القائمة الرئيسية

الحَزمُ ميزة يكتسبها الجميع بالممارسة

الحَزمُ ميزة يكتسبها الجميع بالممارسة
ملخص المقال

يتناول المقال تجربة شخصية للكاتبة حول صعوبة تعلم الحزم في حياتها الأكاديمية، حيث كانت تجد صعوبة في رفض طلبات الآخرين رغم تأثيرها على وقتها وجهدها. تركز الكاتبة على أهمية الحزم كفضيلة تساهم في تحقيق التوازن بين الصراحة والقسوة، وبين الشجاعة والجبن، استنادًا إلى فلسفة أرسطو التي ترى أن الفضيلة تكمن في الاعتدال. كما تطرقت إلى دراسة تظهر أن النساء يواجهن صعوبة أكبر في ممارسة الحزم مقارنة بالرجال، وقدمت استراتيجيات عملية لتطوير مهارات الحزم، مثل الاقتداء بأشخاص حازمين. تنتهي الكاتبة بتأكيد أن الحزم يمكن اكتسابه بالممارسة وأنه أداة مهمة لحماية الوقت والموارد الشخصية.

بقلم: ريبيكا روشيه 

تعرَّضتُ قبل سنوات لموقف حينما كنت أكاديمية مبتدئة، ففي إحدى الليالي المتأخرة كنت جالسة في المكتبة لإنجاز مشروع يجب أن أسلّمه خلال مدّةٍ زمنية قصيرة، سألني أحد كبار الزملاء عما إذا كنت متفرغة، وأجبتُه بالتأكيد، فاستشارني في خططه لورقته البحثية، وعرضتُ عليه أفكاري، ولكنَّه استمر في طَرْح الأسئلة مرة تلو الأخرى، بدأ يتلاشى الضوء في الخارج، ولم أُحرِز أي تقدم بالمشروع، وما زالت صفحة الوورد (Word) فارغة، فبدأت أفكر بكيفية إنهاء هذه المحادثة، وفي تلك اللحظة التي كنت غارقة فيها في أفكاري، جاءت فرصتي، فقال: “أنا آسف، هل أُلهيكِ عن القيام بشيء ما؟” وأجبته في داخلي:” شكرًا لتفهمك، فأنا بحاجة لأن أبدأ العمل“، ولكنني أجبته قائلة: “لا، ليس لدي عمل لأنجزه”.

غادرتُ المكتب بعد مرور أكثر من ساعة، وأنا أشعر بالضيق بسبب عدم إنجاز أي تقدم في عملي، كيف أُخلِّص نفسي من هذه المواقف بأدب ودون أن أجرح أحدًا؟ فكّرتُ في جميع أصدقائي وزملائي وحتى الشخصيات الخيالية الذين سيتعاملون مع الموقف باحترافية وأدب وذلك لاستغلال وقتهم، فقد كان لدي زميل يتمتع بالجرأة، وحينما أراد العمل، قال بشكل مفاجئ: “يجب علي العودة إلى العمل“، وفي أحد المواقف حينما أراد زميلي الآخر المباشرة في عمله، قال بلطف وصرامة “يبدو ذلك مدهشًا، حظًّا موفقًا” وعلى الرغم من أنَّ كلامهما كان محرجًا بالنسبة لي، إلّا أنه يسهُل الهروب وإنهاء تلك المحادثات بسرعة حينما تكون صريحًا مع الآخرين، لكنني لم أستطِع تخيُّل نفسي أقول هذه الأشياء، فأنا لم أكن من هذا النوع من الأشخاص، والجميع يعرف ذلك عني.

سأكون محرجة أكثر لسرد هذه القصة إذا لم أكن أعرف أن قرّائي متفهّمون، يظهر بحث غوغل (Google) أكثر من 22 مليون نتيجة حول “كيف تكون أكثر حزمًا”، كما تُواجِه النساء مشاكلَ مع الحزم أكثر من الرجال. فقد وجدتْ دراسة أجرتها بوابة العمل الجنساني (GenderAction Portal) في جامعة هارفارد (Harvard University) أن النساء يتنازَلْنَ أسرع من الرجال في مفاوضات الرواتب ويتوقّعنَ ردة فعل عنيفة، كما يشعُرنَ بالإحباط بسبب تصورات الآخرين عن الحزم كسمة غير أنثوية.   

أصبحتُ أكثر حزمًا من قبل، وخصوصًا في أوقات الضرورة، فأنا أمٌّ عزباء، وأعمل في وظيفة بدوام كامل، ويعد التصدي للمطالب مسألة للحفاظ على وقتي واستثماره، لكنني تغيّرتُ بطريقة أخرى أيضًا، فقد تعلّمتُ الفلسفة حول القضايا النظرية في الميتافيزيقيا الذي يُعنى بدراسة ما وراء الطبيعة، لكن بدأت أقلّل تدريجيًّا الوقت الذي أقضيه في تعلُّم الفلسفة التي لا تتعلق مباشرة بالقضايا التي يواجهها عامة الناس كل يوم، لقد أثَّر ذلك على نوع البحث الذي أقوم به، وغيّر اهتماماتي بعيدًا عن بحثي أيضًا، وبدأتُ التدريب بعد أن أدركت أن التحليل الفلسفي يمكن أن يساعد الناس على التفكير في مشاكلهم، وتتضمّن إحدى الاستراتيجيات التي أستخدمها في التدريب تطبيق فلسفة أرسطو (Aristotle) لمساعدة الناس على أن يصبحوا أكثر حزمًا.

كان أرسطو مهتمًّا بكيفية عيش حياة جيدة، وتتطلب الحياة الجيدة شخصية فاضلة، والفضائل هي سمات شخصية موجودة في منتصف الطيف بين رذيلتين، فنجد فضيلة اللباقة بين رذيلتي عدم الأمانة والجلافة، وتكمن الشجاعة بين التهوُّر والجبن، كما تكمن المودة بين الفظاظة والخضوع، ويعتقد أرسطو وآخرون أنَّ الفضيلة تكمن في الاعتدال، ونجدها أيضًا في العديد من الأديان كالكونفوشية والبوذية والإسلام.

يحظى الاعتدال بجاذبيّة بدَهِيّة، فالأطفال يدركون بسرعة أنَّ قول الأكاذيب سيسبّب لهم مشاكل، ولا يتمتعون بالشجاعة عندما يُطلب منهم قول ملاحظاتهم الصادقة حول مدى سوء رائحة مربيتهم، ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالسمات التي نشعر بالقلق حِيالها، فإننا غالبًا ما نغفَلُ عن الاعتدال، ويؤدي القلق إلى أسلوب التفكير الذي مفاده أنَّ حلَّ المسائل يكون إما بالحصول على كل شيء أو لا شيء، في كل مرة يطلب منّا الأشخاص تقديم مهام لهم، فنتمنى أن نتمكّن من الدفاع عن أنفسنا، لكنَّنا نخشى أن نكون مُتعَجرِفين إذا فعلنا ذلك؛ ولهذا السبب تتقلّص خياراتنا إلى خيارَيْن بين أن نكون “يسرين” و “متعجرفين” وما زلنا مراعين للأشخاص، يُسمّي علماء النفس نمط التفكير في كل شيء أو لا شيء “الانقسام”، ويعد الانقسام أحد أعراض بعض اضطرابات الشخصية نتيجة رؤيتنا للعالم في طفولتنا؛ إذ كنا نصنِّف الناس إما “أخيارًا” أو “أشرارًا”، نتعلم في النهاية أن نرى الفروق الدقيقة بين النَّقيضَيْن، لكننا قد نُخطئُ ونفكر في كل شيء أو لا شيء في بعض الأحيان دون وعي، لذلك تذكير أنفسنا بأن الحزم مثل الصدق موجود على طيف وأن الفضيلة تكمن في الاعتدال من إحدى الطرق التي قد يساعدنا بها اتباع نهج أرسطو على أن نكون حازمين كما يجب.

يعدُّ التعامل بحزم غير مريح للأشخاص الذين لم يعتادوا عليه، فكيف للأشخاص المتسامحين جدًّا أن يكونوا صارمين دون الشعور بالقسوة أو الخجل؟ تعد فضيلة الحزم بالنسبة لأرسطو فضيلةً مهمة، ويجب على الجميع تعلمها؛ فنحن لا نولد متناغمين بالفطرة مع التوازن الصحيح بين عدم الأمانة والصراحة القاسية، والجبن والتهور، والفظاظة والخضوع، كما أننا بحاجة إلى تنمية العادات الصحيحة من خلال الممارسة، وقد أكَّد أرسطو على أهمية المجتمع والتعليم ودور القدوة خلال تنمية تلك العادات، فنتعلم من خلال إحاطة أنفسنا بأشخاص صالحين واتباع أمثالهم والاعتماد على نصائحهم وإرشادهم أن نكون أشخاصًا صالحين والاقتداء بهم، وتعد هذه نقطة مألوفة، فأجيال الآباء والمعلمين يشعرون بالقلق حول وجود نماذج إيجابية يقتدي بها الأطفال، هذا وقد ادَّعى رجل الأعمال الأمريكي والمتحدث التحفيزي جيم رون (Jim Rohn) أننا نِتاج الأشخاص الخمسة الذين نقضي معظم الوقت معهم.

نظرًا لأهمية تعلُّم الحزم، فمِنَ الطبيعي أن يكون الأمر محرجًا في البداية، كما نبدأ طريقنا بالتعلم من خلال الجمل عندما نتعلم لغة جديدة؛ فقد يكون التصرُّف بحزم غير مريح للمبتدئين، ولكن الممارسة ستجعل الحزم أسهل وستحسّن الطلاقة اللُّغويّة.

كيف نمارس الحزم؟ لا يوجد تطبيق كتطبيق دوولينجو (Duolingo) يعلمنا الصرامة، ولا معجم نراجع منه المفردات، كما أنه لا توجد قواعدُ نَحْويّة نتّبعها، وهنا يأتي دور القدوة الأرسطية (Aristotelian role model)، يعرف الأشخاص غير الحازمين الكثير من الأشخاص الحازمين، فكلما زاد إحباطنا بسبب افتقارنا إلى الحزم، زاد انشغالنا بأشخاص لن يستطيعوا تحمُّل ما تحملناه، يبدو الأمر وكأننا مُغرَمون بتعذيب أنفسنا بمقارنات سلبية مع الأشخاص الحازمين، ولكن قد يساعدنا فَهمنا لمعنى مهارة الحزم التي يمتلكها الآخرون على الخروج من الروتين البسيط، فكِّر بتلك الزميلة أو المؤلفة أو الشخصية الخيالية التي كانت سترفض العمل الإضافي الذي قمت به توًّا، ما التصرف الذي ستتخذه في تلك اللحظة؟ ماذا ستقول؟ ما لغة الجسد التي ستستخدمها؟ بمجرد أن تتوقّع ردود أفعالهم على ذلك الموقف، قم بردّة الفعل نفسِها، فيعد التركيز على القدوة وسيلة فعّالة للهروب من أسلوب تفكيرك الذي مفاده أنَّ حل المسائل يكون إما بالحصول على كل شيء أو لا شيء، وتذكَّر حين تراودك أفكارٌ مغلوطة كقول: “إذا دافعتُ عن نفسي سأبدو متعجرفًا”، أنَّ قدوتك ليست متعجرفة؛ ولهذا السبب تحتذي بها.

ولكن ماذا لو لم تكن من هذا النوع من الأشخاص؟ ماذا لو كان الجميع يعلم أنك شخص معطاء، ولهذا السبب يستغلّون مساعدتك؟ لحسن الحظ أن لا شيء من هذا مهم، فأنت لست مقيدًا بسلوكك السابق أو بتصورات الآخرين عنك، وتذكر أن الفضائل تُكتسَب من خلال الممارسة، وبمجرد أن تتصرف بحزم، ستشعر بأنك شخص حازم. وعندما نقول أشياء مثل: “إنها حازمة”، فإنَّ ما نعنيه غالبًا هو أنها تتصرف بحزم ويسر، فاكتسابها لمهارة الحزم دليل على أنها طوّرتْ عادة الحزم، وهذا شيء يمكنك اكتسابه أيضًا من خلال ممارسة الحزم بالتدريج.

يمكننا استخدام بعض الاستراتيجيات لزيادة حزمنا، فعندما يطلب منا شخص ما أداء خدمة وجهًا لوجه، نشعر بأننا ملزمون على الرد في اللحظة نفسها، فإما نقول “لا” باللحظة نفسها، أو سنُكلَّف بعبء آخر، ويعد هذا مثالًا آخر على التفكير في كل شيء أو لا شيء، ولكن حينما تتعرَّضُ قدوتك للموقف نفسه، فإنها لن تشعر بأنها ملزمة على الرد في اللحظة نفسها، فهي مدركة لأحقيّتِها في قضاء بعض الوقت للتفكير، وقد تقول: “سوف أرد عليك غدًا” أو “اسألني مرة أخرى في غضون أسبوع“، اتّباعُ هذا النهج لا يشتري لك الوقت فقط، بل يُمكِّنك أيضًا من قول” لا” عن طريق البريد الإلكتروني، بدلًا من قولها وجهًا لوجه، ولكن إذا كنتَ مُلزمًا بأن تجيب في اللحظة نفسها وجهًا لوجه ودون تفكير، فحاوِل أن تأخذ نفسًا، وتفعل ما كانت ستفعله قدوتك، وتقول: “لا أستطيع الالتزام بذلك الآن.”

وفي الختام، تذكَّر أنه لا يمكنك منع الناس من المطالبة بوقتك وطاقتك، ولكن يمكنك تطوير مهاراتك لحماية وقتك، وتذكَّر أيضًا أنَّ رفضك للقيام بالمهام الأخرى لا يدلُّ على أنك متعجرفٌ أو أنانيٌّ أو غير متعاون أو أي من الأفكار الأخرى التي تقلق بشأنها، فكِّر في الطيف الأرسطي، وفي قدوتك الحازمة، وفي الشخصية التي تطورها في كل مرة تقول فيها “لا“، ثم استثمِر ذلك الوقت الذي قمتَ بحمايته في مشاريعك واهتماماتك.

المصدر

 

مقالات ذات صلة