثًا حديثًا حول تأثير التحدث عن النفس بصيغة الغائب (الإليّة) على تعزيز التفكير الحكيم وتنظيم المشاعر. يستعرض الكاتب أبحاث عالم النفس إيغور غروسمان التي أظهرت أن هذه التقنية تساعد في تحسين التواضع الفكري، وتبني وجهات نظر الآخرين، والقدرة على إيجاد حلول وسط، وهي عوامل أساسية للحكمة. في تجربة استمرت أربعة أسابيع، طُلب من المشاركين تدوين مذكراتهم إما بضمير المتكلم أو بصيغة الغائب، وكشفت النتائج أن المجموعة الثانية أظهرت تفكيرًا أكثر حكمة وتنظيمًا عاطفيًا أفضل. كما يشير المقال إلى أن هذه الممارسة يمكن أن تفيد في مجالات أخرى، مثل اتخاذ القرارات المالية والاستراتيجية، مما يجعل الحكمة مهارة قابلة للتطوير، بخلاف الذكاء الذي يصعب تحسينه.

نُنسب إلى سقراط البصيرة القائلة بأن ""الحياة غير المُدركة لا تستحق العيش""، وأن ""معرفة الذات"" هي الطريق إلى الحكمة الحقيقية. ولكن، هل هناك طريقة صحيحة وأخرى خاطئة لممارسة هذا التأمل الذاتي؟

مجرد الاجترار الذهني – أي تكرار التفكير في مخاوفك داخل عقلك – ليس الحل. بل على العكس، قد يجعلك عالقًا في دائرة أفكارك الخاصة، غارقًا في المشاعر التي قد تضللك. فقد أظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين يميلون إلى الاجترار الذهني يعانون غالبًا من ضعف القدرة على اتخاذ القرارات تحت الضغط، كما أنهم أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بشكل ملحوظ.

بدلًا من ذلك، تشير الأبحاث العلمية إلى أنه من الأفضل تبني أسلوب بلاغي قديم كان مفضلاً لدى شخصيات مثل يوليوس قيصر، ويُعرف باسم ""الإليّة"" (Illeism) – أي التحدث عن نفسك بصيغة الغائب. وقد صاغ هذا المصطلح الشاعر صامويل تايلور كوليردج عام 1809، مشتقًا إياه من الكلمة اللاتينية ille التي تعني ""هو"" أو ""ذلك"". على سبيل المثال، إذا كنت أفكر في جدال وقع بيني وبين صديق، فقد أبدأ بالتفكير بصمت قائلًا: ""ديفيد شعر بالإحباط لأن..."". الفكرة هنا هي أن هذا التغيير البسيط في منظورك يمكن أن يبدد الضباب العاطفي، مما يسمح لك برؤية الأمور بوضوح بعيدًا عن تحيزاتك.

أظهرت العديد من الأبحاث أن التفكير بصيغة الغائب يمكن أن يحسّن عملية اتخاذ القرار مؤقتًا. والآن، يكشف بحث جديد، نُشر كمسودة أولية على موقع PsyArxiv، أن لهذه الممارسة فوائد طويلة الأمد على التفكير وتنظيم المشاعر. وأشار الباحثون إلى أن هذه الدراسة تقدم ""أول دليل على إمكانية تدريب العمليات الإدراكية والعاطفية المرتبطة بالحكمة في الحياة اليومية، إلى جانب كيفية القيام بذلك"".

هذه النتائج هي ثمرة أبحاث عالم النفس إيغور غروسمان من جامعة واترلو في كندا، والذي يُعد عمله في مجال علم نفس الحكمة أحد المصادر التي ألهمت كتابي الأخير حول الذكاء وكيفية اتخاذ قرارات أكثر حكمة.

يهدف غروسمان إلى ترسيخ دراسة الحكمة على أسس تجريبية قوية، بعد أن ظل هذا المجال لفترة طويلة يُعتبر غامضًا وغير قابل للدراسة العلمية. ففي أحد تجاربه السابقة، أثبت أنه من الممكن قياس التفكير الحكيم، وأن درجات الأفراد في هذا القياس مهمة، تمامًا كما هو الحال مع معدل الذكاء (IQ). وقد فعل ذلك من خلال طلبه من المشاركين مناقشة بصوت عالٍ معضلة شخصية أو سياسية، ثم قام بتقييم إجاباتهم بناءً على عدة عناصر تُعتبر جوهرية في الحكمة، مثل: التواضع الفكري، تبني منظور الآخرين، إدراك عدم اليقين، والقدرة على البحث عن حلول وسط.

ووجد غروسمان أن درجات التفكير الحكيم كانت مؤشرًا أكثر دقة من اختبارات الذكاء في التنبؤ بالرفاهية العاطفية والرضا عن العلاقات. وهذا يدعم الفكرة القائلة بأن الحكمة – كما تُعرّف من خلال هذه الصفات – هي بُنية فريدة تحدد كيفية تعاملنا مع تحديات الحياة.

بالعمل مع إيثان كروس من جامعة ميشيغان في الولايات المتحدة، سعى غروسمان إلى إيجاد طرق لتحسين درجات التفكير الحكيم، من خلال سلسلة من التجارب اللافتة التي أثبتت فعالية الإليّة (التحدث عن النفس بصيغة الغائب).

في مجموعة من التجارب المخبرية، وجد الباحثان أن الأشخاص يميلون إلى أن يكونوا أكثر تواضعًا، وأكثر استعدادًا للنظر في وجهات نظر الآخرين، عندما يُطلب منهم وصف مشكلاتهم بصيغة الغائب.

تخيل، على سبيل المثال، أنك في خلاف مع شريك حياتك. اعتماد منظور الغائب قد يساعدك على فهم وجهة نظره بشكل أفضل، أو على إدراك حدود فهمك للمشكلة المطروحة. أو لنفترض أنك تفكر في تغيير وظيفتك؛ تبني هذا المنظور البعيد قد يمكنّك من تقييم الفوائد والمخاطر بموضوعية أكبر، بعيدًا عن الانفعالات الشخصية.

لكن هذه الأبحاث السابقة كانت تقتصر على تدخلات قصيرة المدى، مما يعني أنه لم يكن واضحًا ما إذا كان التفكير الأكثر حكمة يمكن أن يصبح عادة طويلة الأمد من خلال التدرب المنتظم على التحدث بصيغة الغائب.

للتحقق من ذلك، قام فريق غروسمان البحثي الأخير بإجراء دراسة شملت ما يقرب من 300 مشارك، حيث طُلب منهم وصف موقف اجتماعي صعب مروا به، ثم قام عالمان نفسيان مستقلان بتقييمهم وفقًا لمجموعة من معايير التفكير الحكيم، مثل التواضع الفكري، تبني منظور الآخرين، إدراك عدم اليقين، والقدرة على البحث عن حلول وسط.

بعد ذلك، طُلب من المشاركين الاحتفاظ بيوميات يومية لمدة أربعة أسابيع. كان عليهم يوميًا تدوين موقف واجهوه، مثل خلاف مع زميل في العمل أو تلقي أخبار سيئة. لكن المشاركين قُسموا إلى مجموعتين:

  • المجموعة الأولى كُلفت بكتابة مذكراتها بضمير المتكلم (أنا).
  • المجموعة الثانية طُلب منها وصف تجاربها بضمير الغائب (مثلاً: ""أحمد شعر بالإحباط لأن..."").

في نهاية الدراسة، خضع جميع المشاركين لاختبار التفكير الحكيم مرة أخرى، لمعرفة مدى تأثير هذه الممارسة على قدرتهم على التفكير بموضوعية وحكمة.

جاءت نتائج غروسمان تمامًا كما كان يأمل. فبينما لم يُظهر المشاركون في المجموعة الضابطة أي تحسن ملحوظ في درجات التفكير الحكيم، أظهر أولئك الذين استخدموا الإليّة (التحدث بصيغة الغائب) تحسنًا واضحًا في التواضع الفكري، وتبني منظور الآخرين، والقدرة على إيجاد حلول وسط.

لكن الأثر لم يقتصر على التفكير الحكيم فقط، بل امتد إلى تنظيم المشاعر والاستقرار العاطفي. ففي مرحلة لاحقة من الدراسة، طُلب من المشاركين توقع كيف ستتغير مشاعرهم—مثل الثقة أو الإحباط أو الغضب—تجاه أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء المقربين خلال الشهر التالي. ثم، بعد انتهاء الشهر، عادوا للإبلاغ عن مشاعرهم الفعلية.

وكما هو متوقع وفقًا لأبحاث سابقة حول ""التنبؤ العاطفي""، بالغ أفراد المجموعة الضابطة في تقدير مشاعرهم الإيجابية، وقللوا من شأن المشاعر السلبية التي قد يمرون بها. أما أولئك الذين احتفظوا بيوميات بصيغة الغائب، فقد كانوا أكثر دقة في توقعاتهم. وعند التدقيق في النتائج، تبين أن مشاعرهم السلبية كانت أقل حدة مقارنة بغيرهم، مما جعل توقعاتهم أقرب إلى الواقع. يبدو أن تفكيرهم الحكيم قد ساعدهم على تطوير آليات أفضل للتكيف والتعامل مع مشاعرهم.

أجد تأثيرات الإليّة على العواطف والعلاقات مثيرة للاهتمام بشكل خاص، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن التحدث عن النفس بصيغة الغائب غالبًا ما يُنظر إليه على أنه تصرف طفولي. يكفي أن نتذكر ""إلمو"" في برنامج الأطفال شارع سمسم، أو شخصية ""جيمي"" المزعجة في المسلسل الكوميدي ساينفيلد—وكلها نماذج بعيدة تمامًا عن التفكير العميق أو الناضج.

من ناحية أخرى، يُنظر أحيانًا إلى الإليّة على أنها علامة على النرجسية—أي النقيض التام للحكمة الشخصية. فقد اعتبر الشاعر كوليردج أن التحدث بصيغة الغائب ليس سوى وسيلة للتستر على الأنانية. ولعلنا نلاحظ ذلك في النقد الذي يوجهه البعض إلى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، إذ يشيرون إلى أنه كثيرًا ما يتحدث عن نفسه بصيغة الغائب. لا شك أن السياسيين قد يستخدمون هذه الأسلوب لأغراض بلاغية بحتة، لكن عند تطبيقه في التفكير التأملي الصادق، يبدو أنه أداة قوية لتعزيز الحكمة واتخاذ قرارات أكثر رشداً.

وكما يشير الباحثون، سيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كانت فوائد الإليّة تمتد إلى مجالات أخرى من اتخاذ القرار، بخلاف المعضلات الشخصية التي ركزت عليها دراسة غروسمان. وهناك بالفعل أسباب تدعو للاعتقاد بذلك. فقد أظهرت تجارب سابقة، على سبيل المثال، أن الاجترار الذهني يؤدي إلى قرارات أسوأ في لعبة البوكر (ولهذا السبب يسعى اللاعبون المحترفون إلى تبني موقف منفصل وعاطفيًا محايدًا)، كما أن الوعي العاطفي وتنظيم المشاعر قد يحسّن الأداء في سوق الأسهم.

في الوقت ذاته، تواصل أبحاث غروسمان إثبات أن دراسة الحكمة تستحق اهتمامًا علميًا دقيقًا، مع إمكانات هائلة يستفيد منها الجميع. فمن المعروف أن رفع معدل الذكاء العام من خلال تمارين الدماغ يُعد أمرًا بالغ الصعوبة، لكن هذه النتائج تشير إلى أن تعزيز التفكير الحكيم واتخاذ قرارات أفضل يظل في متناول الجميع.


المصدر

مقالات ذات صلة