القائمة الرئيسية

أصعبُ القرارات التي تتخذها الأمهات

أصعبُ القرارات التي تتخذها الأمهات
ملخص المقال

يتحدث المقال عن تجربة كاتبة تأمل في الوقت الذي يمر بسرعة وتدرك أنها على وشك أن تفقد فرصة العيش مع ابنها الأكبر تحت نفس السقف بعد عام واحد فقط. يسرد المقال مشاعر الأمومة العميقة تجاه أبنائها، وكيف أن حبها وعاطفتها لا يقتصران على اللحظات اليومية فقط، بل يشملان أيضًا تحديات التوازن بين العمل والحياة. تشير إلى أنها فاتتها العديد من المباريات بسبب التزاماتها المهنية، ولكنها قررت أخيرًا أن تعطي الأولوية لحضور المباريات المهمة في موسم كرة القدم، مما جعلها تقدر اللحظات الصغيرة والمهمة مع أولادها، وتدرك أهمية التواجد الفعلي بجانبهم في أوقات حاسمة.

بقلم: ماري لويز كيلي

أَحْسُبُ الأسابيع، وقبل ذلك كنت أَحْسُبُ الأشهر، وقريبًا سوف أَحْسُبُ الأيام.   

أنا أحْسُبُ الوقتَ المتبقي قبل أن يغادر طفلي الأكبر المنزل، الوقت المتبقي لنعيش نحن الأربعة معًا تحت هذا السقف كعائلة مُترابطة.

طفلي جيمس، الذي طالما أحبَّ كرة القدم ولازال يُحِبّها. هناك صورة له وهو في عُمر عام واحد –عام واحد!– مع كرة قدم صغيرة عند قدميه وابتسامة عريضة على وجهه. تعلّم المراوغة قبل أن يتعلّم المشي، والآن أصبح عُمره 16 عامًا، وصار مهاجمًا أساسيًا في فريق الجامعة بالمدرسة الثانوية، هو شغوف بهذه المباريات.

جيمس كالعاصفة، وفوضويّ بشكلٍ كبير، حتى شقيقه الأصغر المراهق يشعر بالاستياء من فوضاه. الصبي الذي نتحدث عنه يقوم بتخصيص مساحة وسط كل هذه الفوضى ليجهز زيّه بعنايةٍ شديدة في الليلة السابقة للمباراة، حيث ترون الأحذية الرياضية وواقيات الساق وكنزة الجيرسي العزيزة على قلبه –التي تحمل الرقم 7– جميعها مغسولة ومرتبة بالقرب من سريره. وعندما يحين وقت المباراة وتنطلق صفارة الحكم يلعب جيمس بكل قواه.

غالبًا ما تُقامُ المباريات الجامعية، في أيام الأسبوع، حوالي الساعة 4 مساءً. هل تعرفون ماذا يحدث أيضًا في أيام الأسبوع الساعة 4 مساءً؟ يبثّ برنامج All Things Considered، على قناة NPR مباشرةً على الهواء.

تحوِّل التكنولوجيا العديد من الأشياء المستحيلة في السابق إلى حقيقةٍ ممكنة، لكن مهندسيّ البثّ لم يتوصّلوا بعد إلى كيفية تقديم برنامج إخباري وطني يومي من مدرجات الملاعب… هكذا فاتتني مبارياته لسنوات.

كان جيمس متفهمًا في الغالب، حيث كان والده يحضر كل مباراة يستطيع أن يحضرها، وكان الآباء الآخرون يشجعون جيمس أثناء المباريات، وفي كل مرة كان يعود إلى المنزل ويشرح لي أدقّ التفاصيل عن المباراة على مائدة العشاء. وكنت أشعر بالأسى، لكنني كنت أعزّي نفسي بمعرفة أن هناك دائمًا مباراة أخرى. وكنت أقول لنفسي سأعثُر على طريقة تمكنني من الحضور في المرة القادمة، ولن أعير اهتمامًا للعمل. إلا أن السنوات مرَّت، حتى انتقل من الصف التاسع إلى الصف العاشر، ومن ثمّ إلى الصف الحادي عشر. وفجأة وصل جيمس إلى مرحلة التخرج، ولم أتمكن من حضور المباريات.. ولم يعد هناك أخرى.

هناك ملايين الكتب التي تَتَحدث عن التوفيق والتوازن بين العمل والحياة ومعرفة كيفية موازنة عملك والجهد الذي تبذله، وكيف يمكنك تحقيق ذلك. ابدأ بالقراءة، وسَتَجد أن جميعها تقريبًا تستهدف الآباء الصغار في بداية المشروع. تقدم هذه الكتب واحدًا تلو الآخر التشجيع والمشورة للأمهات الجدد الغارقات في اضطراباتهم الهرمونية والشعور بالذنب، بسبب إرسال الحضانة أو المربية صورة لأحد أبنائهن وهو يأكل موزته الأولى بسعادة، حتى لو كانت مجرد موزة، لكنهم لن يتمكنوا من استعادة تلك اللحظة أبدًا، وأعرف ذلك لأنني عشت هذه التجربة من قبل.

ولكن ما لم أكن أعرفه هو أن قوة التعلّق عندما يبلغ طفلك 17 عامًا هي نفسها عندما يكون عُمره سبعة أسابيع أو سبعة أشهر، وبالنسبة لي، فهذه القوة أكبر في الواقع. صدِقوني أيها الآباء الصغار، كل شيء يمرّ سريعًا بغمضة عين.

معظم الأمهات العاملات اللواتي أعرفهن عقدن اتفاقًا مع أنفسهن. عندما يتعارض العمل مع الأطفال، يأتي الأطفال في المقدمة. في يومٍ ما تَركْتُ كرسي المذيعة في ستوديو 31 -الرئيسي للإذاعة الوطنية العامة-، في منتصف البثّ المباشر وأعلنت لمضيفي المشارك وللمخرج المذهول: “يجب أن أذهب”. لا يمكن للمرء أن يفلت هكذا عادة، ولكن عندما تصلك رسالة نصيَّة من جليسة الأطفال تبدأ بـ: “نحن في غرفة الطوارئ…”، لا يسعك إلا أن تقف وتجري.

عندما كُنت في بغداد/العراق عام 2009، كجزء من تَجمّع الصحافة في البنتاغون لتغطية زيارة وزير الدفاع الأمريكي، مرتدين جميعًا الدروع الواقية من الرصاص والخوذات، كان يتمّ اقتيادنا نحو مروحيات بلاك هوك، التي ستنقلنا إلى المؤتمر الصحفي التالي، رنّ هاتفي المحمول، كانت ممرضة المدرسة في واشنطن تريد أن تخبرني أن ابني –الآخر ألكسندر الذي كان عُمره آنذاك 4 سنوات– مريضٌ جدًا. ما مدى السرعة التي يمكنني فيها الوصول إلى هناك؟ “بعد غد”! هو الرد الدقيق على هذا السؤال، لكن الخطّ انقطع لحسن الحظ قبل أن أضطر إلى إخبارها بذلك. تلك الليلة في بغداد بكيت طويلاً حتى نمت، وبعد فترة ليست طويلة، تركت وظيفتي.

لم أكن لأصدق ما سأكتبه الآن في ذلك الوقت، لكن هذه كانت المكالمات السهلة، حين تصلك رسالة حول استدعاء يذعرك، ومن ثمّ ينبض قلبك بالحبّ لطفلك فتقف وتجري. لقد استغرق مني وقتًا طويلاً لأدرك أنّ المكالمات الصعبة هي تلك المكالمات المتعلقة بمباريات كرة القدم، التي أتلقاها بعد ظهر الخميس في المدرسة الثانوية، التي لا أقف وأجري بسرعةٍ خارج الاستوديو من أجلها، لأنّ هناك “المزيد من المباريات الأخرى”.. وكان هناك المزيد منهم.

أدرك أنني محظوظة لأنني أمتلك خيارًا في كيفية قضاء وقتي. ولا يمكنني أن أصدر الأحكام على الآخرين الذين يتخذون اختياراتهم بشكلٍ مختلف، أو المقتنعين باختياراتهم –أُحيي هؤلاء، هل يمكنكم أن تؤلّفوا كتابًا لترشدونا إلى كيفية القيام بذلك؟– كما أعلم أن ليس كل من يقرأ هذا المقال أبّ.

هذه هي قصتي الخاصة، أمَّا قصصكم فستكون مختلفة، لكن القواسم المشتركة بيننا هي معرفة أنه لن تكون هناك ساعات كافية في اليوم أو سنوات كافية على هذه الأرض للقيام بكلّ ما نرغب.

أدركت في العام الماضي أن ابني الأكبر سيعيش معي تحت نفس السقف لمدة عام دراسيّ إضافي واحد فقط. وفي الفترة الأخيرة، فقدت والدي، فيما بلغت الخمسين من عُمري، وما زلنا جميعًا نحاول استرجاع روتيننا الطبيعي بعد الوباء الذي قلب حياتنا رأسًا على عقب. لذا لا أعتقد أنّ هناك فرصة أنسب للتأمل من هذه.

بعد التفكير في الصفقات التي أبرمتها مع نفسي، اتخذت قرارًا: كنت أرغب في حضور مباريات أبنائي في الخريف الماضي، فكما يهتم أبنائي بكرة القدم كثيرًا، أهتم أنا بهم كثيرًا. ولم يكن هذا متعلقًا فقط بوصول جيمس لسنته الأخيرة، فقد كان هذا أيضًا هو الموسم الوحيد الذي من المحتمل أن يرتدي فيه الأولاد نفس الزيّ الرسمي في نفس الملعب في نفس الوقت. 

كلاهما لاعبان قويان، ولكن بسبب الفجوة العُمرية بينهما، التي تبلغ عامين وشهرين، لم يكونا في نفس قائمة اللاعبين قط. لسنوات كانت عطلات نهاية الأسبوع العائلية عبارة عن تقسيم المهام وإنجازها، حيث كان زوجي يقوم بإيصال أحد أطفالنا إلى جميع مبارياته وبطولاته، وأنا أقوم بالقيادة غالبًا لعشرات أو مئات الأميال في الاتجاه المعاكس لإيصال طفلنا الآخر. وكانت هذه هي فرصتي للحضور لكليهما وضرب عصفورين بحجرٍ واحد.

فكرت في التنازلات التي سأقدّمها عند التخلي عن منصبي في الإذاعة لفترةٍ طويلة. لم تكن تنازلات تافهة، ولكن كانت أشياء عليّ التضحية بها، لذلك طلبت أن أقضي ستة أسابيع بعيدًا عن غرفة الأخبار. كان غرضي من الإجازة أن أكتب كتابًا، لكنني طلبت أن تتزامن الإجازة مع ذروة موسم كرة القدم في المدرسة الثانوية. كانت الخطة هي أن أتوقف عن العمل كل يوم حتى الساعة 3:30 بعد الظهر، ثمّ أضغط على زرّ “حفظ” وأغلق جهاز الكمبيوتر، وأذهب بسرعةٍ إلى الملعب لأشجع أبنائي أثناء المباريات. كانت ستكون تلك أجمل أيام حياتي، وكانت بالفعل في بعض الأيام.

كان أول يوم لي في إجازة الكتابة رائعًا. ففي أوائل الخريف، كانت السماء زرقاء وكان النسيم عليلًا ولكن أشعة الشمس لا زالت دافئة، في ذلك اليوم تدفقت الكلمات من رأسي إلى جهاز الكمبيوتر. أمَّا على أرض الملعب، فقد استغرق جيمس بضع دقائق للتأهب، ومن ثمّ سجّل هدفًا تلو الآخر، وسدَّد الهدف الثاني عن طريق تمريرةٍ متقنة من كعب قدمه. صاح والد أحد الأولاد الأصغر سِنًا: “يا إلهي، لقد جعل تلك التسديدة الصعبة تبدو سهلة!”، واستدار لمصافحتي. ومن المدهش أنه تمكن من الوصول إليّ حيث كنت أقفز فرحًا بكل فخر وحبّ.

وكانت هناك أيام أفضل من تلك، ففي عيد ميلاده السادس عشر، سجَّل ألكسندر في الثواني الأخيرة من المباراة هدفه الأول كلاعب في المنتخب الجامعي، حتى أن طلاب السنة الأخيرة اقتحموا الميدان لتهنئته. لم أرَ من قبل صبيًا مثله، عيناه مشرقة وتعلو وجهه ابتسامة عريضة جدًا. في طريقي إلى المنزل، مازحته قائلة: “أنت تعلم أنّ هذا أفضل ما قد يحدث في حياتك، أليس كذلك؟ هدف رائع في يوم عيد ميلادك السادس عشر أمام المدرسة كلّها؟ هل تعلم أن الحياة قد يشوبها التعقيد من الآن فصاعدًا؟”. 

وأفضل يوم على الإطلاق كان يومًا عاديًا، في مباراةٍ ليست ذات أهمية خاصة في بداية الموسم، حين كان يلعب جيمس وألكسندر في نفس المركز. هذا يعني أن الجانب السلبي لوجودهم في نفس الفريق هو أنّ ألكسندر نادرًا ما يدخل المباراة كلاعب بديل. كان جيمس بصفته أحد طلاب السنة الأخيرة يدخل المباراة كلاعب أساسي كل مباراة وينهي معظمها، أمَّا ألكسندر والعديد من اللاعبين الشباب الآخرين لا يدخلون المباراة إلا إذا كانت النتيجة لصالحنا لدرجة أنَّنا كنّا متأكدين من الفوز. عندما يُستبدل أحد اللاعبين بآخر، فمن المفترض أن يحدث ذلك بسرعةٍ لتفادي أيّ اضطرابات. يغادر أحد اللاعبين أرضية الملعب بسرعة، بينما يجري الآخر للملعب بسلاسة. عندما هرول ألكسندر إلى الملعب للتبديل مع أخيه في ذلك اليوم، صافحه بقبضة يده، ولكن لبرهة من الزمن توقف جيمس وضغط على كتف ألكسندر. وكانت هناك نظرة خاطفة من الأخر الأكبر للأخ الأصغر: أنت لها! كان أمرًا بسيطًا لم يلحظه أحد غيري، ومثلما يحدث مع شخصية غرينش، نمَا قلبي ثلاثة أضعاف حجمه في تلك اللحظة.

لم يكن كل يوم بهذه العظمة، فقد مرَّت أيام لعبا فيها بكل قوة وخسرا المباراة على أيّ حال. وهناك أيام عادا فيها إلى المنزل بالاستياء والكدمات. تعرّضا لتشنجاتٍ في الساق وخلع في الكتف وتأخيرات بسبب الأمطار. كانت هناك أيام خرجا فيها من الملعب وهما يعرجان ويدمعان. وكنت حاضرة في كل ذلك.

ومع مرور الأيام، لم أعد قادرة على كتابة فصول كتابي بانسيابية كما السابق. كنت أحدق في الموعد النهائي، وأفكر في عدد الكلمات التي يجب أن أكتبها بحلول نهاية إجازة الكتابة لأتمكن من تسليم المخطوطة في الوقت المحدد، الذي لم أكن قريبة منه على الإطلاق. بطريقةٍ ما وجدت نفسي أفكر مرةً أخرى في القرار الذي قد يعود ليطاردني، وتوصلت بترددٍ إلى استنتاجٍ مفاده أنني أحتاج إلى تفويت بعض المباريات بعد كل شيء.

في إحدى تلك المباريات، التي لم أحضرها، سجَّل جيمس أحد أهمّ أهداف مسيرة حياته في المدرسة الثانوية بضربةٍ رأسيّة في الوقت الإضافي، ليفوز بكأس الدوري. شعرت بالفرح (من أجله) والغضب (على نفسي). لماذا تمتحننا الحياة دائمًا بالمواقف التي نحتاج فيها إلى الحضور في مكانين في وقتٍ واحد؟ لكن في بعض الأحيان، ما يهوّن عليّ الأمر هو معرفة أننا جميعًا نحاول ونفشل، ثمّ ننهض ونحاول مجددًا لأن نكون صادقين مع أنفسنا ومع الأشخاص الذين نحبّهم.

المصدر

مقالات ذات صلة