اللُّطف والطيبة، ليستا نفس الشيء؛ إذ تعني الأولى أن تكون طيّبًا مع الآخرين، فيما تعني الأخرى أن تكون لطيفًا. هُما لا تتطلبان التواجد معًا دائمًا. إذ يقول البعض، على سبيل المثال، إنّ سُكان نيويورك طيّبون، لكن ليسوا لطفاء (“إطار سيارتك مثقوب، يا أحمق – أعطني جاك الرفع”)، في المقابل، يعتبر سُكان كاليفورنيا لطفاء، لكن ليسوا طيّبين (“يبدو أنّ لديك إطارًا مثقوبًا هنا – أتمنَّى لك يومًا سعيدًا!”).
بالرغم من الاختلافات العملية بين هاتين الصفتين، عادةً لا يفصل علماء الاجتماع بين الُّلطف والطيبة، بل يدمجونهما معًا تحت سقف “السلوك الاجتماعي الإيجابي”. وتشمل هذه الفئة أفعالاً مثل: مساعدة الآخرين دون طلب أو تقديم مكافأة أو التبرع للأعمال الخيرية أو إطراء شخص ما. وتشير الأبحاث إلى أنّ كونك اجتماعيًا بشكلٍ واضح يزيد من السعادة، بمعدلٍ أكثر من التركيز على نفسك. والعكس صحيح أيضًا إذ اكتشفت مراجعة حديثة للمصادر الأكاديمية أنّ الأشخاص الأكثر سعادة يتصفون بالسلوك الاجتماعي الإيجابي بشكلٍ أكبر. باختصار، من أجل رفاهيتك الخاصة، هناك أسباب وجيهة لمحاولة أن تكون لطيفًا.
لكن للأسف، نفشل كثيرًا. إذ في العادة، نتصرّف بشكلٍ غير لائق؛ لأنّ الآخرين ليسوا لطفاء معنا. فعلى سبيل المثال، قد تتعهد أن تقوم بمعاملة زوجتك بشكلٍ أفضل وتبدأ اليوم بأفضل النوايا. ولكن في وقت الإفطار، تقول زوجتك باستخفاف شيئًا تفسّره كانتقادٍ لك، مما يصدر منك ردة فعل غير لطيفة، مما يثير الغضب ويشعل جدالاً في الحال. لذلك، أفضل طريقة لتجنب هذا الدوران السلبي هي تفعيل وتعزيز دورة ردود الفعل المعاكسة: وهي الدورة التي تبدأ باللطف وتقود إلى السعادة، ومن ثمّ اللطف.
معظمنا يعتبر نفسه جيدًا تجاه الآخرين، وفقًا لإحدى الدراسات البريطانية، فإن 98% من الناس يعتبرون أنفسهم أطيب من غيرهم. وإذا كان هذا ممكنًا رياضيًا، فسنكون جميعًا على أتمّ الاستعداد لمساعدة جيراننا وزيادة جرعة سعادتنا والرغبة في المساعدة بشكلٍ أكبر حتى. هذا هو مبدأ دورة ردود الفعل الاجتماعية الإيجابية.
لكن مع الأسف، يمكننا أن نقطع الحلقة المثمرة بسهولة. ففي بعض الأحيان يحدث ذلك بالصدفة: قد تتلقى رسالة نصيَّة أثناء التسوق مفادها أنّ طفلكلم ينجح في مادة الرياضيات، ثمّ يبدأ صبرك بالنفاد مع أمين الصندوق. وفي كثير من الحالات، قد يقع اللوم على الجهات الفاعلة المُسيئة، أيّ الأشخاص الذين يجازون السلوك الاجتماعي الإيجابي بالسوء، ومن ثمّ يحوّلون المشاعر الطيبة إلى مشاعر سلبية.
في سبيل دراسة هذه الظاهرة في إعدادٍ مختبري، قام باحثون في العقد الثاني من الألفيَّة بإجراء “تجارب المنافع العامة”، في 16 مجتمعًا حول العالم. هذه التجارب تتضمن أن يقرّر الناس ما إذا كانوا سيساهمون بشكلٍ علنيّ -باختيارهم الشخصي- في مجموعة من الاستثمارات، حيث يتم توزيع الأرباح على المجموعة بأكملها بغض النظر عن المساهمة الأصلية. ومن ثمّ يتفاعل المشاركون مع مساهمات الآخرين إما بالقبول أو بالعقاب. في حين اكتشف الباحثون أنّ في المجتمعات التي ليس لديها تقاليد قوية للتعاون المدني، قد يقوم الممثلون للسلوك اللامجتمعي عن طريق معاقبة المساهمين الأكثر سخاءً.
وأنت تعرف بشكلٍ غريزيّ من هُم هؤلاء الأشخاص الذين يقاطعون اللطف والسعادة. وفي بحث علمي نُشر عام 2014، بعنوان: “المتنمرون يرغبون فقط في الاستمتاع”، قام ثلاثة علماء نفس بدراسة سلوك الأشخاص الذين يستمتعون بنشر مواد سلبية ومسيئة على شبكات الإنترنت لإزعاج وإحباط الآخرين. ووجد الباحثون أن التنمر يرتبط بشكلٍ إيجابي مع سِمات الشخصية الضارة مثل الاعتلال النفسي والمكيافيلية (عناصر ما تُعرف بالثلاثية الظلامية). وقد أظهرت البحوث الإضافية أن حوالي 7% من السكان يمكن تصنيفهم كشخصيات ذات ثلاثية ظلامية – بعبارةٍ أخرى، إنّ المتنمرين موجودون بيننا.
وحتى لو لم تكن لديك مثل هذه الصفات، فعندما تتم معاقبتك على لطفك، فمن المتوقع منك أن ترد بالمثل. وما يوحي به ذلك عن الحياة الواقعية: فقط تخيل أنك تبدأ يومك بكل نية للتصرف بلطفٍ وتتوقع أنك ستصبح أكثر سعادة نتيجة لذلك. ولتحقيق هذه الغاية، فإنك قد تقوم بنشر شيء مبهج على وسائل التواصل الاجتماعي لإضفاء البهجة على يوم شخصٍ ما. وبشكلٍ روتيني ونظرًا لأن وسائل التواصل الاجتماعي هي مجتمع منخفض التعاون، فقد تتلقى حينها ردًا ساخرًا، يدين ما قلته باعتباره غبيًا تمامًا. والآن، الأمر الأكثر تعاسة هو أنك ترد بإهانةٍ من جانبك لشعورك بالإحباط فحسب.
وللتأكد من استمرار نوايانا الحسنة طوال اليوم، فإننا نحتاج إلى الاستمرار في الحصول على ردود فعل إيجابية وتجنب المقاطعات. وفيما يلي ثلاث استراتيجيات للبقاء في المسار اللطيف والسعيد.
1. ابدأ (وأعد استئناف) الدورة
ابدأ كل يوم بالعزم على معاملة الآخرين بلطف وبأسلوبٍ ممتع. واستكمل ذلك بفعل محسوس للطيبة بأسرع ما يمكن. فعلى سبيل المثال، في تنقلاتك الصباحية، اسمح لشخصٍ ما بالدخول في زحمة السير، وابتسم له عندما تفعل ذلك. بالتأكيد قد تشعر بالسعادة.
فإذا قاطع شخص ما هذه الدورة اللطيفة والسعيدة، فتذكر أن ردة فعلك يمكنها أن تستأنف الدورة من جديد. فعلى سبيل المثال، إذا كنت تعيش في مدينة بوسطن مثلي، فمن المرجح أن يشير إليك الشخص الذي قد سمحت له بالدخول في زحمة السير بإصبعه بدلاً من أن يقوم بشكرك. في مثل هذه الحالة، لا تقم بفعل ما هو طبيعي. بدلاً من ذلك، قل لنفسك: “لن أسمح لهذا الشخص أن يقوم بقطع دورتي السعيدة”. وإذا كان هذا يبدو سخيفًا، فقط اضحك على نفسك وافعله على أيّ حال.
2. تجنّب المقاطعات
بعض الاضطرابات في دورتك المثمرة لا يمكن تجنبها. ولكن يمكنك ذلك عن طريق تجنب بعض المجالات في الحياة التي غالبًا ما تكون مهيمنة بشكلٍ خاص على أشخاص يستمتعون بإحداث اضطرابات. فإذا كان مكان عملك مليئًا بالأشخاص المتنمرين، فكّر في البحث عن وظيفة جديدة. وإذا كنت تعيش في مكان يسوده التعاون المنخفض والروح الغير وديَّة بشكلٍ عام، فكّر في الانتقال إلى مكانٍ آخر. ومن المحتمل أنه لا يحتاج إلى ذكر أنه يجب أن تفحص استخدامك لوسائل التواصل الاجتماعي وتسأل نفسك إن كان يفي بمعايير الفوائد مقابل التكاليف بالنسبة لرفاهيتك. وربما يمكنك زيارة منصة تتمتع بتقاليد أكثر لطفًا مقارنةً بتلك التي تستخدمها حاليًا. أو ربما حان الوقت لتقول وداعًا بشكلٍ نهائي لتلك المنصة بأكملها.
3. لا تقم بتعطيل الدورة بنفسك
للأسف، حتى إذا كنت لست متنمرًا، فمن المحتمل أنك ستقاطع أحيانًا الدورة اللطيفة والسعيدة الخاصة بالآخرين. ففي بعض الأحيان، قد يزعجك لطف شخص آخر وقد تكون ردة فعلك سيئة عندما تمرّ بيوم غير لطيف.
وبينما تقضي يومك، فقط تذكّر أن الدورة المُثمرة هشَّة وأن ردود الفعل التي تخلقها قد تتجاوز مجرد رد فعل غير لائق. فعندما تخطئ اعترف بذلك، وقل إنك آسف. قد يؤدي هذا الفعل الصغير من الندم في حدّ ذاته إلى إعادة استئناف حلقة ردود الفعل، مما يضعك أنت -والشخص الآخر- على مسارٍ جيد نحو سعادة أكبر. وعلى سبيل المثال، فإذا أسأت تفسير تعليق زوجتك على أنه نقد أو انتقاد تجاه بائع البقالة، فاعتذر بسرعة وابذل قصارى جهدك لفعل شيء لطيف.
تعمل دورة ردود الفعل بطبيعة الحال على المستوى الفردي. ولكن لديها أيضًا القدرة على الانتشار من خلال شبكات الأشخاص والتأثير على الثقافة بأكملها. إذ أعتقد أن الولايات المتحدة تمرّ بدورة ردود فعل سلبية من التعاسة والسلوك العدائي. فعلى سبيل المثال، يهيمن العداء على المشهد السياسي. والأشخاص الذين لا يهتمون بالسياسة يكادون لا يتجنبون الأخبار اليومية التي أصبحت تنبعث منها مشاعر سيئة. حيث أظهر مقال نُشر عام 2022، في مجلة العلوم (PLOS One) أنّ لغة العناوين الرئيسة قد زادت بشكلٍ كبير في الغضب والاشمئزاز والخوف والحزن على مدى العقدين الماضيين.
إنّ هذه الاضطرابات المستمرة في الدورة الوطنية السعيدة تقلّل من سعادة الجميع، فالمواطنون غير السعداء يدعمون السياسيين السلبيين ويستهلكون وسائل الإعلام الإخبارية الغاضبة، مما ينجم عنه مواطنون غير سعداء. وربما يتكهن المرء حتى بأن نظامنا قد يرقى بالمتنمرين الذين يتغذون على السلبية إلى مناصب عليا (أو أنه قد يكون قد فعل ذلك بالفعل).
والحلّ هنا هو أن نقاطع هذه الدائرة المحتملة للهلاك الثقافي إن كنَّا قادرين على هذا، وذلك من خلال أجندة سياسية تهدف إلى العمل من أجل الأغلبية بدلاً من معارضة الأعداء السياسيين، ووسائط إعلامية ترفع من معنويات الناس، وقادة يتحلّون بالإيجابية وينتمون إلى التيار الرئيسي، وليس على الهامش الغاضب. فمثل هذا المستقبل لن يجعل مشاكلنا تختفي كالسحر. إذ تظلّ الخلافات الشرعية تفصلنا وسيحاول المتنمرون القيام بذلك بأساليب غير شرعية. ولكن لن تتحول الخلافات بشكلٍ مشترك إلى إهاناتٍ وتهديداتٍ وستكون قدرة المتنمرين أقل.
ثمّ مرَّة أخرى، كما قد تقرّر النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قد يبدو كل هذا سخيفًا تمامًا.. في هذه الحالة، أتمنَّى لك يومًا سعيدًا.
