هناك حقيقة غير أمريكية على ما يبدو فيما يتعلق بأمريكا الحالية، وهي أنه بالنسبة لبعض المجموعات لا يزال الارتقاء في السلم الاجتماعي والحلم الأمريكي موجودين ويسيران على ما يرام، قد يحظر التفوه بذلك، ولكن الحياة التي تعيشها بعض المجموعات العرقية والدينية والقومية أفضل بشكل لافت للنظر من حياة الأمريكيين عامة.
ويكسب الأمريكيون من أصول هندية ما يقرب من ضعف دخل المواطنين (نحو 90 ألف دولار سنويًّا في دخل الأسرة المتوسطة مقابل 50 ألف دولار)، ويعد الأمريكيون من الأصول الإيرانية واللبنانية والصينية من ذوي الدخل الأعلى، في السنوات الثلاثين الماضية، أصبح المورمون قادة الشركات الأمريكية، وشغلوا مناصب عليا في كثير من الشركات الأمريكية الشهيرة، وهذه الحقائق لا تجعل بعض المجموعات “أفضل” من غيرها، ولا يمكن مساواة النجاح المادي بحياة جيدة، ولكن العمى المتعمد عن الحقائق ليس سياسة جيدة.
والتاريخ مليء بقصص النجاح اليهودي الواسع، إذ على الرغم من أن اليهود يشكلون نحو 2% فقط من السكان البالغين في الولايات المتحدة، فإنهم يمثلون ثلث المحكمة العليا الحالية، وأكثر من ثلثي مؤلفي الأغاني والملحنين الحائزين على جائزة توني، ونحو ثلث الحائزين على جائزة نوبل الأمريكيين.
وهذه الحقائق مجرد آثار طبقية، كأن ينقل الآباء الأثرياء المزايا إلى أطفالهم، أو قد يعود السبب إلى توافد المهاجرين الذين يتمتعون بمستويات عالية من المهارة والتعليم، على الرغم من أهمية هذه العوامل، فإنها لا تفسر سوى جزء صغير من الصورة.
غالبًا ما يبدأ رجال الأعمال المورمون الأثرياء اليوم من أصول متواضعة، رغم أن الهند والصين ترسلان أغلب المهاجرين إلى الولايات المتحدة من خلال القنوات القائمة على التوظيف، فإن ما يقرب من نصف المهاجرين الهنود وأكثر من نصف المهاجرين الصينيين لا يدخلون البلاد بموجب هذه المعايير، وكثير منهم فقراء وذوو تعليم سيِّئ، أظهرت البيانات الشاملة التي نشرتها مؤسسة راسل سيج في عام 2013م أن أطفال المهاجرين الصينيين والكوريين والفيتناميين شهدوا ارتقاءً اجتماعيًّا استثنائيًّا بصرف النظر عن خلفية آبائهم الاجتماعية والاقتصادية أو التعليمية.
لنأخذ على سبيل المثال المدارس الثانوية العامة الانتقائية في مدينة نيويورك مثل ستايفسانت وبرونكس ساينس، وهي من أهم المدارس المساهمة في مجموعة جامعات رابطة اللبلاب، بالنسبة للعام الدراسي 2013م، قبلت مدرسة ستايفسانت الثانوية تسعة طلاب سود، و24 من ذوي الأصول الإسبانية، و177 من البيض، و620 من الآسيويين، وذلك استنادًا فقط إلى امتحان القبول الموحد، وكثير من آباء الطلاب الآسيويين من أصل صيني يعملون في المطاعم أو مهاجرين من الطبقة العاملة.
ومجرد التطرق إلى حقيقة أن مجموعات معينة تعيش حياة أفضل من غيرها قِياسًا بالدخل ونتائج الاختبارات وما إلى ذلك، يكفي لإثارة عاصفة في أمريكا اليوم، بل وحتى اتهامات بالعنصرية، والمثير للسخرية أن هذه الحقائق تكشف في الواقع زيف الصور النمطية العنصرية.
هناك بعض المجموعات السوداء واللاتينية في أمريكا ممن لديهم حياة معيشية أفضل من بعض المجموعات البيضاء والآسيوية، يحتَلُّ المهاجرون من كثير من دول غرب الهند وأفريقيا، مثل جامايكا وغانا وهايتي، أعلى سلم التعليم العالي في أمريكا، ولكن قد يكون النيجيريون أبرزهم، ويشكل النيجيريون أقل من 1% من السكان السود في الولايات المتحدة، ولكن في عام 2013م كان ما يقرب من ربع الطلاب السود في كلية هارفارد للأعمال من أصول نيجيرية؛ فأكثر من ربع الأمريكيين من أصل نيجيري يحملون شهادات عليا أو شهادات مهنية مقارنة بنحو 11% فقط من البيض.
لقد ارتقى الأمريكيون الكوبيون في ميامي خلال جيل واحد من الفقر المدقع إلى الثراء النسبي، وبحلول عام 1990م كان الأطفال الكوبيون الذين ولدوا في الولايات المتحدة والذين كان آباؤهم منفيين من موطنهم، وكثير منهم لا يملكون أي شيء عملي أكثر احتمالًا بمرتين من البيض غير اللاتينيين لكسب أكثر من 50 ألف دولار سنويًّا، وأعضاء مجلس الشيوخ الثلاثة الهسبان جميعهم من أصل أمريكي كوبي.
وتمثل بعض المجموعات الأمريكية الآسيوية -الأمريكيين الكمبوديين والهمونغ على سبيل المثال- أفقر المجموعات في البلاد، وكذلك بعض المجتمعات ذات الأغلبية البيضاء في وسط أبالاتشيا.
والأهم من ذلك، أن مستوى المجموعات يرتفع وينخفض مع مرور الوقت، لقد كانت ثروات نخب البروتستانتيين الأنجلو – ساكوسنيين البيض تتراجع منذ عقود. في عام 1960م، ورد أن الجيل الثاني من الأمريكيين اليونانيين حصلوا على ثاني أعلى دخل بين المجموعات التي تُتبعت في التعداد السكاني. غالبًا ما يتبدد نجاح المجموعة في أمريكا بعد جيلين، وهكذا، في حين أن الأطفال الأمريكيين الآسيويين حصلوا بشكل عام على درجات في اختبار الالتحاق بالجامعات الأمريكية أعلى بـ 143 نقطة من المتوسط في عام 2012م -بما في ذلك 63 نقطة أعلى من البيض- وجدت دراسة أجريت عام 2005م على أكثر من 20 ألف مراهق أن الأداء الأكاديمي للطلاب الأمريكيين الآسيويين من الجيل الثالث لم يكن أفضل من أداء الطلاب البيض.
تهدم حقيقة ارتقاء المجموعات ونزولها بهذه الطريقة فكرة “الأقليات النموذجية” برمتها أو فكرة أن المجموعات تنجح بسبب الاختلافات البيولوجية الفطرية، بل هناك قوًى ثقافية فاعلة.
لقد اتضح أنه على الرغم من تنوع المجموعات الناجحة في أمريكا، فإنها تشترك اليوم في ثلاث سمات تعمل معًا على دفع النجاح، وأول هذه السمات هي عقدة الاستعلاء، أي الإيمان العميق باستثنائيتهم، أما السمة الثانية فتبدو عكس ذلك وهي انعدام الثقة بالنفس، والشعور بأنك أو ما فعلته ليس جيدًا بما فيه الكفاية، والثالثة هي التحكم في الانفعالات.
يمكن لأي فرد من أي خلفية أن يتمتع بهذه السمات الثلاث، ولكن الأبحاث تظهر أن بعض المجموعات تغرسها في أطفالها أكثر من غيرها، وأنهم يتمتعون بنجاح أكبر.
من الغريب أن نفكر في أناس يشعرون بالاستعلاء وعدم الأمان في الوقت نفسه، ومع ذلك، فإن هذا المزيج غير المتوافق هو الذي يولد الدافع: الإحساس بأنهم ظُلموا، والحاجة الملحة لإثبات الذات، أضف التحكم في الانفعالات (القدرة على مقاومة الإغراءات)، والنتيجة هي تضحية الأشخاص بالمتعة الحالية سعيًا لتحقيق الإنجازات المستقبلية.
ومن المثير للسخرية أن كل سمة من هذه السمات الثلاث تنتهك أحد المبادئ الأساسية للتفكير الأمريكي الحديث.
نحن نعلم أن ادعاءات استعلاء المجموعة خادعة وخطرة، ومع ذلك فإن كل واحدة من المجموعات الأمريكية الناجحة تعد نفسها استثنائية بالمعنى العميق؛ إذ يعتقد المورمون أنهم “آلهة ما زالوا في طور التشكل” وُضعوا على الأرض لقيادة العالم إلى الخلاص؛ إنهم يرون أنفسهم على حد تعبير المؤرخة كلوديا إل. بوشمان “جزيرة الأخلاق في بحر من الانحلال الأخلاقي”، ويشير خبراء الشرق الأوسط وكثير من الإيرانيين صراحة إلى “عقدة الاستعلاء” الفارسية، وفي عيد الفصح الأول لليهود، يسمع معظم الأطفال أن اليهود هم الشعب “المختار”، وقد يتعلمون فيما بعد أن اليهود شعب أخلاقي، شعب قانون وعقل، شعب ناجٍ.
إن انعدام الثقة بالنفس الذي ينبغي أن يكون أداة للنجاح محرم في الثقافة الأمريكية، فمشاعر النقص سبب للقلق أو حتى العلاج، وتعمد الآباء غرس سمة انعدام الثقة بالنفس في أطفالهم أمر لا يمكن تصوره تقريبًا، ومع ذلك فإن انعدام الثقة بالنفس يترسخ عميقًا في كل مجموعة من المجموعات الصاعدة في أمريكا، ويغرسون هذه الفكرة في عقول أطفالهم بوعي أو بغير وعي.
من بين النتائج الرئيسة التي توصلت إليها دراسة أجريت على أكثر من 5000 من أطفال المهاجرين بقيادة عالم الاجتماع روبين رامبو، هي مدى شعور الأطفال “بالحافز للإنجاز” بسبب شعورهم الشديد بالالتزام بتعويض تضحيات آبائهم. تكشف كثير من الدراسات، بما في ذلك العمل الميداني المتعمق الذي أجرته عالمة الاجتماع في جامعة هارفارد فيفيان لوي، أن الآباء المهاجرين الصينيين يفرضون في كثير من الأحيان توقعات أكاديمية زائدة على أطفالهم (لماذا حصلت على درجة 99 فقط؟)، مما يجعلهم يشعرون أن “حساب الأسرة” يعتمد على نجاحهم.
المصدر: جي لي
على النقيض من ذلك، وُجد أن الآباء الأمريكيين البيض يركزون أكثر على بناء المهارات الاجتماعية وتقدير الذات لدى الأطفال، وهناك فرق شاسع بين عبارة “أنت تعمل عملًا رائعًا، ماما وبابا لا يريدان أبدًا أن تقلق بشأن أي شيء”، وعبارة “إذا لم يكن أداؤك جيدًا في المدرسة، فسوف تخذل عائلتك وينتهي بك الأمر متشردًا في الشوارع”، وفي دراسة أجريت على الآلاف من طلاب المدارس الثانوية، أظهر الطلاب الأمريكيون الآسيويون أدنى تقدير للذات بين أي مجموعة عرقية، حتى عندما حصلوا على أعلى الدرجات.
علاوة على ذلك، يشكل كونك غريبًا عن مجتمع ما -والمجموعات الناجحة في أمريكا كلهم غرباء بطريقة أو بأخرى- في حد ذاته مصدرًا لانعدام الأمان، إذ يشعر المهاجرون بالقلق بشأن ما إذا كان بإمكانهم العيش على أرض غريبة، وغالبًا ما ينقلون شعورًا بعدم استقرار الحياة إلى أطفالهم، ومن هنا ظهر المعتقد الشائع: يمكنهم أن يأخذوا منزلك أو عملك، ولكنهم لن يأخذوا تعليمك أبدًا، لذا ادرس بجدية أكبر. وقد يواجه القادمون الجدد والأقليات الدينية السخرية أو العداء، فقد أفاد الكوبيون الذين فروا إلى ميامي بعد استيلاء فيدل كاسترو على السلطة أنهم رأوا لافتات كتب عليها “لا للكلاب، لا للكوبيين” على المباني السكنية، وخلال الدورة الانتخابية لعام 2012م، كان على طائفة المورمون أن يسمعوا وصف أبناء ميت رومني الأنيقين بأنهم “مخيفون” في وسائل الإعلام، علاوة على عقدة الاستعلاء، فإن الشعور بالتقليل من الشأن أو الازدراء يمكن أن يكون حافزًا قويًّا.
وأخيرًا، فإن التحكم في الانفعالات يتعارض أيضًا مع الثقافة المعاصرة، هناك عدد لا يحصى من الكتب والأفلام التي تشجع على الاستمتاع بالوقت الحاضر، والأشخاص الذين يتحكمون في دوافعهم لا يستطيعون فعل ذلك، تخشى الثقافة السائدة من إفساد سعادة الأطفال بالقيود أو المطالب المفرطة، وعلى النقيض من ذلك، فإن كل مجموعة من المجموعات الناجحة في أمريكا تتبنى وجهة نظر مختلفة تمامًا عن الطفولة، إذ يغرسون عادة الانضباط منذ سن مبكرة، أو على الأقل فعلوا ذلك عندما كانوا في طور النمو.
ولن تكون هذه السمات فاعلة إذا فصلت عن بعضها، فعقدة الاستعلاء وحدها تؤدي إلى عدم المبالاة بتحسين الذات، ومجرد انعدام الثقة بالنفس قد يكون معوقًا، والتحكم في الانفعالات يمكن أن ينتج الزهد، فلا بد لهذه الصفات أن تكون مجتمعة لكي تولد الدافع وما أسماه توكفيل “التوق إلى الارتقاء”.
ومن الواضح أن المجموعات عالية الإنجاز لا تغرس هذه الصفات في أعضائها جميعهم؛ إذ ليس عليهم أن يفعلوا ذلك، إذ قد تحقق ثقافة فيها 4 متفوقين من أصل 10 نجاحًا غير متناسب إلى حد كبير إذا كان المتوسط المحيط بها (متفوق واحد من أصل 20).
ولكن هذا النجاح له ثمن، فلكل من هذه السمات الثلاث عواقبها الخاصة، يمكن أن يؤدي التحكم في الانفعالات إلى تقويض القدرة على تجربة الجمال والهدوء والفرح العفوي، ويشعر الأشخاص الذين لديهم انعدام بالثقة بأنهم ليسوا جيدين بما فيه الكفاية، تتذكر الروائية إيمي تان: “لقد نشأت وأنا أفكر أنني لن أرضي والدي أبدًا، وهذا شعور فظيع!”، تشير الدراسات الحديثة إلى أن الشباب الأمريكيين من أصول آسيوية يعانون من معدلات أعلى من التوتر (ولكن على الرغم من التقارير الإعلامية التي تشير إلى عكس ذلك، فإن معدلات الانتحار لديهم أقل).
ويمكن لعقدة الاستعلاء أن تكون أكثر شناعة، فقد كانت ادعاءات سيادة المجموعة مصدرًا للقمع والحرب والإبادة الجماعية عبر التاريخ، ومن المؤكد أن عقدة الاستعلاء الجماعية تبدو على نحو ما أقل بشاعة عندما تستخدمها أقلية خارجية بوصفها درعًا ضد تحيزات الأغلبية وعدائها، ولكن الاعتزاز العرقي أو الاندفاع الديني يمكن أن يتحول بسهولة إلى تعصب بحد ذاته.
وحتى عندما تعمل هذه السمات الثلاث معًا بشكل سليم نسبيًّا بوصفها محركًا للنجاح، يمكن أن يحاصر الأشخاص، وذلك بسبب نوع النجاح الذي يعززه. يمكن للأفراد الذين يسعون جاهدين لتحقيق النجاح المادي أن يركزوا أكثر من اللازم على المكانة والمال، ويهتموا أكثر من اللازم بالتدابير الخارجية المتعلقة بقيمتهم الخاصة.
ليس من السهل على الأقليات في أمريكا أن تحافظ على عقدة الاستعلاء، فقد بذلت أمريكا في معظم تاريخها ما في وسعها كله لفرض الدونية على الأقليات غير البيضاء، وخاصة سكانها السود، وقاوم الأمريكيون من أصل أفريقي مرارًا وتكرارًا هذه الدونية، ولكن إرثها لا يزال قائمًا.
إن أمريكا السوداء بالتأكيد ليست شيئًا واحدًا: “ليست شيئًا واحدًا أو عشرة أو عشرة آلاف شيء”، كذلك كتبت الشاعرة والأستاذة في جامعة ييل إليزابيث ألكسندر، هناك عائلات سوداء في الولايات المتحدة تحتل كل منصب اجتماعي واقتصادي ممكن، ولكن شون كومز “ديدي”مغني الراب ومنتج التسجيلات ورجل الأعمال تحدث بلا شك باسم كثيرين عندما قال: “إذا كنت تدرس تاريخ السود، فقد يكون سلبيًّا للغاية كما تعلمون، كنا عبيدًا، ثم جلدنا ورُششنا بخراطيم المياه، وهناك أيضًا حركة الحقوق المدنية، وكنا رجال عصابات أمريكيين. أتوق لأن يرَوا نجاحنا”.
لا تحدد الثقافة كل شيء أبدًا، إذ يستطيع الأفراد تحدي الثقافة المهيمنة وفعل ما يرغبون به، كما فعل السيد كومز نفسه. يمكنهم خلق روايات فخر تدحض الروايات الرئيسة لمجتمعهم، أو تغير تلك الروايات. في أي عائلة، يستطيع أحد الوالدين أو الجد أو حتى المعلم القوي بشكل غير عادي أن يغرس في الأطفال كل واحدة من السمات الثلاث الأساسية، ويكون الأمر أكثر صعوبة عندما يتعين عليك فعل ذلك بمفردك، وعندما لا تتمكن من الاعتماد على الموارد الثقافية لمجتمع أوسع، وعندما لا يكون لديك قدوة أو تشجيع من الزملاء، فتضطر يوميًّا لمواجهة الصور السلبية لمجموعتك في وسائل الإعلام.
ولكن من السخافة أن نقترح أن الافتقار إلى عقدة الاستعلاء الجماعية الفاعلة كان السبب وراء الفقر غير المتناسب بين الأمريكيين من أصل أفريقي، ولا نحتاج لتكرار الأسباب الحقيقية وراء ذلك، والتي تتمثل في: العبودية، والتمييز المنهجي، وفشل المدارس في التدريس، وعدم رغبة أرباب العمل في ترقية موظفيهم، والأمهات العازبات وحقيقة أن ما يقرب من ثلث الشباب السود في هذا البلد في السجن، أو في انتظار المحاكمة أو تحت المراقبة أو الإفراج المشروط، كذلك فإن الافتقار إلى سرديات الاستعلاء الجماعي لا يمنع أي فرد أمريكي من أصل أفريقي من النجاح؛ فهو بسهولة يخلق عقبة نفسية وثقافية إضافية لا يتعين على المجموعات الناجحة في أمريكا التغلب عليها.
وفي الوقت نفسه، إذا تعلم أعضاء المجموعة ألَّا يثقوا بالنظام، وإذا كانوا لا يعتقدون أن الأشخاص مثلهم يمكنهم فعل ذلك، فلن يكون لديهم حافز كبير للسيطرة على الانفعالات. أعاد الباحثون في جامعة روتشستر مؤخرًا إجراء اختبار المارشملو الشهير بشكل جديد، إن الأطفال الذين وُعدوا بأمر لم يتحقق في البداية -إذ وعدهم الكبار بمجموعة ألوان جديدة للعب بها، ولكنهم لم يفوا به قط- كانوا “يفشلون” في الاختبار دائمًا تقريبًا (أكلوا أول قطعة مارشملو بدلًا من الانتظار 15 دقيقة للحصول على قطعة ثانية حسب ما وُعدوا)، على النقيض من ذلك، عندما نفذ البالغون وعدهم، اجتاز معظم الأطفال الاختبار.
ويمكن للعوامل نفسها التي تسبب الفقر: التمييز، والتحيز، وتقلص الفرص أن تستنزف من مجموعة القوى الثقافية التي تدفع النجاح، وبمجرد أن يحدث ذلك، يصبح الفقر أكثر رسوخًا، في هذه الظروف، يتطلب الأمر قدرًا أكبر من العزيمة والقوة الدافعة وربما شخصًا استثنائيًّا لتحقيق النجاح.
وبطبيعة الحال، يمكن لأي شخص ولد وفي فمه ملعقة من ذهب أن يصبح ثريًّا من دون عمل شاق أو انعدام الثقة بالنفس أو الانضباط (على الرغم من أنه إذا استمرت المجموعة بنقل ثروتها بهذه الطريقة، فمن المرجح أن تتجه نحو الانخفاض)، ومن الواضح أنه في مجتمع يعاني من صعوبة التغير الطبقي المتزايد تسهم الثروة الأبوية في نجاح الجيل القادم.
ولكن أحد الأسباب التي تجعل المجموعات التي تتمتع بالسمات الثقافية التي وصفناها متفوقة في الولايات المتحدة اليوم يكمن في العوامل نفسها التي تعمل على تقليص الفرص المتاحة لكثير من فقراء أمريكا، ويشكل اختفاء الوظائف العمالية والعائدات الكُبرى على التعليم العالي التنافسي الزائد مزية للمجموعات التي تنتج بشكل غير متناسب أفرادًا مدفوعين للتفوق والتضحية بالرضا الحالي من أجل مكاسب طويلة الأجل، وخصوصًا في سن صغير.
ولحسن الحظ، النجاح غير المتناسب لهذه المجموعات ليس ناتجًا عن جينات سحرية، وليست نتيجة “ثقافة التعليم” التي يبلغ عمرها 5000 عام والتي لا يمكن الوصول إليها إلا من قبلهم، وبدلًا من ذلك، فإن نجاحهم مدفوع بشكل كبير بثلاث سمات يسيرة متاحة لأي شخص.
إن السبيل لتطوير مجموعة السمات هذه هو العزيمة، وهذا لا يعني أن الأمر سهل أو أن الجميع قد يرغب في تحقيقه، يتطلب الأمر تحويل القدرة على العمل الجاد والمثابرة والتغلب على الشدائد إلى مصدر للاستعلاء الشخصي، هذا النوع من عقدة الاستعلاء لا يقتصر على العرق أو الدين، بل هو مصدر الفخر الذي يكتسبه الإنسان بقوة إرادته.
ولنتأمل هنا قصة سونيا سوتومايور التي ولدت لأبوين بورتوريكيين مكافحين، فقد كتبت في سيرتها الذاتية المؤثرة بعنوان My Beloved World أن والدها كان مدمنًا على الكحول، وكانت “طريقة والدتها في التأقلم هي تجنب البقاء في المنزل” معه، ولكن القاضية سوتومايور التي أعطت لنفسها جرعات أنسولين مؤلمة لعلاج مرض السكري ابتداء من سن الثامنة تقريبًا، كانت تتصف بـ”المثابرة”، فلم تكن في الأصل طالبة متفوقة، ولكنها فعلت “شيئًا غير اعتيادي للغاية” في الصف الخامس، إذ اقتربت من واحدة من أذكى الفتيات في الفصل “لتسألها عن كيفية الدراسة”، وسرعان ما حصلت على أعلى الدرجات، وبعد بضع سنوات تقدمت بطلب إلى جامعة برينستون، على الرغم من أن مستشارها الأكاديمي نصحها “بالكليات الكاثوليكية”.
المغزى من هذا المثال ليس أن من السهل التخلص من الفقر في أمريكا، على العكس من ذلك، توضح قصة القاضية سوتومايور مدى الاستثنائية الذي يجب أن يتمتع بها الشخص للتغلب على الصعاب التي تواجهه.
ولكن الأبحاث تظهر أنه يمكن تعليم المثابرة والتحفيز، خاصة للأطفال الصغار، وهذا يدعم أولئك الذين يزعمون أن الأموال المخصصة لتعليم الفئات المحرومة من الأفضل إنفاقها على التدخل في مرحلة الطفولة المبكرة، بدءًا من سن ما قبل المدرسة، عندما يكون الأطفال أكثر استعدادًا للتكوين، كما يرى رجل الاقتصاد الحاصل على جائزة نوبل جيمس هيكمان.
وقد وُلدت الولايات المتحدة نفسها كأمة بثلاث سمات، إذ تؤمن بشكل كبير باستثنائيتها، ولديها رغبة ملحة في إثبات نفسها لأوروبا الأرستقراطية (إذ أرسل توماس جيفرسون جثة عملاقة من حيوان الموظ إلى باريس لإثبات أن حيوانات أمريكا أكبر من حيوانات أوروبا) والتشدد في التحكم في الانفعالات.
ولكن الرخاء والسلطة كان لهما تأثيرهما المتوقع، الأمر الذي أدى إلى تآكل حالة انعدام الثقة بالنفس وضبط النفس التي أدت إلى نشوئهما، وبحلول عام 2000م، كان ما تبقى كله هو عقدة الاستعلاء لدينا، والتي كانت في ذاتها مجرد تبجح، تعمل على تغذية ثقافة الاستحقاق والإشباع الفوري، وعلى هذا فإن التجارب التي شهدتها الأعوام الأخيرة: الحروب التي لم ينتصر فيها، والانهيار المالي، وصعود الصين كان لها على نحو معاكس تأثير مفيد: عودة انعدام الثقة بالنفس.
إن أولئك الذين يتحدثون عن “انحدار” أمريكا تَغيب عنهم هذه النقطة المهمة، لقد كانت أمريكا دائمًا في أفضل حالاتها عندما كان عليها أن تتغلب على الشدائد وتثبت همتها على الساحة العالمية، وبصرف النظر عن النتيجة، تتاح لها هذه الفرصة مرة أخرى اليوم.
